الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

بس لا ...

صباح محسن جاسم

 

سماء عراقنا حبلى بغيومها ... أسراب الطيور الموسمية عادت رغم تلبد بعض من فضائها الواسع الممتد تجاه الأفق بغيوم غريبة كثيفة الدخان.

شمس بلادنا تغمز من بين الغيوم المتناطحة كأنما تلعب لعبة الغميضة وترسل قبلها الوامضة.

 

أرض قريتنا الكبيرة تتوسل السماء أن تنهي الغيوم المتجادلة اجتماعها وتفض انتخاباتها فما عاد انتخاب غيمة واحدة يغني البقاع أمطارها.

الأشجار تستصرخ سقاتها الموعودين بعد أن هجرها حطـّابها تاركا بلطته عند جذورها وفوق أغصانها .

 

سوق قريتنا مزدحم على غير عادته .. فاليوم هو الجمعة، رجال ونساء يتسوقون وأطفال تصرخ تنادي لبيع أكياسها السوداء لأغراض التسوّق. أنواع من الخضار والفاكهة اختلطت بألوان صفراء وحمراء وخضراء وبنفسجية سوداء وبيضاء .. رؤوس من جذور الفجل القرمزية تلفت الأنظار وأكوام من زهرة القرنابيط واللفت واللهانة الملفوفة ككرات للـّعب، صناديق حالكة السواد فاضت بالليمون ومثلها بالبرتقال ... وذلك النوع من فاكهة غريبة تشبه الطماطم تسمى الكاكي الكربلائي وغيرها من تلال للرمان قد شقّت بطون بعضها فطفحت بألوانها الداكنة الحمرة كدماء.

هناك في زاوية مميزة افترش صيادا للسمك بسطته فتوزعت اسماك الشبوط والبني والكارب فيما عزل جانبا نوعا آخرا يعرف بالجري.

بائع اللبن والأجبان يغطي بضاعته بقماش خفيف النسج وباعة السكائر والسكاكر والحبوب يروجون لبضاعتهم. ملأت أصوات الباعة المكان متجاوزة رائحة الشواء الهاربة من أفران بواجهات زجاجية لبيع الدجاج.

أحتضن كل هذا متطاولا جامع قريتنا الوحيد بمنارة مأذنته السامقة وسماعاته الموزعة على المدار.

صوت المؤذن بدا غريبا هذه المرة .. استغرب جمع الناس المحتشدين من حول الجامع والباعة والمتسوقين . فالوقت ليس بالتحضير للصلاة ، فقد أنهوا صلاة الجمعة للتو.. انتظروا .. لا بد من أمر طاريء سينّوه عنه.

ثم شرع المؤذن ينادي ويوصي بالتبرع بالدم ولصنف معين فقط ممن يحمل نوع ( أو )سالب. كرر نداءه لأكثر من مرة . تهامس الناس .. وتبادلوا رأيا وتباحثوا ثم تدافع البعض تجاه الجامع .. يستفسرون عن مكان التبرع. عاد المنادي معلنا عن مكان التبرع في مستشفى القرية لوجود حالة طارئة، وواصل مؤكدا على نوع فصيلة الدم.

 

عند المستشفى تدافع المتبرعون وما أكثرهم في قريتنا ... فيهم من لا يعرف فصيلة دمه وفيهم من يعرف أنها غير التي أعلن عنها، يعرف فقط أن هناك ما يماثل دمه في النداء وهو الرمز ( أو ) .

مساعد الطبيب في كل مرة يتأسف لعدم مطابقة دم المتبرع والصنف المطلوب. كلما أخذ عيـّنة لمتبرع ويخضعها للفحص تظهر النتيجة سالبة.

المستشفى عاجزة عن توفير النوع المطلوب ..رجال المستشفى عبّروا شكرهم للمتبرعين الوافدين تباعا ثم طلبوا أن يؤكد المنادي مرة أخرى على صنف الدم  كون ذلك الصنف نادر ولا يتوفر الآ بصعوبة.

كثر لغط المجتمعين .. سأل البعض عن هوية الشخص المقصود بالدم .. قال البعض أنه مدير المستشفى قد أصيب بثلاثة إطلاقات من مجهولين. واستغرب البعض ، وشكك آخرون.

انبرى من بين المحتشدين ( سعد أبو الكبة ) وهو يصيح مؤكدا إنه يحمل الصنف المطلوب. فرح الجمع ، أحتضنه أقارب المصاب وآخرين ، وسط عبارات الثناء والتسبيح بالشكر لله وتشجيع جمهرة المنتظرين حتى وجد نفسه مرفوعا على الأكتاف وأهازيج تنادى بالصلواة .

حين تأكد الطبيب المساعد من صحة صنف الدم ، عاد المتجمهرون برفع المتبرع على أكتافهم ليضعوه على سرير نقل الدم .. وفيما هم يتوجهون إلى ردهة الطواريء ، أنتبه ( سعد أبو الكبة ) وهو يصيح  مستدركا من فوق الأكتاف:

أسمعوا يا ناس .. مستعد أتبرع بكل دمي .. بس لا لبعثي.

سرعان ما راح الجميع يردد ويؤكد : مو بعثي .. مو بعثي.

أحد العاملين في المستشفى عقب ولم يخلو تساؤله من ملامة واستغراب: وإذا كان بعثي ؟!

وصلت كلماته إلى مسامع ( سعد أبو الكبة) فدافع محتدا مؤكدا : دمي وأنا حر لمن أمنحه ... إن صح ما قاله هذا المضمد الدجال فلن أتبرع بأكثر من قنينة واحدة .. ولوجه الله !

 

3/12/2004

لاهاي هيه