خلق فرص العمل

بين الظروف الطارئة راهنيا ومراعاة التخصص و الكفاءة مستقبلا

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

أكاديمي ومحلّل سياسي \ ناشط في حقوق الإنسان

2004\  01 \ 02

E-MAIL:  tayseer54@maktoob.com

إنَّ تحريك أيّ عملية اقتصادية لا يمكن أنْ يتمَّ من دون طاقة العمل التي تديره.. فاليد العاملة ليست حاجة كمالية في حياة الدورة الاقتصادية بل هي جوهرها.. من هنا كان الاهتمام الجدي باليد العاملة وتطويرها أمر أساس في تطوير النتائج المرتجاة من وراء الفعاليات الاقتصادية المتنوعة. إنَّ حالة الركود الاقتصادي وجمود دورته وفشلها في السير بشكل طبيعي يدفع إلى مزيد من تخلي ماكنة الانتاج عن اليد العاملة بوصفها الضحية الأولى في مثل هذه الأوضاع .. ولكن ما الوسائل الناجعة لخلق فرص عمل في بلاد تدمرت فيها أغلب إنْ لم نقل كلّ الركائز الاقتصادية الأساسية فضلا عن عوامل كثيرة أخرى أوقفت عجلة الانتاج الطبيعي؟

 إنَّ عراقنا الذي يخرج اليوم من أزمات الحروب المدمرة ومن تعطل الدورة الاقتصادية يجد نفسه في مآزق كثيرة من بينها حالة البطالة الكلية التي تشمل أكثر من 50% من (اليد العاملة) فضلا عن تأخر هذه اليد وتخلفها مهنيا طوال حكم أهمل التعاطي مع تطويرها ودعم كفاءاتها ومهاراتها الضرورية والمتناسبة مع تطورات تكنولوجيا الانتاج الحديث..

ولكنَّ بلادا كالعراق ليست قفرا فقيرا لعمليات البناء وإعادة الإعمار وتتطلع جماهيره وقواه السياسية لهذه العملية الشاملة المنتظرة في ظروف مختلفة عن الماضي الذي أودى بهم إلى المآل القائم .. وبغية تحقيق الهدف المرتجى من تفعيل الحياة العامة في العراق ينبغي للإدارة الجديدة التعامل مع مسألة خلق فرص العمل بروح إيجابية موضوعية فاعلة..

صحيح أنَّ الوضع العام ما زال مبكرا عليه تشغيل قوى العمل من الكوادر المؤهلة تأهيلا عاليا وصحيح أنَّ الوضع ما زال غير قادر على توظيف كبير لقدرات العمل العراقية.. إلا أنَّ من الصحيح أيضا إمكان تشغيل نسبة كبيرة في أعمال تستجيب مع الحاجات المباشرة للمدن والقصبات والقرى..

ونحن ندرك أنَّ كثيرا من طالبي العمل قد يفكر في طبيعة المؤهل الذي يحمله ومناسبة العمل لمؤهله لكن أولويات الواقع تفرض أمرا آخر.. إذ توجد حاجة مباشرة للأنشطة الخدمية للعمل ومنها بالتحديد قطاعات التنظيف ومعالجة مشكلات الصرف الصحي والمجاري وتلبية قطاع الخدمات عامة في ربوع البلاد المخرّبة... وبناء على ذلك يمكن بل ينبغي لأجهزة الدولة التوسع في تشغيل أكبر نسبة ممكنة بخلق فرص العمل المؤاتية في هذه المجالات..

ولقد استمعنا لمشروع من نمط إيجاد حوالي مائة ألف فرصة عمل في محافظة نينوى على أساس أخذ ثلاثة آلاف طلب يوميا تتوسع تدريجيا لتصل إلى حوالي ثمانية آلاف فرصة يوميا في المدة القريبة القادمة..  وإذا ما استطاعت بقية المحافظات التعاطي مع الموضوع بالتصور ذاته فإنَّنا يمكن أنْ نقول عن المحصلة الافتراضية أنَّها وصلت إلى ما يقارب المليون فرصة عمل على المستوى الوطني في قطاع الخدمات خلال الشهور القليلة المقبلة.

على أنَّ موضوعة خلق فرص العمل يمكنها أيضا أنْ تتجه إلى ميادين عديدة أخرى منها قطاع التربية والتعليم والصحة والإدارة وهي قطاعات تتعاطى مع مفردات التأهيل والاختصاص أكثر من تلك السابقة بما يعطي الفرصة لتشغيل الخريجين الموجودين من جهة والجدد من جهة أخرى ومنع تدهور إمكاناتهم المعلوماتية مع تواصل مغادرتهم مقاعد الدراسة والإعداد وعدم توافر فرص العمل من جهة أخرى..

وفي ظل هذه الخطوة يمكن لأجهزة التدريب المهني وتطوير الكفاءة المعرفية أنْ تنهض ليس بمسؤولية الإعداد حسب بل في تشغيل أطر أكاديمية متخصصة أيضا.. بمعنى كون التعاطي مع توفير فرص عمل تبدأ بالمتاح مباشرة يؤدي إلى حاجات متوالدة جديدة تتطلب تشغيل أو  خلق فرص جديدة أخرى وهو ما يعني بالضرورة دوران عجلة الانتاج  عبر عملية تكامل الدورة الاقتصادية التي توقفت طويلا..

إنَّ الظروف الطارئة التي يمرّ بها العراق لها متطلباتها التي إذا ما استُثمِرت بشكلها الصحيح فإنَّها ستكون منطلقا حيويا راسخا للخطوات التالية. والاستحابة لهذه الحاجات قد يكون في صورته الأولية أو المظهرية مجرد فعاليات خدمية تأخذ عبر ما يصرف من رواتب كبيرة في ما تحتله من نسبة في الميزانية الوطنية لكنَّ ذلك ما يبدو للوهلة الأولى فقط. أما جوهر العملية فمؤداه الاستثماري سينعكس إيجابيا بشكل كبير على المديين القريب والبعيد ..

فعلى المدى القريب سيكون ذلك تطمينا لحاجات السكان سواء من جهة الخدمات وبضاعتها المخصوصة أم من جهة امتصاص البطالة ومظاهرها السلبية عبر فرص العمل المتاحة. وعبر تعزيز القدرة الشرائية عند المواطن العامل الحاصل على مرتبه العادي بعد زمن عدم الاستقرار في الموارد المالية للفرد أو العائلة العراقيين.

وعلى المدى البعيد تتشكل أرضية متينة لانطلاقة جدية جديدة للاقتصاد العراقي كما أسلفنا القول في ذلك. حيث سيتاح التعاطي مع متوالية خلق  فرص عمل جديدة وتنمية وتوالد مستمرين في تعاقب سببي مفترض ولكنه أكيد من جهة جوهر المسار .. كما سيتاح التعاطي فيما بعد مع الوضع النوعي للتشغيل بعد أنْ كانت البداية متاحة للمهارات كافة وليست المتخصصة وعالية التأهيل..

إنَّ تقريب يوم التعاطي مع التأهيل العالي لليد العاملة ينطلق من العمل على استقرار الوضع العام وعلى خلق الركائز الضرورية اللازمة والأرضية المناسبة.. وسيكون من ذلك أعمال الصيانة والتنظيف وإزالة الأنقاض والمخلّفات وتوفير الأجواء البيئية الصحية من مثل حل مشكلة الصرف الصحي والمجاري في المدن والأحياء وتجنيبها أكداس النفايات ومخلّفات المتهدم والأسلحة وغير ذلك.. إذن سيكون الرابط بين التعامل مع المتاح في ظروف الطوارئ القائمة والمنشود في ظروف الاستقرار مهمّاَ َ جدا في أيّ قراءة أو دراسة اقتصادية صحية وصحيحة ..

ولكنَّ واقع الأرقام في وضعنا الراهن سيظل مخيفا ومرعبا تجاه الحاجات الكبيرة المتعاظمة يوما فآخر مع ضرورات العيش الأساسية لذا كان علينا الاستعانة بكل فرصة دعم خارجية وبأوسع أبواب مفتوحة لأنَّ حياة الإنسان لا تسمح لنا بحسابات دفتر قد لا تأتي مستجيبة لحسابات البيدر وهي كذلك في الغالب ولن ينتظر العاطل دوره التالي بعد سنوات أو حتى بعد أشهر.

وهذا هو ما يدفعنا للقول بإمكان القبول بالمتاح مباشرة بأوسع عمليات تشغيل وخلق فرص عمل أو التعاطي مع أجور معلومة للعاطلين بانتظار الفرصة التالية وهو أمر لازم لأنَّه في عنق زجاجة ولن نسطيع بضربة عصا سحرية حلّ مشكلات أربعين سنة من الشدائد... ومع الإدراك بأنَّ عمليات إعادة الإعمار الستراتيجية لم تبدأ بعد وهي الحل الأمثل لهذه المعضلة ولغيرها ولكنَّ الوقوف مشدوهين بلا حلول للعارض والطارئ وللمباشر من المهام أمر غير موضوعي بل هو جزئية ضرورية لازمة لاحقا للتهيئة للعمليات الاقتصادية الكبرى...

خاص بالاقتصادية

صفحة الرأي

زاوية: انعكاسات اقتصادية