ردا على مقالة الدكتور عدنان الظاهر
الصابئة المندائيون وحقيقة العلاقة بين يوحنا المعمدان
وعيسى بن مريم
نــزار ياســــر صكــر الحيــدر
لقد جاء البحث من شقين :
الاول: حقيقة العلاقه بين
يوحنا المعمدان وعيسى بن مريم
الثاني: الصابئة والقراّن
لقد جاء بحثه بمجموعة من
التساؤلات عن حقيقة هذه الشخصيتين التي جاء
ذكرهما في
الاناجيل الاربعة وقصة
قتل يوحنا المعمدان وتعميد يوحنا للسيد المسيح
واعتقاد
هيرودس بأن السيد المسيح
هو نفسه يوحنا المعمدان الذي أمر بقطع رأسه
ارضاءا
لابنة هيروديا وقد قام
مرة اخرى في شخصية السيد المسيح . وهل هو نفسه
ايليا كما
قال البعض وتسأئل ايظا عن
حقيقة تبشير يوحنا المعمدان بقدوم السيد المسيح
.
ثم دخل مدخلا اخر وهو قصة
مولد (يحيى بن زكريا) في القراّن الكريم
والمعجزة التي ولد بها ثم عرض
قصة مريم بنت عمران وولادة السيد المسيح وكفالة زكريا
لها .
والمكانه العظيمة التي وضعهما بها القراّن الكريم ثم اجرى مقارنه بين
ماذكر عن يحيى وعيسى في
القراّن الكريم وأوجه التشابه فيما بينهما وعاد وتسائل
مرة اخرى عن السر في هذا
التطابق وربط ذلك مع زعم هيرودس بأن عيسى صاحب
التعميد والخوارق ماهو الا يوحنا المعمدان الذي
قطع راسه ثم قام حيا من عالم الموتى ؟!!
.
وللاجابة عن الشق الاول
في هذا البحث نود ان نورد بعض النصوص•
المندائية المقدسة من كتابي كنزا ربا
(الكنز العظيم) الكتاب المقدس
للصابئة المندائيين وكتاب
دراشة اد يهيا (مواعظ وتعاليم يحيى بن زكريا) وهو كتاب مقدس ثاني
للصابئة المندائيين .
النص رقم 1:
النص الخامس عشر من كتاب
دراشة اد يهيا (الرؤيا) الصفحة 47 (مقاطع منتخبة
)
باسم الحي العظيم
في سماء الخلد ذكر اسم
مولود..انجلى سر في اورشليم.. احلام راودت الكهنة
..
ضجيج وأصداء مخاض تعلن عن
ولادة طفل في اورشليم , خلال الايام القليلة
القادمة ..............
لقد كانت رؤيا عندما اضطجعت ولم اكن قد
غفوت بعد ولم اك نائما
.. اتى كوكب وأقام عند انشبي
(1)..اتقدت نار عند باب ابا صابا زكريا
(2)..ظهرت
ثلاثة اسرجة من نار عند المعبد .. ملأ الدخان بيت
المقدس .. على ضجيج .. اضطربت
حركة المركبات.. مادت الارض .. انشطر نيزك في سماء
اليهود .. واخر فوق اورشليم.. اشرقت الشمس في
الليل .. والقمر أضاء في النهار , ولما سمع
الكهنة ذلك حثوا التراب فوق رؤسهم .......... (
ثم طلبوا ان تفسر هذه الرؤيا فبعثوا
الى كهنتهم الذين يفسرون الاحلام والرؤى فكان الكاهن
اليهودي ليولخ ).. لما
سمع ليولخ ذلك , قفز من
فراشه وهو حاسر الرأس وجاء مسرعا بكتاب تفسير الاحلام
فتحه وقرأ فعرف التفسير وكتمه
في قلبه لم يجهر به في بادئ الامر .. كتب لهم
رساله اوضح فيها ما ورد في الصحيفة.. الويل لكم
جميعا ايها الكهنة ,اذا ما ولدت انشبي
مولودا في اورشليم ويل لك يامعلم الصغار ويل للتوراة
اذا ماولد يحيى في اورشليم...................
(وبعد
ان وصلت الرسالة الى كهنة اورشليم وصارت بيد الكاهن اليزار قرأها
ووضعها بيد ابا صابا زكريا)
ابتعد عن اليهود فلا تؤجج نزاعا في اورشليم . رفع
الاب الشيخ زكريا يده وصفع
اليزار قائلا له : يا اليزار ايها الكاهن الكبير
يارئيس الكهنة .. انت نفسك
تعلم انك لم تقرأ ذلك في التوراة .. هل جئنا يوما الى
المعبد وما صلينا فيه وما سلمنا على النبي موسى ؟
تقولون ابتعد عن اليهود اقول
لكم .. هل هناك من اصيب بالعمى ثم ابصر وكان كسيحا ثم
قام حتى تلد انشبي مولودا
؟ هل الاخرس يستطيع ان يكون معلما كي تلد انشبي مولودا
؟ منذ اثنين وعشرين سنة
لم اقترب من زوجتي , فأي مصير ينتظرها وينتظركم . اذا ولدت انشبي ؟ وقف
جميع الكهنة عندما كان الاب
الشيخ زكريا يتكلم وبعد ان انهى كلامه ردوا عليه .. أهدأ
يا ابا صابا زكريا . اجلس رحمة الطيبين تغمرك وتستقر
عليك . ايها الاب الشيخ
زكريا اذا لم تكن هذه الاحلام قد راودت اليهود واذا لم تكن هذه الرؤيا
قد حدثت في اورشليم وان
ما قاله موسى هو محض كذب فأقوالك فقط هي التي تحرسك .. ولكن
الاحلام التي رأيناها تقول .. ان يحيى يجيء ويصبغ في
يردنا.. وسيكون نبي في اورشليم ..............
(
وبعد ان هدأوا من
روعه وذكروه بأن نسبه يمتد الى ابراهيم الخليل وجميع
الانبياء من سلالته في
اورشليم قالو) : اذن يولد لك نبي ويرى الاسرة التي
ينتسب
اليها .. ان يهانا سيأتي
الى الوجود وينادى به نبيا في اورشليم وسيكون لنا
الشرف ان نصطبغ بصباغته
ونرتسم برسمه الطاهر ونتناول منه الخبز المبارك
والماء المبارك ونرتقي معه الى
حيث النور .......والحي المزكي نص رقم 2:
النص التاسع والعشرون من
كتاب دراشة اد يهيا (الولادة المعجزة)الصفحة 89
(مقاطع
منتخبة)
باسم الحي العظيم
ابي اصبح ابن التاسعة
والتسعين وامي بنت الثامنة والثمانين..من حوض يردنا
احضروني.. رفعوني.. والقوا بي في رحم انشبي. مكثت تسعة
شهور في الرحم مثلما
تمكث الاجنة ولم تكن هناك قابلة ماهرة من اليهود لتسعفني عند الولادة
, كما لم
تكن هناك من هي قادرة على قطع الحبل السري لتفصلني عن
الرحم في اورشليم.. لقد
ولدتني انشبي في اورشليم .. قرية الكهنة التي يقيم
فيها اليزار.. الكاهن الكبير الذي شيدها
وأحاطها باليهود.. الذين قدموا الى الاب الشيخ زكريا قائلين
:
نعم
ايها الاب الشيخ زكريا يجب ان يكون لديك ابن فماذا
تسميه ؟ اذا سميته ياقف فسوف
يتعلم الحكمة في اورشليم .. واذا سميته زاتان هيكل
اليهود حيث الصدق والحق في
داخله .. فلن يكون كاذبا .. وحين سمعت انشبي ذلك صرخت
قائلة : من هؤلاء ؟ وماهذه الاسماء التي ذكروها
؟ انا لم اطلب من احد ان يطلق عليه اسما اطلب
من الذي منحه الحياة ان يسموه (يهيا يهانا) .
غضب اليهود لما سمعوا ذلك ..امتلئت قلوبهم حقدا .
(ثم
يتكلم النص عن تربية ونشوء يهيا يهانا حتى اصبح عمره اثنان وعشرين
عاما بعد
ان تكفل الملاك انش اثرا
تربيته ) سمع الملاك انش اثرا ذلك .. فأصطحبني
وصعد بي
حتى وصل ذرى جبل براون
الابيض .. حيث يربى الاطفال هناك وعلى الماء
المبارك
يعيشون .. ولما بلغت
اثنين وعشرين عاما اتقنت كل الاحاديث وتعلمت الحكمة..
رداء
النور البسوني والسحب
كسوني .. هميانة الماء المضيء منحوني .. بسحابة انن
زيوا
اخذوني.. وخلال سبع ساعات
اوصلوني وفي يوم احد اصعدوني الى قرية اورشليم
..
ناديت فأقترب ندائي من
اليهود .. ودنا العالم من اورشليم .. اسرعت لباشي
واخبرت انشبي قائلة : جاء نبي
الى اورشليم وحيدا يعيش ومنقذا.. فمه يشبه فمك
وشفتاه تشبهان شفتي ابا صابا زكريا .. انفه
يشبه انفك ويداه تشبهان يدي ابا صابا زكريا
.. خرجت انشبي مسرعة حاسرة الرأس
واذ رأها زكريا طلب ان يتركوها .. رأى
الملاك انش اثرا كيف اقبل يهيا
يهانا ملهوفا معانقا انشبي .. ومقبلا اياها قبلة
وحيدة بالفم .. قال ليهيا في
اورشليم : هل كتب في كتابك وأوضح في سجلك ان تقبل
احدكم الاخر في الفم ؟ اجاب
يهيا : مكثت في رحمها تسعة شهور مثلما يمكث الجميع
ولم اثقل عليها والان هل
تعذرعلي قبلة واحدة من فمها ؟ طوبى , ثم طوبى للمرء
الذي يبر بوالديه , ويكافئهما
. فليس له شبيه في الدنيا . واذ قال يحيى ذلك ادرك انش اثرا ان يحيى
حكيم ....والحي المزكي .
النص رقم 3:
النص الثامن والعشرون من
كتاب دراشة اد يهيا ( زواج النبي يحيى) الصفحة 84
(مقاطع منتخبة)
باسم الحي العظيم
تزوج يحيى أمرأة تقية من قريته فولدت في الحمل الاول
هندام و شارات .. وفي الحمل الثاني ولدت بهرام
و رهيمات هيي .. اما في الحمل الثالث والاخير
فقد ولدت انصاب و سام و انهرزيوا و شار . قال يحيى لزوجته انهر : انت
علمي بناتك عدم الخنوع وانا اعلم ابنائي
وأوصيهم ان لا يكونوا منغلقين ...والحي المزكي.
النص رقم 4:
النص السابع والعشرون من
كتاب دراشة اد يهيا ( تعميد السيد المسيح)
الصفحة80
(مقاطع
منتخبة)
باسم الحي العظيم
يايحيى اصبغني بصباغتك
وانطق الاسم الذي تذكره علي وسأذكر صنيعك هذا في
وثيقة ..
وان لم اتتلمذ الغ اسمي من سجلك . قال له يحيى : كيف اصبغك وقد هزأت
بكهنة اليهود واخزيتهم وقد
قطعت النسل والحمل وانت صحيفة في سجل موسى نشرت في
اورشليم ؟ قال عيسى : لم اهزأ
بالرجال الكهنة .. والا سأموت مرتين.......(وبعد ان
اجاب على اسئلة يحيى وبين
اجابته اراد ان يختبر فيها حكمته ونجح في ذلك طلب
منه): يا يحيى اصبغني بصباغتك
.. وانطق الاسم الذي تذكره علي فسوف اذكر هذا لك في
وثيقة فأنت مسؤول عن خطاياك
وانا مسؤول عن خطاياي . واذ قال عيسى ذلك .. هبطت
رسالة من بيت اواثر(3) تقول:
يايحيى اصبغ المسيح .. اصبغه في يردنا(4) واصعد ضفة
النهر حيث الروح تمثلت في حمامة رسمت صليب فوق يردنا
ولونت الماء بألوان متعددة
وقالت ليردنا : انت قدستني وقدست ابنائي .. فالماء
الجاري الذي اصطبغ به المسيح
اصبح له ماء مقدسا والخبز المبارك الذي تناوله اصبح
روحا للقدس والماء الذي شرب منه اضحى قربانا.. والحي المزكي
.
النص رقم 5:
الكتاب السادس / التسبيح
الثالث من كتاب كنزا ربا (صعود يحيى الى عالم
النور)
الصفحة 137 (مقاطع منتخبة) باسم
الحي العظيم يايحيى تقول
باركني بيدك .. ان انا وضعتها عليك يايهانا فستخرج من جسدك .. قال
يهانا لمنداد هيي(5) :
لقد رأيتك انت بالذات
فأية رغبة لي بعدها في الحياة ؟ رأيتك وتبعتك
.. وكلمتك
وسمعتك.. وها أنا اطلب منك يد كشطا(6) .. فلا تحرمني
منك ومن البلد الذي منه
اتيت .. خذني الى البلد العظيم الذي انت ذاهب اليه .. وليرافقني حنانك
ونورك وأتقانك .. ساعدني على
ان اعرف اسرار الملائكة وثمر النور العظيم .. وسنادين
الارض واثمارها .. والمياه الجاريه وما يدفع تيارها ..
والحرارة الحية وانتشارها .. والحياة واسرارها
.. ممن هي اقدم وممن هي أعظم . سمع مندادهيي
ماقاله يحيى فوضع يده عليه .. وقف يحيى وخلع في يردنا
ثيابه .. ثياب اللحم والدماء .. وارتدى بدلة
الضياء .. واعتم بعمامة النور .. ليصعد مع مندادهيي الى بلد النور
........... (وبعد ان تحولت نفس
(نشمثا)(7) يحيى الى ملاك يرافق مندادهيي وهو يصعد الى
اعالي السماء حيث قامت الملائكة من عروشها عندما مر في
المطهرات وباركت ومجدت
وتوسلت منهم الشفاعه والغفران من الحي العظيم وكيف كانت تطلب الملائكة
من يحيى ان يتشفع لها لنيل الغفران حيث كان
يقول مندادهيي):
يا يحيى انظر كيف مكناك
وبالملائكة ساويناك ونظير الاثريين(8) المعظمين
جعلناك
.........(ثم يقول النص الى اخره) اقام
يحيى في البلد المنير .. بلد
الايمان
الكبير.. سائل العظيم
القدير .. ان يأذن لجميع العادلين والمؤمنين الذين
وسموا بوسمه وذكر عليهم ممجدا
اسمه .. وصبغ بالصبغة النقية .. من أمن وأتقى .. ان
يرتقي في نفس المسقثا(9) التي هو بها ارتقى
......والحي المزكي . ان
المطلع على هذه النصوص المندائية يستطيع ان يجد الاجابة الوافية
والشافية على جميع التساؤلات
التي طرحها الباحث وهنا اود ان اوضح مسألة مهمة ومشكلة
لايزال الصابئة المندائيون يعانون منها كان قد وضعهم
بها اسلافم وتكمن في عدم
تدوين تاريخهم مما افسح المجال للاخرين من التخبط
بالفرضيات والنظريات عن اصولهم وعبادتهم وكتبهم
وأنبيائهم وحتى حياتهم وعاداتهم الاجتماعية وهذا
جاء لسببين:
1.
ان الدين المندائي دين غنوصي موحد قديم
مغرق بالروحانيات وتمجيد الخالق
لايهتم بالماديات وفلسفته ترتكز على ان حياة الانسان
هي سفرة قصيرة جدا نسبه
الى عمر النفس هبة الخالق للانسان والتي دخلت الجسد الفاني جسد اللحم
والدم وهي
حبيسة هذا الجسد لحين
وفاة الانسان وخروج هذه النفس من جسده وعودتها الى مكانها الطبيعي قرب
الخالق ( مشوني كشطا) اي الجنه
بعد مرورها بالمطهرات
التي تطهرها من كل ماعلق بها لتعود صافية نقية كما
نزلت
في جسد الانسان ولهذا
يحرم الصابئة المندائيين البكاء على الميت لانه
يعتبر موت
الانسان ولادة ثانية
للنفس . لذلك فالانسان المندائي المؤمن يكرس جل عمره
بالتعبد والالتزام بوصايا
الخالق ونراه يتعمد بأستمرار ليتطهر من ذنوبه
لكي
يحافظ على نفسه سليمة
لتعود الى خالقها نقية . لذلك فهم بعيدون عن
الماديات
وحتى التفكير بتأسيس كيان
سياسي لهم فنراهم لا يهتمون بالامور الدنيوية
لانهم
يعتبرونها زائلة اضافة
الى ان المندائية قد تحولت الى ديانه غير تبشيرية
بعد
النبي يحيى اي في القرن
الاول الميلادي لاسباب كثيرة وانغلاقهم على انفسهم
واهم
هذه الاسباب ظهور ديانات
جديدة واضطهاد المؤسسة اليهودية لهم وتقتيلهم
وتشريدهم
من اورشليم في ذلك الوقت
مما دفعهم الى التقوقع للمحافظه على الحد الادنى
لديانتهم ولكي يتمكنوا من
الاحتفاظ بكتبهم وأجراء طقوسهم وحفظ تعاليمهم
الى
وقتنا الحالي وها نحن
ورثناها الى يومنا هذا كما كانوا يمارسونها قبل الفي
عام
.
2.
ان جميع من كتب عن الصابئة هم من خارج
الدين المندائي والظاهر وبسبب
هذا الانغلاق بدأ المجتهدون
يكتبون مايحلو لهم في تفسير عقائدهم وأصلهم
وطقوسهم عن طريق النقل والسمع لعدم رغبة
المندائيين انذاك بالافصاح عن عقيدتهم ربما
خوفا او لاسباب اخرى بدليل عزوف مفكريهم
وعلمائهم المشهورين من الذين عملوا في البلاط
العباسي من الكتابة او ان يؤرخوا اي شيء يذكر عن اهلهم ودينهم وهم
المؤرخون والكتبه الافذاذ والعلماء والفلاسفة مثل
ابواسحق الصابي الذي كان يؤرخ
للدولة والبلاط العباسي . وهذا يعني انهم كانوا غير
راغبين في الكتابة ليتجنبوا
الخوض في مساجلات ومجادلات هم في غنى عنها قد تؤذيهم
اكثر مماتفيدهم . ان خير
من يكتب عن الصابئة المندائيين هم الصابئة المندائيون وان جاء ذلك
بشكل
متأخر جدا الى حد قبل اربعة عقود فقط . ان صدور ترجمة كتاب( الصابئة
المندائيون) الذي قامت
بتأليفه الليدي دراور وترجمه الاستاذان المندائيان
نعيم بدوي وغضبان رومي كان
فاتحة خير بالنسبة للمندائيين بعد ان اضاف المترجمان
هوامش كثيرة اغنت الكتاب الذي كتبته المؤلفة بعد ان
عاشت عن قرب جدا ولمدة عقد
من الزمن قرب رجال دينهم فخرج كتابا مهما ورائدا
حقيقيا عنهم . تبعتهم الاستاذة المندائية ناجية
مراني التي كتبت كتاب (مفاهيم صابئية مندائية)
حيث
يعتبر هذا الكتاب من الكتب المهمة والصادقة عن الصابئة
المندائيين . وهنا يحق
لنا ان نتسائل لماذا هذا التحري والنبش العقيم في بطون الكتب
التاريخية عن اصل الصابئة المندائيين وكل مايتعلق بهم
؟ لماذا لاتؤخذ المعلومات الحقيقة الوافية
والشافية من الصابئة المندائيين مباشرة
؟ وهم يعيشون مع الجميع وقد ترجمت كتبهم المقدسة اخيرا
من اللغة الارامية المندائية الى اللغة العربية
وهناك الكثير من الباحثين المندائيين الذين
يملكون الاجوبة لكل الاسئلة وهم متعاونون مع
الجميع وليس هناك مايخفوه او يخشوه فهاهي
كتبهم باللغة العربية بمتناول الجميع وبأستطاعة الجميع
الاطلاع عليها . ولكي
نجيب على ماورد في مقالة الدكتور الباحث سنأخذ نفس التسلسل في الطرح
:
·
لايوجد اي سند تاريخي او ديني لقصة قتل النبي يحيى بن زكريا الذي ورد
في
التوراة وان الصابئة المندائيين لهم رواية اخرى تروي وفاة وصعود يحيى
الى
بلد
النور(انظر النص رقم 5)
.
·
ان وجود الشخصيتين يحيى بن زكريا وابن خالته عيسى بن مريم هي حقيقة
واقعة مثبتة في الكتب المقدسة
المندائية (انظر النصوص رقم 1 , 2 , 3 , 4 , 5 ) .
·
تؤيد النصوص المندائية تعميد يحيى بن زكريا (يهيا يهانا) للسيد المسيح
(عيسى
بن مريم) في نهر الاردن
بعد ان جاءه وطلب منه ان يعمده (يصبغه) (انظر النص
رقم
4) .
·
لا يوجد مايؤيد تبشير يحيى بن زكريا (يهيا يهانا) بقدوم السيد المسيح
.
·
تدل النصوص المندائية على ان يحيى بن زكريا (يهيا يهانا) قد ولد بمعجزة
وعاش حتى الثانية والعشرين من
عمره في كنف ورعاية الملاك (انش اثرا) حيث رباه
وعلمه الحكمة والموعظة و أهله لكي يعمد الناس
ليغفر خطاياهم واستمر اثنين واربعين
عاما وهو يعمد الناس وقد تزوج من احدى النساء التقيات
من بلدته وخلف منها اولادا وبنات وقد ترك
مجموعة كبيرة من الحكم والمواعظ والدراسات التي كان
يلقيها على تلاميذه حتى حان رحيله الى الخالق سبحانه
بعد ان كرمه بأن انزل عليه
شخصيا الملاك الاثري العظيم (مندادهيي) على هيئة طفل
وحرر نفسه واصعدها برفقته بعد ان تحول الى ملاك
طاهر بقدرة الحي العظيم صعد الى بارئه بمعجزة
تحوله الى ملاك ينظراليه جميع الملائكة والاثرين والصديقين يطلبون منه
ان يذكرهم امام الخالق سبحانه بخير ليرضى عنهم
. (انظر النصوص رقم 2 , 3 , 4 , 5 )
.
اما ما ورد ذكره في
القراّن الكريم ومدى تطابقه مع النصوص المندائية
المقدسة فنورد مايلي :
·
هناك اوجه تشابه بينما ذكر في القراّن الكريم وكتاب دراشة اديهيا في
معجزة ولادة يحيى بن زكريا
ماعدا ان يكون زكريا قد طلب من ربه ان يرزقه بولدا
ليرثه ويرث ال عمران بعد ان
كبر فهذا غير موجود في النصوص المندائية وقد جاء في
النص المندائي ان زكريا قد
فوجيء بنبوءة بني اسرائيل وكهنتهم في اورشليم والتي
تبشر بأن زكريا سيرزق بولد بعد
عمر طويل لم يرزق بها بولد (انظر النص رقم 1 , 2
) .
·
لايوجد اي ذكر في النصوص المندائية عن ولادة او نشوء او معجزات او صلب
او قيامة للسيد المسيح (عيسى
بن مريم) سوى ما ذكر عن تعميده في كتاب دراشة
اديهيا
(انظر
النص رقم 4 ) .
·
يمكن ان نثبت حقيقة وجود الشخصيتين يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم وصلة
القربى بينهم كما دلت على ذلك
النصوص المندائية (انظر النصوص رقم 1 ,2 ,3 , 4 ,5
) .
·
هناك تطابق ربما غير معلن عن حقيقة موت يحيى بن زكريا وما ورد في
القراّن الكريم في صلب عيسى بن
مريم فكما اثبتنا عدم قتل يحيى في النصوص المندائية
وما ورد في القراّن الكريم (ما
قتل وانما شبه لهم ) عن صلب السيد المسيح وهو
ما متعارف عليه في الدين الاسلامي من ان
الانبياء لايقتلون ومما يؤكد ذلك النص
القرأني عن يحيى ( سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم
يبعث حيا) والنص القرأني
عن عيسى ( والسلام علي يوم ولدت ويوم اموت ويوم ابعث
حيا ) وفي النصين لاتوجد
كلمة (قتل) وانما كلمتي ( يموت و اموت ) وهذا يمكن ان
يسند ما ورد في
النصوص
المندائية.
·
ان النصوص المندائية تثبت حقيقة وجود الصابئة المندائيين وعقيدتهم
وطقوسهم وانبيائهم رغم وجود
بعض التطابق والاختلاف وهذا شيء طبيعي حيث اننا نقرأ
دائما عن اختلاف الرواة حول
مصير شخصيات تاريخية مشهورة مثل يحيى بن زكريا وعيسى
بن مريم فالمعروف ان هناك
مجموعة قصص مختلفة ومتعددة حول ولادتهم وحياتهم
وسلوكياتهم وموتهم وهذا يعتبره المؤرخون امرا طبيعي لشهرتهم وكثرة
ماكتب
وما
روي عنهم
.
·
وللاجابة عن الشق الثاني من البحث (الصابئة في القراّن الكريم
) ان الباحث يتسائل في هذا الشق عن سبب
عدم وجود اي ذكر لهم في التوراة ولا
الاناجيل المعروفة ولا حتى فيما تركه الملك البابلي
نبوخذنصر والاعتقاد انهم
جاءوا الى العراق مع السبي البابلي في 550 ق.م ثم دمار
بابل ونزوح بعض المسبيين الى بلاد فارس ورجوع
غالبيتهم الى فلسطين على يد الملك كورش وعن
عدم
وجود مايثبت ذلك في
النصوص المندائية .
·
لقد ورد نص في كتاب مندائي من مجموعة الكتب المندائية المقدسة اسمه
( حران
كويثا ) هذا الكتاب يؤرخ حادثة واحده حدثت في الالف
الاول الميلادي وهي قيام
المؤسسة اليهودية بأضطهاد وقتل وتهجير وتشريد
المندائيين من اورشليم حيث قتل في
هذا الحادثة كما روي في هذا الكتاب ثلاثمائه وستين رجل
دين مرة واحدة لانهم
مجرد مندائيون ثم يشير النص الى هجرتهم الى حران . ان المطلع على كتاب
كنزاربا (الكنز
العظيم ) سيقرأ نصوص تذكر رموز عراقية مقدسة مثل نهري دجلة والفرات
والزابين ويأتي ذكر للنخله المقدسة اظافة الى وجود
تشابه كبير جدا في ميثلوجيا
الاديان البابلبة والسومرية والمندائية وهذا ما أكده
الباحث الدكتور خزعل الماجدي في كتابه
(جذور الديانة المندائية) المثير
للجدل والذي يقارن فيه اوجه التشابه
الكبير للديانات العراقية
القديمة والتي يعتبر الديانة المندائية هي الاصل واللب
لثمرة البصل كما يشبهها وما
الطبقات المحيطه بها الا اضافات للب الثمرة الاصلي
لكنها ثمرة واحدة . وكان هذا
التشبيه الجميل الى حد كبير من قبل الباحث.
بعد كل ماورد نؤكد عراقية الدين المندائي
وعراقية المندائيين وهذا يذكرني
بمحاضرة الاستاذ الدكتور عبد الهادي الخليلي (اخصائي
جراحة المخ والاعصاب
)
في
كلية طب بغداد/كندا حاليا
والذي كان شغوفا بأثبات اصل الانسان العراقي
ونقاء
دمه بدراسة علمية طريفة
عن الصابئة المندائيين وفيها يؤكد تشابه جمجمة
الصابئة المندائيين
والجماجم القديمة المحفوظة في المتحف العراقي ويستنتج
فيها
ان المندائيين هم سكان
العراق الاصلين وقد حافظوا على نقاء دمائهم بعدم
مصاهرتهم مع الاخرين من
الذين جاءوا الى العراق لاحقا فأن المندائيين
يحتفظون
بعوامل وراثية نقية وهم
العراقيون الاصلاء ويعتبرهم متحفا حيا ناطقا لشعب
العراق الاصيل
.
لقد كانت الديانة
المندائية منتشرة وكما يبدو في العراق والهلال الخصيب
قبل
مجيء السيد المسيح والا
كيف نفسر وجود اثار لهم يحتفظ بها المتحف العراقي
وجدت
على امتداد نهر الفرات من
شماله وحتى جنوبه في قرى قديمة على شكل مجمعات
سكنية
صغيرة ترجع الى القرن
الثاني والثالث الميلادي وهي عبارة عن قحوف فخارية
كتب
عليها باللغة المندائية
ادعية واحراز لحفظ سكنة الدار من الشرور مثبت
عليها
الاسم الديني المندائي
لصاحب كل دار وساكنيها اضافة الى ما نشر من معلومات
ونصوص من لفائف قمران
والتي عثر عليها قرب البحر الميت والتي فيها من
النصوص
والكتابات المندائية اضف
الى ذلك انتشار الاحناف في الجزيرة العربية
والحجاز من
الذين يدينون ديانة النبي
ابراهيم وهي ديانة التوحيد وعلاقة الحنفاء
بالصابئة
المندائيين قريبة جدا اذ
يعتقد البعض انها تسميتان لديانة واحدة وهناك
الكثير
من الشواهد والادلة التي
تثبت وجودهم وتاريخهم حيث ان هناك حاجة كبيرة
للبحث
والتقصي في هذا الموضوع
بالتحديد . الا تكفي هذه الادلة على وجود الصابئة
المندائيين وهنا نسأل
ماهو مصير اتباع الانبياء الموحدين من ابراهيم وحتى
يحيى
بن زكريا؟ وماذا حل بهم ؟
ان الصابئة المندائيين يؤكدون في نصوصهم المقدسة
انهم
احفاد سام بن نوح الذي
نجى من الطوفان فأين هم اتباع سام بن نوح ؟
ان سبب عدم وجود اي ذكر
للصابئة المندائيين في التوراة والاناجيل هي عملية
الغاء مقصودة فاليهود
كانوا يتقاطعون مع المندائيون تقاطعا دمويا كما
اسلفنا
والكل يعرف كيف كتبت
التوراة بعد السبي البابلي وماذا حذف منها وما اضيف
اليها
!
؟
لقد انصف الدين الاسلامي
الصابئة بعد ان جاء على ذكرهم في ثلاث سور قرأنية
كبيرة (البقرة , المائدة
, الحج) وساواهم مع اصحاب الكتاب .
اما ما ورد عن صابئة حران
ورواية القطيعي المعروفة عنهم والتي ارتبطت
بتهديد
الخليفة المأمون لهم فهي
تأكد على وجود الصابئة المندائيين في حران اذ كيف
عرف
القوم عبدة الكواكب
والنجوم ان هناك ديانة الصابئة المندائيين الموحدة لكي
يتحججوا بأنتمائهم لها كي
ينجو من تهديد الخليفة المأمون اذ لابد من وجود
لهم
في حران اضافة لوجود عبدة
الكواكب الذين ادعوا انهم على دين الصابئة
.
ان اهتمام الصابئة
المندائيين بدراسة الفلك وعلومه جاء على خلفية كونهم
مندائيون اي معرفيون
ووجوب ألمامهم بجميع العلوم المعرفية والابداع فيها
كما هو
الحال في علوم الطب
والهندسة والكيمياء والادب والفلسفة اضافة الى ذلك فأن
هناك
الزام بمعرفة الابراج
وحركة النجوم ليتمكنوا من استخراج الاسماء الدينية
المندائية لكل مندائي عن
طريق معادلة رياضية يحتسب بها الساعة والنهار
والليل
واليوم والشهر والسنة
والبرج لكي يتمكن المندائي من معرفة اسمه الديني
(الملواشة)
ان وجود الاسم الديني ضروري وحتمي لكل مندائي اذ لايمكن اجراء
اي طقس مندائي بدون معرفة
الاسم الديني والذي يرتبط بأسم الام الديني اذ يقال
فلان ابن فلانه وفلانه بنت
فلانه وهذا يتحدد بحركة الابراج واضافة للمعلومات
السابقة فهو يحتاجها في طقوس
التعميد والزواج وطعام الغفران للموتى والترحم
والوضوء والصلاة والدعاء والا لايمكن ان يجرى
الطقس بدون الاسم الديني .
اما ماقيل عن انتشار الصابئة المندائيين
في الجزيرة العربية او في اليمن
فجميع هذه الروايات تحتاج الى
الكثير من البحث والتقصي لاثباتها علميا والا
ستبقى في
خانة القصص والاساطير
والروايات .
اخيرا فأني ابارك الجهد
الكبير للباحث الاستاذ الدكتور عدنان الظاهر
واهتمامه
بأخوة عراقيين له في زمن
هم بحاجة الى اظهار حقائق كانت غائبة حتى وقت
قريب فله
مني ومن كل المندائيين كل
حب واعتزاز .
الهوامش:
(1)انشبى
:زوجة زكريا وام يحيى ويطلق عليها
اليصابات وتعنى الشيخه.
(2)ابا
صابا زكريا: تعنى الاب الشيخ زكريا .
(3)بيت
اواثر : ملاك اثري يقع عرشه عند بوابة
الحياة
.
(4)يردنا
: الماء الجاري المقدس .
(5)مندادهيي
: ملاك اثري نوراني ويعني عارف الحياة
.
(6)كشطا
: العهد .
(7)نشمثا
: النفس .
(8)الاثريين
: الملائكة .
(9)المسقثا
: طقوس وتراتيل خاصة لتسهيل عروج النفس
الى عالم الانوار
.
الصابئة المندائيون
وحقيقة العلاقة بين يوحنا
المعمدان وعيسى بن مريم
بحث: دكتور عدنان الظاهر
تمهيد
كثُرت الأبحاث التي
تناولت مسألة أصل الطائفة المعروفة في الإسلام بإسم
" الصابئة " وطبيعة دينهم ومعتقداتهم
وطقوسهم وهل هم شرقيو أم غربيو الأصل
والمنشأ : هل جاءوا من سواحل البحر الميت في فلسطين مع
السبي البابلي ليهود أورشليم إلى العراق أم
إنهم من سكنة أرض بابل القدماء. وأية بابل يقصدون :
بابل نبوخذ نُصّر
الكلدانية أم العهود السحيقة التي سبقت بابل، ربما عهود
سومر
وأكد ؟ سوف لن أدخل هذا
الباب ما دامت فكرة دراستي هذه لا تمتُّ بصلة
للموضوع
سالف الذِكر. أساس دراستي
محاولة للبحث عن الصلة ما بين يوحنّا المَعمَدان
(
يحيى بن زكريا ) وعيسى
المسيح إبن مريم. العلاقة مختلطة لأسباب وأدلة
سأعرضها
لاحقاً، ولا يُعرف أساس
هذا الإختلاط.
تتبعت هذا الأمر في ما
كتبت الإناجيل عن يوحنا المعمدان وفي ما ورد في
القرآن
الكريم عنه وعن طائفة
الصابئة التي لم يرد لهم ذكر في التوراة ( 1 ) ولا
في
الإنجيل. كذلك الأمر
بالنسبة للفظة " مندائية أو مندائيين".
يوحنا المَعمَدان ( يحيى
) في أناجيل المسيحيين
ورد ذِكرُ نبي الصابئة (
المندائيين ) يوحنا المعمدان في أربعة أناجيل هي
(
متّى ) وإنجيل ( مرقص )
وإنجيل ( لوقا ) ثم ( يوحنا ).
إنجيل متّى / الإصحاح
الرابع عشر / 1 – 12
(( في ذلك الوقت سمِعَ
هيرودُسُ رئيسُ الرُبع خبرَ يسوع. فقال لغلمانه هذا
هو
يوحنّا المَعمَدان. قد
قام من الأموات ولذلك تُعمَلُ به القوّات. فإنَّ
هيرودُس
كان قد أمسك يوحنّا
وأوثقه وطرحه في سجنٍ من أجل هيروديا إمرأةِ فيلِبُسَ
أخيه.
لأنَّ يوحنا كان يقولُ له
لا يحِلُّ أنْ تكونَ لك. ولمّا أراد أن
يَقتُلَهُ خاف
من الشعب. لأنه كان عندهم
مثلَ نبي.ثم لمّا صار مولدُ هيرودُسَ رقصت إبنةُ
هيروديا في الوسط فسرّت
هيرودُس. من ثمَّ وعدَ بقَسَمِ أنه مهما طلبتْ
يُعطيها.
فهي إذْ كانت قد لقّنتْ
من أمها قالت أعطني ههنا على طَبَقٍ رأسَ يوحنا
المعمدان. فإغتمَّ
الملكُ. ولكن من أجل الأقسام والمتكين معه أمر أنْ
يُعطى.
فأرسلَ وقطعَ رأسَ يوحنا
في السجن. فأُحضِرَ رأسُه على طَبَقٍ ودُفِعَ إلى
الصبيّة. فجاءت به إلى
أُمّها. فتقدم تلاميذه ورفعوا الجسدَ ودفنوه. ثم
أتوا
وأخبروا يسوعَ
)).
نقرأ في هذا الكلام ما
يلي :
: يعتقد هيرودُس إنَّ
يسوع المسيح هو يوحنا المعمدان الذي قطع رأسه ثم قام
من
الأموات.
:
وقف رجل من عامة الناس لا حول له ولا
سلطان... وقف بوجه الملك وصارحه
أنَّ
زوجة أخيه لا تحل له. عزم
على قتله إذ وقف دون تحقيق مأربه بالزواج من
أرملة
أخيه أو ربما مطلقته. كان
هيرودُس يهودياً والتوراة تعتبر الرجل الذي لا
يتزوج
أرملة أخيه شخصاً
مرذولاً. أي أنها تشجع وتحض على مثل هذا الزواج. كما أن
الديانة المسيحية التي
بدأت تنتشر يومذاك لا تمنع مثل هذا الزواج ولا
تُحرِّمه.
فلماذا وقف يوحنا
المَعمَدان في وجه هذا المشروع وحرَّم صفقة الزواج ؟ هل
أنَّ هذا النوع من الزواج
محرَّمٌ لدى الصابئة المندائيين ؟ لا أدري. إنْ
كان
الأمر كذلك فالمندائية
ديناً تختلف في هذه المسألة عن باقي الأديان
الثلاثة
إختلافاً واضحاً. [[
أنتظر توضيحاً من الأخوة المندائيين ]].
: إن هيرودُس لم يجرؤ على
قتل المَعمَدان خوفاً من الشعب.كان هناك إذاً
شعبٌ
أو رأيٌ عامٌ يخشاه
الحاكم ويحسب له ما يستحق من حساب
:
لانَ هذا الحاكم أمام رقصة صبية جلبت
لنفسه المسرة فقدم لها ما أرادت
أمها
هيروديا : رأس يوحنا على
طبق. إغتمَّ في أول الأمر وتهيب من الإقدام على
تنفيذ
جريمة قتل هذا الإنسان
البريء. لكن شجعه على إتيان هذا العمل الشنيع أمران
/
القَسَم الذي قطع على
نفسه في أن ينفذ كل ما تطلب الصبية التي آنسته منه.
ثم،
وهذا أمر آخر طريف، ضغط
الحاشية [ المتكين معه ] التي كانت محيطة به في أن
ينفذ
ما كان قد وعد. حاشية
السوء، يبدو أن رأي وإرادة هذه الحاشية كانتا رهن
إشارة
السيدة هيروديا، العدو
الألد ليوحنا المَعمَدان الذي حاول الوقوف بينها
وبين
الزواج من هيرودُس. مَن
كانت هذه المرأة وما كانت زمان حياة زوجها فيلِبُس
الذي
كان بدوره رئيس رُبعٍ على
إيطورية وغيرها من الكُوَر في زمان حكم القيصر
الروماني طيباريوس ووالي
اليهودية بيلاطس ؟ هل قتله أخوه هيرودُس غيلةً
وحلَّ
محله من حيث الوظائف
والمسؤوليات وً طمعاً بمناصبه ثم بزوجه هيروديا كما
فعل
فيما بعد ( كلوديوس ) ،
عم هاملت، مع أخيه ملك الدنمارك. قتل أخاه وتزوج
من
أرملته { مسرحية هاملت
لشكسبير}. ليس في يدي من المصادرما ينفي أو يؤكد
هذه
الفرضيات والتساؤلات
والتكهنات. على أنَّ أكثر الأمور أهمية هو ما ورد في
مطلع
هذا الجزء من الإصحاح
الرابع عشر.
: وضعت هذه القصة حسب
تفصيلاتها ونتائجها المأساوية أُسس ما يُسمى بسياسة
ودبلوماسية المغريات الطاغية : الجنس والخمور وفنون
الغناء والرقص... فضلاً
عن دبلوماسية الرشاوى
وإغراءات الذهب والأحجار الكريمة. في توراة اليهود
الكثير من هذه القصص أحد
أبرزها قصة إغراء ( دليلة ) لتطويع الجبّار ( شمشون ) .
وقبل ذلك
أمامنا في ملحمة جلجامش السومرية قصة صيد وتطويع
وتدجين وحش البراري أنكيدو من
قبل البغي ( شمهات أو شمخة أو سمحاء ) حسب تعليمات
جلجامش. : إصرار هيرودُس
على أن عيسى هو يوحنا الذي قطع رأسه ثم قام من الأموات.
سيتكرر
هذا الإصرار فيما يلي من
الأناجيل، وذلك هو الأمر الهام الذي إستوقفني
ورفع
أمامي موضوعة البحث
الرئيسة : علاقة يوحنا بعيسى الملتبسة تأريخياً لا
دينياً.
إنجيل مرقس / الإصحاح
السادس / 14 – 29
((
فسمِع هيرودُس الملك. لأن إسمه صار
مشهوراً. وقال إنَّ يوحنّا
المَعمَدان
قام من الأموات ولذلك
تُعمَلُ به القوّات. قال آخرون إنه إيليّا. وقال
آخرون
إنه نبي أو كأحد
الأنبياء. ولكنْ لما سَمِع هيرودُس قال هذا هو يوحنّا
الذي قطعتُ أنا رأسه. إنه قام
من الأموات. لأنَّ هيرودُس نفسه كان قد أرسل
وأمسك يوحنّأ وأوثقه في السجن من أجل هيروديا
إمرأةِ فيلبُس أخيه إذ كان قد تزوج بها.
لأنَّ يوحنا كان يقول لهيرودُس لا يحِلُّ
أن تكونَ لك إمرأةُ أخيك. فحَنِقَت
هيروديا عليه وأرادت أن تقتله ولم تَقدِر. لأنَ
هيرودُس كان يهابُ يوحنّا عالِماً أنه رجلٌ
بارٌ وقديّس وكان يحفظه. وإذْ سمِعه فعلَ كثيراً وسمِعه
بسرور. وإذْ كان يومٌ موافقٌ لمّا صنع هيرودُسُ في
مولده عشاءً لعظمائه وقوّاد
الألوف ووجوه الجليل. دخلت إبنةُ هيروديا ورقصت فسرّتْ
هيرودُسَ والمتكين معه.
فقال الملكُ للصبيّة مهما
أردتِ أُطلبي مني فأُعطيكِ . وأقسمَ لها أنْ
مهما
طلبتِ مني لأعُطينكِ حتى
نصف مملكتي. فخرجت وقالت لأمها ماذا أطلبُ. فقالت
رأسَ
يوحنّا المَعمَدان. فدخلت
للوقتِ بسرعةٍ إلى الملك وطلبتْ قائلةً أُريدُ
أنْ
تُعطيني حالاً رأسَ
يوحنّا المَعمَدان على طَبَق. فحَزِنَ الملكُ جدّاً.
ولأجل
الأقسام والمتكّين لم
يُردْ أن يردها. فللوقت أرسلَ الملكُ سيّافاً وأمرَ
أنْ
يؤتى برأسه. فمضى وقطعَ
رأسه في السجن. وأتى برأسه على طَبَق وأعطاه
للصبيّة
والصبيّة أعطته لأمها.
ولمّا سَمِعَ تلاميذهُ جاءوا ورفعوا جُثّته ووضعوها
في
قبر
)).
ما نقرأ في فقرات هذا الإصحاح ؟
:
نعت هيرودُس بالملك بعد أن كان مجرد رئيس
رُبع، وهو تقسيم عسكري.
:
إصرار هذا الملك أنَّ عيسى هو يوحنا الذي
قطع رأسه وقام من عالم الموت.
:
إصرار يوحنا على منع زواج الملك من
هيروديا، زوج أخيه فيلِبُس.
:
حضر حفل عشاء يوم ميلاده عظماء وقوّاد
الألوف ووجوه الجليل. أرى في
تفسير
"
قواد الألوف " أن هؤلاء
الرجال كانوا " أُمراء
أفواج " في المفهوم
الحديث لتقسيم الوحدات العسكرية. يتكون الفوج
من ثلاث سرايا، وتضم السرية في العادة ثلاث مائة جندي
وضابط صف وضابط، فيكون مجموع ثلاث سرايا ألف
رجل. وآمر الفوج اليوم يسميه الإنجيل " قائد الف ". :
كما نلاحظ شدة خبث وذكاء هيروديا وعمق
حقدها على رجل دين بار وقدّيس
إلتزم بما يؤمن من عقائد
وشرائع وطقوس وتحمل جرّاها السجن ومن ثم القتل بقطع
الرأس.
ثم، يُخيل لي، أنَّ هيروديا هي مهندس ومخطط مؤامرة قتل يوحنا. كانت
تعرف جيداً
مقدار ولع الملك بالرقص والطرب فأعدت إبنتها إعداداً
فنياً جيداً لكي تقدم عرضاً راقصاً متميزاً
أمام الملك وضيوفه من علية القوم إحتفالاً بذكرى
مولده والقوم على موائد الطعام
والشراب بالطبع. حين إنتشى الملك بالعروض الراقصة
للصبية وتحت تأثير الخمرة في رأسه وبهجة الإحتفال بيوم
ميلاده... وعدها أن يعطيها ما تشاء... حتى لو
طلبت نصف مملكته. هنا حانت أمام هيروديا الفُرصة
الذهبية النادرة التي خططت لها بدهاء فأوعزت لإبنتها
أن تطلب من الملك رأس الرجل الصالح يوحنّا
المَعمَدان. فكّر الملك طويلاً وحزن وإغتمَّ : كيف
يقتل رجلاً قديساً ؟ وجد نفسه
محاصراً بأكثر من أمر. القَسَم والوعد الذي أعطى
ثم ضغط قوّاده ووجوه خاصته
الذين كانوا متواطئين سَلَفاً مع هيروديا. :
أخيراُ ... نرى في هذا الإصحاح أنَّ
هيرودُس قد تزوج هيروديا بالفعل.
إنجيل لوقا / الإصحاح
الثالث / 15 – 20
((
وإذْ كان الشعبُ ينتظرُ والجميعُ يفكِّرون في قلوبهم عن
يوحنّا لعله
المسيحُ. أجاب يوحنا
الجميعَ قائلاً أنا أُعمِّدكم بماءٍ ولكنْ يأتي مَن
هو
أقوى منّي الذي لستُ
أهلاً أنْ أَحُلَّ سيورً حذائه. هو سيُعمِّدكم
بالروحِ
القُدس ونارٍ. الذي رفشه
في يدهِ وسينقّي بيدره ويجمعُ القمحَ إلى مخزنهِ.
وأمّا التِبنُ فيحرقه
بنارٍ لا تنطفيء. وباشياءَ أُخرَ كثيرةٍ كان يعظُ
الشعبَ
ويُبشِّرهم. أما هيرُدُسُ
رئيس الرُبعِ فإذْ توبّخَ منه لسبب هيروديا
إمرأةِ
فيلُبس أخيه ولسبب جميع
الشرور التي كان هيرودُسُ يفعلها. زادَ هذا أيضاً
على
الجميع أنه حبسَ يوحنا في
السجن )).
إنَّ قراءة هذا النص
ترينا ما يلي /
:
العودة إلى تسمية هيرودُس لا بالملك،
إنما برئيس الرُبع.
: الفصل الحاسم والشديد
الوضوح بين يوحنا والمسيح بإقرار وشهادة يوحنا
نفسه
[[
أنا أُعمِّدكم بماءٍ
ولكنْ يأتي من هو أقوى مني الذي لستُ أهلاً أنْ
أَحُلَّ
سيورً حذائه
]]
: كان عيسى يحتذي نعلاً
أو حذاءً.... شأن باقي بسطاء الناس على الأرجح. :
لم يقطع هيرودُس في التسلسل الزمني لهذا
الإصحاح رأس يوحنا المَعمَدان، بل
وضعه في السجن. أي أنَّ الكلام قد جرى قبل إحتفالية
هيرودس بعيد ميلاده.
كانوا
يحتفلون إذاً بذكرى أعياد
ميلادهم ويحفظون مواعيدها بدقة.
إنجيل يوحنا / الإصحاح
الثالث / 22 – 29
((
وبعد هذا جاء يسوعُ وتلاميذه إلى أرض
اليهودية ومكث معهم هناك وكان
يُعمِّد.
وكان يوحنا أيضاً يُعمِّد
في عين نونٍ بقُربِ ساليمَ لأنه كان هناك مياهٌ
كثيرةٌ وكانوا يأتون
ويعتمدون. لأنه لم يكنْ يوحنا قد أُلقيَ بعدُ في
السجن.
وحدثت مباحثةٌ من تلاميذ
يوحنا مع يهود من جهة التطهير. فجاءوا إلى يوحنا
وقالوا له يا مُعلِّم
هوذا الذي كان معك في عِبِر الأردن الذي أنت قد
شَهِدتَ
له هو يُعمِّدُ والجميعُ
يأتون إليهِ. أجاب يوحنا وقال لا يقدِرُ إنسانٌ
أن
يأخذَ شيئاً إنْ لم يكنْ
قد أُعطيَ من السماء. أنتم أنفُسكم تشهدون لي أني
قلتُ
لستُ أنا المسيحَ بل إني
مٌرسَلٌ أمامه )).
قراءة النص /
:
كان يوحنا ويسوع كلاهما وفي عين الوقت
يقومان بعملية تعميد الناس.
:
كان يوحنا حينذاك ما زال طليقاً لم يدخل
السجن بعد.
:
يبحث تلاميد يوحنا مسألة التطهير مع
اليهود. هل التطهير مختلف عن
التعميد أم
أنهما شيء واحد ؟ تطهير
لليهود وتعميد لأنصار عيسى يسوع ؟
: تأكيد يوحنا من إنه ليس
المسيح عيسى [[ أنتم انفسكم تشهدون لي أني قلتُ
لستُ
أنا المسيحَ بل إني
مٌرسَلٌ أمامه ]]. إنه رسول المسيح يُبشِّر الناس
بمقدمه.
ماذا عن دينه وشرعته
وشروط بعثته ؟ إتفق مع المسيح في مسألة التعميد في
مياه
نهر الأردن وبعض العيون
ولا شيء غير ذلك. هل كان متطابقاً كليةً مع تعاليم
المسيح ؟ من يتفحص جيداً
كل أقوال يوحنا التي وردت في الأناجيل لا بدَّ من
أن
ينتهي إلى قرار خطير
مؤداه أنْ لا فرق بين منطق وأسلوب الرجلين على
الإطلاق.
فهل كان هيرودُس على صواب
في دعاويه أنَّ عيسى هو يوحنا المَعمَدان الذي
قطع
رأسه ثم قام من عالم
الموت ؟ هذا هو السؤال المحيّر. ثم هل نصدق أن رجلاُ