تجريف كردية
الفيدرالية
تقي
الوزان
مشكلة العلم ليست المشكلة الأهم , وتبقى رغم الحجم الكبير الذي استحوذت
عليه لاتتجاوز في ثقلها النوعي اكثر من اشكالية تقاسم السلطة , ونوع
النظام السياسي . واثارتها في هذه الفترة بالذات من قبل رئيس الأقليم
السيد مسعود البرزاني يرجح لها للف الشارع الكردي , وتطمين ثقته
بالقيادة السياسية التي تواصل السعي لأنجاز وتثبيت مكتسباته القومية .
هذه الثقة التي تخلخلت في الفترة الأخيرة نتيجة عدم وجود تقدم حقيقي في
الحياة المعيشية لأغلب جماهير كردستان رغم وجود الأمن الذي يفتقد في
باقي مناطق العراق . وتجلت عدم الثقة هذه في المظاهرات الأخيرة التي
عمت الكثير من المدن الكردستانية , وسقط فيها قتلى وجرحى وسجن اخرين .
استغلال قرار عدم رفع العلم من قبل مجموعات غير قليلة في الجانب العربي
, والتحشيد العاطفي الذي رافق الأعتراض , وصوّر القرار كونه احد تجليات
روحية الأنفصال عند القيادة الكردية , يشي برغبة التنكر من قبل بعض هذه
الجماعات الى رفض مبدأ الفيدرالية ذاته , ووصل الأمر بالبعض البعثي مثل
"صالح المطلك" بالتهديد في الأنتقام عند استلام السلطة مرّة اخرى ,
وناسياً استحالة العودة الى عصرهم "الذهبي " . والمهم هو كيفية تثبيت
الفيدرالية بالشكل الصحيح والذي لايترك مجالاً للتراجع عنها مرة أخرى ,
ونحن امام لجنة دستورية ستعيد النظر ببعض مواد الدستور .
بعودة قصيرة الى الوراء, وبالذات الفترة التي سبقت اسقاط النظام ,
واللقاءات والأجتماعات التي رافقتها في كردستان ولندن وواشنطن لأطراف
الحركة الوطنية المعارضة للنظام المقبور , وطلب القيادة الكردية من
الآخرين اقرار صيغة الفيدرالية لكردستان والتي هي امر واقع بالنسبة
للخريطة السياسية العراقية . ونذكر محاولات التهرب من الأقرار بها
بأتفاقات مكتوبة من قبل الأحزاب الأسلامية الشيعية , وكيف حوقلت
النقاشات بعد النظرات بأنتظار اقرارها بعد التغيير .
وجاء التغيير , ومسكت السلطة باليد الامريكية التي وعدت الاكراد
بالفيدرالية ايضاً . ولم يبقى امام الأحزاب المتلكئة او الرافضة لها
الا الموافقة , وبدل ان تتجه القيادة الكردية لتبني واحتضان المشروع
الديمقراطي العلماني , وبالذات برنامج الحزب الشيوعي العراقي الذي اقر
الفيدرالية , وحق تقرير المصير, قبل اقرارها من قبل الأحزاب القومية
الكردية , وبفترة ليست قصيرة , وتبعها بأجراء عملي يفصل فيه منظمته في
كردستان لتكوّن "الحزب الشيوعي الكردستاني " , هذا البرنامج الداعي الى
حل المسألة القومية الكردية بالشكل الجذري والعادل بأقرار الفيدرالية
الكردية .
بدل هذا اتجهت القيادة الكردية لأقرار الفيدرالية بشكل عشوائي , وبدون
تحديد لأسس خصوصيتها الكردية , في مسعى منها لكسب اعتراف بعض الأصوات
الشيعية القوية "المجلس الأعلى " , او للأعتقاد بكونها الوسيلة الأسرع
للوصول لحلم الدولة الكردية بعد ان يكون العراق قد تجزء . وهذا الأتفاق
لأقرار هذه الصيغة , واستعجال تثبيتها في الدستور جعل من الفيدرالية
اداة قلق اكثر مما هي اداة تثبيت لمسيرة واقرار الحقوق الديمقراطية
لعموم الشعب العراقي .
هذا التجريف لكردية الفيدرالية انعكس مباشرة بطلب قائمة" الإئتلاف
"التي يقودها السيد عبد العزيز الحكيم رئيس "المجلس الأعلى" بأقامة
فيدرالية "الوسط والجنوب " الطائفية , ليتفجر "اللغم" وترفض من قبل
احزاب شيعية وسنية , ويتشضى الموقف من جديد في مفهوم الفيدرالية ,
ويعيد قلق الشارع الكردي على منجزهم القومي .
يقول السيد عبد العزيز الحكيم في الذكرى الثالثة لأستشهاد شقيقه السيد
محمد باقر الحكيم رحمه الله , الفيدرالية اما الكل يأخذها او يحرم الكل
منها .
ولاننسى ان النظام الايراني يهدف لافشال" الفيدرالية الكردية " بكل
الوسائل , ومثلما هو معروف ,ان الذي يهدد وجود ايران كدولة هي المسألة
القومية , وايران تحوي ستة قوميات رئيسية , ونجاح الفيدرالية في العراق
سيحفز القوميات الايرانية وبشكل سريع للحصول على حقوقها القومية . ولما
لم يعد هناك مجال لايقاف الأعتراف بالفيدرالية الكردية في العراق ,
فاللجوء الى تفجيرها من الداخل ومحاولة اقامة الأقليم الشيعي , وبعدها
الضغط على الأحزاب الشيعية التي تقود الأقليم لفصله واستقلاله عن
العراق , وتكون نتيجة اقرار الفيدرالية هو تمزيق وحدة البلد . وهذا ما
يطرح ك"كلام حق يراد به باطل " من قبل القوميين العرب والبعثيين .
قلق الفكر القومي للقيادة الكردية أراد الوصول بأسرع وقت لأنجاز الطريق
, دون النظر الى وجوب صب الطريق بالأسمنت المسلح قبل اكسائه بالأسفلت ,
لأن هذا الطريق ستعبر عليه الشاحنات والأثقال القومية في كل المنطقة ,
بما فيها اثقال القومية الكردية المتوزعة على اربعة بلدان , وانجاز
الطريق بدون الأساس الصلب يكون عرضة للتآكل السريع , وحفر المطبات ,
وهذا ما حدث في بداية السير عليه . والقيادة الكردية تعلم جيداً ان
الوقت لايزال مبكراً جداً لتقرير المصير كما هدد به رئيس الأقليم السيد
مسعود البرزاني . وتحولت القضية اقرب الى لعبة "جر الحبل " من تثبيت
الأسس الديمقراطية الصحيحة لأقرار حقوق الشعب الكردي .