الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

معاندة حمقاء ! -     صباح محسن جاسم

 

منذ بدء الخليقة وعنصران متجابهان لم يخلدا إلى الحكمة والحقيقة هما : الخير والشر.

منذ بدء التكوين وتحدثنا الميثولوجيا عن الخطأ التاريخي الوجودي الذي أقترفه حضرة إبليس الثائر حين أبى الانصياع إلى أمر الله وأستكبر على أن يسجد لآدم.

لم يستجب إبليس للأمر الإلهي مبررا أنه مخلوق من نار وآدم من طين. كيف لإبليس إن فاضل بين ذلكين العنصرين وكيف برر لنفسه أن النار أفضل من الطين ! هذا ما لم نجد له جوابا في حجته تلك و محاججته للانصياع إلى أمر سيد الأكوان جميعا.

وحين علم إبليس مستبقا بما ينتظره من عقاب ربوبي لمخالفته أمر الخالق هادن ليثبت للخالق أنه ألأفضل. ودخل معترك الاختبار وأمسينا جميعا ضحايا تلك المنازلة والتي راح ضحيتها ملايين كثر من الأبرياء والى أن تقوم الساعة.. والى أن يثبت إبليس صحة ما إدْعاه  يكون البشر قد تضرروا مبلغا ما بعده من ضرر لمجرد إختبار بين قوّتين متوالدتين من بعضيهما لا أكثر.

ولو تم طرح نفس السؤال المصيري على أبسط كائن بشري عاقل لأجاب بكل يسر وسهولة من أن الطين هو الأصل وان النار هي جزء بسيط من الطين بعينه.

ولو فقط أفهم إبليس بهذه المسلمة البسيطة لانتهينا من الاحتراب وشرور الحروب ولما أوقع قابيل بهابيل و لعاشت البشرية عصرها الذهبي.

على أن العناد أبى إلا أن يكون ... ولم يدفع إبليس شيئا لعناده ولم يخسر كينونته بل كانت الخسارة والخسران من نصيب أبرياء كثر من البشر.

 

و .. حلت على البشر سلسلة من الأديان وجاء رسل وكل رغب بوضع حلا عادلا" أمثل للوقوف مع الخالق في مواجهة إبليس وتحديه الأحمق.

وهكذا جبل البشر على أن يكونوا ما بين مطرقة وسندان: إبليس الذي تحدى لإغوائهم من جانب والله الخالق الأوحد الذي راح هو الآخر يحذر الإنسان في أن يحافظ على إيمانه ويتجنب مغريات الشيطان – الشكل الجديد لإبليس على الأرض- ويتوعده  بأشد العقاب إن هو تراجع في طاعته للخالق الجبار.

من هنا فقد الإنسان أول طبائع وجوده ألا وهي الحرية.

وبقي عبد أزلي حتى الأوبة الخاتمة  إلى التراب والحساب.

 

وجاءت الرسل والأنبياء لتوجه وتنبه وتحذر وتعين الإنسان على تحمل وضعه الجديد على الأرض. وغرق في وعود شتى. وبات على الإنسان أن يتقبل مصيره بخيره وشره.

 

ومع الأديان التي جاءت بحلولها المقنعة والغير المقنعة بات الإنسان فريسة همه اليومي وسط شكوك تتقاذفه بين أن يكون أو لا يكون.

ومع تقدم علومه البسيطة ومن ثم المعقدة والاستكشافات والاختراعات .. أضحى الإنسان يستحث تساؤلاته الأبدية العريقة القدم ثانية  وفي أن يجد لها إجابات تقربها إلى الحقيقة المطلقة. يخفق هنا وينجح هناك وعاد التماحك والاحتراب من جديد ولكن بأساليب جديدة.

شرع الإنسان يسبر أغوار الكون ويتجسس على مكنوناته ويستكشف أعماق وجوده وآفاقه البعيدة سنينا ضوئية.

وانسلخ من واقعه ألجمودي القديم مطلقا لنفسه عنان التحرر في استكشافاته وحرية تفكيره في البحث والتقصي عن كل ما يقربه للحقيقة ، حيث دفعه واقعه الجديد بعد ما كان طفيليا يعتاش على ما يصادفه أو يقتله حتى أستقر به الحال بعد ما عرف سر العمل ونتائجه حتى أصبح من تائه في براري الطبيعة إلى كائن شبه مستقر قد تمكن أيضا أن يدجن الحيوان بدلا" من التربص به لاصطياده وقتله ومن ثم جرب ناجحا ميدان الزراعة والرعي. 

ومن بقي ولم ينسلخ لظروفه المجتمعية المتعددة ، بقي متشبثا معاندا مشككا ومدافعا حد الاحتراب.. لربما وجد في نفسه العجز والقصور على استيعاب كل ما يكتشف ويثار من العلوم. ولما لم يستوعب الواقع الجديد حتى وجده يهدده بكل ما ملك ويملك من القوى فلن يستطيع أن يحافظ على كيانه ووجوده : فكل المؤشرات تهدد إن لا أفق هناك سوى مزبلة التاريخ. وهو أمر بالنسبة إليه في غاية البشاعة والقسوة والظلم.

 

وهكذا صار بعد أن دخل كفرد عملية التفاعل الاجتماعي وسط الجماعة أصبح شخصا لا يفارق الجماعة بل هي كل وجوده وصيرورته.

جاءت الديانة اليهودية متبجحة بكون شعبها ومريديها هم شعب الله المختار. ولما أخفقت في عملية إدارة العملية الاجتماعية لكثرة ما انحازوا إلى الخلاف والتحارب من اجل أنانية ضيقة فخرجت المجتمعات الساعية إلى المدنية وطلعوا على الشعوب بفكرة المسيحية وكان العهد الجديد خلاصة مطواعة لطبيعة المتغيرات الاجتماعية الجديدة وخروج انتقادي من جيب العهد القديم.

إلا أن بروز مجتمعات المينوفكترات ( ما يشبه المصانع الصغيرة ) أوجد حال من التباين في الطبقات .. ولم يعد العبد بالضرورة أن يحمل جلدا أسودا .. بل هو مشروع رخيص ومنتج مربح وبه يرقى الرأسمال إلى آفاق من الربح بعيدا عن الخسارة بل وواسعة لا يمكن تصورها.

وكان لولادة رأس المال ظهور صراعات جديدة تجاوزت في حدودها كل الأعراف والأديان. ولم يكن للرأسمال من حدود  وغير مكترث بسحق الرؤوس البشرية فقط من أجل زيادة عائداته وتراكم رأسماله.

وما عادت الأديان تدافع عن حق مغتصب بقدر ما راحت تستغل لأجل تحقيق غايات نفعية وربحية بحيث أصبحت خير مطية لمن يركبها في تحقيق مصالح واسعة على حساب الكثيرين من بسطاء بني البشر. وأذن فقد الدين غاية وجوده أصلا" وظهرت بديلا عنه ومع تقدم الحضارة والمدنية أحزاب وتيارات تتبنى العديد من الفلسفات.

 

ولم تهدأ للشعوب المتضررة حال من التقسيمات والتباينات الاجتماعية حتى جاء الدين الإسلامي حلا مثاليا ناسفا مفهوم السادة والعبيد ومانحا المرأة شيئا جديدا لممارسة حقوقها.

 

وأنشق بنو البشر بالضرورة إلى مجموعات جديدة  متنافسة ساعية إلى وجود أفضل وإجابة أكثر قناعة عن سر الوجود  و محاكاة الرب حتى في محاولات من عملية الخلق وتحدي أسباب الموت.

 

ولغرض تحقيق مصالح وغايات سريعة وآنية عمد بعض هذه الأحزاب والتيارات إلى القتل كحل فوري وسريع بدلا من الاحتكام إلى قوة العقل وحلوله المنطقية لخلافات الواقع المعاش. فولدت بذلك حركات إرهابية ، لصوصية في حقيقتها لا تحمل من  المباديء  في شيء عدا كونها مطية لتيارات وأحزاب أكبر منها كما في الماسونية والصهيونية والمافيا وجماعات أسلامية كالقاعدة وغيرها...

 

وها قد استفاقت البشرية من تخلفها وأصبحت قادرة على الاعتماد على ذاتها دون الارتماء إلى القدرية وعنجهيات الاحتراب  والحروب وأصبح شعار فلسفتها : من لا يعمل لا يأكل . ووصولا" إلى : من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته. وهو أرقى ما يمكن أن تصله البشرية في تطورها المتقدم وهي تعتمر تاجها في الفكر التقدمي والسياسة الواعية الحرة الخالية من الاستغلال.

وأمست المعادلة الصحيحة تقرأ بكل حرية ودونما اضطهاد أو قهر.

وبرغم كل ما تقدمت به البشرية من تقدمها المتسارع .. وقفت على الجانب الآخر عناصر الشر والاستغلال بلبوسه المعروف بالإرهاب .. يتوسل بالبشرية أن تعود إلى الوراء وأن ترعوي .. فليس من صحيح أن بمقدور البشر أن يخلقوا جنتهم على الأرض. والآ فأين سيكون موقع إبليس من كل هذا .. وأين سيذهب الرب الذي خلقه أجدادنا والذين صوروه كبقال خضرة تتقدمه سلتا الجنة والنار.. ؟

أنه مشهد يثير الشفقة ... ويستحق من أجله كل هذا الذي تعانيه البشرية من الإرهاب!

 

 

*  *  *