فرشـــــاة ُ حامد ..
أنامــــــلُ حامد !
عبد
الجبــــار السعودي
لو قــُــدّر لكل
الفنون أن تحيـــــا وتعيش وتنتعش في قلوب الناس .. في موسيقاها
والأنغام التي تخاطب الروح المتعبة وأنينهـــا ، وفي فرح الألوان
ومعانيها وهي تغازل النظرات والعقول ، وفي رقصٍ الأجساد في لهو ٍ ومرح
ٍ وهي تنادي العشاق والمحرومين معاً !
لو قـُـدّر لصور
الموهوبين وحركاتهم وإيماءاتهم فوق خشبات المسارح وهي تداعبُ أسماع
المتعطشين لحلو الكلام .. أن تعلو ، دون خوف ٍ أو رعبٍ من عيون الرقيب
!
لو قدّر للأيادي
الماهرة أن تتحدى الصخرَ والفولاذ وتصنع أجساداً حية ً كما خطها ( جواد
سليم ) وصحبه الخالدين !
لو قــُد ّر لـ (
سعيد أفندي )* أن يحيا من جديد و يعتلي منصة الفائزين في مهرجان ( كان
) السينمائي ويقلب رأس السمكة ِ طازجاً ، لا عفنــــاً في رائحته !
لو قــُد ّر لكل
هذا وذاك في دولة تحترم الإنسان وبني البشر نساءً و رجالاً وتنهض
بالعقول والموهبة وحركة الأجساد والفرشاة والألوان والموسيقى ومعانيها
ولا تهين كرامة كل مبدع عطش ٍ وتشبعه المذلة والهوان ، لكان ليومنا هذا
الذي نعيشهُ طعمـــاً ولونـــــاً ونكهة لا تضاهيها كل مذاقات الدنيا
وجنائنها .. وتسمو بها أرواح الصغار والكبــــار معاً صبية وفتيانــاً
، ولكان لفرشاة ( حامد ) حكاية ً أخرى ، غير تلك التي بها إنتهت !
كما هو وغيره من
رياحين الوطن ونبعه ِ ، سيــق َ إبن الجنوب البار والبصرة الفيحاء
والوطن المبتلى عنوة الى حيث الموت الزؤام و جيف الضحايا القتلى ومهانة
الأحياء وقسوة عيشهم وحيث المآتم و دموع الباكيات الناحبات !
ســـيق َ حامد الى
مجهول ٍ حيث لا يدري ، ولا نحن معه ندري ! وكيف سيؤول قادم الأيام ،
وحيث كل هذه الدماء التي تسيل ! وعيون التراب والطين المسحوق من زمن
بابل وما سبقه من أيام سومر وأحاديثها والأساطير الخالدة وما خطه
الأجداد المنسيون وكتاباتهم المسمارية .. و روح العصر الجديد الذي
سحقته ولا تزال بقسوة عُقب العسكر الحديدية وأوامرهم وأحلامهم وغطرستهم
الجنونيــــة التي لا حدّ لها !
وكما نهضتْ أولى
تلك الأحرف التي أصبحت تأريخاً وحضارة تتباهى بها الإنسانية ليومنا هذا
وتتحدث عن وطن الرافدين الذي خط ّ الكتابة و رموزها ، نهضت فرشة حامد
من قعر الماء الساكن بالألوان ، لتداعب سطوح الأقمشة البيضاء المؤطرة
بالخشب و لترسم خطوطـــــاً وألوانــــا مشوهة .. نزفت منها روح
الساكنين في الوطن الجريح .. ونزفت منها و بها روح حامد المرتعبة
والخائفة !
لكَ أن تأتي أيها
الجندي ( المرقم ........ ) الى دهاليز القصور المرمرية .. وحيث (
الزاهي بعصره ) و ( المؤمن بالله ونصره ) يقف أمامك ضاحكاً ..
منتشيــــاً بأوسمة النصر على شعبه المدحور منذ شباط الأسود ..
وليومنا هذا !
وقفت َ يا حامـــد
، وأنت الحالم والضاحك والمغدور من قسوة الطاغي وقانون حياته وحلمه
الجنوني و سفاهته و صفاقته ، لكي تخط أناملك السمراويتان ونظرات عيونك
و ريشتك المرتعبة .. صوراً مشوهة لا ملامح لها ولا طعماً ولا شغفـاً في
قلوب المحرومين والمنكوبين بنار الحروب التي أنت وغيرك وقودها المشتعلة
! وما أن أنتهى المشهد الأول و تلاه المشهد الثاني ، وما توالى من
مشاهد محزنة و باكية إمتلأت بها قصور الطاغية وساحاته وإمتدت صورها
الدامية والمرعبة من أقصى الشمال وحتى جنوب الفاو و حيث أشجار
الحنـــّاء ، حتى كنت وسط الشارع المليئ أنينــــاً وعذابات ودموع ،
لكي تبكي معهم على نزيف و نواح الوطن المنكوب والحزين والمثخن بالجراح
.. ينظر اليك الطغـــاة بعيون الرقيب والحسيب والمتوعد بالشر ، بدلاً
من أن تكون فرشاتك وعبقرية ما أنتجه خيالك الخصب وثراء عائلتك الفني
محط تقدير و رعاية ، ليس لك وحسب ، بل للوطن الذي أنجبك وعشت فيه !
وكما يبست ثمار
النخيل وجفت عروقها وأحرقت جذوعها بنيران القذائف والشظايا ، وكما هربت
الطيور المهاجرة من أهوار وبطائح العراق التي إنتقم منها الطغاة بحثاً
عن بقعة ما تحط فيها ، وكما سكتت أنامل العازفين وشح ّ النطق بعذب
الكلام وحلاوته وطربه ، جفت فرشاة رسمك و روحك المعطاء يا حامد و رحت
تبحث وتلهث سريعاً في فوضى الجوع الذي يلف الوطن وأحلام أبناءه
المشروعة في الرفاهية والعيش الكريم والرغيد . ولأن حلمك وأحلام من
حولك هي دوماً ضحايا ما أنتجته الحروب الرعناء وعلاقات السوق وطمع
الكبار وجشعهم من أجل حفنة دولارات ، فقد خذلتك الأيام وضاقت بك سبل
العيش ولقمته الكريمة وأنت في مقتبل عمرك وحياتك اللاهثة نحو بيت سعيد
! وسقطتَ .. وكان يوم الرحيل عنا قاسياً ، مؤلمــــاً ، كعذاباتنا
التي بها نعيش و نودّع من حين لآخر حبيب هنا ومبدع هناك ! رحلت عنا
وتركت لنا ذكريات عن صحبة وضحكة كنــــا نقرأها في عيونك الوادعة ! وإن
ْ بكينـــــاك حينــــاً و صمتنــــا مرغمين ، فإننـــــا لن ننسى
أحلامك التي لو قــُدّر لها أن تنمو وتنضج وتتحقق في وطن معافى ، لكانت
فرشاتك وأناملك ستحكي لنا عن عصر جديد تضاهي به عبقرية دافنشي و
أنجلـــو و رامبرانت و فان خوخ و رافاييــــل و آبـــــل وفرانشيسكو دي
جويــــا وغيرهم من مبدعي فنون الرسم وخطوطه وألوانه والذين يحفظ
التأريخ لهم إبداعاتهم و كنوز ما تركوه لنــــا وللبشرية قاطبة ،
ولكانت ساحات الوطن الغنـــّاء تشهد لك كل هذا العشق للألـــــوان و
زهوهـــــا ومعانيها !
نحن لا نبكي غيابك
عنا وحسب ، بل عذاباتك ومعها عذابات الوطن ! وأقسى ما في رحيلك يا
صاحبي .. أن تجف الفرشاة والأنامل المبدعة الى الأبد !
----------------
* حامد جميل عزيز
الفنان العراقي المندائي الذي غيبه الموت في 8 إكتوبر الجاري 2005 في
أرض الوطن بعد معاناة من مرض عضال وشظف العيش عن عمر يناهز ( 41 )
الواحدة والأربعين عاماً .
* سعيد أفندي إشارة
للفيلم العراقي الذي يحمل نفس الأسم والذي أنتج وعرض عام 1957 وقام
ببطولته الفنان يوسف العاني وفنانة الشعب الراحلة ( زينب ) .
بصرة – أهـــــوار في
إكتوبر 2005
basrahahwar@hotmail.com