أوراق عائلية ـ 2
...انا
وزوجتي و" مام جلال "
يوسف أبو الفوز
الهاتف المحمول ،
"الموبايل " ، هذا الجهاز العجيب ، الذي كان العراقيون في زمن صدام
حسين يرونه في الاحلام فقط ، بينما في بقية دول العالم دخل كل بيت
وغيّر من طريقة حياة الناس ، بل وحتى من طباع الشعوب . المعروف عن
الاوربيين انهم ناس قليلوا الكلام ، تعالوا وشاهدوا كيف ان الهاتف
المحمول غيرهم تماما واطلق السنتهم ، وصار الاوربي ثرثارا وبأمتياز .
تركب في قطار الضواحي ، في طريقك الى بيتك ، متعبا بعد نهار طويل مزدحم
بالكثير من الاشغال ، وتشعر بحاجتك للوصول الى بيتك والاستلقاء في
فراشك والنوم فورا ، دون الحاجة الى متابعة التلفزيون وما يعرض من
فضاعات جرائم الارهابيين اليومية في وطنك العراق ، من قتل نساء واطفال
ابرياء بحجة مقاومة الأحتلال ، في المقعد المجاور لك تجلس سيدة ،
محترمة ، تحاول خفض صوتها ، لكنك تسمع كل شئ عن برنامج عملها لاسبوع
كامل وبما في ذلك قائمة مشترياتها التي قدمتها في تقرير مفصل لصاحبتها
على الهاتف المحمول . وتسمع من اخرين ، وصفات طبخات اكل لا تعرف لها
اسم ، وتقارير عن تطورات المزاج العاطفي لكلب اسمه " طومي " ، ونوايا
للمساهمة في حفل عيد ميلاد ، واعتراض على مشروع تشييد عمارة سكنية ،
و... ، وانتقلت العدوى الى العراقيين بسرعة ، كأنها المخاوف من
انفلونزا الطيور. ها أنك تحضر مجلس تعزية ، وترن الهواتف المحمولة ،
مثل فرقة سيمفونية تقدم عروضها الموسيقية ، ويبدو البعض كريما ويطيل
الوقت في اخراج هاتفه للرد حتى يمنحك الفرصة الكاملة لاستماع واستعياب
الشارة الموسيقية المتميزة التي حصل عليها بعد جهد بالغ لتكون علامة
بارزة متميزة له . تسمع مكالمات لا حصر لها من زوجات وابناء وعمال
وشركاء ، ومجبرا عليك ان تسمع كل شئ ، ومجبرا تعرف خصوصيات الاخرين :
ـ يا بنت الناس ساكون
عندكم بعد ساعتين ، سأهاتفك حالما اغادر المكان وبعدها وضحي لي ما
المشكلة .
ـ صديقي العزيز ،
اسف جدا ، انا الان في مجلس تعزية لا استطيع الكلام اكثر ، المبلغ جاهز
وسيكون عندك في اقرب فرصة فقط اصبر لي يومين او ثلاثة لانجز بعض
الاشغال .
ـ لا عزيزي ، هذا
النوع لا يناسبني ، اعرف ان زوجتي لا استطيع تغييرها ، فدعني الله يرحم
والديك اغير سيارتي على مزاجي .
ـ لا عيني ، لا
استطيع البيع بهذا السعر ، خسارة والله ، لا يناسبني .
ـ ....
وقاومت كثيرا ان يكون
لي هاتف محمول ، ليس بخلا ، ولا تعففا ، ولا ... ، ولكني كنت اكره ان
اضطر للاجابة والكلام ، واجبر الاخرين على سماع ما اقول ، اذ ربما فجأة
يركبني شعور بأني خليفة الفارابي واترك نفسي اشرح نظريات الفلسفة بينما
جليسي يتصور ان كلمة ليبرالية جاءت اشتقاق من كلمة " ليبيا " . كنت ـ
ولا زلت ـ اعتبر الهاتف المحمول ورطة . ظلت زوجتي ولفترة تشاكسني بان
رفضي الهاتف المحمول له علاقة بذلك الاعلان الذكي ، الذي تقف خلف
صناعته كخبر شركة شهيرة لانتاج الهواتف المحمولة للتسويق لانتاجها ،
وفي الوقت الذي رفضت نشره صحف اوربية ، نشر في بعض صحف الشرق الاوسط
بأعتباره خبر صحفي ، ويتحدث الخبر ـ الاعلان عن تلك الزوجة التي اكتشفت
خيانة زوجها بسبب نسيانه هاتفه المحمول ـ من ماركة كذا ـ مفتوحا فسمعت
كل كلام الغزل والفحيح ، وبل وتمكنت من معرفة غريمتها . كنت ببساطة
اقول لزوجتي :
ـ لا اريد ان ابدوا
كالمجنون اتكلم وانا اسير لوحدي .
كم من مرات التفت الى
شخص يسير بجانبي او خلفي ، وانا اظنه يحدثني ؟ كم من مرات اقابل ناس
يتحدثون مع انفسهم ، خصوصا مع تطور التكنولوجيا حيث لم يعد الانسان
مجبرا لحمل الهاتف بيده ، ليس اكثر من ازرار تعلق في اطراف الثياب ،
وترى الشخص يضحك او يغضب مع نفسه وهو يسير في الشارع وتظنه مجنونا ،
وتحتاج لبعض الوقت لتدرك انه يتحدث عبر ميكرفون الهاتف المحمول الدقيق
المثبت في طرف سترته . وهكذا في يوم كالح ، مصخم ، ملطم ، في حياتي
وجدتني اتورط وانضم الى جيش المجانين ، المستخدمين للهاتف المحمول ،
على الاقل لامنح زوجتي فرصة لتتثبت من احداثيات وجودي :
ـ اين انت ؟
ـ في مركز المدينة .
ـ يعني اين ؟
ـ ليس بعيدا عن "
المجزرة الاسلامية " .
ـ طيب ، اسأله عن
موعد وصول حصتنا من اللحم الحلال .
وتغيرت اتجاهات
المكالمات الهاتفية بعد ان حصلت زوجتي على اجازة قيادة السيارة ، وصارت
تستخدم سيارتها الصغيرة في الذهاب الى العمل ومشاويرها اليومية ، فكنت
ـ وخصوصا في الايام الاولى ـ اتصل بها لاعرف انها لا تزال حية ، ولم
تعبر رصيفا ولم تدخل بوز سيارتها في لوحة اعلانات على الشارع ، ولم
تفقس عين سيارة احد الجيران في موقف العمارة حيث نقيم . وبدأت اكتشف
عوالم استخدامات الهاتف المحمول الكثيرة . فسوق المنافسة يجعل الشركات
تلقي الى السوق كل يوم انواع جديدة ، وبمختلف الاستخدامات . ورحت
اتسائل ، لو كان الهاتف المحمول متوفرا زمن الثورة الكوردية فهل
استطاعت الحكومات العراقية المتعاقبة تحقيق اي نصر لها ؟ هاهم
الارهابيون ، وهم يكفرون كل انسان ويذبحون كل من يخالفهم الراي ،
يستخدمون الهواتف المحمولة ، المصنوعة في بلدان الكفر ، وينظمون منها
شبكة واسعة نشطة من الاتصالات السريعة ، توفر لهم امكانية مراقبة شديدة
وحيوية تنقل كل معلومة بلحظات ، وتحقق لهم كفاءة عالية في قتل وذبح
الضحايا . وان كانت الشركات المصنعة ، تضع لانواع الهواتف سلسلة ارقام
لتمييزها ، فابناء شعبنا العراقي تضع لانواع الهواتف اسماء والقابا
طريفة . هكذا وجدتني اقتني هاتفا بيضويا ، قصيرا ، ببطن ممتلئة ، وجدت
ان ابناء كوردستان يسمونه "مام جلال " . صار " مام جلال " بالنسبة لي
مثل سكرتير شخصي ، اذ خزنت فيه كثير من المعلومات التي احتاجها في
حياتي اليومية ، وصرت بدون " مام جلال " لا اتمكن من فعل اي شئ ،
يرافقني الى كل مكان اذهب اليه ، حتى الى الحمام احيانا ، فهناك في
بطنه تنام كل المعلومات الضرورية التي احتاجها ، ارقام هواتف ، عناوين
، ارقام حسابات بنكية ، ارقام مفاتيح مداخل بعض البنايات ، رسائل قصيرة
صادرة وواردة ، وحتى صور التقطتها بعلم زوجتي او بغفلة عنها .
والى صيد الايائل
اصطحبت " مام جلال " معي !
الى بلدة يعتبر اهلها
مدينتهم تحتل موقعا على خارطة البلاد هو بموقع " السرة " في جسم
الانسان ، كل عام يدعوني صديق رسام لتأمل الطبيعة والعيش لايام في في
الغابات المترامية الاطراف ، والمساهمة في طقوس صيد الايائل . وانا اعد
نفسي لرحلة الصيد ، التي تستمر عدة ايام ، كادت زوجتي ان تجعلني احمل
بيتنا على كتفي في حقيبة تحوي كل ما تعتقد اني سأكون بحاجة اليه في
الغابة ، حتى لا اعرضها الى النقد فيما لو عازني شئ ما . سألتني زوجتي
عن وجود الدببة في المنطقة ، وكيف سنتصرف لو ظهرت فجأة امام مخيمنا .
وكانت فرصتي لاروي لها اساطير الجنود العراقيين ، الذين يروون عن اناث
الدببة التي تخطف الجنود وتصطحبهم الى الكهوف ، وتجبرهم على المعاشرة
الجنسية لتنجب منهم اطفالا ، وكيف تلجأ الدبة الانثى الى لحس اقدام
الجندي حتى لا يقو على الوقوف والهرب . ساعة مغادرتي ، وانا على سلم
البناية ، وبدلا ان ترش خلفي حفنة ماء لتضمن عودتي ، مثلما كانت تفعل
امهاتنا ، صاحت بي زوجتي بتأمر :
ـ خذ بالك لا يخطفك
دب ارمل !
في الغابة ، اكتشفت
كيف ان للهاتف المحمول اكثر من فائدة ، ودخل في عملية الصيد ايضا . لم
يعد تقصي اثار الايائل وفضلاتها هو الطريقة الوحيدة لتتبع مسيرها .
كانت مجموعة الصيد ترسم خطتها على الخارطة ، وتتوزع الى مجموعات ،
مزودة باجهزة لاسلكي وهواتف محمولة ، وتمشط المنطقة ، وتدفع بالايائل
بأتجاه مرمى بنادق الصيد . كنا مجموعة صيد من ثلاثة وعشرون شخصا ، بينا
ثلاث سيدات . في المجموعة هناك خمس رماة مرخصون رسميا للصيد ، والبقية
كنا متعقبي اثر ومطاردين. وكان سلاح المطاردين هو الصراخ والغناء
واطلاق الاصوات بصوت عال لتجفل الايائل وتفر بأتجاه الفخ المنصوب لها .
وهكذا توفرت لي فرصة في الغابة ليس لاغني بصوت عال ، فهذا الامر لا
اجيده تماما ، ولكن لاشتم بصوت عال كل من احمل منه غيضا ، ولان
القريبين مني من ابناء البلد لم يكونوا يفهمون كلماتي ، فلم اوفر شتيمة
اعرفها لم اطلقها ، ضد ارهابيين ومجرمين وجلادين وخونة وانتهازيين
وكذابين ومنافقين و... الخ . ضد ساسة واعلاميين وانصاف مثقفين و... الخ
. ولم ينغص عليّ حريتي سوى " مام جلال" وهو يعزف " الفصول الاربعة " :
ـ اين انت ؟
ـ امارس حريتي في
واحدة من اجمل تجلياتها الصراخ بصوت عال بكل ما هو مكبوت في داخلي .
ومن الغابة وعبر
الهاتف المحمول راحت زوجتي وزميلاتها في العمل يسمعن صراخي ، وصواريخ
شتائمي المنطلقة في مختلف الاتجاهات . وطااااااخ . نجحنا في اصطياد
الحيوان الاول. ثم الثاني ، وفي غمرة الفرحة بالصيد الثمين وشق بطنه
وتنظيفه وسحله ، ضاع مني "مام جلال ".
وعبثا بحثنا عنه ،
انا وثلاثة اصدقاء عادوا معي . في وسط هذه الغابة الشاسعة ، حيث تتشابك
الاغصان ، وحيث يسود الظلام ، كان من المستحيل العثور عليه رغم اعتماد
اكثر من طريقة ، منها الاتصال ب" مام جلال " علنا نسمع صوته . واذا لم
اكن قلقا كثيرا بسبب ضياعه ، فأنا مطمأن الى ان زوجتي لن تعاركني بحجة
ارباك الميزانية ، فشركة التأمين ستعيد لي جزء من ثمن الهاتف المحمول
المفقود ، لكن الشركة لن تعيد لي ارقام هواتف اصدقائي ومعارفي وكل
المعلومات التي تحويها بطن "مام جلال " التي اكلها غصبا عني وضاعت مني
، وكانت خسارتي كبيرة بسببه . لكن وبحكم كون الغابة ، مكانا لمرور
وعيش الدببة ، التي وخلال تعقبنا الايائل لاحظنا اثارها جيدا ، فقدت
برزت امامي فرضية امكانية عثور دب او دبة على " مام جلال " في الغابة
واصطحابه معه الى كهف ما ، وعندها كان علي التفكير بطريقة لاعلام
اصدقائي المقربين على الاقل ، بأني لست مسؤولا وليس لي علاقة بأي
مكالمة غريبة تصلهم من دب او دبة وتاتيهم عبر" مام جلال " ، فالنسبة لي
اعلن هنا وفي كل مكان بأني انهيت خدماته عندي من زمن ، وغسلت يدي منه
في سبع شطوط .
اواخر ايلول 2005
سماوة القطب