الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة الاولى

 لأحداث المؤسفة في الموصل عام 1959 :1/5

من / حديث سلام عادل لجريدة " اتحاد الشعب " حول مؤامرة الشواف 1959

    في 8 آذار (مارس) 1959 أعلن عبد الوهاب الشواف قائد حامية الموصل في شمال العراق (وهي محافظة حدودية مع سوريا)، عن تمرده على السلطة المركزية في بغداد .

    وعن أهداف وقوى ودوافع هذه المؤامرة تحدث سلام عادل في مقابلة صحفية أجرتها جريدة (اتحاد الشعب) الناطقة بأسم الحزب الشيوعي ونشرتها في 30/3/1959. جاء فيها :

     سؤال ـ من المعلوم أن مؤامرة الخائن الشواف كانت حلقة من سلسلة المؤامرات الاستعمارية التي حيكت ولسوف تحاك ضد جمهوريتنا. فما هو - برأيكم - المخطط العام لتلك المؤامرات؟

     جواب  ـ إذا استعرضنا الأحداث الماضية منذ 14 تموز الخالد، نرى أن خطة المستعمرين كانت تعتمد في البدء على محاولة تدخل أنكلو أمريكي مكشوف لإسقاط الحكم الجمهوري الوطني في العراق. وقد فشلت تلك المحاولات لأن ثورة 14 تموز جاءت محكمة خاطفة ساحقة رؤوس النظام البائد، وحازت مساندة ومشاركة أوسع جماهير الشعب منذ لحظاتها الأولى. وكان العامل المساعد الحاسم في إحباط تلك المحاولات هو الموقف الحازم الصلب الذي وقفه صديق شعبنا العراقي والأمة العربية الاتحاد السوفياتي وإنذاره للمستعمرين، ومساندة سائر قوى الحرية والسلم في العالم.

      وعلى اثر فشل خطة التدخل الخارجي، اتجه الاستعمار الى العمل من الداخل، ولذا فإن القوى الرجعية الداخلية دأبت على عرقلة سير الثورة الذي يستلزم تعبئة الشعب وتنظيمه وتسليحه، وتطهير أجهزة الدولة (المدنية والعسكرية…) بغية الحفاظ على مواقعها فيها. وعملت على تجميع قواها وتنظيم صفوفها، هي نفسها، تمهيداً للقيام بعمل تآمري موحد يستند الى الضغط الخارجي والتهديد الاستعماري، السياسي والعسكري، ولكن سياسة القوى الوطنية التي استهدفت تعبئة الشعب وتطهير أجهزة الدولة ومنع الرجعية من تنظيم نفسها، والمحافظة على يقظة الشعب والجيش، والمواقف الصائبة لسيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، كل ذلك احبط سلسلة من المؤامرات، دلت الوقائع بوضوح على أنها كانت بتدبير ومشاركة الأمريكان وسائر المستعمرين وعملائهم وأيتام العهد البائد والإقطاعيين وبعض الأوساط الرجعية العربية، وبوجه خاص بعض حكام العربية المتحدة. فضلا عن الارتباطات الصهيونية بهذه الشبكات التآمرية، تلك التي وضعت عليها اليد في حينه، وكشفت عنها مؤخرا جلسات محكمة الشعب. إن تطور الأحداث، على هذا الشكل، أدى بأعداء الجمهورية مرة أخرى الى إعداد خطط التدخل السافر والعدوان الخارجي على أسس جديدة من التعاون الأوثق بين كل القوى المعادية للجمهورية العراقية ولسياستها التحررية الديمقراطية، وإعطاء التآمر والعدوان صفة نزاع (عربي داخلي) أو (محلي إقليمي) على خلاف محاولات التدخل الاستعماري الأنكلو أمريكي المكشوف التي حدثت غداة 14 تموز. وكان أعداء الجمهورية يأملون من هذا الاتجاه الجديد - الاتجاه الاستعماري (المستعرب) - أن يؤدي أولا: الى شق الصفوف الوطنية داخل العراق. وثانيا: التمويه على الشعوب العربية وعلى القوى (المحايدة). ثالثا: كما كانوا يأملون أنهم بذلك يستطيعون أن يخلقوا ظروفا ملتبسة تؤدي الى إحراج الدول الصديقة وخاصة الاتحاد السوفياتي، ولوضع العقبات في طريق إبداء معونتها الحازمة للحفاظ على استقلال الجمهورية العراقية عندما تقتضي الضرورة مثل هذا العون.

       ومن السهل أن يربط المرء بين نشاطات حلف بغداد العدواني (في دورتي كراجي وأنقرة)، والتحشيدات العسكرية على الحدود الإيرانية والتركية وحركة الأساطيل الأمريكية والإنكليزية وزيارات راونتري وغيره، والمعاهدات الثنائية الأمريكية، بين هذا كله من جهة، ومن الجهة الأخرى النشاط المحموم الذي جاء على شكل حملة صليبية من قبل بعض حكام الجمهورية   العربية المتحدة ضد العراق وضد الشيوعية وضد الاتحاد السوفياتي.

       ولقد كانت مؤامرة الشواف حصيلة هذا المخطط. وتدل المعلومات الكثيرة المتوفرة - قبل وبعد حوادث التمرد - أن المؤامرة كانت واسعة وتمتد خيوطها ومجال تنفيذها الى مناطق أخرى غير الموصل. ولكن بفضل يقظة القوى الوطنية وتأهبها واتحادها تحت زعامة أبن الشعب البار عبد الكريم قاسم تم عزل المؤامرة وإجهاضها وإحباطها. وخرجت الجمهورية وهي أشد مراساً وأقوى ساعداً في مقارعة المستعمرين والمعتدين.

       ولا شك أن محاولات التخريب والتآمر الاستعماري والعدوان ستستمر ما دامت جمهوريتنا تواصل السير في نهجها الوطني المستقل، وما دامت تعتمد على إطلاق قوى الشعب الخلاقة. وكما كان في الماضي، فإن وعي الشعب ويقظته وتضامنه التام مع الجيش والحكومة، والتدابير الحازمة والسريعة، كل ذلك سيؤدي دون شك الى تخطي العقبات مهما كانت والخروج منها برأس مرفوع وقدم ثابتة لا تتزعزع في طريق الحرية والتقدم والرفاه.

       سؤال ـ كشفت مؤامرة الشواف الأخيرة عن أن بعض العناصر المنضوية تحت لواء جبهة الاتحاد الوطني، قد اشتركت بالمؤامرة، فما هو الموقف من هذه العناصر؟

      جواب ـ إن هذه المسألة تمتد جذورها الى الأيام الأولى لثورة 14 تموز. فقد ظهر بجلاء منذ تلك الأيام أن بعض القوى كانت سائرة في طريق تجاهل أهداف جبهة الاتحاد الوطني والتنكر لها ولمستلزمات التعاون مع القوى المؤتلفة فيها. فقد حاول البعثيون مثلا الاستئثار بالحكم وتوجيهه وجهة حزبية ضيقة والاستئثار بالحريات العامة وتضييقها على القوى الأخرى. وذلك بغية حرف اتجاه الثورة وعرقلة مسيرتها في الاعتماد على أوسع الجماهير وضمان مصالحها. ونظرا لعمق وسعة الوعي الشعبي الوطني الذي كشفت عنه ثورة 14 تموز، وقوة الحركة الديمقراطية، فإنهم قدّروا أن الاستعجال في ضم العراق للجمهورية العربية المتحدة يمكن أن يحقق لهم أغراضهم تلك. وعملوا بنشاط مفتعل محموم وفق هذا الاتجاه جاذبين حولهم، لا العناصر القومية اليمينية وحسب، بل أيضا مختلف فئات الرجعيين الذين نظروا بهلع الى مستقبل تطور الثورة في طريقها الوطني الديمقراطي.

      وليس ببعيد عن الذاكرة الفعاليات والظواهر الرجعية التي مارسها وشجعها المرتد عبد السلام عارف ومن ورائه عملاء العهد البائد والإقطاعيون وغيرهم. ولما عجزوا عن تحقيق أهدافهم بأساليب العمل السياسي الصحيحة في ظل حكم وطني ديمقراطي وعجزوا عن كسب تأييد الجماهير لآرائهم وشعاراتهم - برغم أن كل الإمكانيات كانت متوفرة لهم، أكثر من توفرها لغيرهم - انزلقوا شيئا فشيئا في طريق التآمر والعنف لتحقيق أغراضهم رغم إرادة الشعب ومن خلف ظهر جبهة الاتحاد الوطني وقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم. وكان من نتيجة ذلك أنهم كلما أوغلوا في السير في هذا السبيل، انعزلوا عن الشعب أكثر فأكثر، وانحدروا الى درك العداء الصريح للجمهورية وخيانتها.

       أما بالنسبة لنا، نحن الشيوعيين، فقد أكدنا منذ فجر 14 تموز على ضرورة تنشيط جبهة الاتحاد الوطني وتعزيز وحدة القوى الوطنية على أساس صيانة الجمهورية والسير بها قدماً في طريق أهداف الثورة، وعملنا بكل ما كان في وسعنا لتعزيز هذه الوحدة برغم نظرة التمييز التي كنا ضحيتها، ونبّهنا الى الأخطار الناجمة من السياسات والمواقف الانقسامية وأكدنا على ضرورة تآخي كل القوى المعادية للاستعمار والإقطاع استناداً الى ضمان تكافؤ الفرص أمام كل القوى الوطنية في ما يتعلق بحقها في التمتع بالحريات والمشاركة في مسؤولية الحكم، وكنا ولا نزال - نبني رأينا هذا لا على أساس المغانم الحزبية الضيقة أو غير المشروعة، بل بالضبط على أساس وعينا العميق لمستلزمات وحدة الصفوف الوطنية ومن أجل صيانة الجمهورية ضد جبهة أعدائها المتربصين. وبالرغم من تنكر هذه العناصر لميثاق جبهة الاتحاد الوطني وتجاهلها لهذه الأسس السليمة لوحدة الصفوف، فإننا واصلنا بثبات وأمانة مهمة الشرف في الحفاظ على وحدة الصفوف ومساندة الجمهورية ولف الجماهير حول زعامة عبد الكريم قاسم. ووضعنا كل إمكانياتنا وطاقاتنا في هذا السبيل السليم. واليوم إذ تمر أكثر من ثمانية أشهر على ثورتنا الخالدة، يمكن لكل منصف مخلص أن يستعيد في ذاكرته الأحداث ليستخلص حقيقة أننا حافظنا بثبات على العهد الذي قطعناه حينئذ ولم ننحرف عنه قيد شعرة، رغم الظروف المعقدة والأعاصير المتبدلة الاتجاه. وأكثر من ذلك إننا كنا نحذر تلك العناصر بالذات من مغبة الانزلاق في طريق التآمر ومعاداة الجمهورية، وننصحها بضرورة التمسك بالأساليب الديمقراطية السليمة في الدعاية لشعاراتها، وبأن الشعب العراقي الذي يتمتع بتجربة سياسية زاخرة ستكون له الكلمة الأخيرة في اختيار أو نبذ هذا أو ذاك. وقلنا، آنئذ لتلك العناصر بصراحة بأنها أمام مفترق طريق، أمام منـزلق خطر قد يؤدي بها الى أن تتحول من قوى سياسية وطنية الى عصابات استفزازية لن يكون نشاطها نافعاً لغير الاستعمار وعملاء الاستعمار.

       ومع الأسف، فإن عددا كبيرا من تلك العناصر انساق وراء توجيهات المغامرة الصادرة من وراء الحدود من جهات لم تقدّر مسؤولياتها ولم تبد الحرص اللازم على سمعتها الوطنية والقومية وانساقت وراء دوافعها الضيقة وخضعت لخداع المستعمرين وأضاليلهم. أقول مع الأسف إن تلك العناصر اندفعت أكثر فأكثر في طريق التآمر والتخريب والعداء للجمهورية، وبذلك وضعت نفسها خارج القوى الوطنية المخلصة، واستحقت غضب الشعب والجمهورية.

  وبالطبع ينبغي أن لا يعني ذلك أن جميع المنتمين الى حزبي البعث والاستقلال أو سواهم من الأفراد الذين يصطلح على تسميتهم (القوميين)، قد انزلقوا الى طريق التآمر والعداء للجمهورية. فهناك دون شك عدد من العناصر وخصوصا من الشباب الذين عملوا مع هذه الجماعات بدوافع الإخلاص التام للشعب والأمة العربية. منهم من كان لديه الوعي الكافي فلم ينسق أو يتلوث بأساليب التآمر والتخريب، ومنهم من سار شوطاً أو ساهم الى حد ما في هذه الأساليب، ولكنه تنبه الى مخاطر هذا السبيل المعادي للجمهورية والضار بالتضامن العربي والقومية العربية، فأظهر استعداده المخلص للتراجع وتصحيح موقفه.

      وعلى هذا ينبغي ألا ينظر الى جميع القوميين والمدعين (القومية) نظرة واحدة، وأن يفسح المجال في صفوف القوى الوطنية، لأولئك الذين يستطيعون أن يبرهنوا عمليا للجماهير على إخلاصهم لنظامنا الجمهوري المتجاوب مع قضيتنا القومية على أساس تحرري ديمقراطي سليم وشجبهم كل متآمر على هذا النظام. وهؤلاء الأخوان مدعوون من جانبهم الى مساعدة الجمهورية في فعالياتها لكشف المتآمرين والمتربصين ومحاربتهم وإنزال العقاب الصارم العادل بهم. كما أن الجماهير مدعوة لمساعدتهم وجذبهم ثانية الى صفوفها. إذ ليس في صالح الجمهورية التفريط بأولئك الصادقين في إخلاصهم، ومعاداتهم ومعاملتهم كغيرهم من المتآمرين والمخربين.

سؤال ـ كيف يمكن - في رأيكم - تنشيط جبهة الاتحاد الوطني وزيادة فعالياتها الى مستوى ما يتطلبه الوضع الراهن ؟

      جواب ـ إن حزبنا انتهج على الدوام وبثبات سياسة الجبهة الوطنية. وإن الشعب العراقي، نتيجة لتجربته الطويلة في الكفاح الوطني، قد أدرك جيدا أهمية وحدة القوى الوطنية في النضال ضد الاستعمار.

      وكانت كل الأحزاب والقوى الوطنية مقتنعة، قبل ثورة 14 تموز، بأن ليس باستطاعة أي حزب بمفرده أو أي جهة وطنية أن تأخذ على عاتقها مهمة تحرير البلاد وتحقيق الاستقلال الوطني. وغداة 14 تموز، عندما أصبحت الحلقة المركزية في النضال الوطني، هي صيانة الجمهورية، أعلن حزبنا بصراحة أن هذه المهمة هي الأخرى، لا يمكن تحقيقها بجهود حزب معين أو قوة معينة. وأن السبيل الوحيد لصيانة الجمهورية واستقلالها الوطني هو سبيل تظافر جهود كل الأحزاب والقوى الوطنية. وقد استرشد حزبنا بأمانة تامة وتمسّك بقوة بهذه السياسة الوطنية. ورغم التطورات التي حدثت منذ 14 تموز حتى الآن، فإن هذا الاستنتاج ما يزال صائبا كل الصواب. ومن الواجب أن يتم الإقرار بصوابه والعمل بموجبه من جانب كل الأطراف وكل القوى الوطنية من الشعب والجيش على السواء.

      إن جبهة الاتحاد الوطني مدعوة الآن الى إعادة النظر بجدّية في بنائها وأسلوب عملها. فقد كانت جبهة الاتحاد الوطني - كما هو معلوم - قد تأسست في ظروف استعمارية قمعية بغيضة وانتهجت سبل العمل السري الضيق. واكتفت بارتباطات ممثلي القوى الوطنية من الأعلى دون أن يكون لها مجال الاعتماد على المنظمات الجماهيرية التي كانت هي الأخرى تجابه ظروف القمع والتضييق.

     ولكن الأوضاع الراهنة تختلف اختلافا جوهريا - وخصوصاً بعد الانسحاب من حلف بغداد - في ظل جمهورية وطنية تعتمد على تنظيم الشعب وإرادته الى حد بعيد. وهذا يستوجب أن تجري إعادة النظر في بناء الجبهة وأسلوب عملها، على أساس السياسة الوطنية الديمقراطية التي عبرت عنها الغالبية الساحقة من جماهير الشعب والتي تحدد المعالم العامة لسياسة جمهوريتنا البطلة تحت زعامة أبن الشعب البار عبد الكريم قاسم.