عرّاب الكرملين ـ
بوريس بيرزوفسكي وقصة نهب روسيا ـ الحلقة الاولى
بيرزوفسكي يتحول من
عالم مرموق إلى قطب في عالم الأعمال
تأليف :بافل خلبنيكوف
يعتبر هذا الكتاب
باجماع المحللين والمراقبين من أخطر وأهم الكتب التي ظهرت في روسيا منذ
انهيار الاتحاد السوفييتي وحتى الآن، وقد اغتيل مؤلفه بافل خلبنيكوف،
مدير مكتب مجلة فوربس الأميركية في يوليو 2004 على يد المافيا بسبب ما
كتبه عن زعمائها في هذا الكتاب، الذي يتناول قصة انهيار الاقتصاد
الروسي في عهد الرئيس يلتسين.
والدور الذي لعبه أحد
أشهر رجال الأعمال الروس الذين ظهروا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وهو
الملياردير اليهودي بوريس بيرزوفسكي، الذي أطلقت عليه مجلة «فوربس»
الأميركية لقب «عراب الكرملين». ويتحدث هذا الكتاب عن سيطرة عصابات
المافيا والجريمة المنظمة في روسيا على كل المشاريع الاقتصادية
والإنتاجية الحيوية في روسيا وبرنامج الخصخصة،
حيث يقدر الخبراء
خسائر روسيا جراء الخصخصة بنحو ثلاثة تريليونات دولار، أي ما يعادل ضعف
الميزانية العامة لأميركا، وميزانية مئة دولة في العالم النامي، ومنها
الدول العربية. بوريس بيرزوفسكي مواطن روسي من أسرة يهودية، حصل على
الجنسية الإسرائيلية في بداية التسعينات، يبلغ من العمر نحو الخامسة
والخمسين، لمع في الثمانينات كأستاذ في الرياضيات في أكاديمية العلوم
الروسية، وحصل على درجة البروفيسور في عام 1990،
وكان آخر راتب شهري
تقاضاه في الجامعة نحو 500 روبل روسي، أي ما يعادل مئة دولار بسعر
السوق السوداء آنذاك، وفجأة ظهر اسمه في عالم الأعمال مرتبطاً بشكل
دائم بعالم الجريمة وعصابات المافيا، ووجهت إليه الاتهامات في أشهر
جرائم القتل التي وقعت في روسيا في عهد الرئيس يلتسين، ولكن هذا لم
يمنعه من شق طريقه في عالم الأعمال والسياسة في روسيا،
وأصبح من أغنى أغنياء
روسيا بعد أن سيطر على العديد من المشاريع والمؤسسات والمصانع في
مجالات حيوية واستراتجية مختلفة مثل النفط والغاز والسيارات والمعادن
والطيران وغيرها إلى جانب امتلاكه العديد من أشهر وسائل الإعلام
الروسية من قنوات تلفزيونية وصحف وإذاعات وغيرها.
وارتبط صعود
بيرزوفسكي في الاقتصاد والأعمال وشهرته في عالم الجريمة بصعود مواز في
عالم السياسة وفي دهاليز السلطة داخل الكريملين، وذلك بفضل علاقاته
الوطيدة بالرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين وأسرته، وارتباطه الوثيق
أيضاً بالعديد من رجال الدولة وكبار موظفيها،
حتى وصل عام 1996 إلى
منصب نائب سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي ليتولى ملف الشيشان بمفرده،
واستطاع رغم ضلوع اسمه في العديد من جرائم القتل أن يحصل على عضوية
البرلمان الروسي عام 1998، ويضعه الرئيس يلتسين على رأس جهاز التنسيق
الاقتصادي بين رابطة الدول المستقلة التي تضم بعض جمهوريات الاتحاد
السوفييتي السابق.
لقد كان للملياردير
اليهودي بيرزوفسكي صلة بكل الأحداث المهمة التي هزّت روسيا في عهد
الرئيس يلتسين، فقد كان موجوداً في كل مكان، في دهاليز السياسة وفي
المصانع والشركات وأسواق الإنتاج وفي وسائل الإعلام، وأيضاً كان
موجوداً على ساحة الجريمة في روسيا، حيث ارتبط اسمه بأشهر عصابات
المافيا والجريمة المنظمة في روسيا، كما وجهت إليه أصابع الاتهام في
العديد من جرائم القتل والتفجيرات الشهيرة التي وقعت في روسيا خلال
التسعينات.
* غورباتشوف
والغلاسنوست
كان تحوُّل روسيا من
دولة عظمى إلى دولة فقيرة واحداً من أكثر الأحداث إثارة وغرابة في
التاريخ، فلقد تم هذا في أقل من خمس سنوات، وبشكل غير مسبوق في
التاريخ. ولقد تشكّلت السلطة في عهد الرئيس يلتسين من ثلاثة أضلاع هي:
موظفو الدولة، ورجال الأعمال، وعصابات الجريمة.
والحقيقة أن البداية
لم تكن في عهد يلتسين، بل قبلها بقليل في عهد الرئيس ميخائيل
غورباتشوف، آخر الزعماء السوفييت، والذي انهارت على يديه الدولة
السوفييتية العظمى في أقل من ثلاثة أعوام. كان ميخائيل غورباتشوف أول
زعيم سوفييتي من جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان أول من تخلّى
عن سياسة الانتقاد والهجوم والتهديد السوفييتي للغرب،
واستطاع في لحظات
قليلة قضاها في لقاء مع الرئيس الأميركي رونالد ريغان أن ينهي الحرب
الباردة التي دامت نصف قرن بين موسكو وواشنطن، وأعلن غورباتشوف عن
سياساته الإصلاحية الجديدة داخلياً وخارجياً، وأعلن عن برنامجه لإعادة
بناء الدولة من جديد والمعرف باسم «البيرويسترويكا»، كما أعلن عن
برنامجه الإصلاحي السياسي والمعروف باسم «الغلاسنوست» أو المصارحة
والشفافية،
وتلقت شعوب
الجمهوريات السوفييتية برامج وسياسات غورباتشوف بالترحيب والأمل في
حياة أفضل، فقد كان المواطن السوفييتي يعيش في تناقض نفساني كبير، فهم
يقولون له إنه مواطن دولة عظمى على نفس مستوى المواطن الأميركي المنافس
له،
بينما المواطن
السوفييتي يعيش في مستوى أدنى من مستوى معيشة مواطني الدول النامية من
حيث الضروريات المعيشية البسيطة ومن حيث مستوى الحرية والديمقراطية في
ظل الحكم الشيوعي الشمولي والقمع الأمني الشديد الذي جعل من نصف الشعب
جواسيس على النصف الآخر.
لقد كانت برامج
وسياسات غورباتشوف تتفق تماماً مع ما يحلم به الشعب السوفييتي، لكنها
وفي الوقت نفسه لم تكن تتفق مع إمكانات وظروف الدولة السوفييتية العظمى
التي كانت مع بداية عهد غورباتشوف تمر بأزمات اقتصادية وظروف سياسية
واجتماعية صعبة للغاية.
في ديسمبر عام 1985،
أعلن وزير النفط السعودي أحمد اليماني أن بلاده لن تسعى للحفاظ على
أسعار النفط عن طريق تخفيض إنتاجها، بعد هذا التصريح ببضعة أشهر انهارت
أسعار النفط في الأسواق العالمية، الأمر الذي كان له الأثر السييء على
الاقتصاد السوفييتي الذي كان يشكِّل النفط والغاز آنذاك 50% من
صادراته.
في الوقت نفسه، كانت
هزيمة السوفييت في أفغانستان تثقل الأعباء بشكل ملحوظ على الميزانية
السوفييتية، ثم جاء انفجار المفاعل النووي تشيرنوبل عام 1986 ليكشف مدى
الضعف والانهيار داخل الاتحاد السوفييتي، ولم يتوقف غورباتشوف عن إطلاق
شعاراته ووعوده، ولكنه كان يخشى أن يصبح هو الضحية وكبش الفداء في حالة
الفشل أو في حالة تأخر تنفيذ الوعود ونفاد صر الشعب،
ولهذا قرر أن يعطي
مساحة أكبر من الحريات والحوار الحر بين فئات الشعب وحتى داخل الحزب
وفي وسائل الإعلام، ولكن على ما يبدو أن جرعة الحريات كانت أكبر بكثير
من جرعة الإصلاحات الاقتصادية وإعادة البناء، وسمحت هذه الجرعة الزائدة
من الحريات بظهور مجموعة من الشباب الجدد حول غورباتشوف أطلقوا على
أنفسهم الإصلاحيين الجدد،
أمثال إيغور جيدار
وأناتولي تشوبايس وغيرهما ممن تولوا زمام أمور الدولة بعد ذلك في عهد
يلتسين وتسببوا بسياساتهم في انهيار الاقتصاد الروسي. سياسات غورباتشوف
أدت إلى ضعف الحزب والسلطة المركزية في موسكو، كما أدت إلى انتشار
الفساد والرشوة داخل أجهزة الدولة وبين كبار الموظفين، وكانت بداية
النهاية.
*أزمة الفودكا
بدا على غورباتشوف
التخبُّط والضعف منذ البداية، الأمر الذي جعله يتخذ العديد من القرارات
غير المناسبة والتي أتت بنتائج سلبية، ومنها قرار تقليص توزيع الفودكا
في المحلات وصرفها ضمن الحصة التموينية للأفراد بمعدّل زجاجتين شهرياً،
مثل هذا القرار له خطورته البالغة في دولة مثل روسيا يُعد شعبها أكثر
شعوب العالم تعاطياً للخمور،
ولهذا القرار سابقة
واحدة في تاريخ روسيا قبل الثورة البلشفية أثناء الحرب العالمية الأولى
عندما أصدر القيصر نيكولاي الثاني قراراً بمنع الفودكا بسبب انتشار
الإدمان، وكان لقرار القيصر ردود فعل سيئة للغاية وسط الشعب الروسي،
حتى يُقال إن هذا القرار جعل قطاعاً كبيراً من الشعب الروسي يؤيد
الشيوعيين ويدعم الثورة البلشفية.
لقد كان لقرار
غورباتشوف بتقليص توزيع الفودكا أثره السيء على شعبيته، حيث وقف
الملايين من الشعب الروسي في طوابير طويلة أمام محلات الفودكا وهم
يلعنون غورباتشوف وسياساته، وانتشرت في الاتحاد السوفييتي السوق
السوداء لبيع الفودكا
والتي تسببت في ثراء
مجموعة من التجار والطفيليين وكوّنت طبقة جديدة من تجار السوق السوداء
الذين يستخدمون أساليب الرشوة والفساد داخل أجهزة الدولة، كما أتاحت
أزمة قرار تقليص الفودكا الفرصة للمعارضة السياسية المتخفية في الظلام
لتوجيه الانتقادات للحزب وللنظام الشيوعي ككل، ومن صفوف هذه المعارضة
خرج الرئيس يلتسين ومعه المؤيدون له في تفكيك الاتحاد السوفييتي.
ومع أزمة الفودكا في
بداية عهد غورباتشوف ظهرت أول احتكارات خاصة في السوق الروسية السوداء
لتضع يدها على واحد من أكبر احتكارات الدولة وهو الخمور، والذي كان يدر
دخلاً كبيراً لميزانية الدولة، وكوّن بعض التجار ومافيا الخمور ثروات
هائلة من هذه السوق استغلوها فيما بعد في تأسيس مشاريع خاصة وبنوك
تعاونية
وافتتاح ملاهٍ
وكازينوهات ليلية لم تكن موجودة من قبل في الاتحاد السوفييتي، الذي
كانت تنام شعوبه كلها قبل الحادية عشرة مساءً، وكونت هذه الأماكن
الجديدة بؤرا لتجمعات المجرمين وأفراد العصابات، ولما شعر غورباتشوف
بخطورة الموقف عدل عن قراره بتقليص بيع الفودكا، ولكن كان الوقت
متأخرا.
ومع زيادة حدة الأزمة
الاقتصادية والتي كان يزيد معها الغضب الشعبي والغليان في مختلف
الجمهوريات السوفييتية، قرر غورباتشوف أن يواجه الغضب بقرار عشوائي غير
مدروس، حيث قرر رفع رواتب المواطنين في عام 1989، ومع زيادة الأموال في
يد المواطنين زادت حدة الأزمة، حيث لم يكن في السوق الروسية سلع
يشتريها المواطنون بهذه الأموال المتكدسة لديهم، والتي بلغت نحو 500
مليار روبل، أي ما يعادل 800 مليار دولار بالسعر الرسمي.
تصاعدت الأزمة، وتقدم
المستشار الاقتصادي للرئيس غورباتشوف، واسمه شتالين، من الإصلاحيين
الجدد ببرنامج أطلق عليه «برنامج شتالين» والذي يقوم في الأساس على
مبدأين الأول تحرير الأسعار كخطوة لاقتصاد السوق، والثاني خصخصة
المشاريع الإنتاجية ورفع يد الدولة عنها، وكان الخيار أمام غورباتشوف
غاية في الصعوبة،
لان هذا البرنامج
يعني بوضوح التخلي عن المباديء الشيوعية، أما الخيار الآخر أمام
غورباتشوف فقد كان أكثر صعوبة وخطورة، وهو اللجوء للغرب لطلب المساعدات
المالية، ويرى الكثير من المحللين انه كان يتعين على غورباتشوف قبول
برنامج شتالين أفضل من طلب المساعدات من الغرب،
ولكن على ما يبدو إن
غورباتشوف كان يثق إلى حد كبير في حسن نية أصدقائه الغربيين أمثال
الرئيس ريغان ومن بعده بوش الأب ورئيسة الحكومة البريطانية تاتشر،
وأيضا المستشار الألماني هيلموت كول الذين وعدوه بالمساعدة في تحقيق
إصلاحاته الداخلية.
تقدم غورباتشوف بطلب
قرض قيمته 30 مليار دولار، واجتمعت الدوائر الغربية لمناقشة الأمر،
واقترحت ألمانيا مشروع مارشال جديداً لمساعدة الاتحاد السوفييتي، وكاد
المشروع ان يدخل حيز التنفيذ وتقديم المساعدات لروسيا، ولكن توقف كل
شيء بسبب الغزو العراقي للكويت، وانشغال واشنطن ولندن في حرب تحرير
الكويت، وتناسي الغرب لغورباتشوف وطلباته،
وخاصة ان موسكو لم
تعترض على دخول قوات التحالف بقيادة أميركا في الحرب من أجل تحرير
الكويت، وربما لهذا يرى بعض المحللين ان حرب الخليج الثانية عجلت
بانهيار الاتحاد السوفييتي، وان موسكو لو كانت اتخذت موقفاً مغايراً من
هذه الحرب ورفضتها فلربما كان هذا يطيل من عمر الدولة السوفييتية
أعواماً أخرى،
على الأقل كان في
استطاعة غورباتشوف أن يحصل على ما يريده من الغرب من أموال ومساعدات لو
فكر في استخدام موافقته على هذه الحرب كورقة ضغط مقابل المساعدات، ولكن
على ما يبدو ان غورباتشوف كان مثاليا أكثر من اللازم وكانت ثقته في
أصدقائه الغربيين بلا حدود.
* السوق السوداء
في عام 1989 كان
اليهودي الروسي بوريس بيرزوفسكي أستاذا لامعا في أكاديمية العلوم
الروسية، وفي عام 1990، قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، حصل بيرزوفسكي
على درجة الزمالة في الأكاديمية، وهي أعلى درجة علمية في روسيا،
وكان يتقاضى راتبا
شهريا قدره 500 روبل، أي ما يعادل 800 دولار بالسعر الرسمي ومئة دولار
بسعر السوق السوداء، وكان معروفا في الأوساط العلمية والأكاديمية
كبروفيسور وعالم رياضيات جيد يعمل في مجال الحاسب الالكتروني، ولم يكن
له أية صلات معروفة بعالم الأعمال وعالم الجريمة والعصابات الذي ارتبط
اسمه بهما بعد ذلك.
ولد بيرزوفسكي في 23
يناير عام 1946 في أسرة يهودية روسية لوالدين يهوديين ينتميان للطبقة
المثقفة في الاتحاد السوفييتي، وتلقى تعليماً جيداً حيث التحق بعد
المدرسة بمعهد يسمى «معهد الثروات الخشبية والغابات» وكان لهذا المعهد
نشاط وأعمال بعيدة تماما عن الغابات والأخشاب،
حيث كان المعهد
متخصصا في أبحاث الفضاء وإعداد برامج الفضاء السوفييتية، واختارت
الدولة له هذا الاسم كستار يخفي نشاطه السري ثم التحق بيرزوفسكي بجامعة
موسكو لدراسة الرياضيات الحديثة، وحصل على الدكتوراه عام 1970، وحصل
على درجة بروفيسور عام 1983، وكان يرأس في الجامعة معملاً مهماً
لتكنولوجيا الكمبيوتر الحديثة، وكان منكبا على عمله ولا يبدو عليه أي
اهتمام بأي شيء آخر سوى العلم.
مع تصاعد حدة الأزمة
الاقتصادية في عهد غورباتشوف وبداية ظهور «البيزنس» الخاص والرواج في
السوق السوداء، غلبت على بيرزوفسكي الروح اليهودية أكثر من الروح
العلمية، وبدأ يفكر في الثراء وعلى ما يبدو أن عمله في مجال الكمبيوتر
فتح له آفاقا كثيرة لم تتوفر لغيره من رجال الأعمال الروس الجدد آنذاك،
إذ لم يفكر بيرزوفسكي مثل غيره في مشاريع صغيرة مثل افتتاح مطعم أو
ملهى ليلي أو محل تجاري،
لقد انطلق بيرزوفسكي
بتفكيره أو طموحاته مباشرة إلى المشاريع الإنتاجية العملاقة في روسيا،
ورغم أن «البيزنس» الخاص في عهد غورباتشوف كان مركزا في العاصمة موسكو
وبعض المدن الكبيرة، إلا ان بيرزوفسكي ذهب ابعد من ذلك بكثير، على بعد
نحو ألف كيلومتر من موسكو شرقا في مدينة تولياتي التي يقع فيها أكبر
مصنع للسيارات الخفيفة في الاتحاد السوفييتي،
حيث يقع مقر شركة
«أفتاباز» السوفييتية العملاقة التي تحتكر صناعة السيارات الخفيفة في
الاتحاد السوفييتي من ماركات (لادا ونيفا)، وسافر بيرزوفسكي إلى
تولياتي، والتقى بإدارة «أفتاباز» في عام 1989، وعرض عليهم برنامج
مشروع لتطوير المصنع يسمح بتطوير الإنتاج وزيادته ويسمح أيضا بطرح
الإنتاج في الأسواق العالمية للمنافسة مع السيارات الأجنبية.
كانت شركة «أفتاباز»
في حاجة ماسة لهذا المشروع وهذا التطوير، فقد تأسست الشركة عام 1960
وحصلت على ترخيص من شركة فيات الايطالية بتصنيع السيارة لادا، إلا ان
الشركة لم تطور إنتاجها على مدى ربع قرن بسبب الحرب الباردة ونقص
التكنولوجيا والإمكانيات المادية،
ولم تفكر الشركة
الحكومية العملاقة في تطوير إنتاجها في ظل الحكم الشيوعي الشمولي،
وكانت مكتفية بالسوق السوفييتية وأسواق الدول الاشتراكية، كما كان
القائمون عليها من موظفي الدولة يحققون لأنفسهم دخلاً لا بأس به من بيع
بعض السيارات وقطع الغيار في السوق السوداء،
ولم يشاءوا أن يزعجوا
الحكومة بطلبات تطوير الإنتاج وغيرها حتى يبقوا في مناصبهم أطوال فترة
ممكنة، ولكن مع تصاعد حدة الأزمة الاقتصادية في عهد غورباتشوف والعجز
الشديد في ميزانية الدولة أصبحت الشركات السوفييتية الحكومية مهددة،
وأصبح عليها أن تبحث
لنفسها عن مصادر تمويل خاصة بعيداً عن الحكومة، وهذا ما كان يعيه
ويفهمه اليهودي بيرزوفسكي جيداً دون غيره من باقي رجال الأعمال الجدد
الروس، الذين هرولوا في السوق السوداء يتاجرون في الخمور والسلع
النادرة في السوق، وذهبوا يفتتحون الملاهي الليلية والمطاعم الفخمة
التي تسهر لساعات طويلة في الليل وتقدم كل ما يريده روادها، على خلاف
مطاعم الحكومة الشيوعية التي تغلق أبوابها في العاشرة مساءً.
أكاديمي في «البيزنس»
هنا نجد سؤالاً يطرح
نفسه، لماذا فكر اليهودي بيرزوفسكي بطريقة مختلفة عن الجميع، ولماذا
ذهب بطموحاته في «البيزنس» إلى أعلى مستوى في الدولة الشيوعية التي
يملك فيها النظام الشمولي كل شيء، ولم يكن أحد يتوقع انهيار هذا النظام
في المستقبل القريب، كيف لعالم في الرياضيات الحديثة يقبع في معمله
وعلى أبحاثه العلمية أن يتجه فجأة إلى هذا الاتجاه المعاكس تماماً
ويغرق في عالم «البيزنس» والمال والمافيا والجريمة والسياسة والسلطة؟؟؟
التقى بيرزوفسكي
إدارة شركة السيارات السيوفييتية العملاقة «افتاباز» عام 1989 وعرض
عليهم مشروعه لتطوير المصنع وتسويق إنتاجه في الخارج، وقدم لهم عرضاً
بدعم مادي مقدم من مؤسسة خاصة داخل الاتحاد السوفييتي تعمل بالتعاون مع
مؤسسة أجنبية في إيطاليا، ورحبت شركة افتاباز بالمشروع،
وقام بيزوفسكي الذي
لم يكن لديه أموال ولا أية أرصدة في البنوك بتأسيس شركة مشتركة مع شركة
إيطالية تسمى «لوجوسيستم» في مايو عام 1989 لتتولى معه تمويل مشاريعه
مع افتاباز السوفييتية، وتأسست الشركة المشتركة الجديدة تحت اسم
«لوبجاباز» هذا الاسم المهم الذي لمع في سماء روسيا وفي عالم «البيزنس»
والجريمة والسياسة طيلة عهد الرئيس يلتسين، ورحب الرئيس غورباتشوف بهذه
الشركة الجديدة وتعاونها مع الشركة السوفييتية افتاباز لتطوير الصناعات
السوفييتية.
هكذا بدأ الملياردير
اليهودي بيرزوفسكي أولى خطواته في عالم «البيزنس» ولم يكن يملك من
المال ما يكفي لافتتاح أي مشروع صغير، لكنه بذكائه الخارق استطاع أن
يأتي بالممول من الخارج والإنتاج من الداخل ويكون هو الطرف الرئيسي في
الاتفاق، ويؤسس شركة جديدة ذات نظام جديد تماماً في الاتحاد السوفييتي،
تتمتع بإعفاءات ضريبية جيدة،
كما تحتفظ لنفسها بحق
إخراج نصف عائداتها من الأرباح خارج البلاد بالعملة الصعبة، وذلك حسب
القوانين التي وضعها نظام غورباتشوف لتشجيع الاستثمار الأجنبي المشترك.
وزيادة في الاطمئنان وضع بيرزوفسكي صديقه كادينيف رئيس الشركة
السوفييتية افتاباز على رأس الشركة المشتركة الجديدة «لوجاباز» واحتفظ
لنفسه بمنصب المدير العام ليتحكم في مسار الأمور كلها.
دخل بيرزوفسكي قطاع
السيارات بمشروع لتطوير شركة افتاباز السوفييتية العملاقة، لكنه مثله
مثل أي رجل أعمال ظهر في روسيا في التسعينات كان يسعى للربح السريع
واستغلال الفوضى الموجودة في البلاد، ولم يحدث أي تطوير في الشركة، ولم
يأت إليها الاستثمار الأجنبي، بل استمرت على إنتاجها القديم بالنوعية
نفسها وبالتكنولوجيا المتخلفة نفسها، كل ما هنالك أن بيرزوفسكي أصبح
يتحكم في توزيع إنتاج الشركة داخلياً وخارجياً،
وخاصة في السوق
السوداء التي كانت تدر عليه أرباحاً خيالية كون عن طريقها أرصدة كبيرة
في بنوك خارج روسيا، فقد كانت السيارة لادا تخرج من المصنع بسعر لا
يتجاوز ثلاثة آلاف دولار بتحويلات السوق السوداء بينما كانت تباع في
السوق نفسه بضعف هذا المبلغ، في الوقت الذي كان المصنع الكبير يعمل
بكامل طاقته وينتج سنوياً مئات الآلاف من السيارات.
لم تكن السوق السوداء
بدعة جديدة في الاتحاد السوفييتي في عهد غورباتشوف، بل كانت موجودة من
قبل منذ بداية عهد الرئيس بريجنيف في الستينات، ورغم ما كان يقال من أن
جهاز الاستخبارات السوفييتي الرهيب المعروف باسم (كي. جي. بي)، كان
يقاوم مظاهر الفساد والرشوة والسوق السوداء داخلا لدولة، إلا أن هذا
الجهاز الرهيب كان يعي جيداً كم الأرباح الخيالية التي يمكن تحقيقها عن
طريق هذه السوق السوداء،
ولهذا ربما لا نندهش
إذا عرفنا الآن أن جهاز كي جي بي نفسه كان يمارس التجارة في هذه السوق
السوداء داخل وخارج الاتحاد السوفييتي، وهذا ما كشفت عنه مؤخراً
الملفات المفتوحة من أرشيف هذا الجهاز، وتقول هذه الوثائق أن جهاز
الاستخبارات السوفييتي «كي جي بي» قام بتأسيس بنوك سرية تحت مسميات
مختلفة في دول أخرى مثل إيطاليا وقبرص واليونان والبرتغال بمساعدة
عملائه في الخارج،
وكان يقوم بتحويل
مليارات الدولارات من داخل الاتحاد السوفييتي إلى هذه البنوك عن طريق
البنك السوفييتي الحكومي «فينيش إيكونوم بنك»، وأيضاً عن طريق عمليات
بيع النفط والمعادن والأخشاب السوفييتية في السوق العالمية، وذلك بهدف
كسر واختراق الحصار المفروض على الاتحاد السوفييتي عالمياً وللحصول على
العملات الصعبة،
فقد كانت معظم الدول
التي تتعامل بشكل رسمي مع موسكو تدفع مقابل السلع السوفييتية سلعاً
أخرى من منتجاتها المحلية، وكانت مصادر السوفييت الرسمية من العملات
الصعبة محدودة للغاية ومراقبة بشدة من أجهزة الاستخبارات الغربية،
ولهذا لجأ جهاز كي جي
بي إلى السوق السوداء العالمية لتسويق منتجاته، وبأسعار أقل من السوق
العالمية بهدف الحصول على العملات الصعبة التي كانت تودع في البنوك
السرية التي أسسها الجهاز في الخارج، وقد ظلت هذه المليارات من
الدولارات مودعة في هذه البنوك السرية حتى لحظة انهيار الاتحاد
السوفييتي، ولكن أين ذهبت هذه الأموال بعد ذلك؟،
الإجابة على هذا
السؤال مازالت حتى الآن غير معروفة وما زالت محل بحث وتحريات كبيرة من
الحكومة الروسية، وإن كان البعض يعتقد أن معظم هذه الأموال قد تم سحبها
في عهد الرئيس يلتسين، وخاصة أن هذه المسألة لم تطرح للبحث والنقاش
طيلة التسعينات، فقد كانت الحكومة الروسية في عهد يلتسين تقول: إن هذه
كلها أمور سرية وغامضة وغير مؤكدة،
وحتى لو ثبت صحتها
فإنه من الصعب بل ربما من المستحيل إثبات أن هذه الأموال ملك للدولة
السوفييتية السابقة، إلى جانب أن الدول الموجودة فيها هذه البنوك
السرية تستطيع أن تضع يدها على هذه الودائع بحجة أنها أموال غير شرعية
ومغسولة بطرق غير شرعية، ولهذا ما زال ملف هذه المليارات من الدولارات
مغلقاً حتى الآن.
ويقال إن بعض رجال
الأعمال الروس الجدد من أمثال اليهودي بيرزوفسكي وغيره استعانوا ببعض
رجال الدولة في عهد يلتسين وببعض رجال جهاز كي جي بي للتوصل إلى هذه
الأرصدة السرية للاتحاد السوفييتي السابق، وأنهم سطوا على هذه الأرصدة
وقسموها فيما بينهم، وأنه لهذا السبب لم تفتح ملفات هذه الأرصدة
للتحقيق فيها في عهد الرئيس يلتسين.
ويقال إن الرئيس
يلتسين نفسه تقدم بطلب للرئيس كلينتون حتى تتعاون المخابرات المركزية
الأميركية مع روسيا في البحث عن هذه الأرصدة السرية لمليارات الدولارات
التي أودعها الحزب الشيوعي السوفييتي وجهاز «كي جي بي» في الخارج،
ولكن المخابرات
المركزية الأميركية رفضت التعاون مع روسيا في هذا الأمر بحجة أن
المعلومات حول هذه الأموال والأرصدة غير مؤكدة، على الرغم من أنه في
فبراير عام 1991 في آخر أيام عهد غورباتشوف ثبت قيام وزارة التجارة
الخارجية الروسية بعقد صفقة مشبوهة مع شركة بريطانية تحت اسم «داف
تريدينج انترناشيونال» قيمتها 5,7 مليارات دولار مقابل سلع ومنتجات
روسية غير معروفة،
ولم يثبت تحويل هذه
الأموال إلى داخل روسيا، ولم يعرف أيضاً الجهات التي دفعت هذه الأموال
للشركة البريطانية، وأثيرت القضية في البرلمان الروسي لمعرفة من أين
أتت هذه الأموال وأين ذهبت، وقيل إن هذه الأموال قدمتها عصابات مافيا
عالمية مقرها كولومبيا وتعمل في تجارة المخدرات والسلاح،
كما ثبت أيضاً
بالوثائق قيام جهة فرنسية اسمها فيمكو بصفقات كبيرة لغسيل أموال للبنك
المركزي السوفييتي تقدر قيمتها، حسب تصريحات المدعي العام الروسي، بنحو
خمسين مليار دولار، ولم تدخل هذه الأموال للبنوك السوفييتية، ولا يعرف
أحد حتى الآن أين ذهبت.