عرب في
أميركا أم أميركيون عرب؟
خلال
الخمسين عاماً الماضية تحولت أميركا من "بوتقة" تنصهر فيها الأعراق إلى
"صحن كبير" تجتمع فيه تلك الأعراق محتفظة بتنوعها الإثني والثقافي.
بقلم: فضيل الأمين
أبريل 2005
عندما قررت
أن أكتب تحقيقاً عن الأميركيين العرب: الحاضر والمستقبل، طرحت على نفسي
السؤال الأول: إلى أين يجب أن أتجه؟ إلى نيويورك، البوابة التاريخية
لكل المهاجرين، أم إلى لوس أنجلوس حيث يقطن قرابة ثلاثة أرباع المليون
من العرب؟ أم واشنطن العاصمة حيث أقطن، بما لها من نشاط سياسي
ودبلوماسي وثقافي، أم إلى مدينة ديربورن حاضرة العرب في الوسط
الأميركي؟
لم يطل
ترددي، إذ لا يمكن لأي شخص أن يكتب عن عرب أميركا دون أن يمر عبر
ديربورن. وهكذا توجهت إلى ديربورن، العاصمة العربية في أميركا.
حطّت بي
الطائرة في مطار مدينة ديترويت في يوم شتوي ممطر. شتاء ولاية مشيغان
قارص البرد وكثير الثلوج في العادة، إلا أنه ولحسن حظي لم يكن عليّ هذه
المرة إلا التأقلم مع زخات المطر المتقطعة.
لم تكن
زيارتي هذه لديربورن هي الأولى، فقد كنت أتردد عليها باستمرار عندما
كنت مقيماً في ولاية أوهايو المحاذية لها.
أول ما أردت
القيام به فور الوصول هو جولة في المدينة، أردت التعرّف على ما طرأ
عليها من تغيير منذ زيارتي الأخيرة منذ أربع سنوات.
كنت أعرف أن محل حلويات "شاتيلا" الذي يعتبر أشهر محلات الحلويات
الشرقية في أميركا قد انتقل من موقعه السابق إلى مبنى شيّد خصيصاً
ليتسع للإقبال المتزايد عليه، وليس هو الوحيد بأي حال من الأحوال
فالمدينة تنمو باستمرار.
توجهت
بسيارتي إلى شارع "وارن" قلب ديربورن العربية. عندما تشق طريقك في تلك
الجادة تلفّتك اليافطات العربية من كل مكان.. إعلانات دعائية لأطباء
ووكلاء تأمين ووكلاء بيع سيارات ومكاتب محاماة ومكاتب خدمات الضرائب
والمحاسبة.
أما يافطات
الأسواق العربية التي تحولت من محلات صغيرة قبل سنوات إلى أسواق كبرى،
فتجذب انتباهك مهما حاولت التركيز على زحمة المرور من حولك.
فجأة
توقّفتْ حركة المرور كلية، التفتُّ إلى يساري لمعرفة السبب، الذي لم
يكن سوى تجمّع كبير لعرب عراقيين أمام أحد المراكز العربية المحلية
يهتفون فرحاً ويرقصون ابتهاجا بنتائج الانتخابات العراقية التي جرت قبل
أسبوع.
يمثّل ذلك
المنظر قوة ارتباط الأميركيين العرب بحديث عهدهم وقديمه بجذورهم. كما
يُبرز، بغض النظر عن دلالاته السياسية، تقارب الأحداث وتشابكها مهما
تباعدت المسافات، ويشير إلى موقع الوطن الأم في القلب. فقبل أشهر صوّتت
الجالية الأوكرانية في شيكاغو في انتخابات وطنهم الأم، وقاموا
باحتفالات مشابهة عديدة بمناسبة نجاح تلك التجربة.
ديربورن: تجربة فريدة
تفرّد مدينة ديربورن
عن غيرها من المدن التي يقطنها الأميركيون العرب ينبع من طبيعة ولاية
مشيغان الصناعية خاصة مدينة ديربورن. فهي المقر الرئيسي العالمي لشركة
فورد الكبرى لصناعة السيارات، وعلى بعد عشرات الأميال فقط من مدينة
ديترويت يقع المقر الرئيسي لشركات جنرال موتورز وكرايسلر.
فورد وجنرال
موتورز وكرايسلر الذين يسموّن "الثلاثة الكبار" هي أكبر شركات صناعة
السيارات في العالم، حيث يُوظّف مئات الآلاف من العمال والمهندسين
والمهنيين في مجالات مختلفة.
هذا
الاستقرار الاقتصادي المعتمد اعتماداً كبيراً على "الثلاثة الكبار" كان
عامل جذب للمهاجرين في الماضي وهو اليوم عامل استقرار ديموغرافي لسكّان
مدينة ديربورن وضواحيها.
أمر آخر
تتفرّد به ديربورن العربية هو، التدفّق المستمر للمهاجرين العرب إليها.
فهي تعتبر الخيار الأول لهم. إذ إنها توفّر الدفء العربي للمهاجرين
الجدد وتخفف عنهم وطأة الغربة. كما أن للكثيرين منهم أقارب وأصدقاء
مستقرين هناك.
وتعتبر
ولاية مشيغان الثانية في أميركا من حيث عدد الأميركيين العرب، إذ يبلغ
عددهم فيها 490 ألف حسب أرقام مؤسسة "زغبي إنترناشيونال" التي تعتمد
جزئياً على أرقام دائرة الإحصاء الأميركي لعام 2000.
وفي الوقت
الذي يتوزع فيه العرب على 82 مقاطعة من مجموع 83، نجد أن 65% منهم، أي
320 ألفاً، يتركزون في مقاطعة واين التي تقع فيها مدينة ديربورن
ومقاطعة أوكلاند المجاورة لها.
ويمثل العرب
من أصول لبنانية ويمنية وسورية ومصرية وعراقية وأردنية وكلدانية أكبر
المجموعات. ويمثل الباقي خليطاً من بقية الدول العربية الأخرى.
وعن تطوّر
الأميركيين العرب في ديربورن والمصاعب التي يواجهونها
تقول سوزان سيريني، عضو مجلس مدينة ديربورن: "الأميركيون العرب في وضع
جيد ويتطورون مثل غيرهم من الأميركيين من أصول أخرى. اقتصاد الولاية
ليس في وضع أمثل، ولكننا كعرب أميركيين نكافح مثل غيرنا، إنني أشاهد
العديد من المشاريع التجارية الأميركية العربية تنشأ باستمرار، مثل
محطات الوقود والعيادات والمحلات التجارية بأنواعها".
سيريني، وهي
أميركية عربية تتحدر من أصول لبنانية، تم انتخابها لمجلس مدينة ديربورن
عام 1990، ولدت في المدينة وترعرعت فيها، تتذكّر تجربة والدها الذي جاء
مهاجراً للعمل في مصانع شركة فورد، وانتهى به المطاف إلى فتح مطعمه
الصغير قريباً من المصنع.
وتعترف
سيريني، بأنه كان هناك توتر طارئ وقصير بعد أحدات 11 أيلول/سبتمبر،
وتقول إن ذلك كان رد فعل طبيعياً وطارئاً لم يلبث أن اختفى بعد أيام
قليلة. وتشبّه ذلك بموقف ابنها الضابط في الجيش الأميركي عندما كان
يصرّ على ارتداء بدلته العسكرية عند ذهابه لمطعم صيني بعد احتجاز
الحكومة الصينية لطائرة أميركية في مطلع عام 2001.
وتختم
سيريني ذلك بقولها: "لقد عادت الأمور إلى مجاريها بالنسبة لنا كعرب
أميركيين".
ما يثلج
الصدر في مدينة ديربورن هو التمازج الكبير بين العرب عموما والذي امتد
إلى دياناتهم المختلفة، فالمركز الإسلامي في أميركا يتوسّط كنيسة سانت
كليمنت الأرثوذوكسية وكنيسة سانت باركيز الأرمنية وكنيسة الحياة الأفضل
العربية. ولا يقتصر هذا التمازج بين العرب فيما بينهم فقط بل يمتد إلى
الأعراق المختلفة سواء العربية منها أو الإيطالية أو الأميركيون السود
أو غيرهم من الأعراق الأخرى التي تتشكّل منها المدينة. فالأميركيون
العرب يشكلون 35 ألف من مجموع السكان الذي يبلغ الـ100 ألف نسمة.
في نهاية
جولتي في مدينة ديربورن لم أتمالك إلا أن أتساءل عن مستقبل هذه الحاضرة
العربية في قلب أميركا. هل ستكون هنا ديربورن عربية بعد 20 أو 30 عاماً
يستمتع بثقافتها ومظاهرها العربية أجيال الأميركيين العرب ويتعرف عبرها
المجتمع الأميركي على العرب؟ أم إن ديترويت الكبرى عبر نموها وتوسعها
ستبتلعها كما ابتلعت المدن الكبرى الأحياء الصينية أو ما يسمى "تشاينا
تاون"؟
عرب ديربورن
يقولون إن ديربورن العربية وُجدتْ لتبقى، ومقارنتها بالأحياء الصينية
أو الكورية أو العرقية الأخرى غير وارد.
تقول سهيلة أمين (26 عاماً) المدرسة في هيئة المدارس العمومية في
ديربورن: "عرب ديربورن باقون فيها، ونسبة الهجرة إلى المدن أو الولايات
الأخرى بين الشباب الذين يكملون دراساتهم محدودة. فالجميع يفضل البقاء
قرب العائلة والأقارب".
وأمين هي
نفسها مثال عملي على ما تقول. فهي من الجيل العربي الرابع في ديربورن.
فجدّها ولد في أميركا مع بداية القرن الماضي حيث هاجر والداه من لبنان.
تعمل والدة
سهيلة أخصائية اجتماعية بمدينة ديربورن في الوقت الذي تعمل أختها
مدرّسة أيضاً.
سوزان
سيريني عضو مجلس المدينة تقول: "الجالية العربية في المدينة يزداد
عددها باستمرار، البعض ينتقل للمدن الأخرى أو للولايات المجاورة أو
البعيدة للدراسة أو بحثاً عن فرص العمل، البعض ينتقل للمناطق المجاورة
بحثاً عن منازل أكبر أو عقارات.. كثافة المدينة تزداد ونحن في مجلس
المدينة نحاول أن نطوّر بعض المناطق القديمة، ولقد وصلت قيمة بعض
المنازل في المدينة إلى أكثر من مليون ونصف المليون دولار. مهما هاجر
العرب إلى المدن والولايات الأخرى إلا أنهم يعودون باستمرار إلى اعتبار
ديربورن منزلهم الأصلي".
أما نضال
إبراهيم، رئيس تحرير مجلة "أراب أميركان بيزنس" التي تصدر في
كاليفورنيا، فيقول: "ديربورن العربية كما نعرفها اليوم لن تكون بعد 20
عاماً من الآن فالأجيال العربية الأميركية الجديدة ستنتشر عبر الولايات
مثل غيرها من أجيال الأعراق الأميركية الأخرى".
جنوب كاليفورنيا: أين العرب؟
ومن
برد مشيغان وثلوجها إلى كاليفورنيا الولاية الذهبية، حيث طقس البحر
الأبيض المتوسط، وحيث طبيعة الحياة أقل تسارعاً وتوتراً من الشرق
الأميركي.
وإذا كنت
تبحث عن الأميركيين العرب فولاية كاليفورنيا وخصوصاً جنوبها بالتحديد
يجب أن تكون مقصدك. فهي موطن 715 ألف عربي، حسب أرقام مؤسسة "زغبي
إنترناشيونال" التي تعتمد جزئياً على أرقام دائرة الإحصاء الأميركي
لعام 2000.
جنوب
كاليفورنيا كان محطتي الثانية. هبطتُ في مطار مدينة لونغ بيتش التي
تبعد قرابة 80 كيلومتراً عن قلب مدينة لوس أنجلوس. ولست غريباً عن لوس
أنجلوس التي قضيت فيها سنوات دراستي الجامعية الأولى قريبا من شواطئ
سانتا مونيكا وماليبو.
وكان أول
سؤال واجهني إلى أين أتوجه؟
خصوصية
الغرب الأميركي ليست فقط في طبيعة الحياة، إنما أيضاً في طبيعته
الجغرافية. فالغرب شاسع مترامي المسافات. وإذا كانت طبيعة المدن
الأميركية في الشرق والوسط الأميركي هي البناء العمودي وتقارب المدن
والكثافة السكانية العالية في مدن مثل نيويورك ونيوجيرزي وديترويت
وشيكاغو، فإن مدن الغرب وعلى رأسها مدينة لوس أنجلوس مترامية الأطراف
وذات بناء أفقي وتعتمد على الطرق السريعة، وتجمع عدداً من المدن مثل
غلينديل وريفرسايد واناهايم وهوليوود وسانتا مونيكا.
ولهذا لن تجد في كاليفورنيا شمالها أو جنوبها مدينة مثل ديربورن.
الأميركيون
العرب متوزعون على هذه المدن ومنتشرون داخل أحياء هذه المدن أيضاً. وما
عدا شارع في منطقة أناهايم يحمل بعض اليافطات العربية أو جادّة في
غلينديل يجمع بعض المحلات العربية، لن تجد الكثير من الدلالات الإثنية
التقليدية البارزة للأميركيين العرب.
وتعتبر
ولاية كاليفورنيا الوجهة الثانية وفي بعض الأحيان الثالثة للمهاجرين
العرب بعد مشيغان ونيويورك. ويشكّل أبناء الجيل الثاني والثالث من
الأميركيين العرب كثافة سكانية أكبر مقارنة مع غيرها من الولايات، على
حسب قول نضال إبراهيم، الذي بدأ إصدار مجلة "أراب أميركان بيزنس" منذ
بضع سنوات.
ونشأ
إبراهيم، الذي يتحدر من أصول فلسطينية، في منطقة لوس أنجلوس ودرس
الإعلام والصحافة وعمل محرراً في إحدى الجرائد المحلية هناك.
ويشير إبراهيم إلى عدد أبناء الجيل الثاني والثالث من أبناء عرب مدينة
ديربورن الذين هاجروا إلى جنوب كاليفورنيا للدراسة والعمل كمثال على
تنوّع الجالية الأميركية العربية في الولاية.
وينتشر
الأميركيون العرب في كل المجالات في الولاية، فهناك عضو الكونغرس
الأميركي داريل عيسى، عضو لجنة التجارة والطاقة.
ولد في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو حيث استقر جده عند وصوله إلى
أميركا. وأسس عيسى شركات إلكترونيات في جنوب كاليفورنيا عقب انتهاء
خدمته في الجيش الأميركي الذي تقاعد منه برتبة نقيب.
ويعتبر عيسى
المحرّك الرئيسي وراء نجاح أرنولد شوارتزنيغر حاكم كاليفورنيا الحالي،
والمهاجر من النمسا.
كما يزداد
عدد الأميركيين العرب في هوليوود عاصمة الأفلام والفن في العالم، فهناك
مصطفى العقاد المخرج السينمائي المعروف وعمر نعيم المخرج الأردني
الصاعد في هوليوود والمغنية بولا عبدول عضوة فريق التحكيم في البرنامج
العالمي الشهير "أميركان أيدول" الذي تعرف نسخته العربية بـ"سوبر
ستار".
وكاليفورنيا
شمالها وجنوبها موطن الكثير من رجال الأعمال والعلماء والمهندسين في
مختلف المجالات من الأميركيين المتحدّرين من أصول عربية.
وحسب تقرير
المعهد الأميركي العربي AAI فإن الأميركيين العرب في كاليفورنيا
يتوزعون على 56 مقاطعة من مجموع 58 في الولاية.
ويتركز الثقل الأكبر لهم في منطقتي لوس أنجلوس وسان دييغو في الجنوب
والمقاطعات السبع المحيطة بمنطقة سان فرانسيسكو في الشمال.
وبما أن
كاليفورنيا هي معقل الأميركيين من أصول لاتينية، فهم يعتبرون الأقلية
الأكبر في الولاية فلا بد لنا أن نطرح السؤال حول طبيعة العلاقة بين
الأقلية العربية في الولاية مع أقوى أقلية فيها.
يقول
إبراهيم: "ليس هناك توتر يذكر بين الأقليات، على العكس هناك صلات
وعلاقات يقوم الأميركيون العرب ببنائها وتطويرها مع الأقليات اللاتينية
والآسيوية، وتحركات لبناء تحالفات لخدمة المصالح المشتركة".
من
المحلات إلى التخصّصات
تتنوع خلفيات
الأميركيين العرب الثقافية والمهنية. فمنهم من هاجر أجداده منذ أكثر من
100 عام ومنهم ومن هاجر حديثاً ومنهم من استقر بعد الانتهاء من دراسته
الجامعية أو الدراسات العليا ومنهم من استقر كلاجئ سياسي.
هذا التنوع
انعكس على نوعية المهن التي يزاولها الأميركيون العرب، فمن محلات
البقالة الصغيرة إلى الأعمال التجارية الحرفية المختلفة إلى المهن
المعروفة مثل المحاماة والهندسة والطب والمحاسبة إلى التدريس المدرسي
أو الجامعي.
وحسب كتيب
أصدرته صحيفة "ديترويت فري برس" بعنوان "100 سؤال وجواب عن الأميركيين
العرب"، فإن الأميركيين العرب يعملون في مختلف الوظائف والمهن، وأن
معظمهم يملكون أعمالهم الخاصة ويركزون على التجارة. وتعمل نسبة 60%
منهم في مجالات الإدارة التنفيذية والمهن المتخصصة وكوادر في مجالات
المبيعات والتسويق.
والسؤال هنا
هو هل تتجه الأجيال الجديدة من الأميركيين العرب إلى السير على خطى
آبائهم أو أنهم يختارون تخصصاتهم بناء على ميولهم واحتياجات السوق.
يقول مهنّد
حيمور رئيس تحرير جريدة "المنتدى والوسيط" التي تصدر في مدينة ديربورن
باللغتين العربية والإنكليزية: "الجالية العربية في ديربورن هي جالية
عربية بطبيعتها والمحلات والشركات التجارية تنتقل من الآباء إلى
الأبناء حتى وإن تخصص الأبناء في مجالات أخرى مثل الهندسة أو المحاماة
أو غيرها إلا أنهم يخصصون جزءاً من أوقاتهم لمساعدة آباءهم في أعمالهم
التجارية".
أما نضال
إبراهيم فيعتقد أن السوق والعرض والطلب والميول هي التي تحدد خيارات
الشباب.
أنس حمّود
(19 عاما) الطالب في السنة الثانية من المرحلة الجامعية يشير إلى أنه
لم يحدد التخصص الذي سيختاره بعد. ويقول: "فكّرت في مجال الصحافة
والمحاماة وتكنولوجيا الطيران. أبحث عن وظيفة توفّر لي وقتاً كافياً
خارج إطار العمل، الأمر الذي سيساعدني على القيام بأعمال أخرى أحب
القيام بها، بالطبع المردود المالي للمهنة مهم بالنسبة لي".
أما زميله معاذ الطيب (19 عاما) فقد حسم أمره. يقول: "أتجه إلى دراسة
الاقتصاد والتجارة وسوق الأسهم. هدفي هو إنشاء شركة أسهم كبرى لتمويل
المشاريع التجارية، وقضاء جزء من وقتي ومالي في مساعدة الآخرين والقيام
بأعمال خيرية مثل بيل غيتس ومؤسس شركة (إي باي)".
اختيار سهيلة أمين التي تعمل مدرسة في ديربورن لتخصصها مر بعدة مراحل.
تقول أمين:
"قررتُ فور إنهائي الثانوية التخصص في مجال التجارة العالمية والعلاقات
الدولية، كان حلمي أن أعمل بعد تخرجي في لبنان أو الإمارات. أحببت مجال
التجارة الدولية وأردتُ أن أخدم عالمي العربي بتخصصي وخبرتي. إلا أنني
اتجهت لمجال التعليم وللبقاء في ديربورن بعدما أدركت حاجة الأجيال
الأميركية العربية الجديدة لمدرسين يساعدونهم على فهم ثقافتهم العربية
وثقافتهم الأميركية في الوقت ذاته. والدتي كان لها دور كبير في توجيهي
إلى تلك الوجهة لما لها من خبرة في مجال العمل الاجتماعي. لقد أدركت أن
الحاجة إلى بقائي هنا أكبر وأهم من عملي في العالم العربي".
ويشير كتيب
صحيفة "ديترويت فري برس" إلى أن معدّل متوسط الدخل السنوي للأميركيين
العرب على المستوى القومي الأميركي أعلى من معدّل المتوسط العام لكل
الأميركيين. إلا أن الأمر يختلف على الصعيد المحلي من مدينة إلى أخرى.
فيعتبر متوسط معدّل دخل الأميركيين العرب في مدينتي ديترويت وأناهايم
أقل من المعدّل العام.
ويتناسب
مستوى الدخل مع مستوى التعليم طردياً، وفي هذا المجال نجد أن
الأميركيين العرب يعتبرون في المتوسط أفضل تعليما من غيرهم. فمعدّل
العرب الذين يلتحقون بالجامعات أعلى من المعدّل القومي الأميركي العام.
ومقارنة مع السائد، فإن عدد الأميركيين الذين يحصلون على شهادات جامعية
عليا هو ضعف المعدّل القومي العام.
ويقتحم
الشباب الأميركي العربي اليوم كل المجالات في المجتمع، ويمكنك الاطلاع
على الكثير من الشخصيات الأميركية العربية على موقع المعهد الأميركي
العربي www.aaiusa.org/famous_arab_americans.htm.
سؤال
الهوية واللغة
مثلهم مثل كل
الأقليات العرقية الأخرى، يواجه الأميركيون العرب تحديات اللغة والهوية
والانصهار. وبقدر ما تسعى كل الأقليات إلى الاندماج في المجتمع إلا
أنها تسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على تراثها وتفردها. والتوصّل إلى
التوازن بين كل هذه العوامل يشكّل تحدياً في حد ذاته.
وتختلف درجة
تفاعل هذه العوامل بين المهاجر الذي وصل حديثاً والشاب أو الشابة من
أبناء الجيل الثالث أو الرابع.
ويمكن
التعرّف على طبيعة هذا التفاعل من خلال متابعة الجهود التي يبذلها
المهاجرون لتعليم أبنائهم وبناتهم اللغة العربية.
تتذكر سهيلة
أمين دروس اللغة العربية التي يجب أن يحضرها الأطفال العرب أسبوعيا.
تقول أمين:
"كانت دروس تعلّم اللغة العربية بالنسبة لنا أمراً لا مفر منه".
وفي الوقت الذي يتمسك المهاجرون بكل ما يربطهم بالوطن الأم، نجد ارتباط
الأجيال الجديدة بموطنهم الأميركي هو الأصل، في الوقت الذين يتفاعلون
إلى حد ما مع أوطان آبائهم وأمهاتهم. ويؤدي هذا التباين في الارتباط
بالوطن الأم والوطن الجديد في جعل ما يسمى بـ"فجوة الأجيال" تتخذ عدة
أبعاد بين الأميركيين العرب مثلهم مثل غيرهم من الأقليات الأميركية
حديثة العهد نسبياً.
وتظهر فجوة
الأجيال واضحة في طبيعة الاهتمامات التي يركّز عليها جيل المهاجرين
وتلك التي تشغل بال جيل الشباب. ففي حين تعتبر قضايا العالم العربي
السياسية هي محور اهتمام المهاجرين العرب الجدد، نجد أن اهتمامات أبناء
الجيل الثاني والثالث تتطابق مع اهتمامات نظرائهم الأميركيين الآخرين.
وتعتبر
قضايا النجاح المهني وشؤون السياسة المحلية وهموم البيئة والأدب والفن
والموسيقى مما يشغل البال. وهذا بالطبع لا يعني عدم اهتمامهم بشؤون
السياسة الخارجية في العالم عموماً والعالم العربي خصوصاً. ولكن هذا
الاهتمام وإن تشابه مع اهتمامات المهاجرون الجدد إلا إنهم ينظرون إلى
نفس القضايا من زوايا مختلفة.
من هم
الشباب الأميركي العربي؟
يحاول نضال إبراهيم
الإجابة على السؤال فيقول: "هناك شباب أميركي من أصول عربية يعرّفون
أنفسهم بأنهم أميركيون فقط ولا يفضّلون التمسك بالأصل العرقي، ومن
أمثال هؤلاء الإخوان معلوف الذين يملكون فريق سكرامنتو كينغز لكرة
السلة، وهناك من يعرّفون أنفسهم بأنهم أميركيون عرب، وآخرون بأنهم عرب
أميركيون، وتتصرف كل طائفة منهم في حياتها على أساس التعريف التي عرّفت
به نفسها".
ويضيف
إبراهيم بأن الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 أيلول/سبتمبر سرّعت في
قرار البعض الذين كانوا يقفون على مفترق الطرق. فالشعور الوطني من جهة
والشعور بالانتماء العرقي من جهة أخرى تعرضا لامتحان صعب أمام الهجوم
على تراب الوطن من جهة، وردّة الفعل التي تعرّض لها الأميركيون العرب
والمسلمون في الأيام الأولى من الحدث من جهة أخرى. ويقول إبراهيم إنه
نفسه قد حسم الأمر بتعريفه لنفسه على أنه أميركي عربي لا غير.
وتعطي جنيفر
باوم وهي شابة الأميركية غير عربية ترأس تحرير القسم الإنكليزي في
جريدة "المنتدى والوسيط" في ديربورن تقييماً آخر للشباب الأميركي
العربي فتقول: "الشباب الأميركي العربي في ديربورن متنوع في اهتماماته
واختياراته، وهم في أغلب الأحيان تربطهم صلة قوية بعائلاتهم مقارنة مع
أصدقائي غير العرب".
أما مهنّد
حيمور فيصفهم بقوله: "الشباب الأميركي العربي على اتصال وثيق وارتباط
قوي بجذوره، ومتفهم وواع بنفسه وبالبيئة من حوله".
ويضيف حيمور قائلاً: "إنهم أفضل من آبائهم وأجدادهم في قدرتهم على
التواصل مع مجتمعهم الأميركي، وأنهم يعيشون حياتهم كأميركيين وليس
كوافدين، كما أن نسبة التعليم فيما بينهم أعلى من المتوسط في المجتمع
الأميركي".