هل صحيح ان هناك اسلام سياسي واسلام
ليبرالي... الخ الحلقة الاولى
محمود المفرجي*
almifarji55@yahoo.com
بالرغم من التشريعات الجمة التي تنادي بها الديمقراطية التي اصبحت
علامة مميزة في نظامها الذي ما زال ينتشر وينتشر ، بعد عرضه على انه
الامل الانساني الذي يجب ان يرسى على الارض ليحقق العدالة ويعيد بنفس
الوقت التفوق العقلي البشري واستطاعته التغلب وايجاد الحلول حتى على
التشريعات الالهية السماوية، التي اصبحت في نظر المنظرين للديمقراطية
تشريعات مستهلكة اكل الدهر عليها وشرب.
نعم فالعالم كله اليوم يرفض الدساتير السماوية ، ولا يعترف بها ، بحجة
انها لا تلائم هذا العصر او العصور المتعدد المتعاقبة التي ملئها
الانسان ظلما وقتلا وجورا ، وهذا بطبيعته خرقا فاضحا للديمقراطية نفسها
التي تؤمن بحرية الدين او المعتقد.
ومن هذه النقطة ترسخت ثقافة التنافر التي صنعتها الديمقراطية ، واظهرت
العلمانية التي تنادي بفصل الدين عن السياسة، وان لا سياسة مع الدين ،
ولا دين مع السياسة ، وكبرت هذه الحساسية وتوسعت دائرتها حتى في داخل
الانظمة الحكومية الديمقراطية ذات التعددية الحزبية، التي تحاول بها
الاتجاهات العلمانة تأكيد وترسيخ مفهوم التخلف الاسلامي وعدم استطاعته
مسك زمام الحكم.
فهذه الحوادث التاريخية تبقى شاخصة امام أنظارنا ، وهذه جبهة الانقاذ
الجزائرية بزعامة الشيخ عباس مدني وزميله على بلحاج التي اكتسحت
الانتخابات البلدية سنة 1990 وظفرها بأغلبية كبيرة في معظم البلاد (32
مقعداً من 48) الأمر الذي ارعب الحكومة، التي سارعت بغزو الجبهة والقبض
على الشيخ مدني، وزعماء الحركة وجمدت الانتخابات للمجلس التشريعي التي
كانت على الأبواب . كل هذا لان كان هناك تفوقا اسلاميا في الشارع ،
فاين الديمقراطية في هذا الامر ؟
وهذه الانتخابات الفلسطينية التشريعية التي ظلت طوال عمرها السياسي
تتخبط في الشعارات المستهلكة الى ان اعلنت اقطابها السياسية الارتماء
كليا في احضان اسرائيل وامريكا بحجة خط السلم بينهم ، وفتحت النار كلها
على حركة حماس التي تتبنى المقاومة الاسلامية . وما ان اعلنت حماس
استعدادها على دخول الانتخابات ، حتى بدأت شرارة الحرب (الديمقراطية) ،
مبتدئة بامريكا ومرورا باسرائيل ومنتهية في داخل الكيان السياسي
الفلسطيني، وبعد الفوز المتوقع للحركة ، اغرقوا حكومتها في مشاكل جمة
واصطراعات حتى اوصلوها الى مرحلة العجز الحكومي الذي ما زال مستمرا.
ناهيك عن التصريحات العلنية الامريكية التي اعلنت رفضها الاعتراف بهذه
الحكومة مع انها شرعية وفق الذوق الديمقراطي! وغيرها من الحوادث التي
تؤكد العداء العلماني المعلن للاسلاميين.
الحجج الواهية
من حق أي فرد ان يسأل سؤال مفاده : لماذا هذه الحساسية المفرطة من قبل
العلمانيين من التعامل مع الاسلاميين ، مع ان الاسلاميين اثبتوا
استطاعتهم على تعاطي الديمقراطية بعكس العلمانيين الذين اثبتوا في
الوقت نفسه عدم استطاعتهم على تعاطيها ما دام فيها الاسلاميين. فقاموا
العلمانيين وفق هذه الحساسية ، بابتداع مجموعة من التعابير والمصطلحات
التي ليس لها أي صحة على ارض الواقع ، مثل الاسلام السياسي ، والاسلام
اليبرالي ، والاسلام المعتدل ، والاسلام المتطرف ، والاسلام الشيعي ،
والاسلام السني ... وغيرها كثير. محاولين تجزئة النظرية الاسلامية
المتماسكة كليا وربطها في التطبيقات التي طبقها الإسلاميين ان كانت
مكتملة او منقوصة، وليبرروا رفضهم للاسلاميين بهذه التعابير الفارغة من
أي محتوى.
ان هذه التعابير والمصطلحات كلها تصب في اتجاه واحد وهو سلب الحق
الديمقراطي من الاتجاهات الاسلامية حتى لو كانت مستأثرة باغلبية الشارع
، لكي تكون دائما في دائرة الانتقاد وتحت وطأة الضغط الاعلامي والحزبي
.
والا اذا كان هناك اسلاما سياسيا ، واسلاما ليبراليا ، واسلاما معتدلا
، واسلاما متطرفا ، واسلاما شيعيا ، واسلاما سنيا ؟ اذن اين هو الاسلام
الصحيح في نظر الديمقراطية ، واذا لم يكن متواجدا في أي واحد منهم فاين
مكانه ومتى زمانه؟
* كاتب وصحفي عراقي