الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

عيونهم الصيف .. وعيوننا الشتاء ، خلودا لمن غـنـّت لهم !

صباح محسن جاسم

 

ما أروع غناءها .. موسيقاها .. كلماتها .. طيبها وتحديها .. فيروز!

عرفناها مذ كان الهوى ضيفا وصديقا ثم أجتاح كياناتنا الصغيرة الكبيرة كما شلالات بيخال.. وأمتزج بعطر أفكارنا الجديدة التي جاءت ليس من فراغ بل من عميق تجارب وتمحص وجدال ودراسة .. وامتزجت فيروز حاضرة مع لحظاتنا التي كنا نسرقها مابين شجون دراستنا وأيام تعبنا وشقائنا الكفاحي ونحن نناقش ونجادل للتخفيف من واقع الأميـّة الثقيل الذي كان يخيم على شبابنا وطلبتنا بحكم قيد اجتماعي – سياسي عنيف كان شعاره المسلط كنصل للسيف :

" نكسب الشباب لنضمن المستقبل".

تحت هذا الشعار كانت تمارس عمليات التسييس وغسل الأدمغة وتسليك الرؤوس بالأسلاك الشائكة ضد كل أولئك الذين فكروا أو حاولوا التعبير عن آرائهم بحرية.

وبذلك جندت قوى الطغيان كل ما لديها من الوسائل وجحافل المخبرين بمتابعة أولئك ( المتنورين) الذين يهددون كل مشاريع التسلط والطغيان ودنيا الفكرالبرجوازي الرجعي وينددوا بالرأسمال. وراحوا يوظفون أجندتهم وببغاواتهم في استحداث بديل لكل ما يميل إليه الطلبة والشباب فأوجدوا اتحادا لـ (طلبتهم) مقابل اتحاد الطلبة العام المسجل عالميا ، وما أن علموا ما يدار في أروقة المعامل والجامعات من فكر يثقف           لـ ( الاشتراكية العلمية ) حتى سارعوا يستحثون (مفكريهم) بابتداع ما يواجه ذلك المد الجارف من الفكر العلمي التقدمي في البيت والشارع والمدرسة، فتمخض جبل فكرهم عن ( الاشتراكية العربية ) .

وما أن ظهر إلى أسواق لبنان كتاب ( علم الجمال الماركسي ) بعد تشكيل الجبهة الوطنية والقومية التقدمية عام 1973 حتى هرع (منظرو) المتجبرين والطغاة للحديث عن نظريتهم التي روج لها ( علم الجمال البعثي ) ! أي علم وأي جمال .. كان للعراقيين قد جنوا !

كان اغلب شبابنا ( الأمّي) لا تتجاوز رؤاه عن زميلته المرأة عدا أن تكون هوى جنسيا عابرا.. كانت المرأة الطالبة بالنسبة لهم مجرد مشروع للفرجة أو وسيلة لتمضية الوقت أو جزء من تبجح بنصر معين ليتباهى به أمام أقران آخرين لا يقلون عنه أميـّة" وجهلا" .

كان الطلبة المجدين يطالعون الأدب والفن ويقتـّروا على أنفسهم لقمة زادهم ليشتروا كتابا مثل ( تحت أعواد المشانق ) أو ( شيرين وفرهاد) أو ( في الشعر الجاهلي) أو يشاركوا في سفرة لبساتين بعقوبة أو لروض من رياض كردستان أو حتى أن يقبع بعضهم عند سلم قاعة الخلد أو قاعة الشعب ، كشحاذي باب الحسين في مصر أملا بالسماح لهم بالدخول مجانا بعد إن تبدأ الحفلة لحضور أحدى سيمفونيات العازفة سلوى أوزبكيان ..

كان (عبد الهادي) المتميز من بين العديد من الطلبة ، متنوع الفنون والهوايات وحين يرقـّص أصابع يده على الناي تتفتح أوراق الأشجار في غير أوانها. فتنار وتطفأ أضواء غرف القسم الداخلي المقابل للطالبات ، في إشارة تحية للعازف الحزين.

(عبد الهادي) الفارع الطول الأسمر كان يخشاه أستاذ درس الأدب المقارن ، ليس لكونه من مدينة الناصرية – مدينة الخباثة – كما كان يثقف حولها مرتزقة النظام -  بل لأنه كشف بذكائه الحاد مرة من بين مطالعاته سرقة أستاذه لجزء كبير من أطروحة له منحته الدكتوراه. كان ثاني حلم له أن يتعلم الضرب على آلة العود. أما حلمه الأول فكان متى يجف بنطلونه المعلق على ذراع مروحتنا السقفية ليرتديه ويسارع اللحاق بمحاضرة الدرس. كان الأول على دفعة أقرانه الطلبة.

بخلاف آخرين من الطلاب الذين تقلهم سياراتهم الفارهة فيتباهوا بما يملكون والكسالى منهم وهم كثر، يفرملون سياراتهم بشكل فجائي وسريع بحيث يصاحب فعلهم ذاك صرير فرملة العجلات فتترك أثارا سوداء عند بوابة الكلية.

يترجل من سيارته رافعا نظارته السوداء – لا يعجبه العجب – بعدها يدلف إلى الكلية بعد أن يعرج على غرفة الإتحاد.

كانوا يرتدون ملابسهم الغريبة بشعارات أجنبية للدعاية ولا يستمعون الآ لأغان وموسيقى أجنبية! كانوا يمانعون السماح لصوت فيروز أن يصدح في الحرم الجامعي. وما أن تتاح فرصة لمخالطتهم حتى تفاجأ جهلهم لغة ما يستمعون ويستمتعون .

تخرج هؤلاء وتخرج أولئك .. ولم نجن من اشتراكيتهم العربية سوى الفرقة والفساد ولم نلمس من جمالهم الآ القبح والتأسف على عمر أضاعوه علينا . أغلب أولئك الذين تخرجوا بتميّـز وأمتياز سجنوا وقتلوا وقسم منهم ممن لم تسعفهم الفرصة تخفـّوا مع باعة متجولين يبيعون الخضار وعملوا عمالا وقتيين في سوح ( العمـّالة) المعروفة أو هاجروا إلى مناف بعيدة ولم يتخلوا عن شرائهم لزوادة الفكر ..كما لم يتخلوا عن سماعهم لفيروز.. انتشروا هنا وهناك ... غابوا مع أسراب السنونو ... أو كفراشات ذات ألوان امتزجن بأزاهير ملونة ... قسم آخر غاب مع ألوان قوس قزح .

حين يستذكر من كتب له العيش من الأساتذة  طلبتهم لا يفتأوا وهم يثنون أي عزيمة وطموح كان لطلبتهم ولا يتردد البعض أن يفاخر بما صار عليه البعض ممن كتب لهم البقاء  من مكانة اجتماعية.

وكما لم ينسهم الأساتذة الكرام لم ينس طلبتهم الأوفياء لهم طيبهم وجهدهم وذكرهم الجميل خلف مدن الصيف وخلف مدن الشتاء.

مرقت أيام وغربتنا سنون..وولـّى زبد البحر ، والتحق طلبة نشطاء جدد وما يزال صوت فيروز يصدح في الفيافي والمفازات .. تطرب له سمكات نهرنا الصغير وبيت حبيبتي العتيق .

 

لاهاي هيه

4-12-2004