علي الشباني

زهرة الصبار النابت في أقصى الفرات

 

زهير كاظم عبود

 

في مدينة مثل الديوانية تزهو بشبابها الملتزم ليس فقط بأعراف وتقاليد المدينة الصغيرة  الفراتية  والفقيرة  ، أنما كان شباب المدينة منخرطين في العمل السياسي منذ باكورة تأسيس الحركات السياسية في العراق  مما ولد لديهم من الوعي السياسي والثقافة السياسية مايفيض عن سعة مدينتهم ، مايسجل للديوانية أنها أنجبت العديد من القادة الميدانين والعوائل التي ضحت من أجل قيم وأهداف العراق ، ومايسجل للديوانية بفخر ذلك التآلف والمحبة والأواصر والعلاقة الحميمة  التي تربط اهلها ، وكأي مدينة فراتية تكتظ بأحياء الفقراء الشعبية ، ويتباهى رجالها بشعرائها القريض منه والحر والشعر الشعبي بألوانه   ،    خرجت من رحم المدينة العديد من الأسماء الشعرية اللافتة للنظر ،وليس فقط الأجتماعات السياسية والتجمعات الثقافية ، وليس فقط التظاهرات المعادية للأستعمار والمطالبة بشعارات وطنية ،   وليس فقط مجتمعها الهاديء والطيب ورجالها المتميزين بحكمتهم وحنكتهم ، وليس فقط في تواضع بيوت أغنيائها ، وليس فقط في تباهي المدينة بمن يتميز من أولادها دراسياً وسياسياً ووظيفياً  ولافي مقاهيها التي صارت منتديات سياسية وأجتماعية ، فمدن الفقراء لاتملك سوى أن تتباهى أنها تلد من رحمها الفقير هذه النماذج المفعمة بالعطاء والتواضع والطيب ، فقد كانت نوادي المدينة تزهو ليلاً وتقابلها تجمعات دينية وسياسية وثقافية تلم البقية من رجالها ، وتميزت الديوانية بشخصيات فلكلورية شعبية أضافت البسمة على محنتها وبددت شيئاً من محنة فقرائها حين برزت شخصيات كالعبدو وعبد اللي وابراهيم الأعور وخنياب والدكتور شناوة وغيرهم من النماذج البسيطة والفقيرة الذين سيبقون في ذاكرة المدينة  ، ولهذا بقيت المدينة تزهو بناسها وليلها المتميز بين مدن الفرات ، أذ تلبس حلة زاهية حين يتغنج شط الفرات وسطها يطرز جسدها الترف  ، وصارت الديوانية بالرغم من كونها كانت تغطس بماء الفرات الذي يغمر جسرها الخشبي العتيق عند اول زخة مطر شتوية  ، وبالرغم من رداءة الخدمات التي تؤديها الحكومة لها ، فقد عاصرت المدينة العمل السياسي وتقدم أولادها  الى المجالس العرفية ومحاكم أمن الدولة والمحاكم الخاصة  ، وأنتشر شبابها في غياهب السجون بين السلمان والكوت وديالى والبصرة والحلة  ، وسيق العديد من شبابها الى الخدمة الألزامية بعد فصلهم من الدراسة وصعد العديد من اولادها المشانق وتنكب العديد منهم السلاح في كردستان ليكتبوا عن  طهارة العراق  ، ومع كل هذا بقيت المدينة متماسكة وحميمية ودافئة ويتابع شبابها بعضهم البعض ، وبقيت المدينة تحيا بهدوئها المعتاد ، وفي ليلها السامر برزت بعض الأصوات الشعرية الواعدة وأحاطها الناس في جلساتهم يستمعون الى الأشعار الجديدة والقصائد السياسية المعبرة عن محنة العراق  ، وبالنظر لكون الشعر الشعبي لغة الشعب وثقافة الشارع الفراتي ، أنتشرت قصائد عديدة لأسماء متميزة من شعراء الديوانية كحسن الشيخ كاظم وعلي جاسم الحمد وصاحب الضويري وغيرهم من شعراء الشعبية  ،  و حتى حل الزمان الهجين حين راح يلاحق المبدعين والمثقفين والوطنيين من أبناء هذه المدينة التي كانت تدعى بحق (( زهرة الفرات )) فأحالها الى مدينة بائسة مهملة وحزينة تخلو من كل النوارس التي كانت تضيء ايامها ولياليها ، ثم أجهز عليها ليجعلها صامتة صمت القبور حتى سقط النظام الدكتاتوري لتستعيد انفاسها .

ومن بين الأصوات الدافئة والجميلة برز صوت الشاعر علي عبد الحسين الشباني الذي تميز بجملته القصيرة والعميقة في الشعر ، كما أشتهر بقصائده الجميلة والحديثة التي تناقلتها الأفواه وحفظها الشباب يرددونها في مجالسهم ويكتبونها على العراق يتبادلونه مع بعضهم  .

كان (( ابا صمد )) رمزاً من رموز المدينة التي تفتخر بأنتسابه اليها ، وكان الشاعر العراقي علي الشباني ممن لم يرضخ للتهديد ولا أنصاع للتخويف ولاجنح للترغيب ، ولم يكن من النوع الذي تهزه أقوال جلاوزة الأمن وأنكشارية الحزب البائد ، وبالرغم من الأستدعاءات المتكررة الى دوائر الأمن والحزب ، وبالرغم من الضغوط التي مارسها الأوباش عليه وعلى مورد رزق عائلته ومحاصرته ، الا أن علي الشباني بقي صامداً وصلباً بشكل اعجز الجهات الأمنية وجعلها يائسة من أستمالته أو تحييده على الأقل .

والشاعر علي الشباني من رواد حركة التجديد في الشعر الشعبي يقف الى جانب عزيز السماوي وعريان السيد خلف وابو سرحان وكاظم الركابي  وزهير الدجيلي  وطارق ياسين ، ويتصف شعر الشباني بالجملة الشعرية البسيطة والممتلئة بالمعاني والمواكبة للمتغيرات السياسية والأجتماعية .

(( جم عمر ينراد للماشاف صبحية بحياته

وجم عمر ينراد للباجر مماته ))

وصاحب ديوان (( ايام الشمس )) الذي بهرنا بقصائدة وتصويره لمواجع الأنسان ومحنة الوطن لم يتوقف عن العطاء بالرغم من عجزه عن تخليص نفسه من بقاءه مقيداً تحت سلطة الطاغية وتجميده موظفاً في مصلحة المبايعات الحكومية ، الا أن علي الشباني المتألق يقول :

(( لودرة البلبل بواجيه غنه ...

يبلع لسانه ويموت ))

وعلي الشباني صاحب الموقف الصلب وأبن المدينة التي تفتخر بأسمه والذي تحدث عنه الكاتب سالم الفرات مثلما كتب عن رفيقه وصديقه الشاعر الراحل عزيز السماوي الذي استعجل الرحيل قبل أن تكتحل عيونه المتعبة بالقضاء على الدكتاتورية في العراق  .

علي الشباني الذي يقول في قصيدة يختزل فيها الزمن المرير بعنوان (( وحشة )) .

(( أمي شكت الزيج والعباس

يمه أنداس شيب الراس

يمه ضعضعني الدهر ، ماواحد من الناس

مد نخوة لكلب وهواس

يمه عيب نعيش طركاعة الوكت

غيرة وغفت

غيرة وغفت .  ))

عالج الشباني العديد من الأحداث والقضايا التي تهم الأنسان ، وشارك الشاعر عزيز السماوي والشاعر طارق ياسين في أصدار مجموعة شعرية تضم قصائدهم التي بدت اكثر رونقاً وأصالة واقترابا من هموم الناس .

يقول عنه الشاعر عبد الكريم هداد في  كتابه مدخل الى الشعر الشعبي العراقي .

(( لقد كان الاحساس بالواقع هو المضمون الحقيقي في الشعر الحقيقي عند جيل الستينات الرواد ، فقد فتحوا مساحة واسعة الأمتداد والحركة ، تحركت فيها القصيدة الشعبية بكل حرية في الأستكشاف والرصد ، والأسترسال الشعري الذي مازالت القصيدة الشعبية العراقية الى الان تتواصل في منوال شكلها وتراكيبها ولغتها عليه ، لتتولد حركة الشعر الشعبي الحديث التي جاءت باساليب فنية حديثة ومضامين انسانية بلغة تفجر فيها اللون والحركة ، واصبح الشاعر ينهل دوما من الحياة دلالاتها الكثيرة ، في وقفة متأمل خلال قصيدة شعبية اقل انفعالية في عاطفيتها واعمق وعيا وشمولية واكثر تجدرا في انسانيتها ، ومن هؤلاء الشاعر علي الشباني . ))

(( دك باب روحي شمس  ... وأرسم بطولك فيُ

مرسوم فوك الهوا

مطبوع فوك الكلب

مكتوب فوك المي ُ .... ))

وكتب الشباني للأنسان وللفرات ولأزقة المدينة وللغجر الذين ينتشرون بين ضلوعها ولمدن الجنوب المزدحمة بالطيب والفقر والحمام ، ولحزن الناس حتى في فرحهم وأعيادهم ولظفائر الحلوات .

مثلما غنى للنخل ولقطار الليل البعيد  .

(( شعرك بالمحن ينهض بيانات ورفض – وخوفك يلبس ال ( 200 ) يتحول مشانق للسفر وتخاف – وي روح العراق سنين – دور روحك بيا دار مهجورة - ...

حالي لاتنشد عليه – كل سؤالي شلون حالك – غربتك تحفر بروحي ويعبر الهم والقطاريعبر الليل ويطول – ينشر الدخان روحي بكل بلد سكة طويلة – كل قطار يمر عليها ... ))

وبقيت الديوانية حاضرة في ضمير الشاعر المتألق الذي بقي صلباً لم تزحزحه الأيام ولاهزته رياح الزمن السلطوي الفاشي  .

بقي علي عبد الحسين الشباني رمزاً من رموز المدينة الممتلئة بالطيب والشعراء والحب والفقراء ، مثلما كانت تمتلأ بشخوص طيبة وطريفة ملأت تاريخها حكايات يتندر بها الجيل الذي يعيش فيها بعد أن أستطاعت الديوانية أن تكتب أسمها بجدارة من خلال أولادها وطيبتها المتناهية .