الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

استهداف مكتب العربية عين لا تحتمل رؤية الحقيقة

سردار عبدالله

               

                     لا احد غير الإرهابيين يملك الدليل القاطع على ان المستهدف الحقيقي من العملية  الإرهابية الأخيرة في بغداد هو مكتب قناة العربية ، لكن المنطق يؤكد بأن المستهدف الحقيقي ، لا بل الوحيد من تفجيرتلك السيارة المفخخة هو مكتب قناة العربية في بغداد ، والأدهى من ذلك يمكن ، التأكيد بأنه حتى لو لم يكن المستهدف الحقيقي هو مكتب العربية فإن ذلك، لايمكن إلاّ أن يعني ان مكتب العربية في بغداد ، او العاملين فيه لازالوا مديونين للإرهابيين ، على الأقل بعملية واحدة قادمة . على الجانب الآخر يمكن القول بأن الإرهابيين قد امهلوا العربية اكثر مما كان متوقعا ، او على الاقل اكثر مما كانوا يحتملون هم تحمله مما يرونه يوميا من العربية و (عمايلها) .

            عندما تولى الزميل عبدالرحمن الراشد مهمة ادارة محطة العربية تبدى لي المشهد على انه صراع بين مدرستين وقد كتبت بهذا المعنى بأن هذا الحدث يشكل إمتحانا حاسما ليس لقناة العربية وحدها  وكذلك ليس للزميل عبدالرحمن الراشد ، بل لمجمل منظومة الإعلام العربي. وكان المشهد واضحا جدا ، إذ ان العربية كانت حتى ذلك اليوم جزءا من منظومة (البروباكندا) العربية التقليدية ،لاسيما وانها جاءت لتنافس (خنادق إعلامية) ،  فتماهت بالنتيجة معها واخذت تتبنى نفس الخطاب الإعلامي ، لا بل وصل بها الأمر الى استعارة المفردات والعبارات اليومية ذاتها ، طبعا نتج عن ذلك تبني نفس المواقف السياسية من اهم واخطر القضايا الحاضرة . نتيجة لكل ذلك غرقت العربية في مستنقع البروباكندا . من هنا جاءت خطورة واهمية التحدي الذي واجه الراشد في مهمته هذه ، فكان من المستحيل إعلان هدنة بين هذين الإثنين ، كما انه بدا الوصول الى (مواقف) وطروحات ورؤى وسطية ضربا من الخيال . فاصبح من المحتم وقوع المعركة التي قلت حينها بأنه يتوقف على نتائجها الكثير لا للعربية او الراشد وحدهما بل لمجمل منظومة الإعلام العربي. فوقعت معركة دون ان نسمع لها قرعا للطبول ولا جعجعة للسيوف لذلك ربما يكون الأمر قد مر مرور الكرام بالنسبة للمشاهد العادي ، ولو ان التغيير الكبير الذي حدث في اداء القناة اكبر من ان يمر هكذا دون ان يجبر الناس على تلمسه، ولكن الأثر الكبير الذي تركه هذا التغيير على المشهد الإعلامي العربي والخطوات الكبيرة التي تركت فيها العربية مساحة البروباكندا لتدخل حيز الإعلام الموضوعي المحترف المعاصر، ما كان ليخفى على احد وخاصة المتضررين من حدوث هذا التحول . اكبر المتضررين هم الحركات الإرهابية التي كانت ولا تزال ترى في القنوات الفضائية ومجمل وسائل الإعلام اجهزة بروباكندا ايديولوجية يجب تسخيرها الى اقصى حد ممكن لخدمة خطابها المنعزل عن العالم ومايجري فيه يوميا . هنا يكمن سر استهداف العربية . ولكن ما الجريمة الكبرى التي اقترفتها العربية لتتحول بين ليلة وضحاها من قناة كانت تتلقى الأشرطة المسجلة لتبثها الى قناة (زنديقة وكافرة وقع عليها الحد) فاستحقت الموت ؟ الجواب واضح ، فالعربية لم تخرج من خندق البروباكندا المتمترسة لطرف ، لتدخل في الخندق المقابل ، بمعنى انها لا تنحاز الآن الى (المحتلين الكفرة) ، بل ان الحقيقة هي ان الإرهابيين الذين قسموا العالم الى خندقين متقاتلين وكفروا الذين لا يؤيدونهم او على الأقل الذين لا يجارونهم، ما عادوا يحتملون ان تطلع قناة مؤثرة تتمتع بالمصداقية وثقة المشاهد يوميا لتنقل جزءا ولو بسيطا جدا من الحقيقة . فالعربية كانت بمأمن وكان بالإمكان ان تبقى كذلك الى يوم القيامة ، لكن الجرم الذي اقترفته اكبر من ان يتم فيه اي تساهل او تهاون ، ان خطيئة العربية الكبرى هي انها تحولت ودون اي ضجيج الى عين واحدة لاترى إلا الحقيقة، امام قوى ظلامية لا تطيق الحقيقة ولاتحتمل رؤيتها فكان من المحتم العمل على ضرب هذه العين . واكاد اجزم بأن المسكين الذي قاد السيارة المفخخة قد نفذ (واجبه الديني) وهو متيقن من ان الجنة مضمونة له لا لسبب ، إلا لأنه ضرب العين التي كان لابد لها من ان تعمى. هنا ندخل مساحة الجد ويأتي السؤال الحاسم ، او لنقل الإمتحان الثاني الذي يجب ان تخوضه العربية لتحسم جملة امور مهمة وحاسمة لازالت معلقة . هل ان العربية سخضع للإبتزاز والتخويف كما يتوقع ويرجو الإرهابيون ، ام انها س(تخيف) الإرهابيين بصلابتها وشجاعتها وقوة ايمانها بالرسالة التي تؤديها وبإصرارها؟ استطيع ان اراهن بأن العربية بعد ان تخطت الإمتحان الأول بإمتياز لابد ان تجتاز هذه الجولة ايضا وبإمتياز طبعا. لكن الذي جعلني متأكدا الى هذه الدرجة ليس التعويل على التكهنات وما انجزته العربية فقط خلال الأشهر القليلة المنصرمة، بل ان السبب هو انني بالأمس رأيت وبأم عيني وبعد مرورسويعات قليلة ، العربية متجلية بصورة الزميلة نجوى قاسم تخرج من بين الأنقاض ولتقف بكل ثقة واصرار على ارض بغداد الملتهبة الجريحة لتهدر بالصوت الرقيق المليء  قوة وايمانا . ولتثبت لنا بأن العين التي لا ترى إلا الحقيقة ، هي وريثة الحكماء الذين وقفوا على مر التاريخ من مشاهد التخويف والإرهاب والموت موقف اللامبالي فأضطر الموت الى ان يتوارى مجللا بالعار، لذلك فإن عينا (قوية) كهذه لايمكن تخويفها ولا يمكن لأي قوة كانت ان تصرفها عن رؤية الحقيقة ، ومهما حدث فإننا نأمل ان تكون الصورة المعبرة للزميلة نجوى قاسم بالأمس بكل شجاعتها واصرارها وايمانها برسالتها الإعلامية المتحررة من بريق الشعارات الأيديولوجية وضجيجها خير شاهد على ما يمكن ان نرى بها العربية غدا وبعد غد...