مؤتمرات ثقافية فوق صفيح ساخن
سعد السعدون
كثر الحديث في الآونة الأخيرة وعبر المواقع الالكترونية تحديداً عما
سمٌي بالمؤتمر التأسيسي للمثقفين العراقيين في المهجر حيث يزعم الداعون
لتنظيمه أنه يأتي في سياق المحاولات الرامية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما
تبقى من ثمة قيم حية داخل المشهد العراقي بعد أن عم الدمار والهلاك
مختلف المنظومات الخاصة بقيم المجتمع العراقي المعروفة كالتسامح وغيره
بفعل أسباب وعوامل خارجية وداخلية باتت معلومة لدى القاصي والداني وفي
محاولة لإيقاف ذلك التداعي انبثقت تلك الفكرة ( الجهنمية ) وقبل الخوض
في مدى فاعليتها وآثارها . أود فقط التذكير بأنها لم تكن الأولى من
نوعها التي تطلق في ميشيغن الولاية التي نقطن بل سبقتها في السنوات
القليلة المنصرمة دعوات وخطى حثيثة لإيجاد ما يسمى بتلك المؤسسات (
أدباء بلا حدود ) ،
( المنتدى العراقي للثقافة والفنون ) وغيرها ولإننا نعيش في المهجر
الأمريكي ونتلمس عن كثب سلوك ومزاعم أولئك الذين يسمون أنفسهم
بالمثقفين الأكاديمين الذين تتعالى أصواتهم بين الفينة والأخرى عبر
المنابر الإعلامية بمختلف أنواعها المرئية والمسموعة والمقروءة فضلاً
عن مصادر الصحافة الالكترونية بالمطالبة بمكاسب ذاتية ، وذاتية فقط
ومازالت هذه النزعة تسيطر عليهم للحصول على المغانم الوظيفية والمالية
وهم يحاولون عبر الدعوة لإقامة هكذا منتديات تتيح لهم النفاذ إلى رواق
المسؤولين لانتزاع تلك المغانم الناتجة عن نزعة أنانية فقط لإننا ومن
خلال تعايش يقترب من السنة السابعة ونيف استطعنا معرفة سلوك هؤلاء من
خلال المواقف الميدانية العملية التي كانت كفيلة بالكشف عن نواياهم
وأنانيتهم وعلى سبيل المثال يزعم هؤلاء الذين يسموهم أنفسهم بعمداء
الثقافة العراقية في ميشيغن ( المحروسة ) بأنهم وطنيون ولا هم لهم سوى
قضية الوطن وأبنائه الذين يتوزعون إلى شرائح مختلفة ومن بينهم الأدباء
والمثقفين والمبدعين وعلى سبيل المثال ذات مرة طلب أحد الشباب
العراقيين من كتاب القصة والرواية حيث كان يقيم في ذات البقعة
الجغرافية التي نسكن طلب من أحد أولئك الذين يلقبونهم بالبروفسور ! أن
يكتب مقدمة لإحدى مجاميعه القصصية الجديدة إيماناً من ذلك القاص الشاب
بمبدأ تواصل الأجيال وتعدد الرؤى في العملية الإبداعية فما كان من ذلك
( البروفيسور ) إلا أن يطلب منه مبلغاً مالياً مقابل أن يكتب مقدمة
مجموعته القصصية وتلك المعلومة لم نعرفها إلا على لسان ذلك القاص
والروائي العراقي الذي ولدت تجربته الإبداعية في رفحاء ومن ثم استمرت
في أمريكا ، وهنا نود أن نسأل هل يعكس هذا السلوك ثمة تجليات للوطنية
التي يتحدث عنها ذلك ( البروفيسور ) دائماً حينما يدعو لمؤتمراته عبر
شعاراته الرنانة التي يطبٌل لها كل من هو ساذج وعديم الرؤية ولا يملك
استقراء لمجمل الأمور التي تحدث حوله سواءً في مهجرنا الأمريكي أو في
أماكن الشتات الأخرى ، كما أنه من المعروف أن أزمة البلد الخانقة التي
يعيش فصولها الدامية أبناء شعبنا في الداخل هي بالدرجة الأساس سياسية
وأمنية كيف يمكن للمثقف أن يلعب دوراً مؤثراً فيها في الوقت الذي لم
تعر أية جهة سياسية أو طرف مؤثر في المشهد السياسي العراقي أدنى أهمية
لأي خطاب ثقافي بل يمكننا القول أن دور وزارة الثقافة منذ أن شكلت أول
حكومة عراقية بعد سقوط النظام البائد انحسر حتى أصبح ثانوياً جداً
مقارنة مع مصادر التثقيف الحزبي الذي مورس على فئات الشعب بدافع طائفي
ومذهبي حتى ضاق ذرعاً بالمثقف العراقي في الداخل وكثيراً ما تعرض أهل
الثقافة إلى تهديدات من هذا الحزب النافذ أو ذاك ، كما أود أن أسوق
مثلاً آخر يثبت بشكل جلي كذب المزاعم التي يطلقها أولئك الداعون لتنظيم
مثل هذه المؤتمرات التي أصبحت النوايا التي تقف وراء تنظيمها معروفة
جداً لدى مختلف الشرائح التي تعيش في منفانا الأمريكي فالغرض لا يتعدى
جذب الأضواء الإعلامية ، والغنائم المالية ، فضلاً عن المناصب التي
يحلم بها هؤلاء ولطالما تذمروا بغية الحصول عليها وعوداً على المثل
الذي أود سوقه وهو أن ساحتنا المهجرية الأمريكية فيها العديد من
المثقفين العراقيين منهم الأدباء ممن يكتبون القصة والرواية والشعر وفي
غالبهم ولدت تجربتهم هنا في هذا المغترب وهم بحاجة مستمرة لمن يقرأ
إبداعاتهم الأدبية ويبدي فيها وجهة نظر نقدية وبحسب أولئك المتغطرسين
الذين يتباهون كونهم ( دكاترة )
في الأدب والبعض منهم يحمل درجة ( بروفيسور ) في حقوله الغنٌاء ، إذن
لماذا لا يتداول هؤلاء منجز هذا الجيل الذي ولد إبداعه الأدبي هنا في
هذه الجغرافيا التي يتقاسم كل منا العيش فيها ؟ بل على العكس نراهم
يتعاملون وفق نظرة استعلاء وإذا ما أرادوا الكتابة عن منجزهم فإنهم
يطلبون المبالغ المالية منهم لقاء فعل ذلك . وفي هذه الأيام ونحن نتابع
المقالات الموجودة على مختلف المواقع الالكترونية التي كتبت على خلفية
الإعلان عن تنظيم ذلك المؤتمر التأسيسي لفت انتباهنا كيف أن هؤلاء دعاة
الوطنية المزيفين حينما تلقوا سهام النقد راحوا يكتبون المقالات التي
أكثر ما تعبر عنه هو عن عجزهم فراحوا يمارسون أسلوب التنابز بالألقاب
حيث ينعتون ذلك الذي ينقدهم ب( الطباخ ، والصباغ ، وبائع الطماطة )
وغيرها من النعوت وفي الواقع ليس عيباً أن يمارس المبدع أي عمل شريف
لتوفير لقمة العيش ومواجهة شظف العيش ولكن العيب جداً هو إطلاق صرخات
الاستجداء من الحكومة وغيرها ، وفي هذا الاتجاه نقول لكل من يسوٌق لذلك
المؤتمر إذا كنتم تحرصون فعلاً على إيجاد حالة وطنية من خلال النافذة
الثقافية فلماذا لم تتحركوا بلغة الجسد الواحد في الوقت الذي تتمزق فيه
أوصال مجتمعنا الأصيل لماذا لم تمدوا يد التواصل الثقافي مع أولئك
المبدعين الذين يعيشون في نفس منفاكم ، ولماذا تتقصدون اختيار الأسماء
بإنتقائية شديدة حينما تهمون بتنظيم مؤتمرات من هذا القبيل ؟ نقول
طالما أن مزاعمكم كشف النقاب عنها وفضحت أنانيتكم ستظل دعواتكم لتلك
المؤتمرات تمور على سطح صفيح ساخن لأن الذي يريد أن ينقذ بلده من أتون
الدمار عليه أن يكون حاضراً ومؤثراً في قلب الحدث وعمقه هناك في العراق
حيث الجرح مازال نازفاً لا أن يكون على بعد آلاف الأميال ويريد تحقيقه
مآربه الشخصية تحت يافطة
( علينا أن نهب لإنقاذ العراق بعد أن وصل إلى الدرك الأسفل )
سعد السعدون
Saad-sadoon@hotmail.com