الوجه الحقيقي للتمدن... مدينة
" استانبول" نقطة هدف بعيون شرقية وغربية
الدكتور توفيق آلتونجي

http://altonchi.blogspot.com/
ليست هذه المرة الاولى وربما ليست بالاخيرة كذلك التي ازور فيها
مدينة الثقافات المتعددة ومركز الثقافة والفن العالمي مدينة "برلين "
حيث زرتها منقسما واعدت الزيارة بعد اندماج جزئيها الشرقي والغربي
حيث لي ذكريات في كلتا الجانبين وسوف ااتي في كتابة قادمة شارحا
تفاصيلها لك قارئي الكريم جوانب ثقافية مهمة في هذه المدينة التي
تنفض التراب اليوم من جنباتها وترمم جراحاتها التي تركها الزمن عبر
الحروب والنزاعات والاف القنابل التي تركت المدينة يوما كمدن الاشباح
خراب مدمرة.
هاتفني الفنان "سركوت زندي" ليصطحبني مع المصورة العالمية:
Angela Bergling
الى بناية مارتين كروبلوس باو التاريخية الواقعة في:

© Roman März
Martin-Gropius-Bau (Niederkirchnerstraße 7, 10963 Berlin
والتي
تستخدم قاعاتها واروقتها اليوم عادة كمعارض للفن التشكيلي هذه
البناية التاريخية تواجه جدار برلين الذي ازيل مع وحدة دولة المانيا
الشرقية الديمقراطية مع المانيا الغربية عام 1989 ولا تبعدها عن اثر
مكان بناء الجدار سوى بعض الامتار والجدير بالذكر ان المرء يمكنه
اليوم مشاهدة بقايا الجدار ولعددة امتار وربما احتفظ بها للذكرى
ولعيون السياح المتطفلين وهناك على جانب الطريق بقايا احد تركات
النازية المشئومة حيث محكمة الجستابو اي الشرطة السرية النازية ويمكن
ملاحظة الاقبية واماكن التعذيب ومشاهدة هول الماساة الانسانية التي
جرت على تراب هذه المدينة العريقة قب وابان الحرب العالمية الثانية
حيث ساد الفكر النازي لقومي حارقا الاخضر واليابس على المعمورة.
المعرض الذي انا بصدده يتدرج ضمن مشروع ثقافي طموح لعرض التطورات
والنمو العشوائي للمدن ذلك النمو الذي لا يمكن التحكم به من ناحية
تخطيط المدن في عواصم الكبيرة كالقاهره ومكسيكو ستي والمشروع هو
المعرض الاول ضمن ثلاثية تم التخطيط لها كي تعرض خلال السنين القادمة
التي وبمرور الزمن تتحول الى خطر على الانسان نفسه وصحته النفسية
وتتحكم باسلوب حياته مضيفا اليها هموم جديدة كخطر الاجهاد والتلوث
وفقدان السيطرة على الوقت في تسارع الحوادث وتحول البشر الى مجرد
بيادق لا روح فيها تتحرك في تلك المدن الغوليه كانها اسراب من النمل.
هذه اللوحة العجيبة يقوم اليوم بعرضها علينا عدد كبير من الفنانين في
معرضهم هذا بين الثاني من تموز الجاري الى الثالث من اكتوبر ايلول من
العام الجاري والذي يضم اعمال تشكيلية كعرض تركيبي ونصب تشكيلي
يتمحور في موضوع العاصمة البيزنطينية ومركز الخلافة العثمانية لاحقا
استانبول كموضوع اساسي يجمع بين السياسة وحياة الناس وطموحهم
والتاريخ الحاضر الغائب والممارسات القمعية لنظام وطمسها للتركيبة
البديعة للمجتمع تركيا الثقافي والعقائدي والديني والقومي البديع
ومحاولة ايصال صورة مشوهة عن هذا المجتمع الى العالم متمثلة في
احاديه النظرة الى القوميات التي سكنت تاريخيا الاناظول بلاد الشمس
الحثية كالاكراد والارمن والسريان والاظ والتركمان والعرب والروم
ومئات الشعوب الاخرى التي همشت وربما انصهرت وجرى عليها تطهيرا عرقيا
وراء افكار طاغية قومية ترى في كل مواطن قاطني تركيا اتراكا بل يجب
عليهم ان يفتخروا بتركيتهم حتى لو كان اعجميا. وقد قام المنظمون
للمعرض :
Der
Künstlerhaus Bethanien GmbH
Kurator: Christoph Tannert
"كونستلرهاوس
بثانين" اي "بيت الفنانين"
وتحت
ادارة الاستاذ كريستوف تانرت بدعوة فنانيين عالمين للمشاركة في هذا
المهرجان الثقافي وقد لبى النداء 60 فنانا وفنانة من جميع انحاء
العالم *" رسم تشكيلي , التصوير , النحت, النصب والتراكيب, صوت وصورة
فيديو , وفلم " ينتمون الى تعددية عقائدية فكرية و لغوية اثنية كي
يطرحوا اعمالهم حول هذه المدينة الخالدة استانبول- القسطنطينية مدينة
التناقضات فهل حقا كانت الغانية العروسة استانبول حاضرة هذا المساء
بجدائلها الذهبية؟ مدينة يلتقي فيها الشرق والغرب , اختارها الرحمن
ان تقع على قارتين وهي المدينة الوحيدة على الثرى والتقي تقع منشطرة
تفصلها البحر والمضيق الذي رفع عليها الجسور المعلقة. فتحها السلطان
العثماني محمد الفاتح ودخلها محررا بصهوة جواده واضعا توقيعه على
احدى اللوحات المرمرية في كنيسة القديسة صوفيا وسط المدينة القديمة
بادئا بذلك عهدا جديدا في حياة المدينة وابنائها. من هنا ومنذ تلك
الايام مر العديدون وكان للفنانين من السياح والمقيميين انطباعاتهم
عن هذه المدينة واهلها ولقاء الشرق والغرب وقد جمع تلك الاعمال في
معرض سيعرض في العام القادم في العاصمة الهنغارية بودابست في شهر
اذار. فهل تمكن الابداعيون من الوفاء لهذه المدينة واهلها؟ ام انها
كانت غائبة في خضم النقاشات حول اهلية تركيا للانتماء الى الاتحاد
الاوربي ومدى مطابقة نظام الاعراف والقيم والافكار الشرقية لما عليه
هنا في الغرب.

ان العروض المنتشرة في غرف وقاعات هذه البناية تاخذنا الى صورة مرئية
تشكيلية بعضها غير مالوفة راها الفنان ببصيرته الفذه وقدمها لنا هنا
نرى المزج التاريخي كذلك واقوام شبه الجزيرة الاناظولية البديعة
وتاريخها الغني الحافل بين مكونات الصغيرة للحياة اليومية في المدينة
وافاق النظرة المستقبلية الى مستقبل زاهر وواعد. ان مجرد استخدام
جميع السبل الالكترونية من صورة وصوت وفيديو يجعلان المرء يسوح بين
عوالم من الالوان حيث قام كل فنان باستغلال واجهات الجدران بافضل
الطرق بينما قام معدوا المعرض بنصب سينما يعرض خلاصة انتاج السينما
التركية الحديثة ولكن بصوت عالي يكاد يشابه ما نراه في قاعات السينما
الشعبية في المدينة.
قام احد عشر من التشكيليين الترك من جماعة استابول الفنية بسحب
اعمالهم واتهام القائمين ومدير المشروع الاستاذ كريستوف تانرت بعدم
الحياد عند اختيار الاعمال المعروضة و بعرض وجه نظر غربية سطحية حول
الشرق ويمكن ها هنا نقد تلك المجاميع حول استطاعتهم نقل الصورة
الصحيحية التي هم يتصورونها واقعا وهذه مهمة الفنان الحقيقي وان
الانسحاب من الساحة لا يعتبر باي شكل من الاشكال شجاعة مذكورة
فالساحة الفنية الابداعية في الغرب منفتحة على مصراعيها بعيدة تماما
عن اي رقابة رسمية او دينية او فكرية فالابداع الحقيقي ينمو فقط تحت
سماء الحرية واني لاعتقد بان تلك الفظائات لا وجود لها تحت سيادة
الفكر القومي السلبي الداعي الى تهميش وجود الاخر المختلف اينما وجد.
الجدير بالذكر ان اي نقد موجه الى المجتمع والنظام التركي في الغرب
يواجه دوما من قبل القوميين الترك بامتعاض واشمئزاز فهم يرون دوما
الوجه الحسن الجميل من بلادهم ومجتمعهم فلو حاول احدهم اظهار الحقيقة
وكشف المستور لاقام الواقعة وطبلوا مزمرين فالحقيقة بالنسبة لهم هي
الجميلة منها فقط ولا يجوز تقديم النقد حتى ان احد الفنانيين قام
بعرض وجه نظره حول العمليات الجراحية التي تجرى للخصيين ويحولون الى
نساء في مجموعة صور كبيرة والفنان هو "علي كبنك".

Ali Kepenek, Istanbul-Tanz, 2005
بلتاكيد ان
الغيرة الوطنية شئ مقبول تحت حدود المعقول ومحبة الاوطان والشعوب
طبيعي عند البشر ولكن كل من لا يحب الاخرون لا يمكنه ان يحب بني قومه
وان النقد البناء للمجتمعات تمثل الحالة الصحية التي تدفع بعجلة
التطور الى الامام والنمو وتبعد شرور الخرافات والافكار السلبية
وتفتح عيون الناس على الاخر المتغير الذي كان خفيا او مهمشا في
المجتمع وتقدم بذلك خدمة جليلة للفكر الانساني المتفتح ويزيد معارفنا
وتقبلنا للامور المختلفة. والواقع ان مجرد تقديم نقد موجه الى
التركيبة السياسية للنظام التركي وخاصة تلك الافكار الرجعية البالية
التي لا تزال تسيطر على عقول القيادة السياسية وتوجه الفكر العام
للناس والمتوارثة منذ ايام مصطفى كمال الذي يكنى كذلك باسم اتاتورك
يواجه تعنتا كبيرا داخل البلاد وخارجه لدن الاتراك وهناك ازدواجية
واشكالية معقدة عند المثقف التركي فهو محتار بين الافكار الداعية الى
احترام حقوق الانسان والتسامح والاعتراف بالاخر المختلف والشفافية
وبين تلك المتعصبة التي ترى في افكار مؤسس تركيا الحديثة وكلماته
قدسية لا يمكن تقديم النقد اليها او مجرد اصلاحها وتوجيهها وجه صحيحة
تتماشى مع روح عصر الانفتاح والعولمة ومبادئ حقوق الانسان والمجتمع
المدني والتوجه الى قيم ومبادئ الاتحاد الاوربي. نحن بحاجة الى
الصورة التي يرانا بها الاخرون لنعرف انفسنا لا بل لنحس بانسانيتنا
والثقافة ملك للجميع واينما كانوا وحلوا فسلاما لروادها.

اتاتورك الفكر
القادم عبر الماضي السحيق احدى معروضات المعرض
اشارات ومواقع :
http://www.berlinerfestspiele.de/
http://www.angelabergling.com/
http://haftegharmassage.blogspot.com/
http://www.bethanien.de/de/
*
الاسماء الفنانين المشاركين ومدنهم:
Rey Akdogan (New York/Londra/Berlin), Nevin Aladag Berlin), Marc
Bijl (Amsterdam), Katinka Bock (Berlin), Luchezar Boyadjiev
(Sofya), Sergej Bratkov (Moskova), Fernando Bryce (Lima/Berlin),
Hüseyin Çaglayan (Londra), Heman Chong (Singapur Berlin),
Christine de la Garenne (Berlin), Silvina Der-Meguerditchian
(Buenos Aires /Berlin), Damian Deroubaix (Paris), Cevdet Erek
(Istanbul), Peter Friedl (Berlin), Archie Galentz (Moskova/Erivan/
Berlin), Leyla Gediz (Istanbul), Ara Güler (Istanbul), Jens
Haaning (Kopenhag/ Berlin), Eberhard Havekost (Berlin), Minna L.
Henriksson (Helsinki), Richard Hoeck (Viyana), Olaf Holzapfel
(Berlin), Thomas Hornemann (Berlin), Istanbul Palimpsest/Anna
Kalvelage + Mirjam Wolf (Berlin), Ali Kepenek (Berlin), Lina Kim
(Sao Paulo/ Berlin), Folke Köbberling/Martin Kaltwasser (Berlin),
Serhat Köksal aka 2/5 BZ (Istanbul), Germaine Koh (Toronto), Tamás
Komoróczky/Hajnal Nemeth (Budapeste), Valeri Koschljakov
(Moskova/Paris), Lucas Lenglet (Amsterdam), Via Lewandowsky
(Berlin), Olaf Metzel (Münih), Serkan Özkaya (Istanbul), Haralampi
Oroschakoff (Berlin), Juan Pérez Agirregoikoa (Paris), Lars
Ramberg (Oslo/Berlin), Reynold Reynolds (New York), Sebastian Romo
(Mexico City), Sarkis (Paris), Robert Scheipner (Berlin), Cornelia
Schleime (Berlin), Wael Shawky (Kaire), Reinhard Stangl (Berlin),
Joulia Strauss (St. Petersburg/Berlin), Asli Sungu (Berlin),
Roland Stratmann (Berlin), Evanthia Tsantila (Selanik/Berlin),
Nasan Tur (Frankurt/Main), Sencer Vardarman (Berlin), Costa Vece
(Zürih/Berlin), Suse Weber (Berlin), Ute Weiss-Leder (Berlin),
Peter Welz (Berlin), Michael Wesely (Berlin), HS Winkler (Berlin),
Ina Wudtke (Berlin).
الدكتور توفيق آلتونجي
السويد
20050712