الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 
المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة الاولى

د. عدنان الظاهر

 ذكرى وتأريخ

الفصل الثالث

الطيران من موسكو إلى نيويورك / الرابع من أيلول 1968

( في الولايات المتحدة الأمريكية. أيلول 1968 ـ أيلول 1969 ) 

كنتُ صبيحة الرابع من شهر أيلول 1968 جاهزاً لمغادرة موسكو طيراناً إلى مدينة نيويورك الأمريكية ومنها إلى جامعة كالفورنيا في ( إرفاين ) القريبة من مدينة ( لوس أنجلوس ) الشهيرة. كانت سيارة التاكسي التي ستقلني إلى مطار ( شيريميتوفا ) هي الأخرى جاهزة. كان معي ( و.غ.ق.) الصديق الذي أنقذته من محنته في العاصمة اليوغسلافية ( بلغراد ) وضمنتُ له مقعداً دراسياً في جامعة الصداقة بين الشعوب. أصرَّ هذا الصديق على أن يأتي معي إلى المطار وأن يرافقني حتى لحظة مغادرة الطائرة وقد فعل. كنتُ وحسب نصيحة أحد المعارف قد شحنتُ حقائبي قبلي، الخفيفة منها جوّاً والثقيلة عن طريق البحر. دخلت قاعة المغادرة وفي القلب شيء من الحذر المشوب بشيء من الخوف. ها هي بوابة النجاة. هل أُمنع من السفر إلى أمريكا ؟ هل هناك قرار سابق بهذا المنع ؟ كانت لحظةً من لحظات الشدة في حياتي. فلقد أحرقتُ السفن وليس أمامي إلاّ إتجاه واحد وطريق واحد. ما كنتُ أحمل معي إلاّ حقيبة كتف صغيرة فيها أدوات الحلاقة ومعجون وفرشاة الأسنان وزوج من الجوارب. حتى رسالتي المطبوعة التي ناقشتها قبل حوالي الثلاثة أشهر، قالت لي دوائر البريد إنه لا يُسمح لي بإصطحابها معي، ولكن يمكن شحنها في بريد مستقل آخر أو في حقيبة تُشحن قبلي، وهذا ما فعلتُ.كان قد ساعدني كثيراً في أمور الشحن هذه الصديق البصري الخصيبي الوفي ( سلام علي شهباز، أبو سمير )، الأكاديمي الذي إختص في اللغة الروسية فيما بعد، ثم المذيع في القسم العربي في إذاعة موسكو. يغلب على ظني أنَّ هذا الصديق الصدوق ما زال مع قرينته الروسية وأطفاله في موسكو ( نحن الآن في أوائل شهر شباط، فبراير 2005 ).

مررت بسلام من بوابة الموت و الحياة دونما أية أسئلة أو مشاكل أو عراقيل.كان أصولياً كل ما معي من أوراق ووثائق وتأشيرة دخول الأراضي الأمريكية. غادرت بوابة (السراط المستقيم ) متجهاً نحو طائرة ( بان أمريكان ) التي كانت جاثمةً على المدرج المخصص لها على أرض المطار فسمعت صوت أقدام تجري مُسرعةً ورائي. يا ساتر !! إلتفتُّ فإذا بي أرى صديقي المودِّع ( و.غ.ق. ) يمسك بيدي ويُقسم أن يظل معي حتى لحظة صعودي إلى الطائرة. كيف فلت من رجال الأمن وباقي أجهزة السلامة وجاء إلى منطقة لا يدخلها إلاّ المغادرون الذين مروا بالإجراءات الأصولية المعروفة ؟ وهكذا كان له ما أراد. تصافحنا وتعانقنا طويلاً ثم إرتقيت سلّم الصعود إلى الطائرة التي ستأخذني إلى نيويورك. لم ينسَ جميلي الأخير له ولا علاقاتنا القوية في مدينة الحلة أيام عبد الكريم قاسم.

كانت الطائرة شبه خالية، ومع ذلك جلس بجانبي رجل يتكلم الروسية كأي رجل روسي. إستغربتُ الأمر ! سألته عن هويته وماذا يفعل في موسكو وما الذي سيفعله في أمريكا فأجاب إنه أمريكي من أصل روسي وإنه رجل يمتهن الصحافة ويكتب تقارير صحافية ويراسل بعض الصحف والمجلات الأمريكية. أردت أن أقول له : ولماذا ألصقتَ نفسك بي وتركت كل هذه الأمكنة الفارغة في الطائرة ؟ لكني تماسكت وتعوذت من الشيطان الرجيم وأنا في أولى خطواتي نحو العالم الجديد، الولايات المتحدةالأمريكية. بدأت أجهزة التلفزيون المثبتة في الطائرة بالعمل فإنصرفت إليها عن عَمْدٍ متحاشياً المزيد من الحوار مع هذا الرجل المشبوه.كان معقوف الأنف قبيح الوجه بلحية قصيرة ونظارات طبية سميكة. سيماؤهم على وجوههم.

مع توغل الطائرة في الأجواء العليا والبعيدة وجدتُ نفسي أديم التفكير في مسائل كثيرة شغلت بها نفسي عن جاري الثقيل فلم أعدْ أتجاوب مع أحاديثه ولا أرد على أسئلته الكثيرة. فمن خلال بعض ما طرح من أسئلة إتضح لي أنَّ الرجل على علم تام بمن أكون أنا وبتفاصيل سفرتي ومشروع توجهي نحو أمريكا. زادت شكوكي به فزدت إبتعاداً عنه رغم إلتصاق مقعده بمقعدي في جوف الطائرة الأمريكية. تُرى، ماذا سأجد في أمريكا القارة الكبيرة التي لم أرها من قبلُ ؟ هل هي أمريكا التي كنت أشاهدها في أفلام هوليود

وأقرأ عنها في الصحف والمجلات وباقي وسائل الإعلام ؟ كيف ستكون حياتي الجديدة في البلد الجديد ؟ هل سأصيب حظاً أم سيكون الفشل حظي ونصيبي ؟ صبراً يا فلان ولا تيأس ولا تشتط بك الوساوس والظنون. إنَّ لك أهلاً ووطناً ستعود إليهما إذا ما ضاقت أمامك في أمريكا السبل. إجعل مغامرتك هذه سفرة أخرى قد تقصر وربما تطول. دخلتُ

مع نفسي في حوارات متعددة الألوان والأشكال، أرتفع مع مد بعضها وأغوص في أعماق سوداوية البعض الآخر منها. كنت كموجة يتقاذفها المد والجزر سواء في أفكاري وهواجسي ومخاوفي وتحفظاتي أو في سعادتي وحبوري في أمل التفوق في مجال الأبحاث العلمية والنجاح في العالم الجديد الذي لم أره من قبلُ. حين أتعب وأكل من هذه الحوارات المضنية تتوق النفس البشرية للتوقف في محطة للراحة وإلتقاط الأنفاس ومراجعة نتائج الحوارات لإستخلاص العِبر والرسو على نتائج ترتاح لها النفس التي أضناها تعب الصراع. لم أجد وقتذاك محطة للراحة أفضل من الرجوع لذكرياتي الذهبية في موسكو وعلى سواحل ومياه البحر الأسود وجبال القوقاس، ثم أعوام الدراسة والبحث العلمي الشاق، ثم الصديقات ولاسيما الأخيرة فيهن ( زويا )، ثم مسارح موسكو ومطاعمها وأنهارها وقنواتها وثلوج شتائها التي حرمت نفسي من متعة التزلج فوقها خوفاً من السقوط ومما قد يترتب على مثل هذا السقوط من كسور في العظام ومضاعفات أخرى لا يمكن التكهن بها. لقد رقد طالب عراقي في بعض مستشفيات موسكو قرابة الستة شهور يعاني من كسر في ساقه. كنتُ في مجمل أفكاري هذه منقسماً على نفسي وموزعاً  ما بين عالمين، الأول عالم لم يعدْ له من وجود : إنه الماضي، الإتحاد السوفياتي. والآخر عالم لم يوجد بعد : إنه المستقبل، الولايات المتحدة الأمريكية. كنت أرى نفسي في قلب المركز الذي يتوسط قطبين مغناطيسيين جبارين، لذا كنت أشعر كأني مخلوق فاقد الوزن. وحين يحضر هذان الزمنان معاً يصغر المرء ويضؤل حتى يكاد أن يتوارى خلف كثيف الحُجُب. كنت ضئيلاً في الطائرة الأمريكية كأني كنت لا شيء على الأطلاق. أهو الشعور الدفين بالخوف من المجهول ومن هيبة مواجهة عالم جديد مختلف تماماً عما قد ألِفت على مدى ستة أعوامٍ في بلد إشتراكي ؟

جاءت الخادمُ بالطعام والشراب، وظلّت شاشات أجهزة التلفزيون المثبّتة أمام الراكبين ساطعةً تعرض الكثير من الأفلام المنوعة ونشرات الأخبار لكني كنتُ أُوغلُ في طيران معاكسٍ لإتجاه طيران الطائرة : ذكريات ستة أعوامٍ قضيتها في موسكو طولاً وعَرضاً،

توغلت خلالها في أعماق الحياة الروسية والبيوت الروسية وتعرفت على قطاعات وفئات شتى من مواطني الإتحاد السوفياتي من مختلف القوميات والأعراق والأقليات العرقية. تعمّقتُ في دراسة الأدب الروسي وخاصة الشعر وتعلّقت بالمسرح.كما نشأت صداقات متينة بيني وبين أطياف منوعة من النساء  تتفاوت ما بين عاملة وطالبة جامعية ومعلمة وطبيبة ومهندسة وعالمة أبحاث. ذكريات ستة أعوام كاملة محفورة حفراً في رأس وصدر وروح الإنسان،… كيف ينساها ؟

لم أستطعْ النوم إذ كانت الشمس تسطع بقوة فتخترق إشعتها زجاج نوافذ الجهة اليمنى للطائرة وظلّت كذلك لساعات طوال بسبب ما يُسمى بالطيران القطبي. زهدت نفسي بما كانت تعرض أجهزة التلفزيون من أفلام، وبكثرة ما يُقدّم من مأكول ومشروب وشعرتُ فجأةً بالجزع والندم فطفقتُ ألومُ نفسي. لماذا وعلام التخبط في مغامرات مجهولة المصير  والأهل في العراق في إنتظار أوبتي بعد أن أكملتُ دراستي وأبحاثي ؟ هربت من قسوة سوط تأنيب وتعذيب الضمير ومن ثقل وطأة الشعور بالندم فنمتُ قليلاً ثم صحوت على صوت قائد الطائرة يعلن عن وصولنا مطار مدينة ( كيوبيك ) الكندية وبأنَّ الطائرة ستمكث على أرض المطار لفترة نصف ساعة فقط. دفعني الفضول أن أترك مكاني وأتوجه إلى باب الطائرة التي فُتِحت لصعود بعض المسافرين ثم لألقي نظرة متفحصة على أرض جديدة عليَّ وعلى مطار هو الآخر جديد ولأتنسم هواءً جديداً. أقلعت الطائرة ثانيةً فخيم الظلام بشكل فجائي. نمت مرة أخرى ولكن نوماً عميقاً. العتمة والمجهول والظلام تساعد على النوم. صحوت هذه المرة على صوت أحد ملاحي الطائرة يعلن عن دخولنا أجواء مدينة نيويورك. تطلعت من خلال النافذة المجاورة فذُهِلت !! المدينة تتوهج بالأضواء ومياه البحر تعكس هذه الأضواء فيزداد النور نوراً ويختفي الليل تماماً حتى لكأني أشهد نهاراً حقيقياً. هزَّ كتفي في لحظة ذهولي تلك وكنتُ ما زلت أختلس النظر من خلال زجاج النافذة، هزَّ كتفي أحد ملاحي الطائرة وسألني بتعمد خبيث : هل رأيتَ في حياتك مثل هذا المشهد ؟ كان في رأسه بالطبع مشهد مدينة موسكو ومطارها ليلاً حيث العتمة والظلام الدامس. الظلام الذي يخيم فوق موسكو ليلاً سببه عاملان هما الهاجس الأمني ثم الإقتصاد في إستهلاك الطاقة الكهربائية وما ينفق على إنتاجها من وقود. قلت له كلاّ، ولم أزدْ. حطّت طائرتنا على أرض مطار نيويورك الهائل والمعقد فتوجهتُ إلى باب مغادرة المطار. تلقاني شرطي أسود ضخم الجثة. أخذ يدقق طويلاً في جواز سفري وفي التأشيرة الأمريكية التي ختمها القنصل الأمريكي في موسكو على إحدى صفحات هذا الجواز. ثم في رسالة البروفسور رولاند التي تحمل عرض العمل وإجراء أبحاث في مختبراته في جامعة كالفورنيا. أخذ جوازي والرسالة وقال لي إنتظرْ هنا. تركني ودخل إحدى غرف المطار لفترة من الزمن. شعرتُ بشيء من القلق. علام كل هذا التدقيق وهذه الشكوك ؟ أليست تأشيرة الدخول سليمة ونافذة المفعول ؟ أفلمْ يأخذ القنصل في موسكو موافقة الجهات الأمريكية المختصة قبل أن يمنحني هذه التأشيرة ؟ عاد الشرطي العملاق من غيبته ليصب فوق رأسي سيلاً من الأسئلة. ثم فتح حقيبة الكتف الصغيرة وتفحص محتوياتها جيداً. أخرج منها طاقم ملاعق صغيرة مطلية بالذهب ومزيّنة بالميناء الملوّنة ثم قال : إدخال حاجيات ذهبية إلى الولايات المتحدة الأمريكية أمر ممنوع. قلت له إنها ليست ذهبية، إنما هي مطلية بطبقة رقيقة من الذهب. وإنها للزينة والديكور وليست للبيع والمتاجرة. ثم إنها هدية مني للبروفسور الذي دعاني لإجراء أبحاث في مختبراته، من باب الإعتراف بالجميل ورد الفضل. سكتَ وأعاد الملاعق إلى حقيبتي ثم قال لي : تفضّل. تركت المكان وما كنت لأصدّق أن هذا الشرطي ( الغضب ) سيسمح لي بمغادرة أرض مطار نيويورك. سألت بعض الناس كيف الوصول إلى قلب مدينة نيويورك وكانت الساعة تقترب من التاسعة مساءً. أشار أحدهم إلى حافلة واقفة ليس بعيداً عنا وقال خذ هذه الحافلة فإنها ستتجه عمّا قريب إلى قلب مدينة نيويورك. ركبت الحافلة وغادرت المطار. بعد نصف ساعة توقفت الحافلة في المحطة الرئيسة المخصصة للحافلات والواقعة في مركز مدينة نيويورك. توجهت إلى مكتب الإستعلامات طالباُ عنوان فندق أقضي فيه سواد ليلتي ريثما أتدبر أمري في هذا البلد الغريب والعجيب. أعطاني رجل يعمل في هذا المكتب ـ وقد عرف من أنا ومن أين ولماذا أتيتُ ـ أعطاني عنوان بيت خاص للطلبة ثم سألني أن أنتظر قليلاً. رفع التلفون وتكلم مع رجل على الخط الآخر ثم سألني هل أفهم اللغة العربية ؟ قلت له إنها لغتي. قال إذن تفضّل، تكلّم. مفاجأة !! رجل على الخط الآخر يتكلم العربية بلهجة مصرية قال إنه يعيش في بيت الطلبة وإنه في إنتظاري وإن البيت ليس بعيداً عن محطة الحافلات. رجوت رجل الإستعلامات أن يستدعي لي سيارة تاكسي لتقلني إلى بيت الطلبة. وصلت البيت فوجدته مبنى مكوناً من ثلاثة طوابق تحمل واجهته لافتةً كبيرة مكتوب عليها ( International Student Hospice  ) وعنوانه الذي كتب لي رجل الإستعلامات هو ( 708 East 6 th Street, New York, N.Y. 10009  ). وجدت الطالب المصري في إنتظاري مع مدير دار الطلبة العالمي المستر Art Stabile )). رحبا بي بحرارة ثم قال المدير غرف البيت كلها محجوزة، لكني سأدبر لك مكاناً مؤقتاً تقضي به هذه الليلة وسنرى ما الذي يأتي به نهار الغد. قادني إلى أحد أركان قاعة الراحة والإستقبال الواسعة فوجدت هناك سريراً مفروشاً كامل العدّة. أتى بستائر طويلة وعزل السرير عن باقي فضاء بهو الإستقبال. قال سأتقاضى منك ـ كطالب ـ دولارين في اليوم، وإنك تستطيع أن تأكل صباحاً ما شئت من المعجّنات الجيدة المطروحة في المطبخ وأن تشرب قدر ما تستطيع من الحليب الذي يملأ ثلاجات البيت. ثم قال خذ حماماً ساخناً ونم الليلة وسنواصل الحديث غداً. إستحممت ونمت كما لم أنمْ في حياتي من قبلُ.

نهضت صباح اليوم التالي مبكراً مشوقاً للتعرف على مدينة نيويورك. أخذت حماماً ساخناً ثم توجهت نحو المطبخ لأتناول فطوري المجاني. كان مدير الدار ينتظرني في بهو الإستقبال.

أجبته عن كافة أسئلته الطويلة المتوقعة منها وغير المتوقعة. كان يرتدي ملابس تعطي الإنطباع بأنَّ الرجل هو أحد القساوسة. شعر رأسه قصير وعلى عينيه نظارات طبية سميكة. لفت نظري كثرة الصور وبطاقات البريد المعلّقة على جدران بهو الإستقبال التي أرسلها له معظم من أقام في هذا البيت من الطلبة والأساتذة الأجانب والأمريكان. قال إنه ينتظر مني هدية من موسكو لذكرى مكوثي في دار الطلبة العالمي. أعطيته لوحة من خشب خاص منقوشاً عليها غزال يهم بالقفز من أحجار الكهرب الطبيعي. كان شديد الفرح بهذه الهدية الثمينة. طلب مني كتابة إسمي وتأريخ وصولي وكلمة إهداء للبيت مني تحت اللوحة ففعلت. قام على الفور وعلّقها في مكان متميز على أحد جدران البهو مطيلاً النظر فيها. وجدت الفُرصة سانحة والجو مشجعاً فسألته لِمَ يقدم الحليب وفطائر الصباح مجاناً ؟ فقال إنها جميعاً تأتي كهدايا وتبرعات من الشركات المنتجة كمساعدات للطلبة وخاصة الأجانب منهم. قال إننا نحب الطلبة ونعرف أن معظم الطلبة هم من الفقراء.

قبل أن نفترق طلب مني أن أكون ثانيةً في البيت في الساعة السادسة عصراً. قال إنَّ صديقاً محامياً أمريكياً من أصل لبناني يود التعرف عليَّ وربما سيساعدني في أمور كثيرة. فرحتُ بالفكرة. محامٍ لبناني الأصل لا بدَّ وإنه يتكلم العربية. وجدت إنتقال اللغة الفجائي والسريع من الروسية إلى الإنجليزية أمراً ثقيلاً لم أسيغه باديء الأمر. كانت لغتي الروسية متقنةً ورائعة، وعليَّ الآن أن أضبط لغةً أخرى. قلتُ لا بأس من مرحلة وسطية وفترة نقاهة وإنتقال من جو لغوي إلى آخر مغاير.

لم أكلَّ من التمشي في شوارع ومخازن ومتنزهات نيويورك. وحين أقول ( نيويورك ) إنما أعني جزيرة ( مانهاتن ) التي يقوم عليها مركز المدينة. فهناك بضعة جزر أخرى تابعة لمدينة نيويورك. واجهتني فيما يخص طعامي عدة مشاكل. فلهجة الكثير من باعة الأطعمة السريعة أو عمال المطاعم لهجة غريبة ولهم أسلوبهم الخاص في نطق الحروف والكلمات. حين أردت تناول ( الهامبركر ) من أحد المحلات دخلت في شبه مشادّة مع العامل الأسود. جهز ما أردتُ ثم سألني ( Rings ?  ) كررت قولي له : أريد هامبركر. كرر سؤاله السابق فلم أفهم ما يقصد. أُضطررت أن أستوضح منه بكلمات جدَّ بسيطة عما يقصد بكلمة ( Rings  ) ؟ فكان جوابه مضحكاً : قال إنه يسألني هل أريد الهامبركر مع حلقات من البصل أم بدون بصل !! عرب وين طنبورة وين ؟؟ إرتفعت نبرة الحوار درجةً إلى الأعلى مرّةً أخرى حين طلبتُ منه قدحَ شاي. سألني ( Cold  ) ؟ كررت طلبي : أريد قدحَ شايٍ. عاد وكرر سؤاله السابق فشعرت بضيق حقيقي وبشيء من الغثيان. أريد شاياً وهذا الشاب يسألني أسئلة سخيفة لا علاقة لها بما طلبتُ. مرة أخرى عدت أشرح له مطلبي بلغة قريبة من الإستجداء. فهم قصدي فأوضح : قال سألتك هل تريد الشاي

بارداً ؟ يا إلهي ! كيف يكون الشاي بارداً ونحن نشربه في العادة ثقيلاً وشديد السخونة ؟

قلت له بل أريد شاياً يحرق الشفتين واللسان. ضحك الشاب كثيراً ثم سألني من أين

أتيت ؟ يقصد من أي عالم متخلف أتيتُ إلى هذا البلد وهذه المدينة. رحم الله شاعرنا وحكيمنا المتنبي يوم قال (( لكل إمريءٍ من دهرهِ ما تعوّدا …)). عرب وين طنبورة وين. في نهاري الأول في مدينة نيويورك جعلني هذا الشاب الأسود أشعر كأني ( معيدي لندن ) حقاً لا مجازاً. أين سأتناول طعامي إذا كنت كلما شعرت بالجوع أواجه مثل هذه المشاكل المبكية ـ المضحكة ؟ هل أصبر على جوع أحشائي  والتمشيات الطويلة تتطلب سعرات حرارية عالية وطاقات مختزنة في عضلات الجسد ؟

عدتُ إلى بيت الطلبة قبل الساعة السادسة عصراً إستعداداً للقيا المحامي اللبناني. جاء المحامي بعد وقت قصير فعرّفني مدير الدار عليه. رحبت به بالعربية ظاناً إنه يتكلمها أو يفهمها ففاجأني إنه لا يعرف من العربية إلاّ كلمة نابية واحدة ! ثم قالها بمليء فيه. قال إن إسمه ( ألبرت دب )، جاء إلى أمريكا مع والديه طفلاً صغيراً لذا فإنه لم يتعلم اللغة العربية. قبل أن نفترق قال إنتظرني هنا غداً، سأجيء لأصطحبك معي إلى بيتي في ( نيوجرسي ) لتتعرف على زوجتي وأطفالي ثم لنتناول طعام العشاء معاً. جاء الرجل في اليوم التالي حسب الموعد وتناولنا طعام العشاء معاً. زوجه ( ماري ) إمرأة آيرلندية الأصل له منها ثلاثة أطفال. كان السيد ( ألبرت دِب ) يزورني مساء كل يوم في دار الطلبة. أخذني مساء أحد الأيام إلى ( نيوجرسي ). ترك سيارته في أحد شوارعها وقمنا بجولة على الأقدام لا أحلى منها ولا أروع. مررنا بشارع تشع في الأنوار والأضوية الملوّنة وتصدح فيه بأصواتٍ عاليةٍ أغاني أم كلثوم وفريد الأطرش وباقي مشاهير المطربين العرب. ثم دلفنا إلى أحد المخازن العربية حيث إبتعنا صناديق البقلاوة الممتازة. كان الرجل زبوناً دائماً ومعروفاً لأصحاب الكثير من هذه المخازن. قضيت وكامل عائلته وعائلة سورية أخرى آخر نهار أحد لي في نيويروك على رمال أحد سواحل المحيط الأطلسي. كانت الريح قويةً والأمواج عالية لذا تعذرت السباحة على الجميع.

سألتُ مرّةً السيد ( البرت دِب ) عن سبب إهتمامه بي فقال إنه عضو في جمعية الأمريكان العرب أو العرب الأمريكان. ومن واجبات أعضاء هذه الجمعية مساعدة القادمين العرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتمكينهم من الوقوف على أقدامهم وتذليل ما قد يعترضهم من مشاكل وصعوبات. لم نلتقِ بعد أن غادرت نيويورك لكننا بقينا نتبادل بطاقات التهنئة بأعياد الميلاد ورأس السنة لقرابة خمسة وثلاثين عاماً.  

كيف وأين أمضيت أيامي السبعة في نيويورك، وما هو سبب مكوثي أسبوعاً كاملاً فيها ؟

قلت سابقاً إني كنت قد شحنت حقيبتي الكبيرة إلى نيويورك قبل مغادرتي موسكو… حسب توصية أحد المعارف. قال إني سأجدها هناك في المطار أمامي. لم أجدها في مطار نيويورك ساعة وصولي. أرسلوني إلى شعبة المخازن وتجميع البضائع المشحونة جواً. دققوا في قوائم كبيرة أمامهم فلم يجدوا الأرقام التي أعطيتهم. أعطوني رقم تلفون طالبين مني الإتصال بهم غداً. إتصلت بهم صباح اليوم التالي لوصولي فقالوا إنها لم تصل بعدُ. وهكذا كنت أتصل بمطار نيويورك صباح كل يوم أسأل عن وصول حقيبتي حتى قالوا لي بعد مرور أسبوع كاملٍ هيا أسرعْ، وصلت حقيبتك، تعالَ وخذها. لا ينبغي أن نتبنى نصائح المعارف وبعض الأصدقاء كما هي وعلى علاّتها. كلفتني نصيحة أحدهم الكثير من الجهد والمال والوقت كنت بأمس الحاجة إليها جميعاً وأنا على أرض غريبة في بلد غريب عجيب. لو كانت حقيبة ملابسي وبعض حاجياتي الأخرى قد طارت معي على نفس الطائرة التي أقلتني من موسكو إلى نيويورك لكنت حملتها وتوجهت على الفور إما بالطائرة أو القطار إلى الجانب الآخر من القارة الأمريكية، إلى ( لوس أنجلوس ) في ولاية كالفورنيا على سواحل المحيط الهادي. عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم. فلقد رأيت المدينة الهائلة نيويورك وتعرفت فيها على الإنسان الطيب المحامي ( ألبرت دِب ). زرت المتحف الهائل والرائع (  METROPOLITAN MUSEUM OF FINE ARTS  ) وإلتقطت فيه صوراً لبعض لوحات الرسام الفرنسي ( رينوار ) التي لم أرها في متاحف فيينا وموسكو ولينينغراد. كان الدخول إلى هذا المتحف مجانياً. كما قطعت أشهر شوارعها مشياً على الأقدام. ثم زرتُ بسفرة على زورق بخاري تمثال الحرية الشهير، الحامل لشعلة أطفأتها الحروب والقنابل الذرية. كنت أتمشى ذات مساء ليس بعيداً عن مكان إقامتي. إقترب مني  شرطيان مدججان بالسلاح فقال أحدهما لي إننا ننصحك بالإبتعاد عن هذا المكان، سيلف الظلام المنطقة عمّا قريب، وربما ستكون في خطر. سألته ولِمَ الخطر وما هو مصدره ؟ تطلّع في وجهي ملياً ثم قال إنك قريب جداً من ( حي هارلم للزنوج ). هل قام الشرطيان بدعاوة خبيثة ضد مواطنيهم من الأمريكان السود أم كانا على حق ؟؟ أصغيتُ للنصيحة التي أسديا لي وتركت المكان سريعاً عائداً إلى بيت الطلبة العالمي.

بعد أن تناولتُ فطوري المجاني ذات يوم، وجدت مدير دار الطلبة جالساً على السلالم التي تربط الطابق الأول من البناية بالطابق الأرضي. قال صباح الخير ثم سارع للقول إنَّ لي معك لحديثاً خاصاً. دُهِشتُ،  حديث معي خاص ؟ أصغيت لحديثه الخاص الذي جاء هادئاً موزوناً . سألني : هل لديك الرغبة في أن تكتب كتاباً عن تفاصيل حياتك في الإتحاد السوفياتي مقابل مليون دولار أمريكي ؟؟ جفلتُ. إرتعشتُ. سؤال غير متوقع يأتيني من شخص يمثل دور راهب أو قس. شعرت بخوف حقيقي فإنتصب أمامي كل ما كنت أحمل من تراثٍ شخصي وأمانة سياسية أعتز بهما، ووفاء لشعب علّمني وأحاطني بالدفء والرعاية في ساعات الشدة ومصائب الوطن. كما تجسّد أمام نواظري التأريخ الوطني المُشرّف والمجيد لبعض أشقائي من ضباط الجيش العراقي. تماسكتُ ـ وقد أحسستُ من أنا وأي تراث يقف ورائي ـ أمام هذا التاجر صاحب العرض المشبوه. قلت له أتيتُ أمريكا لإجراء تجارب علمية في حقل الكيمياء النووية لا لأمارس السياسة. لا علاقة لي بالسياسة على الإطلاق. ثم ليس في مشاريعي أن أكون مليونيراً. هل كنتُ على خطأ في إتخاذ ذلكم الموقف الرافض للعرض المشبوه ؟ لم أكن على خطأ، إنما الظروف والأحوال العالمية هي التي تبدلت وفرضت مفاهيمَ ومعايير جديدة يتقبلها الناس في هذا اليوم وما كانت مقبولة يومذاك. كانت قناعتي يومئذٍ أنَّ الكتابة عن بعض جوانب الحياة في الإتحاد السوفياتي إنما هي نوع من الخيانة والتردي في مهاوي الضعة والخنوع. جاءني ذلك العرض في أحد أيام شهر أيلول 1968 . لقد كتبت ونحن في العام 2005 بملء حريتي ما كتبت عن حياتي في الإتحاد السوفياتي دون مقابل. في حين رفضت الكتابة مقابل مليون دولار. هل أشعر بالندم على صفقة ضيعتها ؟ كلاّ،لم أندم. كنت متوافقاً يومذاك ومنسجماً مع نفسي وأميناً على إلتزاماتي الخلقية.

 

نيويورك ـ لوس آنجلوس ـ إرفاين

صباح الثاني عشر من شهر أيلول 1968 نقلني بسيارته الخاصة مديرُ بيت الطلبة إلى مركز تجمع وإنطلاق حافلات الخطوط الطويلة الخارجية التي تٌسمّى ( Grey Hound  أي كلب الصيد السلوقي الرمادي ) إذ كان قد حجز لي مقعداً في الحافلة التي ستنطلق إلى مدينة

( لوس آنجلوس ) القريبة من سواحل المحيط الهادي. ودّعت الرجل شاكراً ( جميله ) وخدماته والأيام السبعة التي أمضيتها في بيت الطلبة العالمي والوجوه المحترمة التي عرّفني عليها. تستغرق الرحلة هذه ثلاثة أيام كاملة ( 72 ساعةً ) ليلاً ونهاراً نقطع خلالها مسافة ثلاثة آلاف كيلومتراً تتبدل وتتنوع خلالها الجغرافية والمدن والطقوس والشوارع والجسور والأنهار والبراري والنباتات. تتوقف الحافلة كل ساعتين للتزود بالوقود وللراحة وإستبدال السائقين وتناول الطعام وحلاقة الوجه، ثم لنزول راكبين وصعود آخرين جُدد. كانت سفرة متفرّدة في بابها حقاً. محطات التوقف مزودة بكل ما يحتاجه المسافر من طعام وشراب وحمامات وتلفونات وسواها من المرافق. مقاهٍ أو مطاعم نظيفة وراقية يخدم فيها الزبون نفسه فيختار ما يحلو له من الأطعمة والأشربة. كنتُ لا أختار إلاَ أفخاذ الدجاج المشوية والرز المزعفّر ذي الحبة الطويلة ثم الفاصولياء المطبوخة مع الجبنة بالطريقة المكسيكية. حين دخلنا حدود ولاية ( أريزونا ) كان على الحافلة أن تتوقف عند نقطة الحدود للتفتيش ! أهي نكتة ؟ نعم ولا. صعد أحد رجال شرطة الحدود مرتدياً ملابس مزركشة كثيرة الألوان والزينات على رأسه قبعة عريضة بإفراط. وجّه للمسافرين سؤالاً واحداً مقتضباً ثم غادر الحافلة : هل معكم ورود ؟ سألتُ جارتي عن مغزى هذا السؤال فقالت إنهم هنا في ولاية أريزونا لا يسمحون بإدخال ورود الولايات الأخرى. إنهم يحمون تجارة ورودهم. ضحكت وشر البلية ما يُضحك. تذكرت أغنية المرحوم حضيري أبو عزيز ( عمّي يا بيّاع الورد… ).

أشد ما كان يزعجني هو أحاديث البعض  من سائقي الحافلة مع بعض النساء ليلاً. يتبادل وهو وراء مقود الحافلة الضخمة الأحاديث والنكات والقهقهات العالية مع بعض النسوة الجالسات على مقاعد وصفوف متفرقة من الحافلة. كنتُ أجد نفسي مضطراً أحياناً أن أطلب من الجميع إلتزام الصمت وإتاحة الفُرصة لنا للنوم. كان بعضهم ينصاع بينما يضرب البعض الآخر كلامي عرض الحائط. يحتاج السائق أن يطرد الشعور بالوحدة ليلاً

وأن يتغلب على السأم والملل والإعياء. لذا كان طبيعياً بالنسبة له أن يمتزج وأن يختلط مع بعض الراكبين وأن ينخرط في أحاديث مهما كانت نوعيتها. ومن خبرتهم الطويلة مع هذه الطرق وهذه الحافلات عرف السائقون أنَّ أغلب النساء ممن تجاوزن الخمسين من العمر هن على أتم الإستعداد للخوض في أيما حديث ليلي ترويحاً للنفس ودفعاً للسأم الذي يفرضه ظلام الليل الدامس حيث لا يرى المرء لا بشراً ولا جبلاً ولا شجرةً. مصالح مشتركة تجمع تحت ظروف معينة ما بين البشر. أردت مرّةً أن أُلهي لسان سائق الحافلة فقدمت له قطعة بقلاوة مما حملت معي من مخازن ( نيوجرسي ). سألني عن ماهيتها وطبيعة محتوياتها. حين بينت له وأجبت على أسئلته إعتذر ولم يتناولها. بعد حوالي نصف ساعة ناداني وطلب مني قطعة البقلاوة قائلاً إنه صار يشعر بالجوع. كان كلما يقضم قضمة صغيرة منها يكرر ( Beautiful, Beautiful  ).لم يمضِ وقت طويل حتى سألني ألديَ قطعة بقلاوة أخرى ؟ قلت له أجل، ولكن الصندوق الثاني الباقي معي هو هدية لبعض الأصدقاء. لذا لا يمكن فض أغلفته والتلاعب بمحتوياته. سكت على مضض. أعجبته البقلاوة التي رفضها في البدء قائلاً إنَّ فيها الكثير من السكّر، والسكر يزيد الوزن.

وصلت الحافلة إلى مدينة ( لوس آنجلوس ) فأشار سائقها عليَّ ـ وكان قد عرف هدفي ووجهتي ـ أن أركب حافلةً أخرى من حافلات الخطوط الداخلية المتجهة إلى مدينة صغيرة تُسمى ( Orange ). ومن هذه المدينة، البرتقالة، أستأجر سيارة تاكسي لتأخذني إلى جامعة كالفورنيا في إرفاين ( Irvine ). لا مواصلات عمومية تربط الجامعة بما حولها من مدن صغيرة وكبيرة. كانت سائقة التاكسي الأصفر اللون فتاة سمراء لطيفة الوجه والتصرف وكريمة الخلق. رجوتها أن تأخذني إلى جامعة كالفورنيا في إرفاين. قالت إنَّ المسافة طويلة، لذا فإنها سوف تتقاضى مني أجرة مقطوعة بدلَ تشغيل جهاز قياس المسافات، الأمر الذي سيكلفني كثيراً. سألتها وكم ستكلفني هذه الرحلة إذن ؟ قالت ستدفع لي عشرين دولاراً فقط. توقفت سيارة التاكسي الصفراء بعد سفرة إستغرقت قرابة الساعة أمام بناية صغيرة. قالت وصلنا جامعتك. هيا أنزل متاعك. أنزلتُ حقيبتي وأعطيتها أجورها. أين الجامعة ؟ قرأت على واجهة البناية الصغيرة لافتةً تقول : شرطة جامعة كالفورنيا. يا للخبيثة ! أردت الجامعة فسلمتني لشرطة الجامعة. دخلت مبنى الشرطة طالباً إيصالي إلى رئيس قسم الكيمياء. أبرزتُ لهم جواز سفري وكتاب دعوة البروفسور رولاند. طلبوا مني الجلوس لأرتاح قليلاً ثم تناول أحد الشرطة جهاز التلفون وتكلم مع شخص في الطرف الآخر. جاء بعد حوالي عشرة دقائق شاب طويل نحيل أبيض الوجه فصافحني وقدم نفسه لي قائلاً ( جورج، جورج ميللر ). سألته وأين بروفسور رولاند ؟ قال إنه خارج الجامعة في هذه الساعة. أخذني جورج إلى رئاسة قسم الكيمياء وعرفني على سكرتيرة القسم السيدة ( بولمان Pollmann  ). إمرأة شاحبة الوجه عيناها صغيرتان كثقبين في حائط. رحبت بي بحرارة وقالت إنها قد إستلمت برقيتي من موسكو أُعرب فيها عن قبولي عرض العمل في مختبرات رولاند. وإنها هي التي تابعت مسألة إنجاز متطلبات إستحصال تأشيرة دخولي إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ما كان رولاند موجوداً يومها في ولاية كالفورنيا لذا فإنها هي التي أخذت زمام المبادرة فركبت سيارتها الخاصة على عجل قاصدة دائرة الهجرة والتجنس في مدينة ( لوس آنجلوس ) التي تفصلها عن الجامعة في ( إرفاين ) مسافة 38 ميلاً. تمت الموافقة فأرسلتها دائرة الهجرة برقياً إلى السفارة الأمريكية في موسكو. كنتُ في غاية التعب فجهّزتْ لي كوب قهوة مع مسحوق الحليب المجفف تاركةً لي حرية إضافة ما أشاء من قطع السكّر.

جاء رولاند بعد الظهر فرحب بي وسألني لماذا تأخرتَ ؟ كنت في آخر برقية له مني قد أخبرته بساعة ويوم مغادرتي موسكو. وعليه فإنه كان يتوقع وصولي في الخامس أو السادس من أيلول. قصصت عليه حكايتي مع حقيبة ملابسي التي شحنتها قبلي جوّاً من موسكو والتي وصلت إلى نيويورك بعد وصولي بأسبوع كامل. كلّف طالب دكتوراه يابانياً يبحث تحت إشرافه أن يأخذني إلى بيت صغير للضيافة مجاورٍ لبيته يسمونه لصغره

( Dog Cottage  ) . ليس في هذا الكوخ إلاّ غرفة نوم وغرفة إستقبال صغيرتان جداً وحمام ومرافق صحية. يُغلق من الداخل فقط، لذا كانت باب مدخله مفتوحةً مشرعةً على الدوام. أخذت حماماً ساخناً ثم آويت إلى فراشي ونمت كما ينام الموتى. نهضت مُبكِراً  ورتّبتُ أموري جميعاً وأصبحتُ جاهزاً لمغادرة الكوخ، ففي الساعة الثامنة يأتيني ليأخذني الطالب الياباني بسيارته إلى الجامعة. دخلتُ على رولاند فطلب مني الجلوس موجهاً بعض الأسئلة حول تدخل الجيش السوفياتي في الأحداث التي وقعت في جيكوسلوفاكيا والتي كانت تُسمى ( ربيع براغ )، حيث أخمد هذا الجيش الإنتفاضة وجاء بالرئيس الجيكوسلوفاكي كالأسير إلى موسكو. قلت له رأيتُ شاباً يضع على عينيه نظاراتٍ سوداً واقفاً في قلب المبنى الرئيس لجامعة موسكو خلف طاولة صغيرة عليها ورقة بيضاء سائلاً التوقيع ضد تدخل الجيش الأحمر في شؤون جيكوسلوفاكيا الداخلية.لم يوقع على عريضته إلاّ إمرأة عجوز قبيحة الوجه قصيرة القامة. جاء بعد وقتٍ قصير رجلان متينا البنية فحملا صاحب العريضة من تحت إبطيه بعيداً عن المكان كالمُعتَقل. سألني عن موقف الشعب الروسي. قلت له لم أرَ أي رد فعل أو إحتجاج. مرَّت الأمور بشكل طبيعي جداً كأن لم يسمع المواطن العادي بأخبار ما وقع في براغ. غيّرَ الموضوع فجأةً وإتجهَ بعينيه صوب سترته المعلّقة على جدار مكتبه سائلاً : هل تحتاجُ إلى نقود ؟ قلتُ كلاّ. معي ما يكفي لحين إستلام مخصصاتي كباحث علمي في الجامعة. قمتُ فقدمتُ ما حملت له من هدايا. بدأتُ بالملاعق المطلية بالذهب والمطعّمة بالميناء الزرقاء الجميلة فحملق رافعاً حاجبيه وماطاً شفتيه إعجاباً. ثم قدمت له آنيةَ الكريستال الأحمر الرائع فكاد أن يُصعق لفرط دهشته ولم يتمالك نفسه فسألني : أهي روسية الصنع ؟ قلتُ أجل. ثم زرت مكتب سكرتيرته المجاور لمكتبه وقدمت لها بعض الهدايا البسيطة فطارت بها فرحاً. إقترح رولاند أن يصطحبني لنقوم بجولة للتعرف على مختبراته في قسم الكيمياء والباحثين فيه من طلبة الدكتوراه وما بعد الدكتوراه، وعلى باقي بنايات وأقسام الجامعة.كان تحت إشرافه من طلبة الدكتوراه

ثلاثة أمريكان وياباني واحد وصيني من تايوان وهندي واحد.كما كان في مجموعته عدد من الفتيات المتدربات لفترات قصيرة، واحدة من البرازيل وإثنتان من الفليبين. أما الباحثون لمرحلة ما بعد الدكتوراه من أمثالي فقد كان فينا ثلاثة من الإنجليز وأمريكي واحد وإثنان صينيان من تايوان. ستة أجانب مقابل أمريكي واحد. علام تدل هذه الظاهرة ؟ لا يرغب الطلبة الأمريكان في مواصلة دراساتهم الأعلى. يتجه جلّهم بعد الشهادة الجامعية الأولية إلى سوق العمل في الشركات أو في القطاع الخاص والمشاريع الأخرى غير الحكومية. فلا غرابة والحالة هذه أن يكون الغالبية العظمى من طلبة الدراسات العليا ( الماجستير والدكتوراه ) في قسمي الرياضيات والفيزياء في هذه الجامعة هم طلبة جاءوا أمريكا من الهند أو الصين ( تايوان ) أو كوريا الجنوبية أو حتى من فيتنام وسوريا ولبنان.

إثر الجولة الطويلة في أهم مرافق الجامعة شعرت بجوع شديد فتناولت طعام الغداء في مطاعم الجامعة الرائعة التنظيم على أنغام الموسيقى الهادئة.كانت المطاعم غنية بما تعرض من أطعمة وسلاطات ومشروبات. في الخامسة عصراً أخذني الطالب الياباني بسيارته اليابانية

( تايوتا ) إلى سكني المسمى ( كوخ الكلب ). مكثت في هذا البيت ثلاثة أيام ضيفاً حسب مقتضيات التقاليد الأمريكية. في نهاية اليوم الثالث أخبرتني سكرتيرة القسم السيدة ( بولمان ) بأنها وجدت لي سَكناً حديثاً جيداً يبعد خمسة أميالٍ عن الجامعة تملكه سيدة أمريكية تعمل ممرضةً إختصاصية في مستشفى قريب. ثم كلّفتْ الطالب الياباني ( إيساوا )

أن يأخذني بعد الدوام لأرى هذا السكن والإتفاق مع صاحبته حول مقدار الإيحار الشهري في حالة ما إذا أعجبني. أخذني السيد ( إيساوا ) بعد الخامسة إلى بيته، حيث كانت زوجه اليابانية ( شيبو ) قد أعدت لنا عشاءً بسيطاً جداً معتذرةً إنها ولفترة طويلة دونما عمل، وإن مخصصات بعثة زوجها المالية من الحكومة اليابانية قليلة، لا تكفي شخصين. قبلتُ أعذارها التي أخجلتني حقّاً. كانت زيارتي لبيتها مفاجئة لي ولها إذلم يخبرها زوجها بها. ثم إنها كانت الدعوة الأولى لي في هذه المنطقة وأول بيت أزوره.لم يوجه الآخرون لي أية دعوة ولا حتى سألوني ماذا أكلتُ وماذا شربت وكيف قضيت أوقاتي بعد الدوام. بعد العشاء والقهوة إتصل ( إيساوا ) بالسيدة ( ماري ليستر

Mary Leaster  ) وأخبرها إننا قادمان. فتحتْ لنا باب منزلها وأجلستنا في غرفة الإستقبال الواسعة والمجهّزة حديثاً تجهيزاً فخماً ثم سألتنا ماذا نود أن نشرب ؟ شكرناها قائلين لا داعيَ لذلك، شربنا ثم أتيناك. قامت تعرّفنا على مرافق الدار والمطبخ ثم فتحت باباً قائلةً هذه هي غرفتك. كانت غرفة كبيرة بشباكين واسعين وسرير للنوم مزدوج

( لشخصين ) مغطى بفرشة جميلة تكاد نهاياتها أن تمس أرض الغرفة. وضعت صاحبة البيت فوق السرير ثعباناً ضخماً من القماش والفراء فتشاءمت ! أما مخزن ( كنتور ) الملابس فكان محفوراً في أحد جدران الغرفة بعمق نصف متر تنزلق على حوافيه خمسة أبواب. ثم أرتنا الحمام الملحق بهذه الغرفة قائلةً هذا حمامك الخاص، لا يستعمله على الطابق الأرضي غيرك. قالت إنَّ لها حمامها الخاص بجوار غرفة نومها على الطابق العلوي.

سألتها عن مقدار الإيجار الشهري فقالت ( ستين دولاراً )، وإذا ما إستعملتُ المطبخ وماكنة غسيل الملابس فسيرتفع الإيجار إلى خمسة وثمانين دولاراً. وافقتُ. أعطتني نسخةً من مفتاح الدار. لم نوقع عقداً مكتوباً أو شيئاً من هذا القبيل.لم تسأل من أنا ومن أين أتيتُ. لقد أعطتها سكرتيرة القسم معلومات كافية عني.

حملني صباح اليوم التالي إلى سكني الجديد الصديق الشهم ( إيساوا ). تركتُ حقائبي وذهبنا معاً إلى الجامعة. طلب البروفسور ( رولاند ) أن أقدمَ محاضرة مفصلة عن أبحاثي في جامعة موسكو أُلقيها أمام مجموعة الباحثين وطلبة الدكتوراه العاملين تحت إشرافه. كان معي الفيلم الخاص بالخطوط البيانية والجداول وبعض الرسوم التوضيحية المتعلقة بأبحاثي ورسالتي التي ناقشتُ في جامعة موسكو. كنتُ أنا الذي صورت هذا الفيلم بكاميرتي الروسية الدقيقة. أعطيت الفيلم لمأمور مخازن القسم فحوّله إلى سلايدات ( Slides  )

لعرضها على الشاشة البيضاء بدل نشر وتعليق هذه النتائج على الجدران. طلبتُ آلة كاتبة بالإنجليزية فوجدت الكثير منها في القسم. عكفتُ عدة أيام على ترجمة خلاصة أبحاثي من الروسية إلى الإنجليزية وما كانت بالمهمة اليسيرة. ثم قمت بطباعة ما قد ترجمتُ على الآلة الكاتبة فغدوت جاهزاً ومستعداً لإلقاء محاضرتي. تم تحديد الساعة واليوم وتم نشر ذلك على لوحة الإعلانات في القسم. قلت لرولاند إني أحتاج في الأقل إلى ساعة لإتمام محاضرتي. قال خذ من الوقت ما شئتَ. لسنا في عَجَلة من أمرنا. قدمتُ محاضرتي في الوقت واليوم المحددين أمام جموع الطلبة والباحثين وبعض الزوار الآخرين مُعززةً بعروض السلايدات التي تحمل رسوماً متقنة وجداولَ وخطوطاً بيانية فكانت تظاهرة ناجحة عززت ثقتي بنفسي وحددت لي المكان والمكانة العلمية التي أستحق في هذا العالم الجديد عليَّ كل الجِدّة. وجه الحاضرون لي بعض الأسئلة البسيطة، فلقد كانوا جميعاً منصرفين أساساً للبحث في الحالة الغازية للمركبات الكيميائية. لذا فإنَّ ما يستخدمون من أجهزة معقدة تختلف جذرياً عما كان تحت تصرفي من أجهزة في جامعة موسكو حيث كنتُ أبحث في الحالتين السائلة والصلبة للمركبات الكيميائية.

كتبتُ مساء اليوم الثاني في سكني الجديد رسالةً مختصرةً للأهل في العراق بينت لهم فيها أخبار وصولي وإستقراري في سكن مناسب وقرب مباشرتي لأبحاث جديدة في الجامعة الجديدة. ما كان لدي الكثير مما أستطيع قوله عن هذا العالم الذي سقطت فيه وعليه مثل نيزك صغير من سماء غريبةٍ عالية. وعدتهم أن أكتب لهم عن الكثير في القريب العاجل.

سبق وأن ذكرت أنَّ سكني الجديد مع السيدة ( ليستر ) يبعد مسافةَ خمسة أميالٍ عن الجامعة. يقع في حي كبير كل ما فيه حديث البناء يُسمى (  University Park  ) ، حي أو بارك الجامعة. تتوسطه أنواع شتّى من المخازن وأسواق الأطعمة والمشروبات والملابس وكل ما يحتاجه المرء من خدمات. في بداية أمري كانت السيدة ( ليستر ) تأخذني بسيارتها في الصباح الباكر إلى الجامعة قبل ذهابها إلى مستشفاها. أما الرجوع مساء إلى بيتي فكان يقوم به بعض الزملاء من مجموعة الباحثين. ثم فاجأتني سكرتيرة القسم بأنها قد أعدت جدولاً خاصاً لنقلي من وإلى سكني بالإتفاق والتنسيق مع مجموعة متطوعة من الطلبة وبعض موظفات الجامعة. كان من بين أوائل هؤلاء المتطوعين طالب يدرس الفيزياء في جامعة كالفورنيا وفتاة من موظفات الجامعة إسمها ( كارمن ). كانا يتناوبان شأن نقلي إلى الجامعة صباحاً. أما الأوبة إلى بيتي في الأماسي فكان فيها بعض الصعوبات. ذاك لأني كنت أواصل أبحاثي في مختبرات القسم حتى ساعات متأخرة من الليل. ثم ليس في سكني الجديد ما يغريني على المجيء إليه مبكراً وقضاء الكثير من الوقت فيه. ما كنتُ فيه سوى رجل غريب. كانت ربّة البيت من جانبها،كممرضة خبيرة بالبشر، المرضى منهم والأصحاء فيهم، قادرة على إلتقاط حالاتي تلك وشعوري بالغربة بل وبالوحشة. تركت موسكو ولي فيها من الذكريات ما ينوء الجبل بحملها. ذكريات ست سنوات كاملة. ثم إنَّ لي في العراق أهلاً كانوا يعدون أيام دراستي وأبحاثي في موسكو يوماً يوماً منتظرين عودتي ظافراً إليهم وإلى الوطن. بدل عودتي إليهم وإلى وطني فاجأتهم برحيلي إلى بلد آخر وعالم آخر وقارة أخرى. موسكو ـ نيويورك ـ لوس آنجيلوس ـ إرفاين. قفزة عالمية نادرة الحدوث. لكل هذه السباب غدت السيدة ( ماري ليستر ) كريمةً معي.كانت تأخذني في بعض الأماسي بسيارتها وحسب طلبي إلى سواحل المحيط الهادي. ثم تريني في بعض نهارات يوم الأحد معالم ولاية كالفورنيا البارزة والمدن القريبة من ( إرفاين ). عرّفتني على الكثير من أصدقائها من الأطباء والعوائل المجاورين لنا في حي الجامعة، حيث كنا نقضي بعض الأمسيات سباحةً في أحواض بيوتهم ونعد ( الهامبرغر ) المشوي على الفحم مع الطماطة والبصل.كانوا كلهم يشربون الويسكي الأسكتلندي مع طعام العشاء. كذلك كانت ربّة بيتي تتناول كأس ويسكي مع عشائها ثم تأوي إلى فراشها مبكراً. حين أبديت لها دهشتي من هذه الظاهرة قالت إننا كلنا، أطباءً وممرضات من المدمنين إما على الكحول أو المخدرات الأخرى. قالت الروتين ورتابة العمل والحياة تكاد تقتلنا لذا نهرب منها إلى الكحول والمخدرات. ثم، أضافت، لا تنسَ محنة الشعب الأمريكي ـ ولاسيما نحن الأمهات ـ في كارثة الحرب في فيتنام. أولادنا يموتون ولا ندري لماذا. يقاتلون بدون هدف واضح معلوم. محنة الأمهات لكبيرة جداً. كان ولدها ( ستيفان / 19 عاماً ) يدرس الفيزياء في جامعة كالفورنيا ويعمل في أحد المصارف خلال العطلة الصيفية. أما هي نفسها فكانت إمرأة مطلّقة ومن الناشطات لإنهاء الحرب في فيتنام. حجزت لي ولها ولإبنها وصديقته مساء يوم سبت أربعة مقاعد في واحد من أشهر مطاعم ( هوليوود )، مدينة نجوم السينما والأفلام الأمريكية الشهيرة. كلفت ولدها الشاب أن يقود سيارتها بدلاً منها. جلست صديقته بجانبه في المقعد الأمامي، وكنتُ مع والدته في المقعد الخلفي. لاحظت أن هذه السيدة كانت شديدة الغيرة من صديقة ولدها. ففي المطعم الراقي الذي يطل من مرتفعات ( بفرلي ) على مدينة لوس آنجيلوس بكاملها، كانت هذه السيدة، حتى أثناء تناولنا الطعام، تُقرّب فمها مني كلما تبادل ولدها القبل مع صديقته. كنتُ أشعر بالكثير من الحَرج ولا أعرف كيف أتصرف. تريد أن تبادلني القُبل عَلَناً أمام ولدها وأمام أنظار جميع رواد المطعم. كلما صددت عنها ولم أتجاوب مع أغراضها، كلما أسرفت في  ملاحظاتها القاسية لولدها. لم تتكلم مع صديقته أبداً. بل ولم تتبادلا التحية في أول لقائنا.

حان وقت العودة إلى البيت وحان موعد تسديد الحساب. جاء عامل المطعم يحمل بعض الأوراق فأخرجت السيدة صاحبة الدعوة كارداً صغيراً من حقيبتها اليدوية. سجل العامل بعض الأرقام على أوراقه ورجاها أن تضع توقيعها في مكان معين. دُهِشت ! لم تدفع السيدة نقوداً ! شيء غريب وجديد عليَّ. كيف يتعامل البشر هنا بدون نقود ؟ إنه عالم

( الكرود، الكارتات ) ؟؟!!. لا يحملون في جيوبهم نقوداً إلاّ الأقل من القليل.

لا قيمةَ ولا معنى للفرد هنا في هذا العالم الجديد بدون سيارته الخاصة. حين غادرت العراق في شهر آب 1962 لم أحمل إجازة السوق معي. ما كنت بحاجة في موسكو إلى سيارة. وسائط النقل فيها منتظمة ورخيصة جداً. لذا توجب عليَّ الآن، أيلول 1968، أن أستحصل إجازة سوق أمريكية قبل الشروع بإبتياع سيارة. ما الحل إذن قبل أن أُنفّذَ هذا المشروع وقد قررتُ أن أعفي الناس الذين تكلفوا أمر نقلي من وإلى الجامعة بسياراتهم في الصباح والمساء ؟ إشتريتُ دراجةً هوائية كواسطة للنقل ووسيلة للرياضة وإستكشاف المنطقة. كان الكثير من الناس يركبون دراجاتهم للرياضة أو لشراء الحاجات البسيطة من المخازن المجاورة لبيوتهم. كما كان عددٌ من الأساتذة المترفين يأتون الجامعة في الصباح الباكر راكبين ظهور دراجاتهم، بَطَراً ورياضةً ومتعةً. وإلاّ فأمام بيت كل واحد منهم سيارتان في الأقل. تركتُ عام 1950 ركوب الدراجة الهوائية ولم أحاول ركوبها بعد ذلك أبداً. الحياة تدور، نعم إنها في دورات ودوران مستمرين ما دامت الأرض نفسها ( أم الجميع ) تدور حول نفسها وتدور حول الشمس. الكون كله يدور.

وجدت في دراجتي الهوائية الجديدة حلاً معقولاً  لمسألة التنقل بين الجامعة والبيت الذي يبعد مسافة خمسة أميال عن الجامعة. متعة سفرة الصباح لا مثيل لها، حيث مزارع تربية الأبقار الضخمة والتلال وبساتين البرتقال. ثم جو الربيع الدائم في كالفورنيا. ولكن… ماذا عن سفرة المساء رجوعاً إلى بيتي ؟ يكتنف هذه السفرة بعض الخطر. ليس في المنطقة حيوانات مفترسة ولكن هناك الأفاعي السامة القاتلة. ثم هناك خطر السيارات المقبلة من أمامي بأضوائها القوية التي تعمي البصر، وخطر السيارات المقبلة من ورائي والتي يصعب عليها رؤيتي ليلاً وأنا أقود دراجتي على حافة الطريق. تحمّلت الأمر بصدر رحيب. مواجهة خطر غير أكيد لكنه مُحتَمل أفضل من الإعتماد على الآخرين. هذه طبيعتي وفلسفتي في مجمل حياتي : الإستقلال والإعتماد على النفس.

ذات يوم سألني الدكتور ( جورج ميللر ) ـ  الذي كان أول من إستقبلني في مركز شرطة جامعة كالفورنيا ـ هل أنتَ متزوّج ؟ قلت كلاّ. قال إذن ستساعدك ( ماري ).

لم أفهم قصده ولم أعره أيةَ أهمية. ( ماري ) طالبة في السنة الثالثة تدرس الكيمياء وتروم الإلتحاق بمجموعة البروفسور رولاند للتخصص في موضوع الكيمياء النووية. خابرتني مساء أحد الأيام وقالت لديها بطاقتان لحضور حفل موسيقي مساء السبت القادم. عرضتْ عليَّ أن نذهب لهذا الحفل معاً. إعتذرتُ… قلت لها إني مرتبط بموعد مع صديق هندي ( هاركرشنا ) يدرس للدكتوراه ويدرِّس كمعيد في قسم الرياضيات. إنه دعاني لتناول طعام العشاء في شقته مساء السبت القادم. فهمتُ فيما بعد أن رولاند نفسه كان صاحب هذه الفكرة. وإنه هو الذي دفع ثمن تذاكر الدخول إلى الحفل الموسيقي

( كونسرت ). هل أراد البروفسور رولاند أن أرتبط بهذه الطالبة لكيما ( تساعدني ) على البقاء في أمريكا ؟؟ لا أدري. كانت ( ماري ) فتاة طويلة القامة شديدة بياض البشرة شعرها بني غامق وعيونها نرجسية. لم أجد فيها ما يجذبني إليها أو ما يحببها إليَّ. كانت تُقّضي أوقات فراغها ونهاري السبت والأحد في تدريس الموسيقى وإعطاء دروس خصوصية في الكيمياء والرياضيات. ثم كانت من الطلبة المبرزين الأوائل في قسم الكيمياء.

لم أجد فيها ما كنتُ أجد في صديقتي الروسية ( زويا ) من مزايا وسجايا وجمال وجه وبساطة في الطبيعة البشرية. ثم إني فارقت الروسية قبل أقل من شهرين ولم أنسها بعدُ. الفروق جدَّ كبيرة ما بين هاتين الفتاتين. واحدة أمريكية، بنت النظام الرأسمالي، تقود سيارة فارهة جديدة وتجمع النقود بالعمل الحر ولا أعرف والديها. أما الأخرى، بنت النظام الإشتراكي، فلا سيارة لديها ولا حتى درّاجة هوائية في بيت أمها في مزارع أوكرانيا السوفياتية. نظامها الإشتراكي لا يسمح لها بتعاطي الأعمال الحرة. فهل، تُرى، تركتُ الطالبة الإشتراكية الذكية البسيطة والفقيرة ويتيمة الأب لأرتبط بواحدة رأسمالية لا همَّ لها إلاّ جمع النقود ؟ في الوقت المناسب تجنّبتُ الوقوع في الفخ بعد أن ظهرت لي بعض ملامحه. أتيتُ هذا البلد الذي ساهم في تدمير ثورة الرابع عشر من تموز 1958 في العراق، ثم لعب الدور الأساس في إذلالنا في حرب الأيام الستة عام 1967 … أتيته وفي القلب الكثير من الغصص والكثير من التحفظات والمخاوف. إنه ليس بلدي وسوف لن يكون.

فلماذا الإرتباط بإمرأةٍ منه ؟؟!!

أخذني الصديق الهندي ( هاركرشنا ) بسيارته إلى دائرة إصدار إجازات سوق السيارات. قدتُ سيارته الشيفروليه تحت إشراف الموظف المسؤول كإختبار عملي في السياقة. إجتزت الإختبار العملي ( سائق قديم ماهر ) لكني فشلت في الإمتحان النظري.كان أمامي

أكثر من مائة سؤال حول أصول السياقة ومباديء السير في الطرقات الآهلة بالسكان والسوق في الطرق السريعة العامة وكيفية إيقاف السيارة على جانبي الطرق والإستدارة بها يميناً أو شمالاً. ثم كيفية النظر في المرآة المثبّتة أمام السائق والمرآتين المثبتتين على جانبي السيارة. أسئلة كثيرة لا عهد لي بها.كنتُ أخذت إجازة السوق في مدينة الحلة عام 1960 بعد إختبار شكلي بسيط لأني سأقود سيارتي الخاصة. كنتُ قبل حصولي على إجازة السوق قد تدربتُ جيداً على قيادة السيارات مستخدماً  سيارات أشقّائي. كانت لدى أحد أشقائي سيارة ( أوبل ) ألمانية ولدى الآخر سيارة ( هامبر ) إنجليزية. تدرّبت جيداً

فأصبحتُ أهلاً حقاً للحصول على إجازة السوق الخاصة بي.كان هذا الوضع في العراق. أما هنا فالأمر مختلفٌ جدا.

رغم فشلي في إجتياز الإختبار النظري، منحني الموظف المسؤول إجازة سوق مؤقتة لكي أواصل المزيد من التدريب العملي والدراسة النظرية ثم دفعاً لي وتشجيعاً لكي أبتاع لنفسي سيارة خاصة بي. أمريكا سوق عالمٍ أسطوري للسيارات. حتى لكأنَّ إقتصادها قائم بالدرجة الأولى على عالم السيارات وما يتطلبه هذا العالم من وقود وتصليح وتأمين وأدوات إحتياطية وإطارات وبطاريات فضلاً عن الشوارع والجسور. أخذت موعداً لإجراء الإختبار النظري الثاني. دفعت أجوره البالغة عشرة دولارات وجلست أُجيب عن الأسئلة المعقدة الكثيرة التي قرأت الكثير عنها وساعدني الأصدقاء الجُدد في شرح العديد من غوامض أمورها. نجحتُ أخيراً. قال لي المسؤول قف هنا ولا تتحركْ فوقفت أمام كاميرا مثبتة أمامي دون حراك. إلتقط لي صورةً وبعد زمن قصير سلّمني إجازة السوق وفيها صورتي وإسمي الكامل وتأريخ ميلادي وعنوان سكني. تنتهي صلاحيتها في يوم مولدي بعد عامين من تأريخ إصدارها. تعقيد من جهة وتيسير من الجهة الأخرى. هذه هي أمريكا، إعشقها أو أتركها  America…Love it or leave it كما كانوا يقولون لمنتقديها. لا خيارَ وسطاً أبداً. نجحت أخيراً في كافة الإختبارات وأصبحت في حوزتي إجازة سوق أمريكية لقيادة سيارتي الصغيرة لكنها لا تخوّلني حقَ أو إمكانية سياقة موتور سايكل ولا لوريات الحمولة الثقيلة. وضعتني هذه الإجازة وجهاً لوجه أمام المهمة التالية :

إقتناء السيارة التي ستحررني من الكثير من القيود وتجعلني سيد المكان والزمان. زرت وصديقي الهندي عدداً من معارض السيارات المنتشرة بكثرة في المناطق والمدن المحيطة بمنطقة الجامعة في ( إرفاين ). وقع إختياري على واحدة أعجبتني كثيراً. كان سعرها عالياً يفوق ما كان معي من نقود. قال صاحب المعرض إنه ليس صعباً أن يبيعني السيارة التي وقع عليها إختياري إذا ما وقّع عقدَ البيع معي شخصٌ مقتدرٌ ثانٍ كفيلاً وضامناً يكون مسؤولاً عن تسديد ثمن السيارة في حالة عجزي عن التسديد. كان مورد الصديق الهندي الشهري لا يكفي ولا يؤهله لأنْ يكون كفيلاً ضامناً. نصحني هذا الصديق ـ وليتني لم أسمع نصحه ـ أن أعرض الأمر على البروفسور رولاند، رئيس القسم والأستاذ الذي عرض عليَّ العمل باحثاً في مختبراته. نصائح بعض الأصدقاء تكون أحياناً قاتلة، أو سخيفة أو غير معقولة كتلك التي أسداها لي أحد الزملاء في موسكو حول شحن حقيبة ملابسي قبلي إلى أمريكا. عرضتُ الأمر على رولاند ففوجيء الرجل حتى رأيته في وضع صعب كوضع جندي يستسلم لخصمه في ساحة حرب. فكّر طويلاً ثم قال بضعة كلمات موزونة بدقة وحذر. قال (( هنالك ظروف معينة لا تسمح لبعض الأشخاص أنْ يوقّعوا عقودَ تكافلٍ وتضامن مع أشخاص آخرين )). أحرجت الرجل بسؤالي هل لديه ما يمنع أن يوقع معي عقد شراء سيارة ؟ كان حَرَجي يفوق حرج هذا البروفسور. تنازلت عن فكرة شراء سيارة جديدة فإشتريت واحدة مستعملة عمرها أربعة أعوام بحالة جيدة جداً حتى إنها كانت تبدو كأنها جديدة وغير مستعملة. دفعت ثمنها نقداً ثمنمائة دولاراً نقداً من جيبي الخاص دون الحاجة للإقتراض من البنك أو كفالة كفيل ضامن.

مع السيارة التي حررتني من الكثير من قيودي ومنحتني القدر الأقصى من حرية الحركة وزيارة المدن وسواحل المحيط الهادي ومدن ولاية كالفورنيا الشهيرة وفي مقدمتها مدينة

( لوس آنجيلوس )…واجهتني مشاكل غير متوقعة. راجعت يوماً سكرتيرة القسم لقضاء بعض الشؤون الروتينية ففاجأتني بسؤال صفيق يفتقرُ إلى أبسط قواعد الأدب واللياقة. قالت لي هل إنك قادر على تسديد ثمن سيارتك الجديدة أم إنك ستحتال على بائعها ممارساً الخديعة والسرقة ؟؟ أسئلة غريبة عجيبة !! رمقتها بنظرة إحتقار عميق ولم أجبها. راجعت بعد فترة قصيرة البروفسور رولاند لقضاء بعض الأمور فبادرني هو الآخر بسؤال غريب. سألني لماذا إبتعتُ سيارةً جديدة ؟ قلت له إنها ليست جديدة. إنها سيارة مستعملة Used Car   عمرها أربعة أعوام. عاد فسألني كم دفعتُ ثمناً لها ؟ قلت له 800 دولاراً فقط. خجل الرجل أو تظاهر بالخجل فلم يجد ما يقوله من باب الإعتذار سوى أن أخذ يردد مع نفسه بصوت منخفض : إنه مبلغ زهيد… إنه حقاً مبلغ زهيد. ما تفسير هذا السلوك الشاذ والمزري بحق ضيف دعوه لإجراء بعض البحوث ورتبوا له متطلبات الوصول إلى الأراضي الأمريكية ؟ ما هذه الأنانية وشحة النفوس وصغارها ؟ يستكثرون على إنسانٍ مثلي أتاهم من أقاصي الأرض أن يقود في بلادهم سيارة بحالة جيدة. تركت هذه المواقف جروحاً في نفسي وندوباً في مشاعري لم أستطع أن أنساها ولم أستطع أن أغفرها لهؤلاء الأشخاص، خاصةً حين أُقارن بين أخلاق وسلوك البروفسور الروسي

( نيسميانوف ) ونفسية هذا البروفسور الأمريكي. شتّان ما بين بروفسور وبروفسور. أردتها نعمةً فإنقلبت نقمةً وحددت معالم خلافات أولية وسوء تفاهم بيني وبين هؤلاء القوم. نعم، حررتني سيارتي روحاً وجسداً، ولكنها أرهقت موازنتي المالية الشهرية. تغريني بالمزيد من الأسفار وأكتشاف مناطق ومدن وجبال وبحيرات جديدة. كانت هي التي تحركني وليس العكس. أردتها خادمةً وعبدةً فإستعبدتني. كنت مثلاً دائم السفر خلال أيام السبت والأحد إلى مدينة ( لوس آنجيلوس ) التي تبعد عن الجامعة مسافة 38 ميلاً فقط، أي قرابة الخمسين كيلومتراً. كما زرتُ المدن الآخرى الواقعة على ساحل المحيط الهادي مثل ( سانت كروز ) و ( سان دييغو ) ثم بحيرة ( ألسينور ) المالحة الواقعة في قمة سلسلة من الجبال المحيطة بمنطقة الجامعة. كما أدمنت السفر إلى سواحل المحيط الهادي التي تفصلها مسافة عشرين ميلاً عن سكني وجامعتي. سيارتي تستهلك الكثير من الوقود ( البنزين )، ففي ماكينتها ثمانية سلندرات. ثم التأمين الشامل أدفعه كل ثلاثة أشهر. لذلك قررت ترك سكني الغالي ورحت أبحث في صحف الإعلانات عن سكن رخيص وقريب من الجامعة. كان هذا القرار قراراً قديماً مؤجلاً ساعدتني السيارة على تنفيذه في الوقت المناسب. لماذا ؟ بعد أن يئست مني، أصاب البرود علاقتي بربة البيت ( ماري ليستر ). لم تُجدِ مراوداتها معي نفعاً. كانت تنتظر رجوعي إلى البيت في الأماسي لأجدها بملابس النوم الشفافة دون الملابس الداخلية الأخرى المعتادة . كنتُ أراها دوماً تحتسي الويسكي وتلح عليَّ أن أتناول شيئاً منه وكنتُ أعتذر. سقطت من نظري إلى الحضيض حين أخذت تلّج في مراوداتها وفي عرض جسدها عليَّ دونما حياء أو تحرج. كنت من جهتي أزداد نفوراً منها كلما تمادت في العرض.كانت أكبر سناً، أطول وأضخم مني. وكلما راودتني ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه… ) وبالغتْ في المراودة كنتُ أرى صديقتي الروسية ( زويا ) تقف شامخةً كالجدار العالي بيننا. أزداد تمنّعاً فتزداد هي تشبثاً. كلانا كان عنيداً ولكن في إتجاهين متعاكسين ورغبتين متضادتين. عجيب أمرك يا إنسان.

وجدت سكناً آخر جيداً بستين دولاراً في الشهر مع مطبخ وماكنة غسيل. لا أرى صاحبة البيت إلاّ نادراً.كانت تعمل ليلاً كممرضة خاصة للعناية بالمسنين والعجائز في دورهم أو  في دور العَجَزة. نصف البيت المطل على الشارع العام مخصص كليةً لي ويتكون من مطبخ وغرفة نوم وحمام مع المرافق الصحية وغرفة إستقبال واسعة مجهزة تجهيزاً جيداً مع جهاز تلفزيون كبير وساعة أثرية قديمة ثمينة تتدلى على أحد الجدران. أما النصف الثاني المخصص لربّة البيت فإنه يشتمل على حمام من المرمر الراقي وغرفة نوم وغرفة أخرى واسعة تطل على الحديقة الخلفية تستخدمها لأغراضها اليومية الخاصة كالقراءة والخياطة وكي الملابس. ما كنا نلتقي إلاّ نادراً، فلا مشاكسات ولا مراودات. وعليه كنت في غاية السعادة وأتمتع بأعلى درجات الحرية. يزورني الأصدقاء والصديقات في ليلة السبت / الأحد فنطهو الطعام ونتسامر ونسهر حتى ساعات الصباح الباكر.كان مدخل البيت الأمامي مخصصاً لوقوف سيارتي وكان لسيارة صاحبة البيت كراجها الخاص. بدأت من هذا السكن الجديد أكتب للأهل في العراق رسائل تفصيلية مطوّلة. عنوان البيت هو :

237 Santa Isabel – Costa Mesa – California , USA.            

 

كتبتُ لهم عن سيارتي وجولاتي وما زرتُ من مدن ومناطق وسواحل وبحيراتٍ وجبال. كتبتُ لهم عن صداقاتي وأصدقائي الجُدد وعن بعض أحوال وعادات وتقاليد الحياة الأمريكية. ثم كتبتُ لهم واصفاً ما أستخدم من أجهزة وما أُجري من أبحاثٍ جديدة وخاصةً البحث القصير المثير الذي قادني إلى نتيجة مُذهلة إذ إكتشفتُ أنَّ مركباً غازيّاً فيه ست ذرات من الفلور ذا قدرة فائقة على إمتصاص الأشعة النووية ( بيتا Beta  ). حين عرضتُ النتائج على البروفسور ( رولاند ) مُدعّمةً بالأرقام والرسوم البيانية أخذ التقرير مني طالباً أن أنصرف إلى إجراء بحث آخر. شرعتُ فعلاً بتصميم تجارب آخرى لدراسة مركبات أخرى ولكن في حقل جديد عليَّ هو حقل الكيمياء الضوئية

Photochemistry . كنتُ في هذا الحقل الجديد أتعامل مع قطع كيميائية صغيرة تحمل ذرة التريتيوم المشع. نحصل على هذه القطع أو المجموعة كنتيجة لتفكك مركب يُدعى كيتين Ketene  THC =  C = O ) ) بإستخدام فوتونات ضوئية مُنتقاة بطول موجي محدد هو 3130 أنكستروم الحامل لطاقة مقدارها يساوي 3.96 ألكترون فولت تكفي لكسر الآصرة الكيميائية المزدوَجة التي تربط ذرتي الكاربون ببعضهما (  C = C  ). القِطع أو المجموعات التي أعني تُسمى مثيلين ( CHT Methylene  ). حرف T  الإنجليزي فيها هو الرمز الكيميائي لذرة التريتيوم التي تشع دقائق بيتا السالبة الشحنة. يقوم هذا المثيلين المشع بأنواع شتى من التفاعلات مع غيره من المركبات الكيميائية تحت ظروف متباينة من ضغط وغازات مُضافة أخرى. نستطيع حساب العدد أو الكم النسبي لما يتكون من مركبات جديدة بفضل دخول التريتيوم المشع في بنية تركيبها الكيميائي. نشرتُ نتائج هذا البحث فيما بعد في مجلة الجمعية الكيميائية الهندية :

[[Journal of the Indian Chemical Society L1 April 1974 PP.824- 827 ]].

كان البحث في مختبرات البروفسور رولاند يجري دونما أية صعوبات. فالأجهزة حديثة تعمل بإنتظام وكفاءة عالية. لا يتأخر البحث فيما لو تعطل أحد الأجهزة إذ سرعان ما يأتي جهاز آخر جديد بديل لذاك الذي تعطّل. ثم إنَّ تجهيز المواد الكيميائية اللازمة للإبحاث يجري بسرعة مذهلة. نتصل تلفونياً بالشركة المجهزة فيأتي ما أردنا صباح اليوم التالي. لا روتين ولا أجهزة حزبية هرمية التسلسل ولا نقابات تراقب وتحاسب ولا أهمية لأثمان ما نطلب من تجهيزات أو مركبات كيميائية. جامعة كالفورنيا الأمريكية في هذا الشأن متفوقة كثيراً على جامعة موسكو السوفياتية.

مع نهايات شهر كانون الأول ( ديسمبر ) 1968 أتممتُ معاملات وأوراق طلب الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة الأمريكية ( الكارد الأخضر ) وأرسلتها بالبريد إلى دائرة الهجرة والتجنس في مدينة ( لوس آنجيلوس ). ثم وضعتُ برنامجاً خاصاً للإحتفال بأعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة. في البرنامج زيارة بسيارتي لمدينة ( سان فرنسسكو ) الواقعة في شمال ولاية كالفورنيا. ليلة أُقضيها مع زملائي في مجموعة الأبحاث في بيت الزميل الباحث ( توم شميّل ) الإنجليزي. وأُمضّي ليلة أخرى مع صديق أمريكي هندي الأصل

( راما نوجام ). كما أفردتُ ليلة خاصة جداً أقضيها مع ( دانا ) في مطعم إغريقي. كانت ( دانا ) تُحب الزيتون الأسود والأطعمة الإغريقية والموسيقى اليونانية وتهوى بولع متميز مشاركة اليونانيين في حلقات الرقص على أنغام موسيقى ( زوربا ).كان هذا دأبهم في مطاعمهم وفي كل ليلة. من هي ( دانا ) ؟ هي فتاة أمريكية تدرس الأدب الإنجليزي في جامعة كالفورنيا ( إرفاين ). أمها إيطالية، تزوجت أباها الأمريكي أيام أن خدم الجيش الأمريكي في إيطاليا بُعيد الحرب العالمية الثانية. لذا جاءت ( دانا ) مزيجاً غريباً ساحراً فيه وجاهة وكبرياء أبيها العسكري الأمريكي المقاتل السابق، وسحر وحرارة إيطاليا وثقل ما تحمل من إرث حضارة الإمبراطورية الرومانية وإبداعاتها المعروفة في حقول الشعر والموسيقى والرسم والنحت. ثم إنها ـ روما الإيطالية ـ مركز الكاثوليكية العالمي وحاضنة الفاتيكان. ولأنَّ أُمها أجنبية (لم تتقن الإنجليزية جيداً ) كانت( دانا ) تميل غريزياً للطلبة الأجانب في الجامعة. وكانت تجدهم ـ كما تقول هي ـ دافئين واضحين غير معقّدين وينفقون عليها بسخاء. حسب إتفاق مُسبق، ذهبتُ إلى بيتهم صباح يوم أحدٍ مُشمس لنذهب إلى ساحل المحيط الهاديء ثم نرتاد مساءً واحداً من محلات البيرة. قادتني من ذراعي وقدمتني لأبيها قائلةً ( دادي… هل رأيت صديقي الجديد عدنان ؟ ).كان أبوها يُشذِّب أشجار حديقتهم فمد يده لي مصافحاً بحرارة وإبتسامة عريضة ودودة تشع من وجهه الصبوح. فتاة تقدّم صديقاً جديداً في بيتها لأبيها !! أمريكا… بلد العجائب والغرائب. أمريكا… إعشقها أو أتركها. الأب يستقبل ويرحب بأصدقاء إبنته الجدد، أما الأم فقد كانت منهمكة في إعداد طعام الغداء في المطبخ الكبير المطل على حديقة الدار الواسعة. إلتقطت بكاميرتي التي لم تكن تفارقني صوراً لجميع أفراد العائلة. لحظة مغادرتنا الدار قالت الأم لإبنتها ( لا تتأخري كثيراً ليلاً ).

إحتفلنا، نحن مجموعة أبحاث البروفسور رولاند، بأعياد الميلاد في بيت زميلنا الإنجليزي

( توم شميّل ) لكنني لم أستطع تنفيذ مشروع زيارة مدينة ( سان فرنسسكو ) بسبب إصابتي بإنفلونزا حادة. تزامن مرضي مع نزول البرد الذي لا يستمر في عموم ولاية كالفورنيا إلاّ شهراً واحداً في السنة. لزمت الدار أعاني من عطاس قوي لا ينقطع ورشح مستمر في الأنف مما تسبب في إنتشار طفحِ حبيباتٍ حُمرٍ حول الأنف والشفتين. وجدتُ في مرضي ومكوثي في داري فُرصة جيدة للراحة وكتابة الرسائل ومعايدات رأس السنة الميلادية للأصدقاء في موسكو والأهل في العراق. تحت وطأة البرد والمرض تضعف معنويات المرء وتهبط قوته الروحية. لذا صرت أشعر بجو تعيس من الوحدة القاتلة والغربة المرّة مما أجبرني ودفعني بقوة لا تُقاوم إلى الهروب إلى مخزن ومنتجع وواحة ذكريات الماضي الرائعة، فطفقتُ أستعيد أطياف  أعياد رأس السنة في موسكو والإحتفالات الصاخبة والشديدة الدفء بين الصديقات والأصدقاء. فضلاً عن متعة المسارح والتمشي في الغابات وسط الثلوج شتاءً وجمع الكمأة والفطر في بدايات الخريف. ثم السباحة في أحواض موسكو المغطاة شتاءً والمفتوحة صيفاً. وللسباحة في مياه البحر الأسود خصوصية بارزة لا يمحوها الزمان مهما طال. تمنيتُ في تلكم الأيام أن أكون في موسكو ولو لقضاء فترة أيام أعياد رأس السنة. تمنيت …!! إزداد الأمرُ سوءاً بعد أن هطلت أمطارٌ غزيرةٌ عزلت الجامعة عما حولها من مدن ومزارع وإنهار الجسر الوحيد الذي يربطها بمدينة ( سانتا إيزابيل )، حيث بيتي وسَكَني. وسالت سيول لم أرَ لها مثيلاً في حياتي تجرف كل ما يقع في طريقها من بشر وحيوان ومبانٍ وأشجار وتحطّم الحواجز الترابية وتتلف أسفلت الطرق. تم ترميم ما تضرر من طرق وشوارع كما تم بناء جسر صغير جديد متين على جناح السرعة. كيف تجمع هذا القدر الهائل والمدمر من ماء المطر وفي غضون ليلة وضحاها ؟ أمر حيرني، خاصة وإن الجامعة ليست بعيدة عن المحيط الهاديء ومحاطة من معظم جوانبها بتلال ترابية جرداء. كيف ينهار جسر حيوي وحيد يربط الجامعة بمحيطها الواسع أمام ( مطرة ) قوية واحدة ؟ كنت غادرت المختبرات والجامعة في ساعة متأخرة فوجدت نفسي وسيارتي مطوقين بالمياه. كنت جائعاً ومتعباً فلم أجدْ بُداً من المغامرة بخرق الطوق المائي وخوض لججه العاتية مستهدفاً الوصول إلى بيتي. كان مستوى المياه عالياً فتوقف محرك سيارتي في منتصف اللجة. قلتُ لا بأس، سأنتظر حتى أتمكن من تشغيل ماكنة السيارة التي أصابها وابلٌ من أمواج المياه المتلاطمة فتعطلت الدائرة الكهربائية بتعطل المولد ( الداينمو ). أصابني فزع مفاجيء ! أخذت السيول تجرف سيارتي وأنا في داخلها مثل دمية من مطاط. أحكمت الكوابح لكنَّ السيارة ظلت تتحرك بقوة دفع الموج. قلت إني هالك لا محالة لأنني لا أعرف في أي منحدر أو هوة سحيقة ستجرفني السيول. خلعتُ حذائي ورفعت نهايات سروالي إلى ما فوق الركبتين ( البنطرون،كما نسميه في العراق ) ورميت نفسي في الموج المتلاطم قاصداً رابيةً متواضعة آوي إليها حتى يتقرر المصير. جاءت فرقة صغيرة من الفرق التطوعية المسماة ( الحرس القومي أو الوطني ) التي تمارس عمليات الإنقاذ ومساعدة الناس أوقات الأزمات والكوارث من حرائق وفيضانات. صرختُ بأعلى صوتي طالباً المساعدة  ـ وكان الظلام دامساً فالتيار الكهربائي مقطوع ـ إما في تشغيل سيارتي أو دفعها إلى خارج منطقة السيول كي أمضي في سبيلي إلى بيتي. سمعوا صُراخي فهُرعوا إلى مصدر هذا الصُراخ مستهدين بما في إيديهم من مصابيح قوية تعمل بالبطاريات الجافة. رأوني في حال يُرثى لها …حافي القدمين عاري النصف الأسفل من جسدي أرتجف من البرد ووحشة الظلام الدامس. لم يضيعوا وقتهم بالكلام أو السؤال والجواب، ربطوا سيارتي بواحدة من سيارات الإنقاذ المصممة لمثل هذه المهمات وسحبوها ـ وأنا في داخلها ـ إلى مكان آمنٍ بعيد وبينوا لي أية طرق سأسلك لكي أصل إلى بيتي. أنساني هول ما حدث لي جوعي فنمت على الفور دون أن أتناول أي طعام. كانت المعدة مقفلة تماماً.

عام جديد في بلد جديد ـ 1969

مع بداية العام الدراسي الجديد تماثلت للشفاء فإستأنفتُ أبحاثي على مشروع جديد تطلّب مني إستخدام أجهزة جديدة وتقنيات جديدة لا عهد لي بها من قبلُ. في مقدمتها جهاز مولّد النيوترونات السريعة القادرة بطاقة معينة على تحويل ذرّات الفلور ذي العدد الكتلي 19 غير المشع إلى الفلور المشع ذي العدد الكتلي 18 حسب المعادلة النووية التالية :

[ F19 ( n, 2n ) F18 ] . تفسير المعادلة والتفاعل : يتفاعل الفلور الثابت، غير المشع، مع نيوترون واحد سريع فيتحول إلى الفلور المشع مع تحرر إثنين من النيوترونات . n

هو رمز النيوترون. كان المطلوب دراسة ميكانيكية وظروف تفاعل الفلور المشع مع غيره من مركبات غازية نختارها وفق شروط معينة وتحت ضغوط معينة نتحكم في مقاديرها بإضافة مركبات غازية محايدة، أي لا تتفاعل مع غيرها من المركبات الغازية في ( أمبولات ) التفاعل. البروفسور رولاند، المشرف على مجموعة الأبحاث، غادر الجامعة إلى فيينا لستة أشهر متعاقداً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. التجارب وما سأستخدم من أجهزة جديدة عليَّ ولا خبرة سابقة لي في التعامل معها.

من إذن سيقوم في عوني ويهديني في الطريق الجديد ؟ وجدت من يساعدني في التغلب على المصاعب في شخص زميل لي يبحث معي في مختبرات البروفسور رولاند. كان هذا الزميل ذا وجهين وشخصيتين مختلفتين تماماً. ينقل من جهة عني لرئيس القسم أخباراً منوعةً، منها الصحيح اليومي الذي لا أهمية له على الإطلاق. ومنها المّبالغ فيه أو المزعوم أو المكذوب أساساً. كان هو من نقل إلى رئيس وسكرتيرة القسم خبر شرائي سيارة جديدة ولم تكن في الواقع جديدة، كانت سيارة مستعملة. ثم قام بنقل خبر آخر صحيح مفاده إني راسلت إحدى الجامعات الأمريكية في محاولة للبحث عن مكان أفضل وعمل أفضل. أنا كنتُ قد أخبرت هذا الزميل بأمر هذه المراسلة ولم أخبر أحداً سواه. أما الجانب الآخر في هذا الإنسان المزدوج الشخصية فإنه جانب رائع. كان يساعدني في شؤون المختبر وكيفية إستخدام الأجهزة المعقدة ومراسلة الشركات المنتنجة للكيميائيات التي كنت أحتاجها لأبحاثي. من جهتي ساهمت معه في عمليات نصب جهاز مولد النيوترونات السريعة من ثم قام هو بتدريبي على إستعماله. سبق له أن رافقني مرة واحدة فقط ـ بدل الصديق الهندي هاركرشنا ـ في محاولاتي لشراء سيارة مناسبة. أتمنى، أجل أتمنى أنْ لا ينقل الناس أخباراً عني إلاّ بعد التثبت والتأكد من صحتها. أتمنى أن يسألوني وأن يأخذوا التفصيلات مني بدل اللجوء إلى التكهنات والأقاويل ونسج وتأليف القصص. ليس لدي ما أخفيه عن الناس وليس فيَّ ما أخاف منه على نفسي. كنت أخبرت في إحدى المناسبات رئيس القسم أن الحياة في ( إرفاين ) قاسية وباردة بالمقارنة مع حياتي السابقة في موسكو وفي جامعة موسكو. قلت له صراحةً إني كنت أتوقع أو أتصور أن ( إرفاين ) مدينة عصرية كبيرة مثل موسكو أو لندن أو باريس. قلت له هذا الكلام قُبيل سفره إلى فيينا. ثم قمت بعد ذلك مباشرة بمراسلة الجامعة الأمريكية الأخرى في محاولة لإيجاد عمل أفضل بشروط أفضل. كانت الأمور واضحة جداً جداً لا أسرارَ فيها ولا مخفيات ولا مستورات. عاتبني رولاند على هذا الأمر بعد إنتهاء مهمته في فيينا والرجوع إلى جامعتنا في ( إرفاين ). قال المفروض أن تخبرني بأمر هذه المراسلة. قلت له لكنك تركت جامعتنا وما كنت معنا حتى أتمكن من إخبارك. قال كان في إمكانك إخباري وأنا في فيينا مستخدماً أحد خطوط  الجامعة التلفونية وهي تحت تصرف الجميع مجاناً. ما كنتُ أعرف ذلك.كانت أمورنا مختلفة في جامعة موسكو. المهم، إستنتجت أنَّ هذا الحادث قد ترك في الرجل أثراً سيئاً. ثم، ثمة أمر آخر : عرفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا إني مع رولاند في أمريكا ولست في بلدي العراق. وضعت هذه الوكالة أمام رولاند الملف الكامل الخاص بي، وفيه تعهد بخطي أن أخدم بعد أن أُنهي دراستي وأبحاثي في جامعة موسكو في مؤسسات الطاقة الذرية العراقية لثلاثة أعوام. وجد الرجل نفسه وهو في فيينا في موقف حرج جداً، كأنما ساهم في التستر على سرقة وتجاوزٍ للتعهدات الدولية. طالبته الوكالة أن يسعى وأن يلح في إقناعي بالرجوع إلى العراق وأن أنفذ تعهدي حسب شروط التعاقد. هكذا تأزمت الأمور وتلبدت الأجواء بالغيوم في سماء لا تعرف الغيوم إلاّ نادراً.

بدأت تجاربي الجديدة على أجهزة جديدة فوجدت أنَّ عزل ومعرفة طبيعة المركبات الجديدة الناتجة عن تفاعل الفلور 18 المشع مع غيره من المركبات تتطلب أعمدة للفصل طويلةً جداً ( أطوالها تتراوح بين 20 ـ 50 قدماً ) وتستغرق وقتاً طويلاً . لذا كنتُ أواصل البحث في المختبرات نهاراً وليلاً. كنت أبدأ العمل مع بعض التجارب في الصباح الباكر ولا أنتهي منها إلاّ في الساعة الثانية أو الثالثة من فجر اليوم التالي. كانت الأجهزة المتطورة تقوم بعملها بكفاءة عالية نيابةً عني.كان دوري محصوراً في المراقبة وتسجيل بعض الأرقام وفحص سلامة المكائن وأمانة بعض الأجهزة الدقيقة في الرصد والحساب. لذا ما كنت أبقى طول الوقت في المختبر. كنتُ أغادره إلى سواحل المحيط ليلاً أو إلى بيتي للراحة  وتناول بعض الطعام ومشاهدة بعض الأفلام الجيدة. ثم أعود إلى المختبر وفق جدول زمني محدد وفي أوقات محسوبة. حين كنتُ أُغادر الجامعة في هذه الأوقات المتأخرة ما كنتُ أجد في الموقف المخصص لسيارات منتسبي قسم الكيمياء إلاّ سيارة شرطة الجامعة واقفةً خاليةً من أي بشر خلف سيارتي. الكل يعرف أنَّ سيارات الشرطة هذه تحمل أجهزة مراقبة سرية لتسجيل الأصوات وعيوناً مخفية للتصوير. أي أنَّ في السيارة عيوناً ترى وترصد وآذاناً تسمع وتلتقط وتسجّل. لم يسأل أحد ولم يستجوب. كانت شرطة الجامعة تعرف بالطبع مالك هذه السيارة، فرقمها محفوظ لديها شأن بقية سيارات العاملين في الجامعة، فضلاً عن علامة الإنتساب إلى القسم والجامعة وموقع صاحب السيارة في سلّم التدرج الأكاديمي. تُلصق هذه العلامة على السيارة في مكان واضح يختاره صاحبها نفسه.

خلافاً لما كان عليه الوضع في جامعة موسكو، كانت لدي مفاتيح قسم الكيمياء ومختبراته ومفاتيح المكتبة ومدخل مجمع العلوم الطبيعية الرئيس في جامعة كالفورنيا. كنت طليقاً حرّاً في حركتي وفي زياراتي ومغادراتي لمبنى الجامعة نهاراً وليلاً وفي كافة أيام الأسبوع السبعة. في جامعة موسكو كانت التعليمات الصارمة تقضي أن نعطّل الأجهزة ونغلق مفاتيح أنابيب الماء والغاز ونطفيء مصابيح الكهرباء ونغادر المختبرات في تمام الساعة السابعة مساء، صيفاً وشتاءً. إذا ما تأخر أحدنا لسبب ما، يأتي الخفير المسؤول ويوقف الأجهزة ويغلق ممرات تجهيز الماء والغاز والدائرة الكهربائية ويترك من في المختبر في ظلام دامس. حدث ذلك معي مراراً. لا يستطيع الباحث دوماً التحكم في سياق وتفاصيل تجاربه وفي الزمن اللازم للإنتهاء منها والوصول إلى نتيجة متوقعة أو مُرضية. ثم ما كان مسموحاً لنا العمل في مختبراتنا في جامعة موسكو في أيام الأحد.كان ذلك ممنوعاً منعاً باتاً. الأقسام العلمية مقفلة والمختبرات كذلك. كنتُ أسمع لذلك تبريرين أو تفسيرين : سلامة وراحة الباحثين، ثم الإقتصاد في النفقات، وهذا هو العامل الأقوى في نظري.

كنتُ ذات يوم أمام أجهزة البحث في المختبر إذ دنتْ مني قرينة الزميل الصيني ( جاو ). حيتني بأدب صيني معروف ثم قالت إنها تعرّفت حديثاً على فتاة لبنانية تعمل معها في مكتبة الجامعة. ثم سألتني هل لدي رغبة في أن أتعرفَ عليها ؟ قلتُ لها لا مانعَ لديَّ، ما إسمها ؟ قالت : نادية، نادية ع.

نسيتُ موضوع نادية إذ كنتُ ما زلتُ مع ( دانا ) الأمريكية ـ الإيطالية التي تحب موسيقى ( زوربا ) والزيتون اليوناني الأسود ورقص الغجر وتفتخر إلى حد التبجح السخيف بأنها إحدى أربع طالبات ما زلن عذراوات في عموم جامعة كالفورنيا، وقد عزمن أن لا يمارسن الجنس إلاّ بالزواج وبعده. كنا مرةً في بيتي في ساعة إسترخاء على سرير نومي فقلتُ لها مداعباً : دعينا نمارس الجنس، وإذا ما حملتِ مني فسيكون الحمل طفلاً شرعياً لنا بالزواج. تظاهرت بالغباء وإدّعت إنها لم تفهم قصدي. أعدتُ عليها ما قلتُ لها حرفياً فقالت إنَّ أمها تحذرها ( من هذه الأمور ). ثم أضافت إنها لا تفكر بالزواج إلاّ بعد أن تكمل دراستها الجامعية وبعد أن تجد لها عملاً مناسباً. ثم واصلت خطبتها فأحرجتني إذ قالت إنها ما زالت في الحادية والعشرين من عمرها. كنتُ آنذاك أقترب من الثالثة والثلاثين. وقتي إذن يضيع سُدىً وجهدي ونقودي. بدا الطريق ومستقبل علاقتي مع هذه الفتاة واضحين كل الوضوح. لا يحتاج المرء إلى تنجيم أو نبوءة لكي يرى قراري : مقاطعة ( دانا ) والإنسحاب من عالمها وشطب وجودها من عالمي. فلماذا أضيع الوقت والعمر مع فتاة نصف أمريكية ـ نصف إيطالية وأتحمل وحدي مصاريف سفراتنا إلى لوس آنجيلوس وسواحل المحيط الهادي وجميع نفقات اللهو والطعام والشراب والسهر في النوادي الإغريقية ومسارح رقص هز البطون الشرقية ؟ حين كنتُ أزور بيتها حسب الأصول الأمريكية كي نخرج معاً ما كانت لا هي ولا أمها تدعواني حتى لشرب فنجان قهوة، لا أتكلم عن دعوة لغداء أو عشاء. ثم قد جاء البديل في شخص ( نادية ع. ). فتاة لبنانية من بيروت ستتكلم العربية معي وسنجد الكثير من القواسم المشتركة فيما بيننا. كلانا من الشرق وإن كان إسم أبيها يدل على أنها مسيحية الديانة.

لبنان… بيروت…، تذكّرت لقاءاتي مع الوالدة والأهل في بيروت ودمشق عامي 1965 و 1966 . حلّقت مع ذكرياتي مع الفتاة العراقية ( سلوى ) في ( عالَيْ ) و ( بحمدون ) والحمراء في بيروت. ذكريات رائعة ما زالت طرية رغم ما فيها من ألم ولوعة وشوق وحنين لزمن مرَّ سريعاً ولن يعود. قد ألتقي والأهل وربما ألتقي و ( سلوى ) غير أنَّ الزمن إياه لن يتكرر أبداً ومذاق لحظاته لن يتكرر وطعم الأشياء يتغير. الثواني تمر لكنها لا تتشابه. الكل يتغير والكل في تغير مستمر. البشر والظروف والمكان والزمان. هل سأرى

( سلوى ) العراقية التي تعرّفتُ عليها في بيروت في وجه ( نادية ) اللبناينة التي سأتعرف عليه في أمريكا ؟ كلاّ. مستحيل. ذاك لأني لم أجدْ شيئاً من صديقتي الروسية ( زويا ) في الطالبة الأمريكية ( ماري ). ولم أجد شيئاً منها في الأمريكية الأخرى ( دانا ). كذلك فإنَّ مدينة ( لوس آنجيلوس ) لا يمكن أن تكون بديلاً لموسكو. والمحيط الهادي وسواحله الرملية ليسا كالبحر الأسود وسلاسل جبال القوقاس الخضراء. أنا، أجل أنا الإنسان،

لست في أمريكا كما كنتُ أنا في موسكو. تبدّلت مهماتي وأهدافي وتبدلت أنماط حياتي

وعاداتي وطرق تعاملي مع الآخرين. تبدلت نوعيات طعامي وشرابي وطريقة ونوع ما أرتدي من ملابس. ثم، نعم، ثم، صدمة الإنتقالة أو القفزة الكبرى من عالم شيوعي إلى عالم رأسمالي. قفزت من النقيض إلى النقيض.كانت هذه المتناقضات تجد سبيلها إلى أعماق نفسي ثم تنعكس قويةً على سلوكي وتفكيري وفهمي للظواهر والأشياء الجديدة. لم أستطع التأقلم سريعاً وهضم هذا العالم الطاريء. كانت في داخلي هواجس شتى ومخاوف منوعة لذا ما كنتُ قادراً أن أحسم أمري وأقرر البقاء والإستقرار في أمريكا. مع ذلك، وتحسباً لتقلبات الظروف والزمان والمزاج الشخصي قدمتُ كما سبق وأن قلتُ أوراق طلب الإقامة الدائمة أو ( الكارد الأخضر ) مع مجموعة من الطلبة الأجانب والباحثين في جامعة كالفورنيا. كان فيهم صينيون من تايوان وهنود وكوريون وفتاة من فيتنام وعرب من لبنان وسوريا. ما عرفتُ إنجليزياً أو يابانياً يحمل هذا الكارد الأخضر أو يرغب في الإقامة الدائمة في أمريكا. ظاهرة غريبة. كانت الحكومة الأمريكية في ذلك الوقت

( 1968 ـ 1969 ) تشجع الشباب على طلب الكارد الأخضر، لأنها كانت بحاجة ماسة إلى جنود يقاتلون في حربها الشرسة في فيتنام. حامل هذا الكارد يخضع للخدمة العسكرية الفورية إذا كان عمره دون السابعة والعشرين. كانت الفعاليات الإجتماعية والفئات والجماعات المناهضة للحرب والمظاهرات الصاخبة في الشوراع وداخل الجامعات تقلق الحكومة الأمريكية وتسبب لها الكثير من أوجاع الرأس.

بعيداً عن السياسة والحرب…، زرتُ مكتبة الجامعة الرئيسة ذات يوم بعد الغداء فإتجهتُ مباشرةً إلى مكتب زوجة زميلي الصيني ( جاو ). قامت تصافحني مع إبتسامة عريضة تغطي كامل وجهها الشاحب. لم تسأل عن سبب زيارتي تلك. تفرّست في وجهي قليلاً فعرفتْ سبب وهدف الزيارة. قادتني من ذراعي بكل أدب ولطف إلى مكتب موظفة أخرى وقدمتها لي : نادية ع. سألتها هل تتكلم العربية ؟ فقالت باللهجة اللبنانية الحلوة

( ولو ! ). ثم أردفت قائلةً إنها لبنانية مسيحية أكملت دراستها الأولية في الجامعة الأمريكية في بيروت ثم جاءت أمريكا فواصلت دراستها العليا في شؤون الفهرسة وتنظيم الكتب وإدارة المكتبات حتى حصلت على درجة الماجستير. ما كانت تملك سيارةً في ذلك الوقت ولا حتى إجازة سوق. لذا تم الإتفاق أن أعود إليها بعد الدوام كي نمضي معاً بسيارتي للتعرف على مكان سكنها. فلقد عرضتُ عليها دعوةً قبلتها بلهفة وكانت تتمناها لقضاء نهار السبت الآتي في مدينة ( لوس آنجيلوس ) التي لم ترها من قبلُ. بعد الساعة الخامسة بقليل وجدتها في إنتظاري أمام مبنى المكتبة. أخذتها إلى بيتها حيث كانت تسكن مع طالبة أمريكية. عرّفتني عليها بالسؤال التقليدي ( هل رأيتِ عدنان قبلاً ؟ ). لاحظتُ أنَّ نادية كانت سعيدة بالتعرف عليَّ. كانت وحيدةً في أمريكا وجميع أهلها في بيروت. ثم كانت الفتاة العربية الوحيدة في جامعة كالفورنيا. ولإنها جديدة سواء في وظيفتها أو في عموم المنطقة فإنها كانت بدون صديق. تلك مشكلة عويصة بالنسبة لفتاة في مثل سنها ( جاوزت الثلاثين ) تعمل وتعيش بعيدةً عن أهلها في بلد مثل أمريكا. ثم إنها فتاة لبنانية مسيحية ( مارونية ) أكملت دراستها الجامعية الأولية في الجامعة الأمريكية في بيروت. مصيبة أخرى : إنها لم تكن على قدر مقبول من الجمال، وتفتقر إلى الجاذبية وجهاً وجسداً. ثم كانت سمراء البشرة. حددتُ موقفي منها بسرعة فائقة. أو الأصح إنَّ مواصفاتها وجهاً وجسداً هي التي حددت موقفي منها. لم تكن هي النموذج الذي أستطيع أن أتقبل. ليس فيها شيء من ( زويا ) الروسية ولا ( دانا ) الأمريكية. كنا نتخاطب بالعربية وأحياناً باللغة الإنجليزية التي كانت تتقنها وتعشقها إلى حد العبادة. كانت مسحورة بأمريكا ومأخوذة بنمط الحياة الأمريكية، وتعتبر أمريكا الجنة الموعودة. كانت تريد مني أن أعاملها كما أتعامل مع صديقة أمريكية. كان ذلك أمراً مستحيلاً، فلا أنا بالأمريكي ولا هي. أنا ما زلتُ جديداً على هذه الأرض. أما هي فلقد أمضت عامين فقط في أمريكا تدرس الفهرسة وتنظيم المكتبات. ما كانت هي الوحيدة التي تتشبث بالشكليات تشبثاً أعمى. فلقد رأيت بعض الطلبة الهنود والصينيين كذلك. يأتون إلى أمريكا فيؤخذون ببعض المظاهر الشكلية والأمور السطحية حاسبين ذلك نوعاً من التحضّر والمشي خلف المثال. ربما كنتُ ( أتأمرك ) أحياناً مع بعض الأمريكيات، ولكن كيف ( أتأمرك ) مع ( نادية ع. ) ؟ إستعملت يدي مرّةً وأنا أتناول الدجاج المشوي في أحد المطاعم فأبدت ملاحظة ذكية مهذّبة لكني لم أستسغها. قلتُ لها بحدّة إنني هنا في أمريكا أفعلُ ما أشاء طالما إني لا أُخالفُ القوانين. قالت لكنْ هناك قوانين غير مكتوبة. دعوتها بعد ذلك وفي مناسبات شتى إلى مطاعم صينية وإيطالية ومكسيكية وفرنسية. وحين أتشهى أكلة بقلاوة كنتُ أدعوها لتناول الطعام في مطعم سوري.لم تعجبها بقلاوة هذا المطعم ولا مرافقه الصحية ولا الإحتكاكات والملاسنات العلنية بين صاحب المطعم وزوجه الأمريكية فقالت سأصنع لك بقلاوة ممتازة ففعلتْ وقد صدقتْ.

مع مجيء الشهر الثاني شباط ( فبراير ) 1969 بدأت أُمارس السباحة في المحيط الهادي حيث كانت درجة حرارة مائه في هذا الشهر تتراوح بين 16 ـ 17 درجة مئوية. كانت مياه المحيط  وسواحله الرملية الممتدة دون حدود هي المتعة القصوى والنشوة الروحية المثلى فكان وجودي شبه الدائم هناك وجودَ الذي يمارس طقوس عبادة وثنية أو عبادة النيران. فالرمل والساحل والماء والمحيط الهائل معاً هي البلسم والمطهّر والنار الباردة التي تحرق ولا تقتل، حريقها داخلي لا يصل الجلود. بعد أن أخذ النهار بالطول والإمتداد مع مجيء الربيع ثم أشهر الصيف كنتُ أذهب إلى هناك بين الساعة السابعة والثامنة لأمارس طقس السباحة وحيداً. كانت شرطة السواحل تحذرّني من المضي عميقاً في لجّة المحيط، لأنَّ الكواسج الفتّاكة غالباً ما تقترب من السواحل وتفترس السابحين. من المصادفات الطريفة أنَّ مجموعة من الراهبات الشابّات أتين ذات مساء إلى هذا الساحل حين كنتُ أعوم بعيداً قليلاً عنه. حين رجعت من سباحتي وجدتُ إحداهنَّ واقفةً بالقرب من ملابسي التي تركتُ على

الرمال. سألتني أهيَ رياضتك اليومية في السباحة ؟ قلت أجلْ. قالت ليتني أستطيع أن أمارسها كل يوم معك. تتمنى الفتاة الشابّة التي إختارت الرهبنة أن تمارس بعض حقها في الحياة. في أن تستمتع علانيةً بالرمل والماء وأن تمارس السباحة والرياضة مع رفيق أو صديق أو مع بشرٍ آخر لا وجود له في دير الرهبنة. في أن تخلع أو تزيح عنها هذا الكفن الأسود وأن تكشف جسدها للرمل والماء والسماء كما يفعل المخطيء أو المذنب ساعةَ أن يجلس أمام الراهب على كرسي الإعتراف. حرمان النفس من الحياة. قتل الحياة في النفس البشرية.

نادية وأنا كنا نُقضّي نهارات الأحد على سواحل المحيط الهادي للتمتع بالماء المالح الذي يدبغ الجلود وبالشمس والرمل الدافيء. ما كانت تتقن فن العوم والسباحة لكنها كانت ترتاح كثيراً لدفء الرمال وحرارة الشمس. كانت في العادة تنبطح على بطنها هرباً من تأثير أشعة الشمس وخوفاً من أنْ تزيد من شدة سمرة وجهها. أردت أن أرد لها جميل البقلاوة الممتازة التي صنعت لي فدعوتها إلى بيتي لأطبخ لها الرز والبامياء التي كانت معروفة في كالفورنيا. أدهشتها فخامة أثاث البيت وسعته فتمنّت أن تسكن واحداً مثله. سكنها متواضع من حيث التأثيث والسعة والموقع وغرفتها فيه أكثر تواضعاً. ما كنتُ طباخاً ماهراً وما سبق وأن طبخت البامياء في حياتي، لذا جاءت النتائج مخيّبة للأمال. أكلنا القليل وشربنا كأساً من نبيذ كالفورنيا. عرضتُ عليها المبيت في البيت الجميل الذي سَحَرها فإعتذرتْ وعاتبتني برفق قائلةً إنَّ ذلك لا يجوز، فإنها فتاة شرقية بكل ما تعنيه هذه الكلمة. فهمت قصدها فأخذتها إلى بيتها مع كلمة إعتذار وتوضيح وتحذير من مغبة الإفراط في

( سوء الظن وسوء الفهم ).

زرتها مرّةً في بيتها دون موعد فإحتجّت قائلةً إنَّ شريكتها الأمريكية في البيت تعترض ولا تقبل الزيارات المفاجئة. قاطعتها وفضلّتُ أن أُمضّي أمسيات السبت ونهارات الأحد مع مجموعة من طلاب وطالبات الدكتوراه من الهنود والكوريات والفيتناميات وجولي وريتا من الفليبين ومساعدة أبحاث من ألمانيا الغربية يومذاك هي السيدة فيشر. كنا نجتمع في أحد دور هؤلاء الطلبة والطالبات بشكل دوري نطبخ ونأكل ونشرب ثم نشرع بعد أن نشبع طعاماً وشراباً بممارسة الغناء والرقص وتبادل القبل ( الأخوية البريئة ) حتى يختلط الحابل بالنابل. سكرت الفتاة الفليبينية ( جولي ) ذات أمسية فإرتمت بجانبي وأسرّت لي أنَّ

الزميل الهندي ( هاركرشنا ) يراودها عن نفسها ويزين لها ممارسة الجنس وإنها خائفة من هذا الأمر. قالت إنها تريد أن تسمع رأيي. ما كانت الفتاة جميلة، بل كان لها وجه قرد. تظاهرتُ بأني لم أفهم الأمر. تجاهلتها وقد كانت سكرى، لكني كنتُ أفكّر جديّاً في أمر هذه الفتاة ـ القردة. لِمَ لا تمارس الجنس مع شاب هندي لطيف الملامح يحضّر لرسالة الدكتوراه ويستطيع بعد ذلك البقاء في أمريكا. قد يتزوجها فتبقى معه في هذا البلد الجميل بدل الرجوع إلى الفليبين. لم يطلْ تفكيرى إذ فتحتْ جولي عينيها ووضعت فمها المشبّع برائحة الكحول في أُذني اليسرى هامسةً (( إنها لم تمارس الجنس في حياتها، وإنها تخشى التجربة وإنها خلاف الطالبات الباقيات لا تستطيع البقاء في أمريكا )). قلتُ لها إذا كانت ظروفك وشروط عقد دراستك مع حكومتك لا تسمح لك بالبقاء في أمريكا فلماذا تطلبين مشورتي في شأنٍ جدَّ خاص بك ؟ قالت إنها مترددة بين الرفض والرضا. تقبل الفكرة ليلاً وتُعرِضُ عنها نهاراً. ذكّرني قولها هذا بالشعر الذي يقول (( كلامُ الليلِ يمحوهُ النهارُ )). تركتُ أمريكا قبل ( جولي ) ولست أدري هل بقيتْ مصرّةً على الرفض نهاراً أم إستسلمتْ لسلطان إغراء الليل ومراودات صاحبها ( هاركرشنا ) ؟.

الصداقات الجماعية كهذه تدوم طويلاً وتكون عادةً خالية من المشاكل والإلتزامات المالية والعاطفية والإجتماعية وذكرياتها لا تغور عميقاً في النفس البشرية. لذا فإنها لا تتترك في النفس لوعةً عند الفراق. العلاقات البشرية مستويات وآفاق وأعماق متفاوتة. غريبٌ أمرك يا إنسان، معقّد إلى هذا الحد ! وبسيطٌ إلى هذا الحد ؟.

مع الربيع والدفء والشمس نشطت مراسلاتي مع أصدقاء وصديقات موسكوثم مع الأهل في العراق. كان إبن أخي الأكبر، طالب كلية الطب ( صلاح الدين ) يكاتبني دوماً ممثلاً لجناح العائلة في بغداد. أما جناح الحلّة الرباعي فكانت تصلني منه بإنتظام أربع صفحات في مظروف واحد. الأب يكتب صفحة والأم وأخي جليل ثم صفحة خاصة من شقيقتي المرحومة نجاة. كانت عادتي أن أكتب الردود على ما يصلني من رسائل دون إبطاء أو تأخير. لذا تراكمت الرسائل مني هناك ومنهم معي في أمريكا. الكل يطالب ويلّح في طلب المزيد من الصور. الفضول والظمأ لمعرفة تفاصيل حياة المرء في هذا البلد البعيد. مع هذا النشاط في المراسلات كنت أحقق نجاحات أخرى في أبحاثي المختبرية وأحصل على نتائج مرضية. فمع الربيع والدفء يزداد نشاط الإنسان وترتفع همّته وترتقي معنوياته عالياً فتهون متاعبه الجسدية أمام حلاوة طعم النجاح وكشف حقائق علمية جديدة. ساهمت مرّةً في حضور مؤتمر علمي إنعقد في معهد غاية في التطور يقع في مدينة ( باسادينا ) إسمه مُختصراً Pasadena  Cal Tec)  ) . ذهبتُ مع البعض من زملائي في مجموعة الأبحاث في سيارة من سيارات جامعة كالفورنيا قادها باحث ودكتور كوري الأصل أمريكي الجنسية إسمه ( إدوارد لي Edward Lee  ). قضيّتُ نهاراً كاملاً هناك أستمع لمحاضرات نخبة ممتازة من العلماء المختصين في الكيمياء. قيل لي إنَّ في مختبرات معهد ( باسادينا ) التكنيكي هذا يجري بناء وفحص أجهزة الدفع الذاتي للصواريخ التي تحمل محطاتٍ إلى الفضاء الخارجي.

كماكان يقوم بزيارة جامعتنا بشكل دوري علماء يقدمون أحدث ما توصلت إليه أبحاثهم وأبحاث طلبتهم ومساعديهم من كشوفات ونتائج. زارنا في هذا الإطار عالمان قدما من موسكو وقدما محاضرات عن نتائج أبحاثهم. أحدهما عضو أصيل في أكاديمية العلوم السوفياتية، طاعنٌ في السن تساعده زوجه في الكثير من أموره فلقد كان سمعه ثقيلاً. أجد في مثل هذه الفعاليات في الحرم الجامعي متعةً لا تقل عن متعة البحر والرمل والساحل مع الفوارق الكبيرة. كأنهما وجهان لعملة واحدة. وجه يكمّل الآخر. ساعة لقلبك وساعة لربّك.

 هل يدوم هذا التكامل والبهاء والمسرّة طويلاً ؟ كلاّ. لا تُسلّم الحياة زمامها لنا بسهولة وبدون ثمن. لا نجدها دوماً يسيرة الشأن طيّعة المزاج. يتعاقب فيها الفرح والحزن تعاقب الليل والنهار. تأخذ بيد ما أعطت باليد الأخرى. ( لا ينقصُ البدرُ إلاّ حين يكتملُ ). يكمن في تمام كماله النقص. حين يبلغ الإنسان قمةً عالية لا يجد بعدها قمة أخرى

يرتقيها، فإما أنْ يظلَ يراوح في مكانه فيصيبه الملل فالخدر وربما التعفن أو أن ينحدر فيتكسّر وربما يموت. فمع سحر أجواء البحر وهيبة العلم والأبحاث العلمية وجدتُ نفسي محاصراً ما بين ضغطين لا يرحمان. ضغط الأهل وإلحاحهم في أن أعود إليهم من جهة وضغط الشرطة الأمريكية المتزايد من الجهة الأخرى. فما أكثر ما إعترضتني مفارز هذه الشرطة التي تجوب الشوارع ليلاً ونهاراً وأوقفت سيارتي لتمطرني بالغريب من الأسئلة. في النهار بتهمة تجاوزي للسرعة القصوى المسموح بها في الشارع الذي أوقفوني فيه أو إهمالي للضوء الأصفر مرّةً والأحمر مرةً أخرى. في الليل تختلف أسبابهم وأسئلتهم. يطلبون مني إبراز إجازة السوق وأوراق ملكية السيارة أو هوية الإنتساب إلى الجامعة أو عنوان سكني. وقد يتمادون أكثر فيسألونني من أين أتيت وأين كنتُ ومع من قضيّت الأمسية. بلغت الصفاقة بأحدهم مرةً أن سألني بتهكم كم كأساً من الكحول قد تناولتُ ؟ قلت له إنَّ صحتي لا تسمح لي بتناول المشروبات الكحولية، إنما شربت فنجانَ قهوة مع بعض الأصدقاء. وكما هو الأمر مع سيارة شرطة الجامعة التي أجدها واقفةً خلف سيارتي في

موقف ( بارك ) سيارات الجامعة حين تضطرني التجارب أن أظل في المختبرات حتى ساعات الصباح الأولى، كنت أرى عادةً واحدةً من هذه السيارات تكاد تمس خلفية سيارتي كلما زرتُ بيت واحدةٍ من معارفي الجديدات. كنت أدفع أحياناً غرامات ثقيلة على مخالفات وهمية أو لأسباب غير مقنعة أو مبالغ  فيها. هل كنتُ تحت المراقبة لأنَّ قضية الموافقة على منحي الإقامة الدائمة ( الكارد الأخضر ) أصبحت وشيكةً ؟ فلقد نجحت في الفحوص الطبية الدقيقة التي أُجريتْ لي في مستشفى عسكري تابع للجيش الأمريكي

( كان التأكيد على فحص مرضي السل والسفلس ) وأرسلت  دائرة الهجرة والتجنس كتاباً تؤكد لي فيه موافقتها على طلبي وعليَّ أن أنتظر بعض الوقت لإرسال الكارد الأخضر لي بالبريد. أوقفت شرطة دوريات الشوارع سيارتي في شهر مايس ( 1969 ) وحده مرتين. المرة الأولى بحجة تجاوزي السرعة القصوى المسموح بها في تلكم المنطقة.   أعطاني الشرطي الذي أوقف سيارتي ورقةً كتبَ فيها عنوان وتلفون المحكمة ذاكراً فيها نوع وطبيعة مخالفتي التي رصدها الرادار المثبت في أماكن خاصة لمراقبة حركة مرور السيارات وضبط المخالفين لقواعد المرور والسرعة وما إلى ذلك. قال إتصلْ بالمحكمة تلفونياً  لتثبيت موعد دقيق لحضورك أمامها. دخلتُ المحكمة في اليوم المحدد والزمن المحدد. قرأ الحاكم ما كتبه الشرطي حول ظروف وطبيعة المخالفة ثم سألني : ماذا تقول، هل إرتكبتَ خطأً أم لم ترتكبْ ؟ إعترفتُ ـ حسب نصيحة أحد الزملاء ـ بإني إرتكبت خطأً فادحاً فخفف الحاكم عقوبتي وإختزل قيمة الغرامة النقدية إلى النصف. كان العلم الأمريكي الهائل منتصباً  بجانب الحاكم حتى السقف. حين دفعتُ الغرامة ( 18 دولاراً ) دسّت الفتاة المسؤولة عن الشؤون المالية في المحكمة ورقةً صغيرةً في جيب سترتي الصغير الأعلى. قرأتها وإذا مكتوب فيها (( Take care of yourself  )). / دير بالك على نفسك !! نكتة بارعة أضحكتني وأنستني محنتي الصغيرة مع الشرطة والمحاكم، وشر البليّة ما يُضحك. كانت المحكمة الأولى والأخيرة والغرامة الأولى والأخيرة في بلاد العم سام. في المرة الثانية كنتُ قد خرجتُ حوالي الساعة الثانية عشرة ليلاً من بيت سيدة تعرّفتُ عليها حديثاً في أحد نوادي الرقص الليلية الخاصة بالعازبين والعازبات من الشباب متوجهاً نحو بيتي . في الطريق العام فوجئتُ بالضوء الأحمر القوي يأتي من خلف سيارتي مُركَّزاً في المرآة الداخلية المثبّتة أمامي. الشرطة !! يحمل هذا الضوء الأحمر الأمر بالتوقف الفوري. مِلتُ بسيارتي حسب التعليمات إلى كتف الشارع الجانبي وبقيت داخل السيارة في إنتظار مجيء الشرطة. وقفت سيارة ( البوليس ) ذات اللونين الأبيض والأسود أمام سيارتي وترجّلَ منها ضابط شرطة بينما ظلَّ الضابط الآخر جالساً خلف مِقود السيارة. إقترب الضابط مني رافعاً ذراعه اليمنى بالتحية كما تقتضي الأصول ( للشرطة هناك أصول ! ). طلب مني إبراز إجازة السوق وأوراق ملكية السيارة. الطلب الثاني غريبٌ وغير مألوف. كانت هذه الأوراق لحسن الحظ معي. تمعّن طويلاً في صورتي المثبتة في إجازة السوق تصويراً لا لصقاً. لا تقبل ولا تحتمل التزوير. أخذ يُنقّل بصره المرتاب كثيراً بين وجهي وصورة إجازة السياقة. مللت هذا الموقف فسألته : هل هناك من خطأ فيَّ أو في إجازة السوق ؟ قال بعد تردد مُفتَعل كلاّ، لكنك تبدو في الصورة أكثر بدانةً منك الآن. قلتُ له لا غرابةَ في الأمر، كنتُ في الصورة ببدلة كاملة وربطة عنق، أما الآن فأنا كما تراني بقميص صيفي مفتوح الصدر. سألته وكانت ما زالت الأوراق في يده : لماذا أوقفتني ؟ قال كانت سيارتك تتمايل يمنةً ويسرةً أثناء سيرها على الطريق. ثم ـ وهذا هو الأهم ـ من أين أتيتَ ؟ فهمت على الفور مغزى سؤاله الخبيث وقررتُ أن أهرب من الجواب المباشر فقلت له : أتيتُ من العراق. أنا عراقي. قال عفواً، أقصد أين كنتَ ؟ أين أمضيتَ هذه الأمسية ؟ ربما كانت السيدة مضيفتي يسارية الهوى أو من الناشطات ضد الحرب في فيتنام أو من أنصار السلام، لا أدري. لذا لم أشأ أن أكشفها للشرطة. موّهت على هذا الشرطي الفضولي فتقمّصتُ دوراً تمثيلياً تملّصاً من سؤاله الأخير فرفعتُ ذراعي اليمنى في الهواء إلى أعلى بحركات عشوائية قائلاً : هنا… كنتُ مع بعض الأصدقاء. هنا… دون أن أُحدد جهةً أو إتجاهاً بعينه. ( هنا ) عشوائية فضائية فما عساه أن يفهم منها ؟. ثم كان سؤاله الأخير : كم شربتَ ؟ إفتعلت ـ وكنتُ ما زلتُ أُمثّل ـ البراءة والبساطة فسألته:

ماذا تقصد ؟ قال كحول. قلت له إنني أصلاً لا أتعاطى الكحول. ذلكم أمر ممنوع عني منعاً باتاً. لدي متاعب في كبدي. نعم ـ واصلت دوري ممثلاً ـ  شربتُ القهوة. ردَّ لي أوراقي ثم دار حول السيار