سلامة العربية
الفصيحة (الحلقة
الرابعةوالاخيرة)
سليم
الجصاني
تتمةً للحلقة الثالثة نورد بقية المواطن التي من شأنها ان تحفظ
للغة سلامتها:
3- وسائل الإعلام : عرف
قديماً أن الشعر هو وسيلة للاعلام الأولى : وهذا ما نشهده في قول
المتنبي : أجزني إذا أنشدت شعراً
فإنما بشعري أتاك المادحون
مرددا
ودع كل صوت غير صوتي
فأنني الطائر المحكي والآخر
الصدى
ونحو قول أبي تمام :
السيف أصدق
أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح
لاسود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب
يلي الشعر في مجال
الدعاية والاعلام فن الخطابة إذ يعد فناً اعلامياً مؤدياً للهدف
المنشود ومن ذلك ماكان يحدث في أسواق الكلام وماعرف عن العرب في
سوق عكاظ من تبادل اعلامي عن طريق استعمال فن الخطابـة ، ومن ذلك
مانسب إلى قس بن ساعدة حيث قال " أيها الناس اجتمعوا .. إلى قوله :
أم تركوا فناموا " وهذا الأمر من اعتماد فن الخطابة مانلحظه عن
مجيء الاسلام واعتمادهم الخطابة كوسيلة اعلامية هامة تعين في نشر
الدين الحنيف ، أما في يومنا هذا فقد تعددت وتنوعت واتسعت وسائل
الاعلام التي امتزجت بطابع تكنولوجي وحضاري ، ونحن نعلم مالوسائل
الاعلام من أهمية كبيرة في مجتمعنا الذي صار يواكب المجتمعات
الأخرى ويسايرها في تطوير وسائل الاعلام التي أضحت من أهم افرازات
التقدم الحضاري المعاصر .
إن الحضارات التي صارت
تركن إلى الحوارات مع بعضها البعض تارة وأخرى تركن إلى صراعات
فكرية متلاطمة ، كل ذلك عند صيرورته فانه يحدث عن طريق القنوات
الثقافية المتعددة والمتنوعة التي تتبادل فيما بينها الطروحات
ووجهات النظر وان هذه القنوات تتمثل في :-
أ- الكتـاب : لقد أشير
إلى الكتاب سابقاً ضمن المنهج إلا أنه فضلاً عن كونه أكثر تخصصاً
بخلاف الصحف والمجلات حيث يعدا وسيلة معلوماتية موسوعية ومتشعبة
ومتنوعة لنقل المعلومات ، على الرغم من ذلك كله فان الكتاب كان
ومايزال ميداناً واسعاً لنقل المعلومات ، فالكتاب من الوسائل
الاعلامية المهمة إذ نلحظ تأليف الكتاب أخذ منحاً آخر عما كان عليه
سابقاً فقديماً توضع الكتب لتوضع في بطونها العلوم البحتة كالطب
والهندسة والكيمياء والفيزياء وعلوم اللغة والفقه وغيرها إلا أنها
في وقتنا هذا اتسعت لتشمل كتب المذكرات والسير وغيرها لتناغم الذهن
البشري بشرائحه المختلفة من الطفولة والشبيبة حتى الكهولة ، ومن ثم
ليشكل الكتاب وسيلة اعلامية ثرة يمكن الأخذ عنها .
ب- الصحف والمجلات
والدوريات : على الرغم من تطور وسائل الاعلام الثقافية
والمعلوماتية من القنوات الفضائية والانترنت وغيرها ، تبقى للصحف
والمجلات أهمية كبيرة وزاد سائغ ودسم للقارئ العربي الذي أخذ على
نفسه ان ينهل بشكل مستمر ودؤوب مما تحمله الصحف اليومية والمجلات
والدوريات من معلومات ، لذا فاننا نجد أن من الضروري العناية بشكل
فائق بسلامة اللغة الصحفية من صوت لغوي وبنية صرفية وتركيب نحوي
ومن بعد ذلك الأثر الدلالي الذي تحمله هذه المستويات اللغوية التي
افترضنا لها أن تكون متينة ، أي أن على إداريي هذه المؤسسات
الصحفية والمجلاتية أن ينتقوا لصحفهم ماهو جدير لغة كي يكتب في
حقولها وعنواناتها ، وعليهم أن يتخيروا ممن يتبارون في النهوض
بالأساليب اللغوية المتينة كدعامة في طرح طروحاتهم وإلقاء
معلوماتهم المختلفة هذا فضلاً عن عرض كل مايكتب قبل أن ينشر على
عمالقة اللغة وأركانها من الأساتذة .
ج- القنوات الفضائية :
تعد القنوات الفضائية من وسائل الإعلام الهامة،بل اكثرها اهمية
نظراً لتشعبها في المجالات المختلفة فمنها ماتتحدث عن الأحداث
السياسية ومنها ماتخصصت بالتاريخ ومنها مااهتمت بالعلوم ومنها
ماركنت إلى نشر الفكر على تعدده ومنها ماعنت بالديانات المختلفة
ومنها مااهتمت بالرياضة ومنها ماكانت غير متخصص ، فضلاً عن ان
القنوات الفضائية تنقل الحدث مصوراً وبصورة سريعة ، أضف إلى ذلك
كونها من اليسر الحصول عليها فقد قرب جهاز التلفاز الشرق بالغرب
والشمال بالجنوب وليخلط بعضهم بالبعض الآخر ويضعه في هذه الشاشة
الصغير والتي صارت بمتناول اليد ، وإذا ماعرفنا هذه الأهمية يتحتم
علينا أن نعرف السبل الكفيلة بصيانة لغتها ، هذا فيما يخص القنوات
المتحدثة باللغة العربية وهي كثر وتؤول كثرتها للأسباب الآتية :-
اولاـ
كثرة الدول العربية :
وبطبيعة الحال فأن كل دولة هي بحاجة إلى قناة فضائية وأن كانت
واحدة في أقل تقدير كي تنقل عن طريقها ثقافتها وأخبارها ورواها
وآدابها وكل ما من شأنه أن يوصلها للتواصل مع العالم الخارجي .
ثانياـ
كثرة الدول الاسلامية
التي تسعى في بعض الأحيان إلى البث باللغة العربية احتراماً لدينهم
وتكريماً لقرآنهم الكريم الذي كرم العربية كونه نزل بها .
ثالثاـ
اعتماد كثير من الدول
العربية لأكثر من قناة واحدة وذلك إيماناً منهم بأهمية هذه القنوات
وجدواها .
ومما يلحظ أن جل هذه
القنوات تراعي وتحرص على المجيء بلغة عربية فصيحة يستثنى منهـا
النـزر القليـل ويرجع ذلك إلى سبب ديني وآخر قطري هذا فيما رصد إلى
وقتنا هذا ، فهناك بعض القنوات على قلتها تسعى إلى التحدث باللهجة
اللبنانية وتغليبها على اللغة الأم ويرجع ذلك إلى عدم الانتماء إلى
الدين الاسلامي فهو سبب ديني ونلحظ من قناة أخرى أو أكثر التحدث
باللهجة المصرية وتغليبها على العربية الفصيحة ويرجع سبب ذلك إلى
تغليب بعض المصريين القطرية المصرية على القومية العربية ،بل على
الدين ولغته هذا فيما يخص البرامج الاخبارية والعلمية وأما فيما
يخص البرامج الدرامية فأن كل قطر يعد برامجه الدرامية والقصصية
والروائية بلهجته العامية ظناً منهم أن الفصيح سوف يسلب هذه الفنون
رونقها وابداعها ويحد من وصول النتاج السينمائي أو التلفازي أو
غيره إلى ذهن المتلقي إذ يبدو أقل قبولاً مما لو جيء به بالعامية .
وهو أمر في الواقع غير
مقبول وتبرير غير قائم على أسس علمية ، فأن اللغات قادر على
المطاوعة ولاسيما اللغة العربية التي حوت كماً هائلاً من الأصوات
والألفاظ والأساليب والتراكيب يجعلها أكثر مرونة من غير، بل أكثر
مرونة من اللهجات . وان البعض يزعم عدم صلاحية هذه اللغة للرقي
والتقدم العلمي ومواكب التطور الثقافي والمعلوماتي ذاهبين في هذا
القول إلى المجيء ببعض الأدلة الواهية ومنها : إن عدد أشكال الحروف
العربية يربو على الأربعمائة فهو يقارب الأربعمائة وخمسون شكلاً أي
أن الحروف بأشكالها مثل السين في بداية الكلمة والسين في وسطها
والسين في آخرها والألف الممدودة والألف المقصورة وإشكال هذه
الحروف بالحركات يوصل إلى هذا العدد وأن هذا العدد من الكبر مايدعو
إلى صعوبة المواصلة مع ادخالها في الحاسب الآلي وطباعتها واخراجها
وأن الرد على هذا القول يذهب بنا إلى الاطلاع على الحروف اليابانية
وغيرها من اللغات التي تربو حروفها وأشكالها على الألفين حرف وهي
على الرغم من ذلك نهضت بأهلها وجعلت من اليابانيين في مقدمة العالم
المتعلم .
د- شبكة الانترنـت :
لقد أضحت شبكة المعلومات الأخطبوطية في تسارع مستمر نحو تسلق باقي
وسائل الاعلام والأتصال الأخرى كي تكون الوسيلة الأولى التي تؤخذ
عنها المعلومة ، فشبكة الانترنت أدت مهمة الكتاب في كثير من
البلدان ، وهي تسعى لجعل الورق المستعمل في حفظ معلومات الكتـاب
والصحيفة والمجلة وغيرهـا ضرب من التاريخ ، وتجعل المرحلة الأكثر
تطوراً من مراحل تطور الكتابة ، فالكتابة في بداية نشؤها في جنوب
العراق قبل خمسة آلاف سنة كانت تدون على الطين والحجر الضخم وكما
نلحظ ذلك في الآثار التاريخية القديمة ومنها مسلة حمورابي المعروفة
ثم بعد ذلك ركن في الكتابة إلى الطين المعمول كصفائح أصغر حجماً
مما كانت عليه، تلا ذلك استعمال رقائق الجلد في التدوين ، ويذكر أن
الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الأمام علي (ع) بجمع القرآن
فجاء به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) في حمل بعير
ثم تلا ذلك استعمال الورق بتدرجه من الأسمر الخشن إلى الأبيض
الصقيل ناصع البياض لنصل إلى شبكة الانترنت التي ستجعل من الورق
أثر من آثار الماضي .
ليس هذا حسب بل ان القنوات الفضائية صارت تنضم في هذه الشبكة لتعرض
عليها عوضاً عن جهاز التلفاز وكذلك الاتصالات الهاتفية والمعلومات
المكتبية
…
وغيرها الكثير . وبما ان هذه الشبكة ليست من وضع العرب وليست هي من
وضع من اطلع على العربية أو حرص عليهـا ، ولكثـرة المواقع وتسارعها
على هذه الشبكـة ولأهمية الشبكة كان علينا ان نجعل لنا في هذه
المكان الواسع والمهم موضع قدم نسعى إلى توسيعه بشكل كبير ومتزايد
بغية التواصل الحضاري والرقي الثقافي والعلمي ، وان هذا الرقي كي
يكون جميلا علينا أن نرقى بلغته وسلامتها ونحرص على صيانة هذه
المواقع لغة فضلاً عن الحرص المعلوماتي .