سبل الحفاظ على اللغة العربية
سليم الجصاني
دوافع
الاهتمام (الحلقة
الاولى)
يتساءل البعض عن جدوى الاهتمام باللغة العربية، ذلك
الاهتمام الذي ذهب بالبعض الى التكلف دون دراسة وتمحيص كما يرى
الذين يثيرون مثل هذه التساؤلات ،والحق ان الأسباب التي تدعونا
للحفاظ على اللغة العربية كثيرة ومتنوعة ولعل من أهمها :-
سبب قومي :
إن اعتزاز العرب بقوميتهم والتفاخر بها أمر متجذر
في نفوس كثير من علماء هذه الأمة ، وأن رمز هذه القومية هي اللغة
العربية والاعتزاز بالقومية يفضي إلى الامساك بالعربية والتغني بها
إذ ان اللغة قد تغنت بأمجاد القومية ومفاخرها على ألسنة شعرائها
وأدبائها ومفكريها .
سبب علمي
:ويقسم على: أ-
صلة هذه اللغة بالقرآن الكريم الكتاب السماوي
والثقل الأول الذي أوصانا به نبي الأمة ورمزها رسولنا الكريم محمد
( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالأخذ به وتتبع تفصيلاته ، وتلاوة آياته وتأملاها على نحو من الدقة وانعام النظر . وقد ورد
في الذكر الحكيم قوله تعالى
" ورتل القرآن ترتيلا "
(1) ، أي تبين آياته وحافظ على الوقت وتبيين الحروف ،
وقوله تعالى
" فاقرءوا ما تيسر من القرآن "
(2) ، القراءة التي تفضي إلى التدبر والفهم ، وعن
الأمام علي (ع) " ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر " (3)
، وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند لحن أحدهم
قوله (ص) " ارشدوا أخاكم فأنه قد ضل " (4) ، وقد ورد عن
الأمام علي (ع) أنه أشار إلى وضع التحصينات النحوية وتقعيد القواعد
بغية الحفاظ على اللغة (5) ، وقد عرف عن العباسيين
اهتمامهم في مسألة أن يضعوا لأبنائهم مؤدبين يعلمونهم علوم العربية
من نحو وصرف وأدب وغيرها اهتماماً منهم بلغتهم وحرصاً منهم عليها .
وعند العودة إلى تاريخ نشأة علوم العربية نجد ان
لهذه النشأة طائفة من الدوافع قال بها علماء العربية ، فهم يقولون
بالدافع الديني والدافع القومي والدافع الاجتماعي والسياسي والدافع
الثقافي والحضاري .
وعند النظر في هذه الدوافع بإنعام واستقصاء مستفيض
نجد أن أوفرها قبولاً وأقربها إلى الدقة هو الوازع الديني الذي
يذهب إلى القول بان سبب نشوء علوم اللغة من تقعيد لقواعدها وإرساء
لأصولها وتصنيف لصيغها وبناها والنظر في أصواتها وتتبع الكثير من
تفصيلاتها ودقائقها، وان هذا السبب الديني هو الذي بعث في علماء
الأمة وحماتها الهمم كي يشمروا عن أقلامهم ويضعوا للعربية
تحصيناتها ، وذلك عندما لحن أحد القراء في مسجد الكوفـة عند قراءته
لقوله تعالى
" أن الله بريء من المشركين ورسوله
…
"
(6) بكسر اللام في " رسوله " ، وعطفها على المشركين مما
أثر في الدلالة بما هو ملحوظ وكان على اثرها ما هو معروف لنا من
هذه الرواية التاريخية التي جعلت من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
(ع) يشير على أبي الأسود الدؤولي (رض) (7) بوضع اللبنات
الأولى التي أرست دعائم اللغة العربية والتي كانت فيما بعد باباً
لتطويرها ونشوء علوم أخرى .
ومن ذلك يتضح لنا أن سبب نشوء علوم اللغة هو الحفاظ
عليها وأن الحفاظ عليها كان لوازع ديني ، ولايحق لنا أن نأخذ
بالأسباب الأخرى لضعفها فالدافع القومي مثلاً غير كاف للأخذ به
والقومية كانت قبل هذا الوقت ولم تضع للعربية أسسها .
ب- التراث الموجود فيها :
إن هذه اللغة تمثل إرثاً حضارياً ضخماً وصلنا عبر القرون المتعاقبة
يتمثل في الدراسات والبحوث والمؤلفات التي وضعت باللغة العربية
لتدرس في العلوم المختلفة كالطب والهندسة والرياضيات والفلك
والفلسفة والتاريخ والدراسات الفقهية والأصولية وغيرها فضلاً عن
الدراسات التي عنت بعلوم العربية كعلم النحو وعلم الصرف وعلم الصوت
وغيرها . وإننا عندما ننظر إلى العنوانات والبحوث التي كتبت بهذه
اللغة نجدها تملأ حيزاً ضخماً ليس في المكتبة العربية حسب بل في
المكتبات العالمية كافة ، وأن فهم العربية والحفاظ عليها يفضي إلى
فهم هذا الإرث الحضاري الضخم .
-----------------------------------------------------------------
(1) المزمل / 4 .
(2) المزمل / 20 .
(3) عن تفسير القرآن الكريم ، عبد الله شبر : ص أ
. (4) كنز العمال : 1 / 151 .
(5) معجم الأدباء لياقوت الحموي : 14/49
. (6) التوبة / 3 .
(7) ينظر نزهة الألباء لإبن الأنباري . تحقيق :
محمد أبو الفضل ابراهيم ، ص 6 .