الايجاز في البلاغة
سليم
الجصاني
الايجاز لغة هو التقصير واوجزت الكلام أي قصرته.
واما في الاصطلاح فان الايجاز يقصد به ((ان يكون اللفظ اقل من
المعنى، مع الوفاء به))، والا كان اخلالا يفسد الكلام، ويعد
الايجاز من خصائص وسمات اللغة العربية المميزة، فقد كان العرب
يميلون الى الايجاز ولايركنون الى الاطالة والاسهاب فبعضهم كان يعد
الايجاز هو البلاغة، وكذلك فعلوا في قصائدهم ، فقد قيل لبعض العرب
لم لاتزد على اربعة، فاجاب هن بالقلوب اوقع والى الحفظ اسرع
وبالالسن اعلق، وللمعاني اجمع، وصاحبها ابلغ واوجز. ولهذه السمة أي
لما للايجاز من وقع في نفوس العرب دأب البلاغيون الى وضع اصول
وحدود الايجاز واهتموا به وحرصوا على بيان مواضعه اذ ان المواضع
ليست كلها صالحة للايجاز ولايجمل الايجاز في كل مقال وفي كل وقت اذ
لكل مقام مقال والى هذه المسألة اشار ابن قتيبة في كتاب الموسوم
بادب الكاتب ص15 بقوله(ولو كان الايجاز محمودا في كل الاحوال لجرده
الله تعالى في القرآن، ولم يفعل الله ذلك ولكنه اطال تارة للتوكيد
وحذفه تارة للايجاز وكرر تارة للافهام. وتحدث ابن جني عن الايجاز
بشكل مفصل واشار الى ان العرب الى((الايجاز اميل وعن الاكثار
ابعد)). واما ابن رشيق في كتابه الموسوم ب(العمدة) فقد تحدث عن
الايجاز واورد تعريف الرماني الذي ذهب الى ان (الايجاز هو العبارة
عن الغرض باقل مايمكن من الحروف). وعرف الرازي الايجاز بقوله( انه
العبارة عن الغرض باقل مايمكن من الحروف من غير اخلال). وقد تحدث
بلاغيون ونقاد اخرون كثر عن الايجاز بشكل مفصل.
اقسام الايجاز: للايجاز قسمان هما:
اولا: ايجاز القصر: ويقصد به تقليل الالفاظ وتكثير
المعاني، ويرى البلاغيون ان هذا النوع من الايجاز يحتاج الى تأمل
ومنه قوله تعالى (ولكم في القصاص حياة). وتتضح هذه الاية المباركة
اذا ماقورنت بقولهم(القتل انفى للقتل) فمن المقارنة تتجلى لنا عدة
مسائل منها:
1-
افادة تنكير (حياة) من التعظيم.
2-
سلامة
الاية المباركة من التكرار الذي يعد عيبا من عيوب الكلام.
3-
ان
القصاص ضد الحياة، وان ماكان بينهما من جمع في الاية المباركة هو
طباق.
ثانيا: ايجاز حذف: ويقصد به مايحذف فيه كلمة او
جملة او اكثر مع بقاء ووجود قرينة تشير الى الشيء المحذوف واشار
ابن الاثير الى هذا النوع في كتابه الموسوم ب(المثل السائر) ج2 ص
81 اذ قال(اما الايجاز بالحذف فانه عجيب الامر شبيه بالسحر، وذاك
انك ترى فيه ترك الذكر افصح من الذكر والصمت عن الافادة ازيد
للافادة وتجدك انطق ماتكون اذا لم تنطق، واتم ماتكون مبينا اذا لم
تبين.... والاصل في المحذوفات جميعا علىاختلاف ضروبها ان يكون في
الكلام مايدل على المحذوف، فان لم يكن هناك دليل على المحذوف فانه
لغو من الحديث لايجوز بوجه ولاسبب. ومن شرط المحذوف في حكم
البلاغة انه متى اظهر صار الكلام الى شيء غث لايتناسب ماكان عليه
اولا من الطلاوة والحسن.
ادلة الحذف: هناك عدة ادلة تشيرالى الحذف:
1-ان يدل العقل على الحذف والمقصود الاظهر على
تعيين الحذف نحو تعالى(حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير). فان
العقل يشير الى الحذف ويدل عليه، والمقصود الاظهر والاولى يرشد الى
ان التقدير هو: حرم عليكم تناول الميتة والدم ولحم الخنزير ، وذلك
لان الغرض الاظهر من المذكورات هو تناولها.
2- ان يدل العقل على الحذف والتعيين، نحو قوله
تعالى(وجاء ربك) فان العقل اشار الى الحذف ودل عليه فضلا عن تعيينه
والتقدير: امر ربك او عذابه او بطشه.
3- الشروع في الفعل: كقول المؤمن(بسم الله الرحمن
الرحيم) عند الشروع في القراءة او عمل ما. فانه يفيد ان المراد(بسم
الله اقرأ).
4- اقتران الكلام بالفعل: فانه يفيد تقديره نحو
قولنا لمن اعرس(بالرفاه والبنين) وماافاده الفعل من تقدير هو:
بالرفاه والبنين اعرست. ومعنى الرفاء هو الاتفاق والتوادد.
والمحذوف قسمين:
الاول:حذف جزء الجملة،أي حذف المفردات ويكون على
صور مختلفة منها:
1-حذف الفاعل والاكتفاء في الدلالة عليه بذكر الفعل
نحو قوله تعالى((كلا اذا بلغت التراقي وقيل من راق)). ويدل الضمير
في الفعل بلغت على (النفس).
2-حذف المضاف او المضاف اليه، وابقاء احدهما مكان
الاخر فمن حذف المضاف واقامة المضاف اليه قوله تعالى((واسأل
القرية)). والتقديراهل القرية فحذف المضاف((اهل)). واما حذف المضاف
اليه واقامة المضاف فمثاله قوله تعالى((ولله الامر من قبل ومن
بعد)). والتقدير: من قبل ذلك ومن بعده فقد حذف المضاف اليه وبقي
المضاف وهذا النوع اقل من سابقة. أي ان حذف المضاف اليه قليل بخلاف
حذف المضاف. وقد يحذف المضاف والمضاف اليه وهو امر نادر جدا ومثاله
قوله تعالى((فقبضت من اثر الرسول)) والتقدير من اثر حافر
الرسول(صلى الله عليه واله وسلم) فحذف المضاف والمضاف اليه(حافر
فرس).
3-حذف الموصوفوالصفة واقامة احدهما مقام الاخر،
فمثال حذف الموصوف وبقاء الصفة قوله تعالى((واتينا ثمود الناقة
مبصرة). والتقدير اية مبصرة، ولم يقصد ناقة مبصرة اذ لامعنى من
وصفها بانها مبصرة.
ومن حذف الصفة قوله تعالى:(وكان وراءهم ملك يأخذ كل
سفينة غصبا) والتقدير: ياخذ كل سفينة صحيحة اوصالحة.
4-حذف المفعول به نحو قوله تعالى((وانه هو اضحك
وابكى. وانه هو امات واحيا)). فثمة في الاية المباركة مفعولات
محذوفة أي ان مفعولا به قد حذف بعد كل فعل ورد في الاية.
5-حذف القسم وجوابه فمثال فحذف القسم ((لافعلن))
أي: والله لافعل ومثال حذف جوابه قوله تعالى:(والفجر وليال عشر،
والشفع والوتر....)) فجواب القسم في الاية المباركة محذوف وتقديره:
ليعد بن
6- حذف المبتدأ والخبر: قد يحذف المبتدأ واحيانا
يحذف الخبر فمثال حذف المبتدأ قولنا((الهلال والله)) والتقدير (هذا
الهلال). ومثال حذف الخبر قولنا(لولا محمد لهلك الناس).
7- حذف(لا): تحذف لا من الكلام وهي مرادة نحو قوله
تعالى (تالله تفتؤ تذكر يوسف). والتقدير: لاتفتأ فقد حذفت(لا) من
السياق وهي مرادة في المعنى.
8-حذف الواو: تحذف الواو من الكلام، واحسن حذفها من
المعطوف والمعطوف عليه، ومنه قوله تعالى((ياايها الذين امنوا
لاتتخذوا بطانة من دونكم لايألونكم خبالا ودوا ماعنتم قدبدت
البغضاء من افواههم وما تخفى صدورهم اكبر)). والتقدير: لايألونكم
خبالا وودوا..
9- حذف بعض اللفظ وهو سماعي لايجوز القياس عليه،
ومنه قول علقمة ابن عبدة:
كأن ابريقهم ظبي على شرف
مفدم بسبا الكتان ملثوم
الفدام: خرقة تجعل في فم الابريق من سبائب الكتان:
جمع سبيبة وهي الشقة وقيل الشقة البيضاء.
10- حذف جواب(اذا) نحو قوله تعالى((واذا قيل لهم
اتقوا مابين ايديكم وماخلفكم لعلكم ترحمون. وماتأتيهم من اية من
ايات ربهم الا كانوا عنها معرضين)). والتقدير في الاية المباركة
هو: واذا قيل لهم اتقوا اعرضوا واصروا على تكذيبهم، وقد دل على ذلك
قوله تعالى(( الا كانوا عنها معرضين)).
ومن هنا نعي دقة الايجاز وما يتركه من اثر بلاغي
عند المتلقي الامر الذي يستحق الدراسة لهذا الموضوع البلاغي المهم
وان ما اشير له هنا هو اشارة بسيطة الى هذا الموضوع .