|
دائرة
الاحتجاج اللغوي
سليم الجصاني
دائرة الاحتجاج اللغوي مصطلح
أطلقه اللغويون وقصدوا به الإشارة إلى مستويين :الأول هو المستوى
المكاني ،وأما المستوى الثاني فهو الزماني أو ما أصطلح عليهما
بالدايكرون والسايكرون وهذان الضابطان يحددان المادة اللغوية التي
يتوخى رصدها في بطون المعجمات اللغوية بعد عرضها على هذين المعيارين
،وتفاصيل هذه المسائل يعود إلى بدايات التدوين عند العرب وما أشارت
إليه الروايات التاريخية التي ذهبت إلى ان تفشي اللحن والخطأ في
اللغة العربية وانحراف السليقة وبدايات الفساد اللغوي مما حدا بعلماء
العرب إلى وضع أساسات علومها من تقعيد للقواعد ورسم لحدود النحو وجمع
المفردات اللغوية ليؤسسوا المعجمات اللغوية التي صارت فيما بعد
مرجعية العلماء في استشهادهم بما يقولون من صواب او خطأ ،وهم عندما
يقولون ان هذه المفردة صحيحة قال بها العرب الموثوق بعربيتهم فهم
يقصدون بالعرب الموثوق بعربيتهم من خضعوا لدائرة الاحتجاج اللغوي
ببعديها المكاني والزماني فالعرب عندما دونوا للغتهم في نهايات القرن
الاول وبدايات القرن الثاني لينقلوا آلية رصد وتداول المعلومة من
الاحتفاظ بها في الصدور والحافظة الذهنية إلى تدوينها على الرقاع
الجلدية والقراطيس فيما بعد ليؤسسوا لعهد جديد يعتمد آلية جديدة
للرفد المعلوماتي , فهم أي ـ العرب ـ قد ذهبوا إلى وسط الجزيرة
العربية ليأخذوا مادتهم اللغوية من قبائل محددة وصفها مؤرخو اللغة
بانها ستة قبائل منها قبيل أسد وهذيل وطيء وبعض كنانة، فهم اعتمدوا
في ضابطهم المكاني على هذا القبائل وفي هذا الوسط والذي يقصد به وسط
الجزيرة العربية اعتقادا منهم بان هذا الوسط لم يعترض إلى الاختلاط
بقبائل غير عربية مما يفضي إلى انحراف اللسان العربي إلى النطق بغير
الصحيح فعلماء العربية لم يأخذوا عن القبائل العربية القاطنة في
العراق لمخالطتها الفرس ولم يأخذوا عن القبائل التي تسكن الشام
لمجاورتها للروم وكذلك لم يأخذوا عن عرب اليمن لمجاورتهم لأقوام
الحبشة وكذلك الأمر فيما يتعلق بالقبائل العربية الأخرى المتاخمة
لغير العرب فان هذه القبائل لا تخضع لمعيار المكان وأما فيما يتعلق
بالمعيار الزماني فان علماء العربية حددوا سنة 175هـ نهاية لهم وهم
يأخذون عن القبائل العربية المذكورة من أشخاصها الذين عاشوا في
الحقبة الزمنية التي لا تنزل دون 175هـ وصعودا إلى عصر ما قبل
الإسلام ويحدده اللغويون بسنة 150 الى200قبل الهجرة ،فهم يأخذون عن
جميع الشعراء والخطباء وعموم العرب الذين يعيشون هذه الحقبة الزمنية
وصولا إلى ابن هرمة فهو آخر من ُيؤخذ عنه وُيستشهد به وقد جعلوا أول
المبعدين عن هذا النطاق الزماني هو بشار بن برد لعدهم إياه أول
المولدين ،واعتقادهم في المسألة الزما نية ان العرب في هذه الفترة قد
اختلطوا بغيرهم من الأقوام غير العربية نظرا لاتساع رقعة الدولة
الإسلامية وضمها للفرس والروم والأقباط والبربر وغيرهم الذين أثروا
في اللسان العربي، الأمر الذي أودى إلى اللحن نظرا لاحتكاكهم السياسي
والاجتماعي والاقتصادي والإداري بالعرب ومن هنا نعي ان علماء العربية
قد أجادوا في رؤية ثاقبة للضوابط التي من شأنها أن تحفظ للعربية
بناها وتراكيبها ومن هذه الرؤية وضعوا مصطلح دائرة الاحتجاج اللغوي.
|
|