الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة الاولى

السلام عليكم :

 متانة اللغة العربية      (الحلقة الثانية)

 

 سليم الجصاني

تتمثل متانة اللغة العربية وقوتها ومواكبتها الرقي اللغوي وثباتها بين اللغات دون أن تنقرض أو أن يصيبها التغيير الكبير كما هو شأن كثير من لغات العالم في أمرين هما :-

الأول ـ القرآن الكريم :  إن نزول القرآن الكريم باللغة العربية حفظ للعربية تأليفها النحوي وبناها الصرفية وأصواتها اللغوية وكثير من خصائصها ، وفي الذكر الحكيم ما يشير إلى ذلك كلاً أو ضمناً فمن ذلك قوله تعالـى " إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون " (1) ، وقوله تعالى " قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون " (2) ، ونحن نعلم ما للقرآن الكريم من أهمية في نفوس المسلمين عامة والعرب خاصة ، ونعي ماله من وقع في قلوبهم لما يحمله من سمات عقائدية ودينية يعتنقونها ويؤمنون بها ويحرصون على أداء مناسكها ، فكثير من الأحكام في الدين الاسلامي تحتم على صاحبها عند أدائها أن يؤدها بلغة عربية فصيحة بعيدا عن اللحن والخطأ ، ذلك أن القرآن الكريم ألزم العرب وغير العرب ممن اعتنقوا الاسلام ديناً لهم أن يأتوا بكثير من مناسكهم بلغةعربية ، فمثلاً أن القراءة في الصلاة لاتحق بأن تؤتى بها بغير العربية وكذلك هو الحال فيما يخص الكثير من الأحكام المتعلقة بالعبادات والمعاملات .

الثاني ـ الدراسات التي كتبت بالعربية : أقيمت الكثير من البحوث في شتى العلوم اللغوية اكراماً للقرآن الكريم وتوضيحاً لمعالمه وبعض مكامنه وأسراره اللغوية والتركيبية والبلاغية تارة ، وتارة أخرى كان القرآن الكريم بلغته محوراً استندت عليه كثير من دراسات العربية المختلفة . ومما لاينكر أن الدراسات والبحوث والمؤلفات التي كتبت بالعربية منذ بداية التدوين وحتى يومنا هذا قد شغلت حيزاً كبيراً من المكتبة العالمية وقد شملت هذه البحوث العلوم المختلفة والمتنوعة كعلوم الطب والهندسة والرياضيات والفلك وغيرها فضلاً عن الدراسات اللغوية والأدبية ، وان فهمنا لهذه العلوم على اختلافها يوجب علينا فهم اللغة التي كتبت بها . وعلى الرغم من ذلك كله فإننا لا نزعم ان اللغة بقيت على ماهي عليه إذ أصابها شيء من التغيير فلو نظرنا إلى اللغة العربية قبل مجيء الاسلام في طائفة من النصوص الشعرية لشعراء جاهلين ثم نظرنا إلى هذه اللغة بعد مجيء الاسلام ونزول القرآن الكريم فإننا نلحظ ان اللغة العربية ليست لغة واحدة بل أنها لغتين الأولى هي اللغة العربية الجاهلية والثانية هي اللغة العربية القرآنية ، وكان ان ذهبت اللغة العربية أدراج الرياح لتبقى في ألسنة القائلين بها في تلك الحقبة ، وما بقي هي لغة القرآن . وان تلاشي جزء كبير من العربية كان على مرحلتين الأولى منهما تمثلت بنزول القرآن الكريم والثانية وهذا مايلحظ في تطور المصطلحات والألفاظ العربية بشكـل تدريجي وتأثرها بشكل ملحوظ باللفظ القرآني ، هذا التأثر الذي تارة يتمثل باللفظ وأخرى بالاستعانة بالجمل القرآنية ويبدو جلياً هذا التأثر في لغة الخطابة عند الخلفاء ومثال ذلك خطبة الأمام علي (ع) حيث قال " ألا وإنكم في أيام مهل ، ومن ورائه أجل ، فمن أخلص في أيام مهله فقد فاز ، ومن قصر في أيام مهله ، قبل حضور أجلـه ، فقد خسر عملـه ، وضره أمله . ألا فاعملـوا لله في الرغبة ، كما تعملون له في الرهبة " (3) ، ويلحظ مما أوردناه مدى تأثر الخلفاء والدعاة والقضاة وعامة الناس بالمعنى والتركيب واللفظ القرآني .ونرى عند تتبع بعض ابيات امريء القيس في معلقته انه يورد كثيرا من الألفاظ الصعبة بمعناها والغريبة بجرسها وهي تناغم عصرها ومن ذلك قوله :

              غدائره مستشزرات إلى العلا

                                  تضل العقاص في مثنى ومرسل

وإذا تتبعنا ألفاظ هذه البيت وغيره من أبيات أخرى لهذا الشاعر ولشعراء آخرين سبقوا نزول القرآن الكريم نجد ان كثيرا منها ضمر استعمالها وحلت محلها ألفاظ أخرى تأثرت بالقرآن الكريم . وبمعنى آخر ان اللغة العربية قد اختلفت بشكل كبير بعد نزول السور القرآنية عما كانت عليه قبل النزول ، وعلى الرغم من ان التأثير القرآنية قد شمل العربية بأصواتها وألفاظها وصيغها وتراكيبها وتشعباتها المختلفة ، إلا ان هذا التأثير على كبره وعمقه كان متفاوتاً من جانب لآخر .

وان القول باندثار كثير من العربية وزوالها وان مابين ايدينا هو عربية القرآن هو قول لايعني ان عربية القرآن الكريم لغة أخرى بالمفهوم اللفظي بل هي لغة أخرى بالمفهوم الاصطلاحي فالقرآن الكريم قد جاء بلغة محكمة في تراكيبها وصيغها وكل تفصيلاتها الدقيقة وقد اعتمدت اللغة القرآنية على تنشيط ألفاظ وتراكيب دون ألفاظ وتراكيب أخرى ليبقى ماجاء به القرآن الكريم وما اعتمده متداولاً وحياً ويزول مالم يعتمد بشكل تدريجي ومايبقى منه القليل وأما فيما يخص اللهجات العربية الموجودة آنذاك فأنها إن صح قولنا قد انقرضت ومابقي منها يدرس في كتب اللغة حسب دون أن يخرج إلى مستوى الاستعمال . وما بقي من اللهجات هو ما جاء به القرآن الكريم وقراءاته .

-------------------------------------------------   (1) يوسف / 2 .

 (2) الزمر / 28 .                             

 (3) اعجاز القرآن للباقلاني ، دار المعارف ،تحقيق:أحمد صقر: ص145