خريطة القوة في العراق
تقي الوزان
"
مسودن ونشيط " صفتان تتكاملان بحالة واحدة . والمسودن في العراق لاتعني
المجنون الرسمي , أي من لحق الخراب بعقله من ناحية فسلجية , بل بمن
يدعي الجنون , ويحسم اي امر كبير قبل ان يفكر به , والنشيط الذي يمتلك
القوة الجسدية التي ترافق الصفة الأولى لحسم اية مشكلة , وحصوله على
الشئ الذي يريده . والبيئة الأجتماعية العراقية تحوي الكثير من هذه
النماذج . حتى اصبحت احدى المهن الجديدة المربحة جداً في السنتين
الأخيرتين . وأبرز اسباب هذه الظاهرة هو الكسب غير المشروع , وتنفيذ
رغبات التسلط . بعد ان اصبحت القوة الجسدية تعني العصابات والمليشيات
المسلحة في غياب فاعلية القانون .
وللمسودن تسميات عدة تحدد درجته ونوعيته , فمثلاً " السويج " وتعني
يمكن تحريكه لأرتكاب الحماقة بأسرع وقت , ومن اول كلمة , و" النص ردن "
الذي يستخدم نصف عقله ونصف جنونه , و" المنكَد " الذي على بداية طريق
الجنون , والتسميات كثيرة " مشخوط , نص ستاو , شماعية , كويلات , خلص
تتنه .....الخ ".
وفي معرض تداول " النص ردن " الدكتور محمود المشهداني رئيس البرلمان
العراقي مع حجة الأسلام والمسلمين السيد مقتدى الصدر حول " كويلات "
الشعب العراقي الذي انتخب هذه النخبة " النص ستاو " لمجلسه التشريعي.
وسأل الدكتور المشهداني السيد مقتدى الصدر , فيما اذا كان يرغب بمناقشة
وجدولة الأنسحاب الأمريكي من العراق . فأجابه السيد مقتدى وبشكل حاسم :
لاحبيبي أحنه " سويج " مانفيدك , روح للفضيلة " منكَدين " ويفيدوك .
" المسودن ونشيط " يمارس " رجولته " وتسلطه على الضعفاء من ابناء
منطقته ومدينته , ويتحاشى الظهور امام الأشقياء والبلطجية الحقيقيين ,
خوفاً من ان ينكشف جبنه وهزاله , ويسقط حتى في نظر من يغشونه . وعند
ملاقاته للشقي يتقرب له , ويظهر له الطاعة , ويكون حريصاً على ان
لايلفت نظره الى اي مظهر يدعي " الرجولة " خوفاً من استفزازه . والشقي
من جانبه لايعيره اي اهتمام , ولكنه يقلم اضافره عندما يكشف ثعلبيته
ويحس بأزعاجه , ويبطش به عندما يشعر اصبح خطراً عليه ويكاد ان يزيحه من
منطقة نفوذه .
والشقي هذه المرّة ليس لديه وطن , ولا قومية , ولا دين , ولا مذهب ,
ولا ضمير اووجدان . اي لايوجد شئ من الصفات الأنسانية يمكن ان يردعه
مثل اشقياء ايام زمان , فالشقي الأمريكي ليس امامه غير مصلحته .
ويبدو ان بعض القوائم " خلص تتنهه" , وبالذات قائمة "الإئتلاف " التي
لن يشفع لها حبل المساعدات الإيرانية , ولا تزكية آية الله العظمى
السيد علي السيستاني بعد ان نفض يديه منها , ولا التصريحات الدبلوماسية
بين بعض اقطابها.
بعد ان مزقتها الصراعات الدموية بين اطرافها الرئيسية للأستحواذ على
السلطة والجاه والمال .وكذلك للأنكشاف الذي اخذ يتمظهر اكثر بين "الشقي
" و "المسودن ونشيط " . والسبب الأخطر المظاهرات الشعبية التي انطلقت
في الكاظمية والديوانية والناصرية والسماوة , وربما في مدن أخرى جرى
التعتيم الأعلامي عليها مثل مظاهرات دربندخان وكلار وكفري وجمجمال
والسليمانية . وجميع هذه التظاهرات تطالب بالخبز , والأمن , وتحسين
الأوضاع , وتدوير الدورة الأقتصادية . وكفرت هذه الجماهير بكل الذين
انتخبتهم .
الوقت اصبح ضيقاً بالنسبة لقائمة "الإئتلاف " , وعلى الأطراف المكونة
لها ان تحسم وضعها . فاما الأنحدار مع الشقي الإيراني المراهق , او
السير في ركاب الشقي الأمريكي الكبير صاحب السلطة المخولة في العراق ,
حال القائمة " الكردستانية " , وحلفاء الأمريكان القدماء الجدد من
البعثيين في قائمتي " التوافق والحوار " . او الأنسحاب الى قسم الفقراء
في القائمة " العراقية " من الشيوعيين والديمقراطيين والعلمانيين ,
الذين لاحول لهم ولا قوة في هذه المرحلة المشؤومة .
والشعب العراقي لم يكفه الوضع البائس الذي يعيشه , بل يجرجر اليوم ,
وعلى ايدي من انتخبهم الى افق غير محدود من القلق والخوف مع اقتراب
الصراع بين الإيرانيين والأمريكان حول الملف النووي الإيراني .
والعراقيين يعرفون جيداً ان الثمن الأصعب الذي يدفع للحرب هو من دمائهم
, وليس من دماء الأشقياء والحوشية .