أحداث الموصل
المؤسفة 5/5
المحصلة النهائية
لعدد الضحايا.
" ... وأعاد رواية
تتمة الأحداث أمام المحققين البعثيين في العام 1963 مهدي حميد, وهو
ملازم كردي سابق في المدفعية من السليمانية, كان في العام1945 مؤيداً
للملا مصطفى البر زاني وأصبح عضواً في الحزب الشيوعي العراقي منذ
العام 1948, ثم نزيلاً للسجون الملكية للفترة 1949- 1958, وسرعان ما
أصبح قائداً لقوة المقاومة الشعبية في الموصل, وجاءت الرواية بالشكل
التالي:
" ازداد قتال
الشوارع حدة ساعة بعد اخرى. وأطبق الرعب على الناس وكانت هناك خسائر
كبيرة في الأرواح والممتلكات, كما يحصل عادة في مثل هذه الظروف عند
تلاشي السلطة والانضباط. في هذه اللحظة الحرجة
حصل أني ارتديت بزة عسكرية وحملت رتبة ملازم
أول, خصوصاً وأنني كنت, بعد خروجي من السجن, قد قدمت طلباً لقبولي
مجدداً في الجيش... وتدبر صديقي أسعد البامرني, صاحب فندق بغداد,
[إحضار بزة الضابط ] ولم يعثر على الرتبة المطلوبة إلا بصعوبة كبيرة.
أخذت منه مسدساً صغيراً وتوجهت إلى مخفر للشرطة, وعندما دخلت على
رئيس المخفر, ياسين درويش, أخبرته أني ضابط من وزارة الدفاع وأني
مكلف بالتعاون معه, فرحب الرجل بي وأبدى استعداده لمساعدتي بشكل تام
وزودني برجال شرطة وبالذخيرة اللازمة. وأثبت صاحب القريشي, مدير
الأمن, تعاونه هو أيضاً إذ وضع في تصرفي مكتبه وغرفة أخرى.
" في هذه الأثناء
كان رجال من الشعب, وأبناء قبائل بالآلاف, وجنود هجروا وحداتهم
وآخرون...يتدفقون على مركز الشرطة....
" وكان أول وأهم ما
علي أن أفعل هو أن أمسك بزمام الأمور وأن أنظم المقاومة الشعبية
واحتواء إطلاق النار والتخفيف من الخسائر في الأرواح والممتلكات....
" خلال وجودي في
مركز الشرطة حصلت في المدينة أحداث مؤسفة جداً, إذ كانت هناك تهجمات
على حياة الأشخاص بدافع الكراهية الشخصية أو انطلاقاً من رغبة في
الثأر أو بسبب نزاعات عائلية أو على أسا س أنهم حملوا السلاح ضد
الحكومة أو أنهم ساعدوا المتمردين. وارتكبت هذه الأفعال من قبل عناصر
سيئة النية وغير ذات ارتباط سياسي أو من قبل قطاعات من الجنود الذين
خرجوا من النظام والانضباط.
" وهكذا, فعندما
كان شخص يعتقل في بيته ويتهم بحمل السلاح, كان إما أن يقتل فوراً أو
كان يصل سالماً إلى مركز الشرطة – وهو ما حصل نادراً – حيث كان
معرضاً لأن يعدم بإطلاق النار عليه إذا ما صاح صوت واحد : "
متآمر".وعندما دخل أحد الضباط ـ وأعتقد اسمه حازم الحمطاني ـ إلى
مخفر الشرطة وهو يحمل رشيش" ستيرلنغ " صرخ جندي قائلاً : " متآمر "
أو ربما قال : " من جماعة الشواف", فما كان من رقيب أسمه فيصل إلا
أن أطلق النار وقتله للتو. وحاولت أن أتخذ إجراءات صارمة بحق الرقيب,
ولكن, نظراً لأني لم أكن من الموصل وكنت غريباً عنهم, فقد تقلب علي
الجنود وأبناء الشعب. وبقي الرقيب نفسه على عناده مكرراً أن هذا هو
مصير الخونة ! وكان شديد الهيجانة وباستطاعته أن يقتل كل من يقف في
وجهه... وأيضاً, كان يكفي مجرد ذكر أسم كشمولة.... الذين كانوا قد
بدأوا بتنظيم مقاومة مسلحة.... للتسبب في أن يطلق حشد من الجنود
والرجال المسلحين النار على بعض أفراد العائلة لدى وصولهم إلى مخفر
الشرطة. وجرح هؤلاء بشكل خطير وماتوا وهم في طريقهم الى المستشفى.
وكنت عند حصول هذا الحادث في الخارج أجري اتصالاً مع مركز عسكري. وفي
حالة اخرى, حاول بعض الجنود وجزء من العامة الانقضاض على عشرة ضباط
أحضروا من تلعفر وكانوا ينوون الهرب الى سورية, ولكنني تدخلت مهدداً
بقتل كل من يلمسهم وأنقذت حياتهم في الواقع, ولكن النار أطلقت في
الليل على السيارة التي كانت تنقلهم الى معسكر الحجرية عندما تخلف
السائق عن الاستجابة لتحدي قائد الحرس. وقتل الرئيس عبد
الجواد(حميد). وآمل أن ينظر بعين الحق...وأن يجري تحقيق حول هذا
الحادثة بسبب اهميتها والضوء الساطع التي ستلقيه على حوادث أخرى ".
وكانت عمليات
الانتقام العاجلة التي لجأ إليها الجنود والجموع المسلحة في لحظات
غضبهم الوحشي - في جزء كبير منها – سداداً لحساب النزيف الرهيب الذي
عانوا طويلاً منه.
ولقد تعرضوا مرات
عديدة لإطلاق النار من البيوت التي تحصن بها القوميون وملاك الأراضي.
ونصبت الرشاشات في قصر شيخ شمر ولم يتمكن أحد من إسكاتها حتى أحضر
الجنود الشيوعيون الدبابات وأطلقوا بضع قذائف على القصر.
وكان للعنف أن
يسيطر ثلاثة أيام اخرى, ولم يبقى مدى لم يذهب اليه. وكان "المتآمرون"
يشنقون على أعمدة الكهربا ء أو كانوا يسحلون في الشوارع . و" بمجرد
أن يصل الى علم [ الحشود ] أن فلاناً ثري ....كانت الطبول تقرع صباح
اليوم التالي أمام داره التي كانت تفتش بعدئذ او تنهب "
وبقيت الشرطة عاجزة تماماً . واختبأ ضباط
الجيش وحتى منهم من لا يتعاطف مع التمرد ,خلف الأبواب نظراً لانتشار
فكرة بين الجنود بأن كل الضباط "خونة "
. وعندما وصل الزعيم حسن عبود إبراهيم ,
الشيوعي والآمر الجديد لحامية المدينة, إلى الموصل مساء 10آذار
(مارس) وجد " الاضطراب في ذروته , والجيش يقتل ويسلب بمساعدة الناس
الذين قدموا من المدينة ... وكان جنودنا ورتباؤنا (ضباط الصف ) ...
يقولون إن الضباط متآمرون وإنهم لن يرضخوا لأي توجيه ...
(( وإضافة إلى
الفوضى الضاربة في المدينة كان سفك الدماء يعم أنحاء المحافظة. وفي
دهوك (الكردية) قتل حاكم المنطقة عبد الله الجبوري , وفي تلعفر
(شيعة تركمان ) هلك الكثيرون من رجال قبائل شمّر . وفي تلكيف
(المسيحية الآرامية ) واجه حازم المفتي وسالم الشعار (محاميا أصحاب
الأراضي ) ميتة شنيعة. وحصلت صدامات كثيرة أيضاً بين قبيلة الكركرية
وقبيلة البومتيوت..."
وفي الموصل نفسها ,
لم يتمكن القائد الجديد من سحب الوحدات المتحدية للنظام إلى
معسكراتها " بالمحاباة والمكافئات ومنح الاجازات " إلا في 12 آذار
(مارس) عند وصول كتيبتين من اللواء الأول
. وأسهمت مغادرة رجال القبائل اليزيديين
والأكراد للمدينة في اليوم نفسه في إعادة السلام إليها )
ولم تكن كل الفوضى
عفوية أو غير موجهة . فبحلول 9آذار (مارس ) كانت مناطق عديدة من
الموصل قد أصبحت تحت سيطرة الشيوعيين, وكان كثيرون من جنود فوج
الهندسة وكتيبة المشاة الثالثة يتلقون الأوامر منهم مباشرة, مع أن
سلطتهم بقيت غير كاملة وغير مستقرة . وبدأ جمع أسلحة أعدائهم فورا ً
من كل أنحاء المدينة . وأصبح مخفر الشرطة عملياً مقر قيادتهم و "
محكمة شعب " في الوقت نفسه . وكانت مسؤوليتهم واضحة عن المحاكمات
العاجلة وعن إعدام أحمد سوري, صاحب مكتبة, وصالح حنتوش , رئيس اتحاد
سائقي سيارات الأجرة , وكلاهما عضو في البعث , يوم العاشر من الشهر
نفسه
. وكان هؤلاء , وخصوصاً مهدي حميد قائد قوات
المقاومة الشعبية , مسؤولين ـ وبلا أدنى شك – عن تجريم واعدام 17
شخصاً آخرين يوم الرابع عشر من آذار (مارس) في دملماجة , على بعد خمس
كيلومترات أو حول ذلك شرق الموصل
, بمن فيهم أحد مشايخ شمر وأحد الناصريين
وثلاثة بعثيين وسبعة " قبضايات " كان العديد منهم من عائلة كشمولة
.ونلاحظ أن هذا الحادث وقع بعد أن هدأت الاضطرابات كلها .
وفي وقت لاحق , في
العام 1963, ادعى مهدي حميد أن قاسم أصدر يومها أوامره بـ " إبادة كل
من أظهر مقاومة أو حمل السلاح ضد الحكومة " وأن هذا شجّع " الأعمال
المتهورة " و " الافعال الانتقامية ", وأدعى كذالك أن قاسم أشار في
لحظة معينة , وعبر قائد الحامية , إلى أنه " لا حاجة إلى إرسال مثل
هذا العدد من المعتقلين الى بغداد , فماذا سنفعل بهم هنا؟ تخلصوا
منهم هناك في الموصل " وادعى مهدي حميد كذالك أن...
((سلطة الاعتقال
والتحقيق عهدت الينا (أي الى المقاومة الشعبية ) رسمياً وبرسالة
رسمية من القائد الذي لم يستدع , عموماً، كشاهد في محاكمتنا (1960) ,
مع اننا طلبنا تقدميه للدليل ... في الواقع , لقد القي كل اللوم
علينا ....ولكن المسؤولية الأولى تقع على قاسم ... وقائد الموصل ...
وألا, لماذا لم يوقفونا ... وهو ما كان بإمكانهم أن يفعلوه
...خصوصاً بعد وصول اللواء الاول.
ويبرز الشيوعيون ,
إضافة إلى هذا, أن قاسم دعا, بعد فترة قصيرة من أحداث الموصل, مهدي
حميد وقادة شيوعيي الموصل إلى بغداد, وأطرى إخلاصهم, وقدم لهم مسدسات
هدية, وقدم منحة للحزب الشيوعي قيمتها 1500دينار. وإلى هذا فأنه قبل
مهدي حميد مجدداً في الجيش ورفعه الى رتبة رئيس وأسند اليه قيادة
قوات المقاومة الشعبية في كل الجزء الشمالي من البلاد.
ومن ناحية أخرى,
يمكن الاستنتاج من شهادة قائد حامية الموصل أن عملية ألإعدام
في,دملماجة نفذت بسرية ومن دون علمه.
وأكثر من هذا فإن قاسم, وفي مؤتمر صحافي عقده
في العام 1960, بذل كل جهد ممكن للتشديد على أنه " في البلاغ الأول
للثورة ... لم نقل "خذوا القانون بأيديكم "
ومهما كان الامر ,
فإن العراقيين مازالوا يذكرون كيف أنه, عند نقطة معينة من محاكمة
مهدي حميد ورفاقه أمام المحكمة العسكرية الأولى في العام 1960 ,
اوقفت الجلسات العلنية للمحكمة بطريقة مفاجئة ولسبب غير معلوم. وساد
يومها انطباع عام بأن المحاكمة كانت تقدم دليلاً يورط قاسم نفسه. ومن
الأمور ذات المغزى أنه على الرغم من أن المحكمة حكمت على المتهمين
بالإعدام شنقاً فقد أطلق سراحهم في وقت لاحق.
وبخصوص الإعدامات
التي جرت يوم 10 آذار ( مارس )، هناك إصبع اتهام آخر يوجه أيضاً إلى
الأكراد، فقد أكد شاهد عيان شيوعي في 1963، أن الملاّ أنور، رئيس
تحرير صحيفة " خباط " ( الكردية ) وعضو الحزب الديمقراطي الكردستاني،
وعدداً من البارزانيين يقودهم أحد أبناء الملاّ مصطفى، وربما كان
لقمان، شكلوا جزءاً من فريق الإعدام الذي شكل لهذا الغرض
.
ومهما كانت الطريقة
التي للمرء أن يوزع بها المسؤوليات فإنه لا يمكنه إلا أن يشعر، لدى
مراجعة الوثائق، أن جذور الكثير من العدوانية التي شهدتها أيام آذار
( مارس ) كانت تعود إلى الخوف المشترك الذي يبدو أنه سيطر على كل
أطراف النزاع : الخوف من أن الفشل في تلك اللحظة التاريخية الحرجة قد
يجر وراءه الدمار على أيدي الخصوم.
واختلفت كثيراً
أعداد الضحايا في تلك الأيام، ووصلت في بعض التقديرات إلى 5000 ضحية،
ولكن المتفق عليه الآن أن العدد كان في حدود المئات، وليس الآلاف.
ويعد الشيوعيون حوالي 110 قتلى و300 جريح في الموصل نفسها، و30
قتيلاً و20 جريحاً بين أتباع الشواف، أما البقية فمن الجنود و " رجال
الشعب "
. واستطاع القوميون أن يعدّوا ما لا يقل عن 40
قتيلاً في صفوفهم وصفوف حلفائهم
. وجعلوا عدد القتلى كلهم في حدود 200
. وكذلك فعل محمد حديد، وزير مالية قاسم
والشاهد الذي يستحق الثقة
.
المصدر
- حنا بطاطو _ الكتاب الثاني – الفصل التاسع.
-
أثناء تطور هذه
الأحداث كان مهدي حميد في فندق سرجون. وكان قد أتى إلى الموصل في
5آذار(مارس )مع وفد أنصار السلم الآتي من بغداد.
- تصريح مهدي
حميد في شباط ( فبراير ) 1963، ملف الشرطة العراقية رقم ق س/ 87.
- تصريح للزعيم
السابق حسن عبود الذي خلف الشواف في قيادة حامية الموصل،أذيع من محطة
الإذاعة و التلفزيون العراقية في 17 آذار ( مارس ) 1963.
- تصريح الزعيم
حسن عبود إبراهيم في آذار ( مارس ) 1963 أمام المحققين البعثيين، ملف
الشرطة العراقية رقم ق س / 87 يشير إليه.
المصدر
السابق.
- المصدر
السابق.
- تصريح مهدي
حميد في شباط ( فبراير ) 1963، في ملف الشرطة العراقية رقم ق س /
87.
- تصريح
الشيوعي سامي بشير حباّابة في شباط فبراير 1963، في ملف الشرطة
العراقية رقم ٌ س / 26. وهلال ناجي ( بعثي ) ، " حتى لا ننسى " (
القاهرة ، 1960 )، ص 7- 9.
- أنظر نص قرار
المحكمة العسكرية الأولى في 26 كانون الأول ( ديسمبر ) 1960 حول حادث
الدملماجة في " البيان " ( بغداد ) في 28 و 29 كانون الأول ( ديسمبر
) 1960.
- تصريح مهدي
حميد في شباط ( فبراير ) 1963، في ملف الشرطة العراقية رقم ق س /
87.
- تصريح مهدي
حميد في شباط ( فبراير ) 1963، في ملف الشرطة العراقية رقم ق س /
87. و تصريح الشيوعي سامي بشير حباّابة في شباط فبراير 1963، في ملف
الشرطة العراقية رقم ومهما كانت الطريقة القٌ س / 26.
- تصريح الزعيم
حسن عبود إبراهيم في آذار ( مارس ) 1963 أمام المحققين البعثيين، ملف
الشرطة العراقية رقم ق س / 87
- " الزمان " (
بغداد ) في 28 آيار ( مايو ) 1960.
- تصريح
الشيوعي سامي بشير حباّابة في شباط فبراير 1963، في ملف الشرطة
العراقية رقم ق س / 26.
- " اتحاد
الشعب " في 7 آذار ( مارس ) 1960.
- ذكرت أسماء
58 شخصاً في : ناجي، " حتى لا ننسى " ص 7-9و16 و 100-105و112 و 114 و
193.
- حديث أجري مع
البروفيسور صالح العلي،في شباط ( فبراير ) 1962.
- حديث أجري مع
محمد حديد في شباط ( فبراير ) 1964.