مُسيلمةُ في رمضان
د. عدنان الظاهر
WWW.MARS.COM
أبو الطيّب المتنبي قادمٌ إليكَ على خيوط الضوء. ماذا جهّزتَ لنا من
طعام ؟ جهّزتُ لك ما لذَّ وطاب، الكباب المشوي بالسُمّاق ثم كبّة
الحامض، كبّة القِدْر. لم تمضِ إلاّ لحظات قليلة حتى كان ضيفي المتنبي
في بيتي. معلوم، إنها سرعة الضوء. حين جلسنا متقابلين على مائدة الطعام
لم يمددْ صاحبي يده وكان بادي التفكير لكأنَّ شيئاً ما يشغل تفكيره.
قلتُ له مُشجِّعاً : بسم الله، رمضانٌ كريم، ألا نفطر وقد لعلع في
أجواء المدينة صوت المدفع ( الطوب ) وإرتفع صوت المؤذِّن ؟ قال إنما
هذه الأكلات العراقية لا تروق لي إلاّ مع خبز الشعير الحار القادم من
صُلب التنور ونيرانه الحامية التي تتلظّى مثل نار جهنم. من أين آتيك
عزيزي بالتنور العراقي ونار وقوده ( البايولوجي ) وخبز الشعير الأصيل،
من أين ؟ نعم، تباعُ هنا أنواعٌ كثيرة من الخبز بعضها من الشعير
المطحون بكامل حبّاته
يسمونه (
Roggenvollkornbrot
) أي مع أغلفة حبّاته الخارجية، ومزوَّق بالكثير من
الحبوب النبايتة الأخرى كحبات بذور عباد الشمس أواليقطين أوالسمسم
وسواها مما لا أستطيع عدّه أو حصره. خبز أسود مُطعَّم لكنه بارد
مغلَّفٌ بأغلفة السيلوفين المختومة بفترة صلاحيته للتناول. وجرى تجهيزه
بأفران كهربائية خاصة لا تمتُّ لعالم التنانير الشرقية بصلة. كأنَّ
حرارة الكهرباء وأجهزة الحديد تختلف عن حرارة باقي أنواع الوقود
الطبيعي كالفحم والأحطاب وفضلات الحيوانات المجففة تحت حرارة وضوء
الشمس ( السرجين والبعرور والمُطّال…مثلاً ). ثم إنَّ الحديد المعدن
شيء وطين التنور شيء آخر. لذا فطعوم هذا الضرب من الخبز الأسود تختلف
جذرياً عن طعم خبز شعيرنا يا صاحبي. نعم، إنه خبزٌ أسود، أعني بنيٌّ
غامق يبدو كالأسوَّد وليس كخبزنا الأسمر الفاتح اللون… اللون الذي
طالما تغزّل به الشعراء والمغنون مثل الراحل رضا علي صاحب أُغنية (
سمرة وسيعة عين عيني سمر عيني سمر…). كان صاحبي على شدّة جوعه مُصغياً
لما كنتُ أقول كأنه يسمعه لأول مرةٍ في حياته. لم يُعلِّق البتّة. راح
يُنقِّل بصره ما بين الصحون لكي يقرر في أيٍّ منها يضع يده. نعم، يضع
يده. ما كان الرجل يُسيغُ أكلَ الطعام بالشوكة والملعقة والسكين… كعادة
أهل هذه البلدان. ظلَّ متردداً فسألته عمّا به. قال أين اللبن الحامض
والتمر ؟ شعرتُ بشيء من الحرج. مع الرجل حق، كل الحق. ما كان في بيتي
تلكم الأمسية شيء من التمر، لكن كنتُ صباحَ ذلكم اليوم قد إبتعتُ
خصيصاً لضيفي بقلاوة لبنانية ممتازة من مخزن يديره شباب من كُرد
كردستان العراق. أحدهم من مدينة السليمانية إسمه آزاد. إعترض مع شيء من
الإمتعاض قائلاً : كنا في العراق نفطر على التمر قبل أن نتناول غيره من
مقسوم النعمة. قلتُ لكننا تركنا العراق يا عزيزي والعراق قد تركنا،
وعادات الناس تتبدل بتبدل الأماكن والمدن والطقوس والبلدان ثم كرّ
السنين. كُلْ بقلاوة لبنان وإنسَ تمور العراق. قال لا يحلو الإفطار
إلاّ بالتمر. التمر صنعته النخلة وهي أشرف الشجر كما قال صاحبنا أبو
العلاء المِعرّي (( شَرِبنا ماءَ دجلةَ خيرَ ماءٍ ـ وزُرنا أشرفَ
الشجرِ النخيلا )). أما البقلاوة فهي من صنع البشر، خرجت من بين أصابع
عاجنها وداحيها ومازجها بالسكّر وشاويها في الأفران الكهربائية. أما
التمرة فتكفيها حرارة الشمس تطبخها على مهل وسكّرها تصنعه لها أمها
النخلة. ثم ليس في التمور دهون كما هو شأن البقلاوة. الدهون وما أدراك
ما الدهون. لا أحد يعرف أي نوع من الدهون يُضيف صانعوها إليها. والدهون
قاتلها الله تعني الكولسترين أي تصلّب الشرايين وأمراض القلب والأوعية
الدموية. كان صاحبي يتكلم كطبيب إختصاصي آخذاً الموضوع برمته بإقصى
درجات الجَد. قلت له : هل نفطر وقد برد الزاد ؟ قال أجلْ، نفطر ولو على
جرعة ماء. ثم أخذ يتمتم مع نفسه ساخراً : أمرنا إلى الله ! لا تمرٌ ولا
لًبنٌ. ضحكتُ وأنا أمد يدي إلى بعض الصحون ثم قلتُ : ذكّرني كلامُك
الساخرُ هذا بأحد أبياتك الشعرية. إنتظرتُ إن يُعلّق أو يسأل لكنه كان
منشغلاً بتجهيز صحن كبيرٍ من كبّة الحامض مع الشلغم ولم يعرْ كلامي أية
أهمية. كان الرجل جائعاً فالصوم صعب وجهاد شاقٌ مع النفس الأمّارة
بالسوء والعصيان وحب الحياة وما فيها من أطايب ومُغريات. تفاحة واحدة
أسقطت أبانا آدم فلاحقه صدّام حسين ونفّذَ فيه حكم الإعدام رمياً
بالرصاص بتهمة هروبه من جبهات القتال. نعم، تفاحة واحدة، فكيف وأمام
المتنبي وفي متناول يده أطباق الكباب المشوي وجِفان كبّة الحامض
بالشلغم ؟! كنتُ أريد أن أُردد بيت المتنبي الشهير ( بِمَ التعللُ لا
أهلٌ ولا وطنٌ ـ ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سَكَنُ ). ثم عنَّ لي أن
أُحرِّف بعض أجزاء هذا البيت، كما يحرِّف مُسيلمةُ الكذّابُ أقوال
الناس وما يكتبون وينشرون، أردت أن أجعله كما يلي
( بِمَ التعللُ لا أهلٌ ولا وَطَنٌ ـ ولا نديمٌ ولا تَمرٌ ولا لَبَنُ )
لكني أحجمت وصممت أن أرويه لصاحبي على كؤوس الشاي بعد الإفطار. قلت
لعله يغضب أو يمتعض فيفقد بعض شهوته للطعام الذي راقه وإستطابه بدون
خبز شعير أو لبن وتمر. كان شديد الإنسجام مع أطباقه حتى إنه لم يشأ أن
يتكلم أو يرد، كان كالوحيد في غرفة الطعام. قلتُ أتركه على رسله وهواه
حتى يَبشِم، أي يشبع. سبق وأن قال المتنبي في قصيدته التي هجا فيها
كافورَ الإخشيدي ( نامت نواطيرُ مصرٍ عن ثعالبها ـ فقد بَشِمنَ وما
تَفْنى العناقيدُ ). بدأ الشاعر هذا القصيدة بذكر العيد ونحن في شهر
رمضان الذي سينتهي بعيد الفِطر ( عيدٌ بأيةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ ). هل
أفتح موضوع هذه القصيدة مع صاحبي وضيفي أم أُرجيء الأمر حتى مناسبة
أخرى ؟ كان الرجل شديد العداء لكافور الذي وعدَ وما وفى، في حين قال
المتنبي في مقصورته المعروفة ( وإني وفيتُ وإني أبيتُ ـ وإني عتوتُ على
مَنْ عتا ). كما قال المتنبي في هذه القصيدة بيتاً من الشعر شديد
السخرية بكافورٍ وبأمثال كافور من المتقلبين والكذابين والقَتَلة. كان
كافور على ما يبدو بطيناً، وربما كان مثل مسيلمة الكذّاب يعاني من سوء
هضم ومتاعب أخرى في أحشائه نتيجة بخله وشحّه على نفسه. قال المتنبي
( وقد ضلَّ قومٌ بأصنامهمْ ـ وأمّا بزِقِّ رياحٍ فلا ).
جمع صاحبي في هذا البيت أمرين أحدهما خطير هو عبادة الأصنام عامةً،
وضَلال بني إسرائيل في صحراء سيناء خاصةً، بعد خروجهم من مصر الفرعونية
حيث جَبَلَ لهم هرون شقيق موسى ( كما في التوراة ) أو السامري ( كما
جاء في القرآن الكريم ) عجلاً من ذهب عكفوا عليه عابدين. الأمر الثاني
أقل شأناً لكنه طريف بسخريته اللاذعة. وفي كلا الأمرين نجد أمامنا صورة
كاريكاتورية رائعة لمسيلمة الكذّاب : مستَهوِد من غير صُلب بني إسرائيل
ولا سليل أحد أسباطهم. وبطنه زِقٌ مملوء بالغازات الكريهة تتجه ـ خلافَ
قوانين الطبيعة ـ نحو الأعلى حتّى ما أنْ تصل رأسَه الخَرِبَ تغدو
سامةً ينفثها مثل سِمام الأفاعي حين ينطق أو يكتب. مُسيلمة الكذّاب =
زِق رياح مملوء بالغازات السامة كريهة الرائحة.
لم تقفْ هذه الأفكار السود حائلاً بيني وبين أن أُنهي إفطاري. أما
صاحبي فكان منصرفاً كليّةً لطعامه. كان كالغائب عن الوجود، شديدَ الجوع
لكنه ظلَّ مسيطراً على حركات يديه ونقلها ما بين الصحون أو الكؤوس.
كان رائعاً في طريقة أكله وأسلوب مضغه للطعام. ما أنْ بَشِمَ ضيفي ( أي
شبع طعاماً ) حتى أراح ظهره على مسند كرسييه وهو يتطلع في وجهي كمن
ينوي أن يقولَ شيئاً ولكنْ لا يُريدُ الإفصاحَ عنه : شكراً جزيلاً،
أحسنتَ، أطباق شهية بالفعل، أحسنتَ مُضيّفي. ما زال يتطلّع في وجهي حين
تجشّأَ مرتين بقوة أربعة على مقياس ريختر طيّب الذِكْر. يبدو أنَّ
ثِقَلَ ما في معدة ضيفي أعاق أو عطّل قدرته على النطق. ظلَّ صامتاً
لبعض الوقت لا كلمة ولا حركة سوى وتيرة تنفسه البطيء. ماذا حلَّ بصاحبي
؟ وأخيراً فاجأني إذ قال : أين البقلاوة ؟ أوَ تريدها الآن أم بعد
الشاي المُهيَّل ؟ قال الآن ومع الشاي وبعد الشاي. سألته أَفلا يرتاح
قليلاً ويمنح معدته بعض الوقت لتصريف بعض ما عبّأَ فيها من أطعمة
رمضانية ؟ جاءني جوابه مجلجلاً : باع … تجشّأ المتنبي للمرة الثالثة
مزعزعاً جدران بيتي. لا يقول عذراً أو متأسف كما يفعل الناس في هذه
البلدان. إنها علامة الصحة وعافية البدن …كان تعليقه في كل مرّةٍ
يتجشّأ فيها صاحبي. قوّة صوت التجشؤ هو مقياس صحة البشر. لكل شيء
مقياس، للزلازل مقياسها ولصحّة الإنسان مقاييسها. هذه هي نظرية شاعري
المفضَّل أبي الطيّب المتنبي وعليَّ أن أتقبلها قبولاً حَسَناً وإلاّ
فلسوف يقاطعني ويكفَّ عن زيارتي… كما هددني مرّةً بعد أن أبديتُ له
ملاحظة خفيفة مؤدبة حول هذا الموضوع. لا يقبل صاحبي النقد. لم يتعلّم
بعدُ أصول ومباديء الديمقراطية السائدة في العراق هذه الأيام. لم
يتعلّم شيئاً من ديمقراطية الغرب العريقة. معه حق. هذه عادته التي أتى
بها من الكوفة مسقطِ رأسه. أفلم يقلْ الرجلُ مرة وهو يمدح سيف الدولة
الحمداني
( لكلِّ امريءٍ من دهرهِ ما تعوّدا ـ وعادةُ سيفِ الدولةِ الطعنُ
في العِدا ). عادة صاحبي المتنبي التجشؤ عَلَناً وعلى رؤوس الإشهاد
متجاوزاً مقاييس ريختر جميعها. أما عادةُ صاحبه سيف الدولة فهي طعن
الأعداء… وُلِدَ خصيصاً لطعن الخصوم مُذْ أن ولدته أمه… يا سبحان الله
!!
أكل صاحبي بقلاوة لبنان المطعّمة بالفستق الحلبي ذي اللون الزُمَرَّدي
الفتّان ورائحة الدهن الحيواني الحُر تملأ خياشيمه فيبدو كالسكران
دونما خمرة / سكرانُ من غير المُدامِ… كما قال هو ذات يوم. طلب الشاي
على عجل وكان لحسن الحظ جاهزاً. قال ويسراهُ في صحن البقلاوة ويُمناه
تمسك كأس الشاي : الآن حدّثني عن الموسوّس الشاذ مُسليمة الكذاب. قلت
الحديث عنه يطول يا صاحبي، فهلوساته وإفتراءاته وأكاذيبه لا حصرَ لها.
إنه بحق زعيم الكذابين واللصوص وكبير المهرجين. قال إضربْ لي مثلاً
واحداً أو إثنين على هلوسات وأكاذيب هذا المسيلمة الدجّال. قلتُ مثلاً
: يزعمُ هذا الأبله والغبي والأعمى بصراً وبصيرةً أني لم أنشرْ أبحاثاً
علميةً خلال فترة عملي أستاذاً في جامعة الفاتح الليبية. قال وهل نشرتَ
شيئاً بالفعل ؟ قلت أجلْ، نشرت بحثين في مجلة إختصاص معروفة على صعيد
العالم هي مجلة الجمعية الكيميائية الهندية. قال وهل في حوزتك الآن
هذان البحثان المنشوران ؟ قلتُ أجلْ، ثم وضعتهما أمامه على المائدة.
J. Indian. Chem. Soc. Vol.
LIX, May 1982, pp. 37-44
J. Indian Chem. Soc. Vol.
LIX, May 1982, pp. 632-634
قال وهل من مَثَلٍ آخر على أكاذيب وشعوذات هذا المُسيلمة كبير الدجالين
؟ قلت نعم. إنه كذلك يزعم أني لم أنشر أبحاثاً خلال أعوام عملي باحثاً
في جامعتين بريطانيتين. قال وهل فعلتَ ؟ قلتُ أجلْ. نشرت بحثاً مرموقاً
في أشهر مجلة إختصاص في حقل الكيمياء غير العضوية. قال وما إسمُ هذه
المجلة ؟ إسمها بوليهيدرون يا عزيزي
Polyhedron
. قال وهل لديك نسخة من البحث المنشور ؟ قلت بل ولديَّ أكثر من عشر
نُسخٍ . قال ألا تذكر لي في أي عام نشرتَ هذا البحث وفي أية صفحاتٍ من
هذه المجلة ؟ بكل سرور :
Polyhedron Vol. 10, No.
17, pp. 2051-2055, 1991
Printed in Great Britain,
Pergamon Press plc ) )
قال صاحبي وقد عبّأ كأسَ شايٍ آخر : أحسنتَ، والله إنك عندي لصادق. ثم
أردف قائلاً : بأي وجه سيواجه هذا الأرعنُ والمشعِّوذ الناسَ ؟ قلت وهل
لأمثال الكذّاب مُسيلمة وجه طبيعي لكي يواجه به الناس ؟ قضّى عمره
بالإحتيال والدجل والسرقات ومعاداة كل ما هو جميل أو نبيل أو رفيع في
الحياة. إنه كلبٌ مسعور أجرب ويعاني من داءِ سرطان الكبد الوبيل جرّاء
سمّهِ الأصفر وحقده الأسود على الفضيلة وفضلاء الناس. إنه عقربٌ سام
مشبوه الولاءات وغامض الإنتماءات. قال صاحبي وقد إستأنف تناول البقلاوة
وهل لديك مزيد من الأمثلة التي تدمغ هذا الكذّاب الدولي المنخوب الرأس.
لديَّ الكثير يا أبا الطيّب، لكني أُفضِّل ترك هذا الموضوع اليوم على
أن نعاود الخوض فيه في مناسبة أخرى. لقد أثقلتُ عليك بأحاديث هذا الكلب
المسعور الذي لا يعرف كيف ولا من أين يتكلم. إنه لا يميز بين أعلاه
وأسفله. نعم، صدّقني، لا فرقَ لديه بين خُرميهِ أومنخريه العلويين وبين
منخره السُفلي. طفقَ صاحبي يُردد بين كؤوس الشاي وبقلاوة جبل لبنان :
لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله… لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله. ما أنْ
إنتهى من الحوقلة حتى أتى على آخر قطعة بقلاوة. لم يترك في الصحن شيئاً
لي حاسباً أني أحتفظُ بكمية أخرى منها في ثلاجة بيتي وما كان الأمر
كذلك، فصرتُ أنا الذي يُردد : لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله…
أردت أن أُغيّر الجو المتوتّر العام فعرض لي أن أسأل صاحبي سؤالاً
خبيثاً مداعبةً ومشاكسةً فقلتُ له مفتعلاً إبتسامةً لا لونَ لها : قل
لي بالله عليك، ألا تجد حَرَجاً من الحديث عن زعيم الكذب والكذابين
مُسيلمة الأكذوبة وأضحوكة آخر زمان ؟ قال وعلامَ الحَرَج ؟ قلتُ لأنك
مثل مُسيلمة كنتَ قد إدعيتَ النبوّة في بادية السماوة. قال لا تمزحْ
وقد أكلنا وشبعنا، كانت تلك دعاوة مضادة ومعادية لي وأكذوبة كبرى من
قبيل أكاذيب وهلوسات صاحبك إياه، مُسيلمة الثاني. كانت حملة مُغرِضة
سياسية في جوهرها ولأسباب لها علاقة بشاعريتي المُبكِّرة والمتميّزة
وبنسبي أولاً، ثُمَّ بعقائدي وقناعاتي التي لم تكنْ تخلو من السياسة
ثانياً. ولا تنسَ أنَّ الغربانَ لا تُحِبُ البلابل !! ما إدعيت النبوّة
وما إنتحلتُ شيئاً ليس في طبعي أو من شيمتي. ثم إني لم أكذب في حياتي
أبداً أبداً. قلتُ إذن لِمَ أطلقوا عليك إسم أو صفة المتنبي ؟ قال لا
علاقةَ للأمر بالنبوّة، إنما من النبوّ… نبا ينبو نبوّاً عن الشيء.
كنتُ بسبب نبوغي وقولي الشعر مبكِّراً وإحاطتي بالعربية وأشعار القدماء
… كنتُ مُتَّهماً بالشذوذ أو المروق عن المألوف. فالمتنبي هو الرجل
النابي عن قومه وعن أعرافهم وعمّا قد ألِفوه وورثوهم أبّاً عن جّد،
تماماً كالزنيم. المتنبي كالمتأبّي والمتأنّي والمتردّي وسواها من
إشتقاقات لغتنا العربية.
أين سنلتقي ومتى يا ضيفي العزيز ؟ أجاب المتنبي دون إبطاء في العيد، في
العيد. جهّز لي مائدةً للعيد عامرةً وسآتيك أسرع من فوتونات الضوء
ولتسقط نظرية آينشتاين.
غاب عني صاحبي فوجدت نفسي أُردد شعر أبي ماضي بصوت ناظم الغزالي :
أيَّ شيءٍ في العيدِ أُهدي إليكِ…
فتحتُ جهاز الكومبيوتر فظهرت أمامي على شاشته صورة أبي الطيّب المتنبي
مُتَشِحاً بالسواد وهو يُنشد : عيدٌ بأيةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ…