الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html
يوميات بغدادية - ياسين النصيّر
 
 
في كانون الثاني / يناير 1991 ، وفيما كانت قوات التحالف تباشر قصف بغداد، قررت الفنانةالعراقية نهى الراضي أن تسجل يوميات الحياة كما عاشتها ويعيشها المحيطون بها: الضجيج، الأقذار، الشك، اليأس، والخوف هذا ما قاله الناشر عن يوميات نهى الراضي، لكن اليوميات تفصح عن جوانب أخرى أكثر مأساوية ، تلك الجوانب المتعلقة بالأرض التي تعمل بها نهى وتستطلع مخزونها وتبحث عما في داخلها كما لو كانت روحا عراقية مدفونة في الأعماق فيأتي القصف ليغمرها بويلاته فيبعدها إلى أعماق ابعد بكثير من أن تطالها يد معول أو فن.
    .     تبقى الحرب التي خاضها العراق مع إيران والكويت ميدانا للكثير من البحوث والكتابات القصصية والشعرية، وأخيرا ظهر فن كتابة اليوميات ، هذا النمط من الكتابات الذي فرضته الحياة الحديثة بتشعباتها ومواقفها المتغيرة على عدد من الكتاب كي يقولوا فيها مشاهداتهم وما عاشوه وسمعوه. يكشف عن رؤية أخرى غير تلك التي يضخها الأعلام لنا. وحرب مثل التي حدثت بين العراق وبلدان مختلفة، وفي سنوات متقاربة، على العكس من الحروب في العالم،  تفرض بالضرورة على الكتاب والمؤلفين أن يقولوا رأيهم من خارج الكتابات الرسمية، أو ما يقوله الأعلام والصحف الحكومية أو الحزبية المعارضة.  فالحقيقة التاريخية لا يمكن لجهة واحدة أن تستوعبها.. من هنا تأتي أهمية اليوميات في الكتابة عن أحداث متغيرة وآنية متسارعة. و" نهى الراضي " الفنانة والمهندسة المعمارية ، كانت يومياتها عن الحرب ، يوميات عن ما لحق بالمكان العراقي كله ،ثم كانت عن ما لحق النفس العراقية من خراب وتفتت وإعياء وأثقال وأفكار مشوشة.  والعيش تحت وابل القصف اليومي ، يعني أن لا تفكر إلا في استنهاض غريزة الحياة فينا، ونهى كانت تدفعنا بيومياتها إلى أن نستعيد تلك الغريزة التي حاولت المدافع والطائرات  والسفن المدججة ،ومن كل جهة  من جهات العالم ،غمرها في الوحل اليومي للأحداث. كانت نهى  الراضي ، شاعرة ، وفنانة شعبية،  وامرأة بحس مرهف في التقاط الثانوي من اليومي العابر. كانت تمتلك عينين ثاقبتين في تجسيد ما هو غريب وشاذ ومألوف ونادر فيما يحيطها من أشياء وأفعال.، ففي البساطة تمكن كل اللغة الشعرية الجميلة التي تخاطب بها كل الناس، البسيط منهم والمثقف، ولغة نهى الراضي  لا تحتاج إلى قواميس كي نكشف ماذا تعني، بل تحتاج إلى استعادة تفاصيل ما كنا نعيشه تحت القصف اليومي .                    
عينان متجولتان في ربوع البيت والأشياء والأحياء، عينان تطلان من النوافذ المغطاة بالبلاستيك والنايلون  لتستطلع ما يحدث في الجو وعلى الأرض، وفي الجوار، مقارنة بين ما كانت عليه في الأمس، وما هو عليه اليوم بعد هبةّ قصف صاروخي أو من الطائرات.
       من خلال زيارات بسيطة لامرأة في الجوار أو لصديقة تطرق الباب خائفة أو مستجيرة، أومن خلال رؤية لحارس الحديقة  وهو يقرن بين تربة الأرض ووجوه الناس، ترسم نهى الراضي صورة لمشهد يومي يعيش في الدمار. وكأن الجحيم نهض من أعماق الأرض ليعايش الناش في بيوتهم وأعمالهم وحركاتهم.  كانت نهى حاضرة ، يقظة، مستفزة قلقة، تحسب للريح  المحملة بالدخان الأسود حسابها، وللماء الشحيح عن البيوت حسابه، وللغة الجند والجيش الشعبي المبهمة والمتغيرة وغير المستقرة على قناعة ما حسابها. أنها إذ تؤلف نشيدها المرّ اليومي البسيط،  تقول من خلاله لنا أن ما حدث، ويحدث على أرض الحضارات التي أهدرها حكامها وجعلوها لقمة سائغة للجيوش وللطائرات ولأقدام الجواسيس والمرتزقة في عالم اليوم من تجار الأسلحة والحروب، ، هو من صنع أيدينا ، نحن الذين سرنا وراء غفلة زمن بغيض، زمن انتهى في أوربا منذ قرون، بينما ما يزال ينمو في الشرق المتخلف مع إننا في  نهاية القرن العشرين،  هو زمن الحكام المستبدين، أولئك الذين ما أن يسمعوا كلمة الديمقراطية حتى يتحسسوا مسدساتهم.
                 وها نحن بعد عشر سنوات من انتهاء الحروب، ما يزال العراق يحصد الويلات تلو الويلات، ليس بسبب الحصار الاقتصادي  فقط، بل بسبب مصادرة حقوق الإنسان.
             
         ميزة هذه اليوميات أنها صادقة وصدقّها يحولها إلى وثيقة، فقد كانت نهى الراضي في بغداد الأيام كلها ، ومن هناك كانت تفتح عينيها على المشهد اليومي كله.
            ولليوميات  التي تكتب عن الأحداث الكبيرة، فعل مركب، فهي  بين أن يكون الكاتب يقظا  لنفسه  في ساعات القصف فيكتب عما تشاهده ، أو بين أن يتأمل  ما يحدث في الغد، وعندئذ لا معنى لكتاباته الآنية عما يشاهده ويحس وينفعل به. فمن النتائج  غير المحسوبة لنا نحن كتاب يوميات الحرب،  والتي من الممكن أن تحدث، هو أن تقع هذه اليوميات في يد الجيش الشعبي ،الذي يداهم البيوت في كل حين، أو أن تخطئ من تتحدث إليه عما تتصوره من أفكار ، ثم لا تعرف مصيرك بعد ذلك.
          كانت الحرب قاسية ليس بما نشاهده أو نسجله من أحداث وتصورات، بل أن قسوتها تصل إلى أنك تخشى الحديث مع زوجتك حتى في الفراش؟!! ، ناهيك عن  أحاديث الناس أو تصرفاتهم ، وأنت لا تعرف هل يحسب تصرفك هذا لصالحك أم ضدك. نهى الراضي كانت أكثرنا اطمئنانا يوم كتبت بعض  يومياتها في بغداد. أولاً لكونها أنثى لا تطالها أقول الجند، ولا تطلب للخدمة العسكرية. وإن حدث لها ما يضّر اختفت تحت دثار العشيرة والوظيفة والمهنة والعلاقة ، والصداقة والمعرف، أما إذا كان الكاتب ذكرا، وممن لهم مواقف معرضة سابقة، عليه أن يحسب للأمر ألف حساب.
            في مرات عدة، وبعد أن انتهت الحرب ، قرأت عشرات الصفحات لعراقيين لم يمارسوا مهنة الكتابة يوما، لكنهم ما إن دخلوا الحروب حتى بدءوا يكتبون، قلت ، أن الكتابة فعل تحريضي، ومن خلالها نطل على عالم مسكون بالرغبة المبهمة، هي جزء من الطاقة المبهمة في الإنسان، الطاقة  المختبئة في الأعماق، لا تظهر إلا متى ما داهمها خطب عظيم، وهذه اليوميات الممتلئة باللغة المفهومة كانت عبارة عن انثيالات إنسان لا يعرف ما معنى الموت بدون أن تكون الحياة كريمة، تلك هي نهى الراضي. نقرأ منها:
اليوم بشع بقدر ما كان الأمس،جميلا. ضباب ودخان، يوم مثقل بخليط من الضباب ودخان الغارات الجوية. الله يعلم ماذا يحرقون. إنها ساعة الظهيرة، وخمس غارات جوية حتى الآن، سعالي بسبب التهاب القصبة الهوائية لن ينتهي. ويعني هذا أن الهواء مشبع بهذا الهباب. يستطيع المرء عمليا أن يرى فرط كثافته، ناهيكم عن استنشاقه، تخيلوا كيف تبدو رئاتنا الآن. كم هيروشيما حتى الآن؟ " تيم ليون" يقول إن العراقيين سلمّوا بمصيرهم، وهذا صحيح . فنحن فقط ننتظر- بضعة أيام، بضعة أسابيع . بين بوش وأمير الكويت موعد على الفطور في الكويت في الخامس والعشرين. حسناً ، أنه الخامس والعشرون ولّما يفطروا معاً. عزاء صغير."
بهذه اللغة الشعرية البسيطة تسجل نهى الراضي يوميات أعنف حرب في نهاية القرن العشرين ومن خلالها تطل على عالم العراقيين الواسع، الذي لا يتكشف لها إلا من خلال ممارسات بصرية وأقوال وأخبار وقراءات ومشاهدات بسيطة، إذ ليس بإمكان أحد أن يتنقل كثيرا في النهار القصف وفي الليل المدجج بالأسلحة، كنا نتجول ببطيء بين سوق الشورجة وبيوتنا ، نجلب ما نحتاج للمؤن اليومية ونرى عن قرب ما يحدث على أرض بغداد، أما محافظات القطر فلا أخبار عنها أو منها، كل الذي يصلنا من خلال إذاعات الآخرين تنبئ عن انسحاب أو تراجع، أما الأمهات، الآباء فقد أقتعدت أعينهم النوافذ وألسنة القادمين بانتظار أبنائهم أحياء عائدين من جبهات القتال.
" سهير تقول إن الكثير من الذين أعمارهم بين 16-18 سنة يُنقلون إلى المستشفى لإصابتهم بنوبات إغماء أو أنهم في غيبوبة ثم يموتون في غضون يومين أو ثلاثة أيام. أثر آخر من الآثار الناجمة عن الحرب؟"
بعد أن كتبت نهى يومياتها غادرت العراق، وفي الخارج أكملت هذه اليوميات، قرأت منها فصلا في مجلة " أبواب" قلت لقد أفلحت نهى في اصطياد اللحظة المناسبة للقول. وفي الخارج بعد أن منحت جواز سفر ببصمتها وليس بتوقيعها، كتبت تقول:
" قال حمزة إن المرء خارج وطنه لا شيء، وأن الحاجة إلى تذكر مشاهد وروائح وأجواء محددة من الماضي تبقى دائماً ملازمة للمرء، ولكن هذه الخصوصيات لم تعد موجودة . لقد أقصى المرء نفسه عنها- لكنه ما زال يواصل النظر إلى الوراء"
    وتقول في مكان أخر وبلغة أخرى
          " مخرج هولندي اتصل بي تلفونياً اليوم " 21 كانون الثاني / يناير" قرأ يومياتي البغدادية"  واتصل بسول وقال أنه يريد أن ينتج فليماً تسجيلياً عن الفنانين العراقيين. يسأل ، هل تعلمين على أي شيء فني؟ فأقول بالكاد لديّ وقت بين تصليح السيارة وتصليح أضراسي وبيت الخلاء، والركض عموما مثل دجاجة بلا رأس بدا مهتما في كل الأحوال- سيكون ذلك تسلية وتغييرا."
كم تقف يوميات نهى الراضي على الجوانب العاطفية والإنساني التي تمر بها وتكشف عن تفاصيلها فقط، بل كانت تطل من خلالها على أحوال بلد منهد، ومنطقة ستتغير، وناس افتقدوا لأبسط حقوق الإنسانية، هذه اليوميات وسواها ستكون الوثائق الأكثر صدقا في الإنتاج الأدبي لجيل من الكتاب تفجروا في لحظات صمتهم ونطقهم بما هو غير مألوف في الكتابة. أعني كتابة اليوميات .