وذهب دمك هدرا يا عباس!
احمد العلي
كنت في إحدى جبانات المنطقة قبل برهة من الزمن ، شاهدت صورة فتى جميل
لم يتعدى الخامسة عشر ، سالت احد الناس الذي كان يقرا القران على قبره
عن سبب وفاته ، ظننته سيقول لي كالعادة مات بالأنيميا المنجلية أو
التلاسيميا ،إلا انه صدمني بقوله انه صعق من إحدى أعمدة الإنارة في حي
"التركيا" فمات من ساعته! الإنسان في هذه الديار هو آخر ما يهتم به
وآخر ما يفكر به بعد النفط والمال والنساء ! أن يصل الاستهتار بحياة
الإنسان إلى هذا المستوى من اللامبالاة فتلك الكارثة بعينيها، أين
المسئولين عن أعمدة الإنارة، شركة الكهرباء والبلدية، ألن يحاسبوا
الطرف المتسبب بوفاة عباس ورحيله المبكر عن هذه الدنيا؟ غادرت المقبرة
وأنا اضحك من سؤالي الأخير، وكأني في دولة تحترم مواطنيها وتقدرهم.
دينهم الإقصاء
أن الإقصاء كان وما زال ديدن آل سعود ومن في معيتهم من المسئولين
وأصحاب القرار ، هذا والمرحوم عباس ينتمي إلى الطائفة الشيعية ، وهذا
سبب كاف لعدم أولاء قضية وفاته أي اهتمام ، بينما لو كان ابن احد موظفي
دولة آل سعود الكبار وكان هذا الحدث في احد الأحياء الراقية التي تعج
بهم في الدمام أو الخبر أو الرياض أو جده لاهتزت الدنيا وكان الحدث
المزلزل ولاستقال من استقال وسجن من سجن ،تماما كما يحدث في الدول
المحترمة والمتحضرة ، فلو كانت حادثة الصعق في بريطانيا أو فرنسا
لاستقال مدير البلدية ورئيس شركة الكهرباء ولعوض أهل الضحية ملايين
الدولارات ولشنت الصحافة لا سيما صحافة المعارضة هجوما لا ينقطع على
وزراء قطاع الخدمات ، ولعمت المظاهرات في كل مكان تطالب بمحاسبة
ومعاقبة وإقصاء كل من له صلة بوفاة الضحية ، بل لربما تستقيل الحكومة
لأنها اتبثت عجزها وإهمالها وعدم قدرتها على رعاية مصالح الشعب والحفاظ
على حياة أفراده، أما في الدول العربية وفي مقدمتها السعودية فان الأمر
على العكس والنقيض، فلو أن الإنسان قضى به همنا وحزنا وكمدا لكان عندي
في مقام الشهداء والصالحين !!!
أطفال التوحد
كنت قد تساءلت سابقا عن سر الاهتمام المباشر بأطفال التوحد في وزارة
الصحة ، فكان أن فاجئني الجواب بان ابن إحدى صاحبات السمو الملكي مصاب
بهذا المرض فنال اهتمام الوزارة الموقرة وعقدت لأجله الندوات وافتتح
العيادات والأقسام إكراما لصاحب السمو الملكي !!
حفرة الموت
نشرت صحيفة الحياة بتاريخ 1/11/2006 م خبر مفاده أن ولد وابنه فارقا
الحياة غرقا في أمطار المنطقة الغربية الأخيرة، وقع الطفل في حفرة
عميقة مغمورة بالمياه، سمع والده استغاثته فحاول أنقاده فتوفي الاثنان
وأخرجت الأب جثة هامدة وهو محتضنا ابنه في مشهد أبكى الحاضرين، من
المتسبب في هذه المأساة ؟ كيف يمكن تصور وجود حفرة في حي سكني لم تسارع
البلدية لإحكام إغلاقها حفاظا على أرواح المواطنين ؟ ألا يخجل
المسئولون القائمون على الأمور من أنفسهم؟ ألا يكنون ولو احتراما بسيطا
لمواطنيهم؟ هل سيحاسب المقصرون أم لا؟ اضحك من نفسي مجددا لأني اتسائل
عن المحاسبة والشفافية في دولة تعتبر الاسوء على مستوى العالم في
الحريات والمحاسبة والشفافية !!!
الانفجار القاتل
قبل حوالي شهرين توفيت إحدى النساء في القطيف بانفجار الزائدة الدودية
، احضرها زوجها لإحدى المستشفيات الحكومية وأدخلت في قسم العمليات إلا
أن الدكتور المكلف بإجراء العلمية لم يحضر وظلت في القسم وهي تأن من
الألم المبرحة بانتظار أية الله الدكتور إلى أن انفجرت زائدتها الدودية
وتسمم جسدها فتوفيت رحمها الله! هل سيحاسب المسئولين عن مأساة حرمان
زوج من زوجته الشابة وأبناء من أمهم؟ كلا فنحن أضحينا في زمن الانتهاك
العلني والفاضح لحقوق الإنسان وكرامته وعزته وقبل ذلك إنسانيته ، أصبح
اللعب على المكشوف ، ومن أراد حقه فعليه أن يذهب خاضعا دليلا لقصور آل
سعود ويقدم فروض الطاعة الولاء والرجاء ليمنوا عليه باسترجاع حقه
المسلوب من هذا المسئول أو ذاك الموظف الكبير في دولتهم المترامية
الأطراف!
حتى الأطفال تنتهك حقوقهم
بل حوالي شهرين توفي رضيع طفل لسوء العناية في مستشفى حكومي أيضا ،دخلت
في جسده جرثومة بسبب تراجع مستوى العناية والنظافة في المستشفى فرحل
مبكرا مخلفا حسرة في قلب والديه الذين لم يمتلكوا المال الكافي لإنجابه
ورعايته في مستشفى خاص، لو كان هذا طفل للعائلة المالكة أو احد اسماك
قرشها أو هواميرها لفصل وسجن القائمين على علاج الطفل ولكنه طفل من لا
يقدم ولا يؤخر في مملكة الضياع!
كيف تقاضي وخصمك القاضي؟
انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان ، ولكن كيف يقاضي من كان خصمه القاضي؟؟!!
عوضا من أن يحاسبوا المسئولين عن وفاة عشرات المواطنين الذين توفوا
تقصيرا وإهمالا وتهميشا يضيق الخناق على مواطن شيعي بري لحمله على
تنفيذ حكم جائر بالجلد والسجن بتهمة سب الصحابة !!
نماذج حية
في الكويت المجاورة قبل حوالي سنتين تسلم احد شيوخ عائلة آل صباح
المالكة حقيبة وزارة النفط، في يوم ما اندلع حريق كبير في إحدى المصافي
فاضطر لتقديم استقالته لأنه ليس بقدر المسئولية!! في البحرين كان يتولى
وزارة الداخلية احد شيوخ آل خليفة، احتج المواطنين عليه وبعثوا برسائل
استنكار لممارساته وطالبوا بتنحيته لسوء إدارته للوزارة وتعديه على
سلطة القانون وحقوق المواطنين فاستجاب الملك لطلبهم وأعفاه من منصبه!!
في قطر، تلك الدولة الصغيرة الهادئة، هددت البلدية بسحب ترخيص وإغلاق
مركز تجاري لأحد شيوخ آل ثاني لمخالفته الأنظمة والقوانين !!!
انه ابني صدقوني !
أعود للخدمات الصحية المترهلة في مملكتنا الحبيبة جدا!! عن إحدى
المستشفيات الحكومية كتب احد المواطنين في صحيفة اليوم انه احضر زوجته
إلى قسم الطوارئ وقد ولدت في السيارة، تصور عزيز القارئ لم يكن من أمر
طبيبة الولاة والممرضات السعوديات إلا أن رفضن إسعافها وطفلها لأنها لم
تلد في المستشفى!!! قال لهن مما انتم خائفات؟ أين الرحمة في قلوبكن؟
أين شرف المهنة ومروءتها؟ هل أتينا بهذا الطفل من الشارع؟ أنا أبوه
وهذه أمه، مالكم كيف تحكمون!! ولكنهن لم يستجبن لاستغاثاته ، فبرزت
ممرضات يحملن الجنسية الفلبينية ،مسيحيات الديانة ،وأسعفنه ، بينما
الممرضات السعوديات المسلمات بقين بعيدا خوفا على وظائفهن ولربما
سمعتهن أيضا كالعادة !!! ا
الكروش لها احترامها!
انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، الذي من المفترض يكون أساس التنمية
ومحور اهتمام الدولة والمجتمع، ولكنه ليس له وجود، إلا أن يكون من
أصحاب السلطة أو المال أو كلاهما !! كنت في إحدى البنوك فتقدم رجل
تتقدمه كرشته!! فهمش في ادني احد الأصدقاء قائلا هذا الرجل من كبارية
القطيف ، لم يقف له إجلال واحتراما احد "السكر تيه" فهدد بسحب أمواله
المودعة في البنك ما لم يفصل فورا من عمله ،وعندما سألوه عن السبب أجاب
بأنه مر من أمامه ولم يقف له كعادة زملائه وظل جالسا وكأنه لم يشاهده،
ففصل الموظف المسكين الذي يتقاضى راتبا لا يتعدى ال1200 ريال شهريا
!!!!
عهدا يا عباس
رحمك الله يا عباس ،ذهب دمك هدرا مع الآلاف غيرك وبقي من تسبب في مقتلك
في نعيم دنياه الحالمة ولكن يا ابن بلادي ستشرق في يوم ما شمس لا مغيب
لها ، أنها شمس الحرية بكل ما تحمله من كرامة وإباء وعنفوان ، حينها يا
ابن الوطن المسلوب والمجتمع المغلوب على أمره ستخلد إلى الراحة الأبدية
في ظلال كرامات الخالق وألطافه الإلهية .