الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 
المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة الاولى

اليسار – الديمقراطية – العلمانية...أوالتلازم المستحيل في العالم العربي

محمد الحنفي

اليسار – الديمقراطية – العلمانية أو التلازم المستحيل في العالم العربي   

محمد الحنفي

الإهداء :

إلى كل من اقتنع بأيديولوجية الطبقة العاملة، و ناضل من اجل أن تسود بين الكادحين.

إلى مناضلي اليسار العربي من أجل أن تسود أيديولوجية الطبقة العاملة، فاستشهدوا لأجل ذلك  في 29 أكتوبر 1965.

إلى شهيد الطبقة العاملة القائد العمالي المغربي الشهيد عمر بنجلون 18/12/1975.

إلى الشهيد محمد كرينة شهيد الشباب العربي لانضباطه لقرار نقابي عمالي في مدينة عمالية فاعتقل و عذب ليموت تحت التعذيب في 24/4/1979.

إلى مهدي عامل و سهيل طويلة و حسين مروة.

إلى كل شهداء الطبقة العاملة في كل مكان من العالم.

إلى شهداء حركات التحرر الوطني.

إلى كل من امتدت إليه أيادي الظلام فاغتالته لمساهمته في تنوير الإنسان العربي بإبداعاته الفكرية أو الفنية.

إلى فرج فودة و من على شاكلته الكثر.

لأجل إنسان عربي متحرر.

إلى حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي لعظمة تضحياته في هذا الاتجاه.

 

مقدمة :

لا يختلف اثنان من المحللين العلميين على أن المجتمع العربي يعاني من مجموعة من الأزمات الحادة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و هي أزمات لا نشك في كونها نتيجة لقيام أزمات بنيوية لها علاقة بطبيعة تنوع التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و تنوع هذه التشكيلة في إطار المجتمع الواحد، أو في إطار كل المجتمعات العربية. فالوضوح الطبقي كما هو وارد في المجتمعات الرأسمالية غير وارد. و الأصول الطبقية في المجتمعات العربية تختلف عنها في المجتمعات الرأسمالية، و البورجوازية أو الطبقية التي يفترض فيها أنها بورجوازية ليست صناعية بالدرجة الأولى، إنها بورجوازية عقارية أو تجارية أو مالية، و في احسن الأحوال بورجوازية خدماتية. و بورجوازية من هذا النوع لم تأت نتيجة لخوضها صراعا معينا ضد الإقطاع و النظام الإقطاعي، من اجل تحرير الاقنان ليصبحوا عمالا في المصانع، بل هي صنيعة للسلطة القائمة في كل بلد عربي على حدة، أو هي عميلة للمؤسسات المالية الدولية أو للشركة العابرة للقارات في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ، و الطبقة العاملة في البلاد العربية ذات أصول زراعية، تتوارث العقلية الزراعية التي تتميز بسيادة العقلية الخرافية الأمر الذي يجعلها اكثر استعداد لاحتضان الفكر الأيديولوجي الديني، و اكثر رفضا للفكر العلمي لاعتباره مخالفا للدين الإسلامي. و نظرا لأن الطبقات الحاكمة تنهج طريقة معينة لتنظيم المجتمعات العربية تجعل التنظيمات الحزبية و الجمعوية و النقابية غير قادرة على تنظيم المجتمع بصفة عامة، و غير قادرة على تنظيم الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة بصفة خاصة. فإلى ماذا يرجع ذلك ؟

هل يرجع إلى طبيعة التشكيلة الاقتصادية-الاجتماعية التي لا تعرف نفس التطور الذي عرفته في أوربا ؟

هل يرجع إلى قيام أزمة ديمقراطية في الواقع ؟

هل يرجع إلى عدم علمانية المجتمع ؟

هل يرجع إلى قيام أزمة بنيوية في اليسار ؟

أليس غياب التلازم بين وجود يسار قوي و متماسك و بين قيام الديمقراطية الحقيقية، و بين العلمانية هو جوهر الأزمة ؟

هل يمكن أن يقوم يسار قوي و متماسك في العالم العربي ؟

هل يمكن أن تقوم ديمقراطية حقيقية في المجتمعات العربية ؟

هل يمكن تحقيق العلمانية في العالم العربي ؟

و محاولة منا في مقاربة الأجوبة المتعلقة بهذه الأسئلة و غيرها مما يمكن طرحه في هذا الاتجاه سنتناول مفهوم اليسار، و مفهوم الديمقراطية، و مفهوم العلمانية، و العلاقة بين المفاهيم الثلاثة، و معاناة اليسار من ادلجة الدين الإسلامي، و علاقة الديمقراطية بأدلجة الدين الإسلامي و معاناة العلمانية من سد ادلجة الدين الإسلامي و الديمقراطية و العلمانية و خيار التلازم، و العلاقة بين ديمقراطية الواجهة و ادلجة الدين الإسلامي ، والدولة الأصولية و استحالة العلمانية. و لماذا لا تسمح الأنظمة العربية بعلمانية الدولة ؟ و لماذا لا تتحول الأنظمة العربية إلى أنظمة ديمقراطية، و الديمقراطية و العلمانية و الاستحالة المستلزمة، و تحقيق الديمقراطية، و فرض العلمانية مهمة يسارية صرفة، و أزمة اليسار-أزمة الواقع، و آفاق تجاوز أزمة اليسار. لنكون بذلك قد قاربنا موضوع اليسار –الديمقراطية- العلمانية، أو التلازم المستحيل في العالم العربي، مساهمة منا في النقاش الدائر حول أزمة اليسار، و أزمة الديمقراطية، و أزمة العلمانية على المستوى القومي، و على المستوى القطري. لنصل إلى طرح السؤال : ألا تعتبر أزمة اليسار جزءا من الأزمة العامة التي يعرفها المجتمع العربي ؟ هل هي أزمة بنية اليسار نفسه ؟ أم أزمة الطبقات التي يستهدفها اليسار بالتنظيم ؟ هل هي أزمة أيديولوجية ؟ هل هي أزمة تنظيمية ؟ هل هي أزمة سياسية ؟ هل هي أزمة علاقة مع الواقع ؟ و بطرحنا هذا السؤال-الأسئلة نكون قد مهدنا إلى الخلاصة التي تفتح أمامنا الطريق المؤدي إلى ملامسة سبل تجاوز أزمة اليسار الذي يوكل إليه النضال من اجل ديمقراطية حقيقية من الشعب و إلى الشعب، و الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تكون إلا علمانية – ليتحقق بذلك التلازم بين الديمقراطية و بناء يسار قوي و موحد، و بين النضال من اجل الديمقراطية الحقيقية، و بين تحقيق العلمانية على ارض الواقع من اجل بناء مجتمع عربي و ديمقراطي و متحرر و اشتراكي.

فهل يمكن إعادة النظر في بناء اليسار القائم أيديولوجيا و سياسيا و تنظيميا ؟ هل يتلاءم اليسار مع الشروط الجديدة التي تقتضيها عولمة اقتصاد السوق ؟ و هل يقوم بدوره كاملا في صياغة عولمة نقيضة ؟

 

مفهوم اليسار :

فماذا نعني بمفهوم اليسار ؟

إن اللغة عندما نستعين بها تسعفنا، و تجعلنا ندرك ما نريد و على هذا الأساس، فاليسار نقيض اليمين : فإذا كان اليمين هو الذي يتمتع بحق التصرف فإن اليسار هو الذي يكون محروما من ذلك التصرف، و قد جرت العادة في المجتمعات المختلفة أن يلجأ الإنسان إلى استعمال يده اليمنى بالدرجة الأولى، و أن استعمال اليسرى لا يتم إلا باعتبارها مساعدة لليمنى ما لم توجد هناك قوة ذهنية تجعل اليد اليسرى هي  الأساس و اليد اليمنى تابعة لها و مساعدة.

و بالنسبة للمجتمع نجد انه في كل تشكيلة اقتصادية اجتماعية توجد طبقتان رئيسيتان، طبقة مستغلة و طبقة مستغلة و لكل طبقة تنظيمها الخاص، فتنظيم الطبقة التي تمارس الاستغلال يحرص على إعادة إنتاج نفس الهياكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية بغاية تأبيد الاستغلال. لذلك فهذا التنظيم، بحكم طبيعته يميني. و التنظيم الذي يقود الطبقة التي يمارس عليها الاستغلال من اجل انعتاقها و تحريرها من الاستغلال الممارس عليها، هو تنظيم يساري.

و إذا كانت تنظيمات اليمين تختلف من تشكيلة اقتصادية-اجتماعية إلى تشكيلة اقتصادية-اجتماعية أخرى. فإن تنظيمات اليسار تختلف أيضا من تشكيلة اقتصادية –اجتماعية إلى تشكيلة اقتصادية-اجتماعية أخرى. و بالنسبة للتشكيلة الرأسمالية فإن تنظيم اليمين هو الذي يقود الطبقة البورجوازية و تنظيم اليسار هو تنظيم الطبقة العاملة.

و معلوم أن كل تنظيم يقوم على أسس ثلاثة : الأساس الأيديولوجي و الأساس التنظيمي الذي يتناسب معه، و الأساس السياسي الذي يعبر عن طموحة الطبقة التي يقودها ذلك التنظيم.

و التنظيم اليساري لابد له من الاقتناع بأيديولوجية الاشتراكية العلمية التي هي أيديولوجية الطبقة العاملة التي تعتبر أرقى ما أنتجه الفكر البشري. و هي الأيديولوجية العلمية الوحيدة التي لا تعتمد على الأوهام بقدر ما تعتمد على القوانين العلمية المادية الجدلية، و المادية التاريخية، التي تعتمد في التحليل الملموس للواقع الملموس، و في الوقوف على الصيرورة التاريخية لذلك الواقع، من اجل اكتشاف قوانين تطوره التي تعتمد في التسريع بذلك التطور.

و انطلاقا من هذه المقدمات نصل إلى إعادة طرح السؤال : فما مفهوم اليسار ؟

هل اليسار هو كل ما خالف اليمين ؟

هل التنظيمات البورجوازية الصغرى تعتبر تنظيمات يسارية ؟

إن اليسار تتحكم في تحديده ثلاث مكونات أساسية :

المكون الأول : الاشتراكية العلمية كأيديولوجية و قوانين علمية، بحيث نجد انه لا يمكن الحديث عن يسار غير مقتنع بهذه الأيديولوجية، لأنها هي التي تكسبه المناعة ضد كل أشكال الاختراق اليميني لصفوف اليسار، و تحول دون انحراف التنظيم اليساري في اتجاه اليمين.

و المكون الثاني : التنظيم المنسجم مع الأيديولوجية الذي يقوم بتنظيم وعي الناس الذين يقتنعون بالاشتراكية العلمية، العاملين على تغيير الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي انطلاقا من تصور معين، و وفق برنامج محدد.

و المكون الثالث : الموقف السياسي الذي يعتبر ترجمة واقعية للاقتناع بالاشتراكية العلمية، و بالممارسة التنظيمية المتناسبة معها.

فإذا احترمت هذه المكونات الثلاثة في تنظيم معين فهو تنظيم يساري صرف.

و قد توجد تنظيمات تدعي الاقتناع بالاشتراكية العلمية و لكنها لا تنسجم تنظيميا مع تلك الأيديولوجية، و لا تتخذ مواقف سياسية تتناسب معها. فإننا نجد هذه التنظيمات يسارية على مستوى الشعار، و يمينية على مستوى الممارسة.

و التنظيم اليساري الحقيقي الذي يستهدف تنظيم اوعى الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة، وجعلهم يمتلكون الوعي الطبقي الحقيقي و الانتقال إلى نشر ذلك في صفوف الكادحين بمختلف الوسائل الممكنة و تنظيمها في النقابات و الجمعيات حتى تتمرس على طرح المطالب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و انتزاع تلك المطالب التي تؤدي إلى تحسين أوضاع الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة المادية و المعنوية، ثم الارتقاء بالكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة إلى النضال السياسي-الديمقراطي من اجل تحقيق الديمقراطية و الحرية و الاشتراكية.

و لذلك فاليسار هو التنظيم الذي يقتنع أعضاؤه بالاشتراكية العلمية، و يحترم مبادئها، و يعمل على تنظيم اوعى عناصر الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة وفق تصور تنظيمي محدد و هادف، و العمل على تحقيق الحرية و الديمقراطية و الاشتراكية، انطلاقا من برنامج سياسي محدد يتفق عليه أعضاء التنظيم اليساري من خلال هيئاتهم الحزبية التقريرية، و بواسطة أجهزتهم التنفيذية لجعل الكادحين و الطبقة العاملة يلتفون حول التنظيم اليساري الذي يقودهم في أفق تعميق الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج.

و ما سوى هذا التنظيم قد يكون يساريا بشعاراته فقط، أو باستنساخه للتجارب الاشتراكية التي تحققت في بلد معين، أو يدخل الاشتراكية العلمية  ضمن مكونات متعددة الأيديولوجية، فإنه في الواقع لا يمكن اعتباره يسارا، لأنه يبقى مرشحا للانحراف في اتجاه اليمين في أية لحظة. و تنظيمات من هذا النوع هي تنظيمات بورجوازية صغرى مريضة بالتذبذب و عدم الحسم و بالتطلع، و السعي إلى الالتحاق بالطبقات المستفيدة من الاستغلال الطبقي للمجتمع ككل، و للطبقة العاملة كجزء، لأن هذه التنظيمات لو كانت تحترم مبادئ الاشتراكية العلمية لحاربت هذه الأمراض من صفوفها، و بين مناضليها، و من أيديولوجيتها و من برامجها حتى تبقى يسارية قولا و عملا.

 

 

مفهوم الديمقراطية :

فإذا كان اليسار محددا فيما ذكرنا، فإننا نجد أنه لا يكون كذلك إلا باحترام الممارسة الديمقراطية. لأن اليسار إما أن يكون ديمقراطيا أو لا يكون. فماذا نعني بالديمقراطية ؟

إننا في معالجتنا هذه سوف نتوقف فقط عند المدلول الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي حتى لا نتيه في التفسيرات غير العلمية و التضليلية التي تمتلئ بها صفحات الجرائد و الكتب و المجلات. و التي توجه ما يتداوله الناس على انه هو الديمقراطية التي ليست إلا مفهوما ميتافيزقيا، لا يمكن تحقيقه على ارض الواقع.

فإذا كانت الديمقراطية عند قدماء اليونان هي حكم الشعب نفسه بنفسه، فإنها في عصرنا هذا يجب أن تترجم هذا الحكم إلى واقع ملموس من خلال :

1) تمكين الشعب أي شعب في العالم العربي من تقرير مصيره بنفسه، و الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج لم تعرف قط أنها تسعى إلى تحقيق إرادتها التي تمكنها من تقرير مصيرها في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية نظرا للقمع الممارس عليها من قبل الطبقات الحاكمة، فكل شيء في العالم العربي من إخراج الحكام، سواء تعلق الأمر بالاقتصاد أو بالاجتماع أو بالثقافة أو بالسياسة. لأن الطبقات الحاكمة لا تقرر و لا تنفذ إلا ما يتناسب مع مصالحها الطبقية حتى تنسجم مع نفسها، و كل من تعارض معها فإنه لا يستطيع.

2) إقرار دستور ديمقراطي يكرس سيادة الشعب على نفسه عن طريق مجلس تأسيسي منتخب انتخابا حرا و نزيها تكون مهمته صياغة بنوده  الدستور الديمقراطي و عرضها على الشعب في كل بلد عربي من اجل المصادقة عليها، حتى تصير الدساتير العربية من المحيط إلى الخليج مكرسة لسيادتها، و عاملة على جعلها تتمتع بجميع حقوقها.

3) تكوين حكومة انقاد في كل بلد عربي يهدف تنفيذ برنامج للإنقاذ الوطني من اجل إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و النظر في تدني الأجور، و في نسبة الأمية المرتفعة، وفي انتشار البطالة، و انتشار السكن العشوائي غير اللائق، و في الاقتصاد غير المهيكل الذي يعم شوارع المدن العربية من المحيط إلى الخليج، و العمل على إيجاد تعليم شعبي متحرر، و اقتصاد وطني متحرر، و غير ذلك مما يكرس إهانة الإنسان العربي حتى لا يقوى على مواجهة المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.

4) إجراء انتخابات حرة و نزيهة في كل بلد عربي لإيجاد مجالس محلية و وطنية تعكس إرادة الشعوب العربية، و تنبثق عن أغلبية البرلمان في كل بلد عربي حكومة تكون مسؤولة أمام البرلمان، و تعمل على تطبيق القوانين التي يصادق عليها البرلمان بما فيها برنامج الحكومة و الخطة الوطنية و القوانين المالية. لأن الانتخابات الحرة و النزيهة هي وحدها الكفيلة بتكريس إرادة الشعوب في جميع المجالات العامة و الخاصة.

5) تقرير المصير الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي كما يراه الشعب ويقتنع به، من خلال إخضاع النظام الاقتصادي السائد، و النظام الاجتماعي المتبع، و الثقافة السائدة، و السياسة القائمة إلى المناقشة الشعبية الواسعة و تحت إشراف الأحزاب السياسية و النقابات و الجمعيات حتى تتوضح الرؤى و التصورات لدى عامة الناس و خاصتهم. فيستطيعون بذلك الاختيار الحر و النزيه للنظام الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي الذي يجب أن تشرف الحكومة على تنفيذه بواسطة القوانين التنظيمية التي يوافق عليه البرلمان.

و حسب هذه الخطوات فإن الديمقراطية هي تمكين كل شعب من اختيار ما يناسبه على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لتحقيق مقولة، حكم الشعب نفسه بنفسه الذي يجسد الديمقراطية من الشعب و إلى الشعب.

و معلوم أن سبب تقدم الأمم و تطويرها يرجع بالأساس إلى اعتماد إرادة الشعوب، و احترام تلك الإرادة، و استثمارها في النهوض الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي لأنه بذلك الاعتماد، و ذلك الاحترام تقوم الشعوب بالمعجزات التي تبهر العالم. و لو اعتمدت الأنظمة العربية إرادة الشعوب و احترمت إرادتها رغما عن أمريكا و بريطانيا و إسرائيل و غيرها من الدول التي لا يناسبها اعتماد إرادة الشعوب و احترامها لكانت البلاد العربية الآن قائدة للعالم. و لكن بما أن هذه الأنظمة استبدادية لا تعترف للشعوب بحقها في استحضار إرادتها فإنها تبقى مختلفة و تحت رحمة المؤسسات المالية الدولة و الشركات العابرة للقارات و التحالف الأمريكي البريطاني تلك المؤسسات و الشركات و الدول التي تستنزف خيرات البلاد العربية بشروطها هي و بواسطة البورجوازيات المحلية الوسيطة التي تستغل الشعوب استغلالا همجيا. و نحن لا نستغرب ذلك، لأن النظام العربي عندما لا يكون ديمقراطيا يحتاج إلى دعم و مساندة جهات خارجية لتأبيد سيطرته، و إذا ظهر انه يقوم بديمقراطية معينة فإن تلك الديمقراطية لا تتجاوز أن تكون  مجرد ديمقراطية الواجهة التي تتناقض جملة و تفصيلا مع الديمقراطية الحقيقية التي هي من الشعب والى الشعب.

 

مفهوم العلمانية :

و الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تكون إلا علمانية، و العلمانية أيضا لا يمكن أن تكون إلا ممارسة ديمقراطية. ففي النظام الديمقراطي نعيش فصل السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية، و فصل السلطتين المذكورتين عن السلطة القضائية. و إذا كان الأمر كذلك، فإن إقرار علمانية الدولة التي تعني فصل السلطة السياسية عن الدين ستكون من صلب الديمقراطية، و كارثة الأنظمة العربية أنها ليست ديمقراطية. لأنها إذا صارت كذلك ستضطر إلى فصل الدين عن الدولة، و هو أمر لا تقبله، و لا ترغب فيه. لأن هذه الأنظمة تعتبر أن سلطتها امتداد للسلطة الدينية، التي تعني الشرعية لاستبدادها بالعالم العربي فهي أنظمة قائمة على ادلجة الدين الإسلامي التي تعتبر مصدر إرهاب الشعب العربي من المحيط إلى الخليج. و هو ما يستلزم إذكاء النضال الديمقراطي الذي ليس إلا نضالا من اجل العلمانية، أي نضالا من اجل فصل الدين عن الدولة.

فماذا نعني بالعلمانية ؟

إن مفهوم العلمانية مأخوذ من مادة "علم" بمعنى أدرك القوانين التي تتحكم في المادة أو في المجتمع و إدراك هذه القوانين يزيل كافة العقبات التي تجعل ذلك الواقع نتيجة لتلك القوانين و ليس لشيء آخر. و إذا كان الأمر كذلك فإن المدرك لتلك القوانين يستطيع أن يوجه الواقع و أن يتحكم فيه كما يريد. و للوصول إلى ذلك لابد من إلغاء الاعتقاد بأن هناك قوى أخرى غير تلك القوانين الطبيعية و الاجتماعية هي التي تتحكم في الواقع. و ذلك الإلغاء هو الذي نسميه "العلمانية " التي لا تعني إلا شيئا واحدا و بسيطا جدا, و هو فصل الدين عن الدولة. حتى تبقى الدولة في الأرض و يصير الدين لله. و هذا الفصل الذي تعنيه العلمانية يحتاج إلى شروط اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية، و علمية، و معرفية و فلسفية متطورة. و هذا التطور يجب أن يصحبه تطور في البنية التحتية يتمظهر في تحويل المجتمع من مجتمع زراعي متخلف إلى مجتمع صناعي متقدم. يؤدي إلى تحول إيجابي في البنيات الفوقية التي تفرز قيام دولة مستقلة عن الدين، تنشئ مؤسسات اقتصادية و اجتماعية و ثقافية لا تهتم إلا بأمور المجتمع، و تستبعد كل ما له علاقة بالدين الذي يبقى من اهتمام المؤسسة الدينية و حدها، و يبقى الاهتمام به عملا فرديا صرفا.

و النظام العربي، و باعتباره نظاما دينيا يعتبر أن الدولة تكتسب شرعيتها من الدين، سواء كان هذا الدين هو الإسلام، أو هو المسيحية، و بناء عليه، فكل حاكم في الأرض يكتسب شرعية حكمه من الله تعالى و من الكتاب و السنة، حسب التأويلات المختلفة باختلاف الحكام للنص الديني. أولئك الحكام الذين يتخذون لهم جيوشا من مؤدلجي الدين بصفة عامة، و من مؤدلجي الدين الإسلامي بصفة خاصة الذين يتلقون أموالا طائلة لا حدود لها. تستطيع أن تقيم مصانع لا تعد، و أن تشغل كل العاطلين الذين يتكدسون في الشوارع بدون حدود تذكر لا على مستوى العدد، و لا على مستوى النسب. و لكن الحكام و نظرا لاعتقادهم أن أولئك المؤدلجين الموظفين لغرض ادلجة الدين الإسلامي هم الذين يكسبونهم شرعية الحكم، و هم الذين يجعلون المحكومين قابلين بالحكام، و يعتبرونهم شرعيين، و أن مصدر تلك الشرعية هي الله. فكأنه هو الذي فوض الحكام أمر حكمهم في الدنيا حتى ينالوا جزاء من عند الله يوم القيامة.

و نفس الاعتقاد ينتقل إلى التنظيمات الحزبية، التي تعتبر أن برامجها ذات شرعية دينية، قبل أن تكون ذات شرعية ديمقراطية. و بالتالي فالقائد الحزبي يستمد قوته من العمالة للدولة باعتبارها دولة دينية حتى يكسب حزبه بعدا دينيا، و يجعل الناس يقبلون على حزبه، لا لأنه يملك برنامجا واقعيا قابلا للتحقيق. و يستجيب لحاجيات الجماهير الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، بل لأنه ينوب عن الله في المنتمين إلى الحزب. و يستطيع أن يكون نائبا عن الله في المجتمع إذا تمكن من الوصول إلى السلطة و هذا هو الذي نفسر به لماذا التهافت من قيل جميع الأحزاب على اعتبار كل حزب على حدة نفسه منطلقا مما جاء به الدين الإسلامي بالخصوص، و هو في الواقع إنما يؤدلج الدين الإسلامي على هواه. و أن تلك الادلجة تكون بغرض منازعة الطبقة الحاكمة الشرعية الدينية. و أن تلك المنازعة لا تلغي العمالة الحزبية إلى الطبقة الحاكمة. و ما تقوم به الأحزاب الرسمية هو الذي شجع على ظهور أحزاب و توجهات تقوم على أساس ادلجة الدين الإسلامي بدون أن تكون عميلة للطبقة الحاكمة التي تصير غربية و كافرة و ملحدة، و حكمها مخالف للإسلام. و بالتالي فهي وحدها التي لها الحق في اكتساب شرعية الكلام باسم الدين. و الحكم باسم الله عن طريق إقامة "الدولة الإسلامية" التي "تطبق الشريعة الإسلامية". و هي شرعية تلغي الشرعية الدينية للطبقة الحاكمة، و الشرعية الدينية التي تكتسبها الأحزاب العميلة للطبقة الحاكمة. و ممارسة كهذه تقف وراء هذا الصراع بين الأحزاب الدينية و الطبقة الحاكمة في كل بلد عربي على حدة. و هذا الصراع هو الذي يفسر تفسيرا غير علمي على انه صراع ديني ديني، و هو في الواقع ليس إلا صراعا بين طبقة تحكم، و بين طبقة يمينية متطرفة تريد الوصول إلى الحكم.

و لذلك سنجد أن الدولة الدينية ليست وحدها القائمة في الواقع من خلال رفض العلمانية، بل يوجد إلى جانبها الأحزاب الدينية و المجتمع الديني، و الأحزاب اليمينية المتطرفة. و الجميع "يجتهد" في ادلجة الدين الإسلامي حتى صار الدين محط نزاع، أو تنازع الادلجة لخدمة مصلحة مختلف المؤدلجين.

و واقع كهذا يدخل فيه الدين كل شيء في الحياة و تزدهر فيه ادلجة الدين الإسلامي إلى درجة التطرف، لا يمكن أن يقبل بفصل الدين عن الدولة باعتباره صيغة علمانية "تتناقض"، كما يدعي مؤدلجوا الدين الإسلامي، مع الدين الإسلامي، و هي في الواقع لا تتناقض إلا مع المصالح الطبقية لمؤدلجي الدين الإسلامي.

و لذلك نرى من الضروري اعتبار أن تحقيق علمانية الدولة لا يتم إلا بتحقيق ديمقراطية الدولة و المجتمع و المؤسسات و الأحزاب. و المنظمات النقابية و الجمعوية. و هذه الديمقراطية لا تتم إلا بالنضال الديمقراطي المرير الذي يقوده اليسار الحقيقي في البلاد العربية، باعتباره وحده يقتنع بضرورة تحقيق الديمقراطية الحقيقية، التي تقتضي بدورها النضال من اجل تمتيع الشعوب العربية بالحريات العامة و النقابية و الجمعوية و منع أن تتأسس الأحزاب و النقابات و الجمعيات على أساس ديني. و نضال من هذا النوع لا يستقطب الجماهير الشعبية الكادحة إلا إذا صاحبه نضال من اجل تحسين أوضاعهم المادية و المعنوية، نظرا للترابط الجدلي القائم بين النضال من اجل الديمقراطية، و النضال من اجل الحرية، و النضال من اجل العدالة الاجتماعية، و بانتزاع مكاسب لصالح المجتمع العربي في هذا الاتجاه، نكون قد قطعنا أشواطا مهمة و أساسية في اتجاه علمانية الدولة و الأحزاب و النقابات و الجمعيات.

فالنضال من اجل العلمانية هكذا، و بالمعني المتداول للعلمانية، و في مجتمع يداخل فيه التدين كل شيء في الحياة و تسيطر على أفراده ادلجة الدين الإسلامي بشكل مخيف و مروع و مرعب، لا يمكن تجاوزه إلا بالعمل على تفكيك ادلجة الدين الإسلامي تفكيكا علميا دقيقا و هادفا، حتى يقف الناس على حقيقة أوهام ادلجة الدين الإسلامي و حقيقة مؤدلجيه، و بكامل الهدوء، و بالمنطق العلمي الدقيق و الكشف عن الخلفيات التي تحرك أولئك المؤدلجين حتى يتم التفريق بين حقيقة الدين و حقيقة الادلجة باعتباره مدخلا لتطهير الحياة الدينية و الخطاب الديني من الادلجة الذي يعتبر خطوة أساسية و ضرورية في اتجاه علمنة الحياة قبل علمنة المؤسسات و الأحزاب و النقابات و الجمعيات، و قبل علمنة الدولة، من اجل التخلص النهائي من الدولة الدينية التي تتناقص حتى مع الإسلام نفسه، حيث جاء في القرءان " لا إكراه في الدين ".

 

العلاقة بين اليسار، و الديمقراطية و العلمانية :

و من خلال ما أتينا على ذكره في الفقرات السابقة وجدنا أن الحزب الوحيد الذي لا يستغل الدين و ليس من مصلحته استغلاله لتناقض استغلال الدين مع التحليل العلمي الذي يتبناه هو حزب اليسار الحقيقي، لأنه لا يسعى لا من خلال أيديولوجيته، و لا بتصوره التنظيمي، و لا بمواقفه السياسية إلى تضليل الجماهير. فالجماهير تحتاج إلى امتلاك الوعي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي لا إلى التضليل لأن الجماهير مضللة أصلا، وهي ليست في حاجة إلى من يضللها، بل إلى من ينقل إليها وعيها الحقيقي الذي لا يكون إلا طبقيا. و الوعي الطبقي هو وحده الذي يجعل الجماهير الشعبية، تنخرط في الأحزاب و النقابات و الجمعيات باعتبارها إطارات للنضال الديمقراطي العام، و للنضال الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي. و نظرا لكون حزب اليسار لا يتبنى إلا أيديولوجية الاشتراكية العلمية. فإنه يجد نفسه اكثر بعدا عن ادلجة الدين الإسلامي التي تضرر منها كثيرا منذ ظهوره إلى الوجود، و شجعت عليها الأنظمة العربية القائمة ، و تتمسك بها الآن الأحزاب السياسية المؤدلجة للدين الإسلامي بما يخدم مصلحتها الطبقية. بالإضافة إلى اليمين المتطرف الذي يعتبر النص الديني بمثابة برنامج سياسي. و نظرة حزب اليسار إلى الدين نظرة علمية واقعية فهو يعتبر مكونا من المكونات الثقافية التي تمد المجتمع بالقيم النبيلة. و تشكل قوة مادية عظيمة يمكن اعتمادها في حشد همم الجماهير الشعبية الكادحة في محطات معينة، و في حركات اجتماعية محددة لا علاقة لها بالاستغلال الأيديولوجي للدين. و بناء على هذا التصور فحزب اليسار لا يمكن أن يكون إلا ديمقراطيا، و هو في نفس الوقت لا يمكن أن يكون إلا علمانيا. فالديمقراطية و العلمانية من مستلزمات حزب اليسار. سواء تعلق الأمر بالعلاقة بين أعضائه في التنظيم الواحد، أو في العلاقة بين التنظيمات الأفقية و العمودية، بين القيادة و القاعدة، لأنه إذا لم تكن الديمقراطية هي التي تربط بين أعضائه و تنظيماته يفقد مبرر وجوده.

فحزب اليسار يبني تنظيماته انطلاقا من احترام إرادة أعضائه، و حزب اليسار يتخذ قراراته بطريقة ديمقراطية، و من خلال الأجهزة التقريرية المحلية و الإقليمية و الوطنية  بناء على ما يقتضيه نظامه الداخلي، و ينفذ تلك القرارات في إطار برنامج محدد.

و حزب اليسار عندما يبني برنامجه السياسي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني، لا يسعى إلى حماية أو خدمة المصالح الطبقية لأعضائه، بل يسعى  إلى حماية و خدمة مصالح الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة، التي يعمل على تعبئتها و قيادة نضالاتها المطلبية في أفق تحسين أوضاعها المادية و المعنوية. و في أفق تحقيق الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و في أفق ضمان توفير و حماية الحريات العامة السياسية و النقابية و الجمعوية، و في أفق تحقيق العدالة الاجتماعية التي لا تتحقق إلا بالملكية الجماعية لوسائل الإنتاج. لأن النضال الديمقراطي هو نظام شامل لكل مناحي و مجالات الحياة. و لذلك ففي إطاره لا نفصل بين النضال من أجل :

دستور ديمقراطي تكون فيه السيادة للشعب.

انتخابات حرة و نزيهة.

تحقيق الحريات العامة.

تحقيق العدالة الاجتماعي.

و هذا التنوع في مناحي النضال الديمقراطي هو الذي يكسبه دينامية لا حدود لها. و تلك الدينامية هي التي تجعل الطبقة الحاكمة في كل بلد عربي تلجأ إلى قمع حزب اليسار، و قمع الجماهير المنخرطة في النضال الديمقراطي في نفس الوقت. و هو الذي دفع الطبقات الحاكمة في البلاد العربية إلى تمويل و دعم ادلجة الدين الإسلامي، و رصد أموال طائلة لنشر و دعم تلك الادلجة حتى يتم التضييق على اليسار الذي كان يقود النضال الديمقراطي العارم, ليضاف القمع الأيديولوجي إلى القمع العام الممارس على الجماهير الشعبية و على اليسار في نفس الوقت نظرا للوضوح الأيديولوجي لليسار كما تقر بذلك الاشتراكية العلمية كمنهج و كهدف في نفس الوقت، لأنه بواسطة قوانين الاشتراكية العلمية يتم التحليل الملموس للواقع الملموس. و الطبقة الحاكمة تمارس قمعا آخر هو القمع السياسي عن طريق تشويه مواقف اليسار السياسية للجماهير الشعبية الكادحة، حتى تنبذ اليسار و تبتعد عنه.

و هذه المستويات المختلفة من القمع الذي مورس و لازال يمارس على اليسار في العديد من البلدان العربية لا يمكن أن نستنتج منها إلا خلاصة واحدة و هي أن الحزب اليساري هو الوحيد الذي يقتنع بالديمقراطية و يناضل من اجلها. و هو الحزب الوحيد الذي يستطيع تأطير الجماهير الكادحة على أسس متينة و ديمقراطية و نضالية. و هو الوحيد الذي لا يناضل إلا من اجل خدمة و حماية المصالح الطبقية للجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة.

و حزب اليسار عندما يكون كذلك لا يمكن أن نعتبره إلا حزبا ديمقراطيا يحارب كافة أشكال الاستبداد التي من بينها استبداد الدولة الدينية. و هو لذلك لا يكون إلا علمانيا، إلا انه لا يفصح عن رفضه للعلمانية بقدر ما يجعلها من ضمن النضال الديمقراطي العام، لأنه كما أشرنا إلى ذلك في الفقرات السابقة، بدون تحقيق الديمقراطية لا يمكن طرح العلمانية للنقاش. و إذا تحققت الديمقراطية الحقيقية التي تكون من الشعب و إلى الشعب، فإن الدولة الديمقراطية لا تكون إلا علمانية. و هكذا فإننا نجد أيضا أن الدولة العلمانية لا يمكن أن تكون إلا ديمقراطية.

و بناء على هذا الاستنتاج، فالحزب اليساري هو بالضرورة حزب علماني، و نضاله من اجل الديمقراطية هو في نفس الوقت نضال من اجل العلمانية. لتكون بذلك العلاقة بين اليسار و الديمقراطية و العلمانية علاقة عضوية لا تتحقق إلا في حزب اليسار نفسه، لا في حزب آخر غير حزب اليسار.

 

معاناة اليسار من مؤدلجي الدين الإسلامي :

و اليسار الذي أثبتنا أنه هو وحده الذي يكون  ديمقراطيا، و يناضل من اجل الديمقراطية، و أنه  هو وحده الذي يكون علمانيا و يناضل وحده من اجل العلمانية. يعاني من الحصار المتنوع، و من العديد من الجهات التي ليست لها مصلحة في أن تكون الدولة ديمقراطية، كما ليست لها مصلحة في أن تكون علمانية :

1) فهو يعاني من حصار الدولة نفسها التي تعتبر أداة للسيطرة الطبقية، لأن الطبقات الحاكمة في البلاد العربية تسخر الدولة لقمع اليسار، فتخضع مناضليه للمراقبة و المتابعة و الاعتقال  و المحاكمة. و هو ما يفسر لماذا هذه المحاكمات التي تعرض لها مناضلوا  اليسار على مدى عقود بأكملها في مجموع البلاد العربية. و لماذا هذه الاعتقالات التي لازالت تطال رموزه في كل بلد على حدة. و لماذا هذا التضييق على أحزاب اليسار التي تحرم من الدعم المادي و المعنوي الذي تقدمه الدول و الأحزاب الموالية لها، و تحرم منه اليسار؟ و لماذا هذا الحرمان من استغلال وسائل الإعلام الرسمية من اجل الاتصال بالمواطنين كباقي الأحزاب الأخرى التي تستفيد من ذلك ؟ لماذا هذه الحملات الإعلامية التي تبث ضد اليسار و بواسطة وسائل الإعلام الرسمية التي هي ملك الشعب ضد اليسار.

2) و هو يعاني من الطبقة الحاكمة التي تسخر كل وسائلها المادية و المعنوية لاستئصال اليسار من الواقع، تعمل على التضييق على العاملين في مختلف القطاعات العامة و الخاصة المنتمية إلى اليسار، و مساومتهم و تحويلهم إلى جواسيس داخل اليسار و لصالحها، أو توقيفهم، أو طردهم، و تنظيم حملات إعلامية بواسطة جرائدها ضد اليسار الذي يوصف بالكافر و الملحد، و المتفسخ, و غير ذلك مما يخدش الكرامة الإنسانية للمنتمين إلى اليسار، و استعداء المتدينين على اليساريين باعتبارهم ضد الدين، و ضد المتدينين بالإضافة إلى استئجار اتباعها لشن هجمات ضد اليسار و خاصة إذا كان هؤلاء الاتباع من مؤدلجي الدين الإسلامي و خاصة إذا كان هؤلاء المستأجرون أئمة في المساجد، و في أيام الجمعة، و على مدار السنة حيث تحول صلاة الجمعة في كل مسجد إلى تجمع سياسي تطلق فيه الخطب النارية ضد اليسار، و ضد رموزه في كل بلد على حدة، و ما يشكله اليسار من خطورة على الدين، و أن على المسلمين أن يهبوا جميعا لحماية الإسلام من خطر اليسار الذي يسمونه " الخطر الشيوعي" لتحول المساجد التي بنيت من أموال الشعب و المخصصة للصلاة و العبادة، إلى أماكن لعقد تجمعات عامة لاستعداء الجماهير العربية ضد اليسار. بالإضافة إلى تشجيع و دعم المؤلفين لانتاج الكتب التي تستعدي القراء على اليسار التي تملأ أرصفة الشوارع و بأثمنة بخسة، قبل أن تملأ رفوف المكتبات، من اجل توفير الشروط القمينة بتأبيد سيطرة الطبقة الحاكمة على أجهزة الدولة.

3) و يعاني كذلك من الأحزاب الإقطاعية و البورجوازية التابعة و البورجوازية العميلة للطبقة الحاكمة في كل بلد عربي على حدة. هذه الأحزاب التي تؤدلج الدين بنسبة أو بأخرى، و حتى تستفيد من نعم الطبقات الحاكمة في البلاد العربية، و تحظى بالتواجد في المؤسسات المحلية و الوطنية، فإنها تضع في برامجها العمل على استئصال اليسار من الواقع عن طريق العمل على تشريح أيديولوجية اليسار الفاقد للعلمية و الموضوعية، و تشريح برنامجه السياسي، و التقليل من أهمية مواقفه السياسية، و استعداء المنتمين إلى تلك الأحزاب ضد اليسار، و تنفير الجماهير الشعبية في التجمعات العامة و عبر الصحف و وسائل الإعلام الرسمية من اليسار و من رموزه حتى لا يجد اليسار متنفسا جماهيريا، يمكن أن يلجأ إليه. و بسبب تلك الحرب التي لا هوادة فيها و التي تشنها مختلف الأحزاب ضد اليسار. نجد أن هذه الأحزاب تزداد ارتباطا بالطبقة الحاكمة، لأنه تجمعه معها نفس المصالح الطبقية التي تقتضي الانطلاق من نفس البرنامج الذي تخططه الطبقة الحاكمة الذي نجد على رأس بنوده محاربة "الخطر الشيوعي" الذي لا يعني إلا حقيقة واحدة. و هذه الحقيقة هي محاربة اليسار الذي يقتنع بأيديولوجية الاشتراكية العلمية، لأنه هو اليسار الحقيقي، و ما سواه إنما يتقمص اسم اليسار.

4) و يعاني بالخصوص من مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يتخذون عدة مستويات :

أ- مستوى التصدي الفردي للكلام باسم الدين الذي تترتب عنه مصالح فردية تدعو إلى التأويل الأيديولوجي الفردي لحماية تلك الصالح، و هؤلاء يعتقدون، و دون دراية منهم بأن مسؤوليتهم تقتضي محاربة اليسار. و أن تلك المحاربة مسؤولية دينية. ونظرا لارتباط هؤلاء بالمتدينين. فإن تأثيرهم في هذا الاتجاه سيكون واسعا، لا حدود له. و خطورة مثل هؤلاء، تأتي من كونهم  لا يرتبطون بهيأة سياسية معينة و ليسوا من تنظيمات مؤدلجي الدين الإسلامي المعروفة حتى يخضعوا للمقاومة و التشريع من قبل مناضلي اليسار. و لذلك فهم يستمرون في دورهم الذي يخدم مصالحهم من جهة، و يخدم مصالح الأحزاب و الطبقة الحاكمة من جهة أخرى، و يمهد الطريق أمام تنظيمات مؤدلجي الدين الإسلامي من جهة ثالثة.

ب- كل من توظفه الطبقة الحاكمة للقيام بأدلجة الدين الإسلامي من اجل ممارسة التضليل على الجماهير الشعبية الكادحة لصالح الطبقة الحاكمة، و هؤلاء الموظفين يعتبرون أن إخلاصهم للطبقة الحاكمة يستلزم أن يضعوا في اعتبارهم الهجوم المستمر و الدائم، و بكلام عشوائي لا علاقة له حتى بالمنطق الصوري عن اليسار و عن رموزه، و عبر وسائل الإعلام الرسمية، وفي صحف الطبقة الحاكمة، و من خلال المحاضرات و الندوات و الدروس الدينية التي تلقى في المساجد، و في المآتم و في مختلف المناسبات. إخلاصا و توددا لسيدة نعمة هذه الشريحة من مؤدلجي الدين الإسلامي للطبقة الحاكمة. و سعيا إلى منازعة اليمين المتطرف لاستثمار الكلام باسم الدين الإسلامي. فإن هذه الشريحة تزداد إغراقا في ادلجة الدين الإسلامي، و اكثر هجوما على اليسار لارضاء الطبقة الحاكمة. و عمل كهذا يمهد الطريق و يفرش الأرض و يزيل العقبات التي تعترض طريق اليمين المتطرف القائم أصلا على الإغراق في ادلجة الدين الإسلامي إلى درجة الظلام.

ج- اليمين المتطرف الساعي إما إلى استغلال الدين الإسلامي من اجل الوصول إلى مراكز القرار في ظل حكم الطبقة الحاكمة حتى يتم توجيه السياسة العامة للدولة لخدمة مصالح مؤدلجي الدين الإسلامي. و في هذه الحالة فإن اليمين المتطرف يغرق في معاداة اليسار. و في استعداء الجماهير الشعبية الكادحة ضد اليسار و إصدار الفتاوى تلو الفتاوى باغتيال رموز اليسار، من خلال خطاب إرهابي متميز و متمكن من صفوف الكادحين و خاصة في الأحياء المهمشة التي أصبحت مرتعا لليمين المتطرف و للخطاب الإرهابي، و منتجة للإرهابيين الذين ينطلقون منها للانتشار في الأرض، و بتمويل جهات غير معروفة، و بكميات هائلة، و أمام أنظار الطبقة الحاكمة التي لا تحرك سكانا، و لا تعمل على مساءلة المنتمين إلى اليمين المتطرف عن الأموال الطائلة التي يتصرفون فيها. و عن الفتاوى التي يصدرونها في حق رموز اليسار، لا لشيء إلا لأن الطبقة الحاكمة نفسها تمول تنظيمات اليمين المتطرف، و تستفيد من تغيير رموز اليسار حتى لا يقوى على النهوض بالجماهير لمواجهة مخططات الطبقة الحاكمة، و مخططات الأحزاب الرجعية المتخلفة، و مخططات أحزاب البورجوازية  الصغرى، و مخططات اليمين المتطرف نفسه، حتى ينشغل اليسار بمشاكله الناجمة عن الاغتيالات التي تستهدف رموزه لتبقى الساحة خالية لليمين المتطرف و للطبقة الحاكمة و للأحزاب الرجعية المتخلفة، و لأحزاب البورجوازية الصغرى العميلة للطبقة الحاكمة. و إما إلى اعتماد النص الديني برنامجا سياسيا يجب تطبيقه بحذافيره على أرض الواقع و في جميع مناحي الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و في هذه الحالة نجد أن مؤدلجي الدين الإسلامي يكفرون كل من لم يستجب للدعوة إلى تطبيق ما جاء في النص الديني، بما في ذلك الدولة ، و الطبقة الحاكمة و الأحزاب، و المجتمع. فكل شيء في الواقع كافر حتى الأشياء و الحيوانات و الأرض و الهواء. و لذلك فهم حسب هذا التصور سيكونون على حق عندما يسعون إلى تنفيذ العمليات الإرهابية التي يسمونها عمليات "جهادية" و الغاية التي يسعى هذا التوجه من اليمين المتطرف هي فرض  استبداد بديل بالمجتمع  على جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية باسم إقامة "الدولة الإسلامية" أو "الخلافة الإسلامية" التي تقوم بتطبيق "الشريعة الإسلامية" و القضاء على كل الكفرة و الملحدين و الديمقراطيين و الغربيين، و هذا التوجه من اليمين المتطرف المؤدلج للدين الإسلامي يعتبر أكثر عداوة لليسار، و اكثر استعداء للجماهير الشعبية ضد اليسار و اكثر سعيا إلى تصفية اليساريين لاعتبارات نذكر منها :

كون أحزاب اليسار هي الوحيدة التي تمارس الديمقراطية و تناضل من أجلها.

كون أحزاب اليسار هي الأحزاب العلمانية الحقيقية.

3)  كون أحزاب اليسار تملك أدوات التحليل العلمي التي تمكن من الوقوف على حقيقة ادلجة الدين الإسلامي، و مدى توظيف أدلجة الدين لخدمة المصالح الطبقية. و انطلاقا من ذلك، فإن هذا التوجه من اليمين المتطرف يعتبر التخلص من اليسار ككل واجبا دينيا فيشرعون في كل مكان إلى تنظيم الاغتيالات المتوالية التي لا حدود لها، و على مستوى الوطن العربي. و الغريب في الأمر أن الطبقات الحاكمة لا تتخذ الإجراءات الضرورية اللازمة لحماية اليسار من استهداف هذا التوجه اليميني المتطرف، و لا تخضعه للمساءلة عندما يتعلق الامر باستهداف اليسار، و لا تسائله عن الأموال الطائلة التي يتصرف فيها و التي تجعله قادرا على تجييش جميع المهمشين من المجتمع الذين يتحولون إلى مجرد جنود مستعدين لتنفيذ الأوامر في أية لحظة. و لكن عندما يتحول هذا التوجه إلى استهداف مصالح الطبقة الحاكمة، فإن الدولة تتحرك لمتابعة هؤلاء ، و تقوم بحملات على مستوى كل دولة على حدة بدعوى أنهم صاروا يشكلون خطورة  على الدولة و على المواطنين و على المؤسسات، و على المصالح الأجنبية. و لكن عندما تتحرك الدولة في هذا الاتجاه تكتشف أن كل المهمشين و العاطلين و المقهورين و العمال و الموظفين الصغار و التجار الصغار مجيشين وراء رموز التطرف اليميني المتشدد فتدخل في مداراتهم، و تعمل على تهدئتهم بالاستمرار في قمع الحركات الجماهيرية النضالية، و الحركات السياسية اليسارية و محاصرة جميع التنظيمات المناضلة، ليبقى اليسار و في جميع الحالات مستهدفا من قبل مؤدلجي الدين الإسلامي على جميع مستوياتهم بما في ذلك الدولة القائمة في كل بلد، لأنها هي نفسها تمارس ادلجة الدين الإسلامي و يتحمل المسؤوليات المختلفة فيها مؤدلجوا الدين الإسلامي.

و هنا يردنا سؤال : إلى أي حد نستمر في معاداة اليسار و محاربته، و باسم ادلجة الدين الإسلامي و من قبل الدولة و الطبقة الحاكمة و الأحزاب و اليمين المتطرف العاملين جميعا على ادلجة الدين الإسلامي كل حسب ما تقتضيه مصلحته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية ؟

أليس من حق اليسار التواجد إلى جانب بقية الأحزاب ؟

ألا يكفي ما مورس في حق اليسار من قمع و منذ عقود طويلة ؟

ألا يكفي قمع الدولة لليسار ؟

ألا يكفي قمع الطبقة الحاكمة لرموزه ؟

ألا يكفي ذلك العداء الأبدي لليسار من قبل اليمين المتطرف ؟

إننا عندما نطرح هذه الأسئلة و غيرها إنما نريد أن نصل إلى خلاصة أن اليسار هو كباقي التوجهات، من حقه أن يشعر بالحرية في تأطير الجماهير التي يستهدفها الجميع مع فارق أن اليسار يعدها للنضال من اجل التمتع بحقوقها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و لعل العالم كله الآن يجمع على ضرورة احترام حقوق الإنسان.

 

الديمقراطية و ادلجة الدين الإسلامي :

و نحن عندما اعتبرنا اليسار هو الإطار الديمقراطي الوحيد من بين كل الإطارات الحزبية القائمة. و هو الذي يناضل و يقود الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة من أجل تحقيق ديمقراطية من الشعب و إلي الشعب في كل بلد عربي على حدة.

و انطلاقا من هذا المعطى الذي يفرض نفسه كواقع، فإن سعي مؤدلجي الدين الإسلامي إلى محاربة اليسار و استئصال رموزه من الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و من المجتمع و عن طريق التصفية الجسدية في كثير من الأحيان و في كل البلاد العربية، هو في نفس الوقت سعي إلى محاربة الديمقراطية. لأن محاربة اليسار هي نفسها محاربة للديمقراطية.

فالديمقراطية في نظر مؤدلجي الدين الإسلامي هي بدعة غربية كافرة تجب محاربتها، و هي في نظرهم تدخل في إطار الغزو الثقافي الذي عرفته البلاد العربية إلى جانب أشكال الغزو الأخرى. و لذلك فكل من يأخذ بالديمقراطية باعتبارها حكم الشعب نفسه بنفسه فهو كافر، لأن حكما من هذا النوع يتعارض مع حكم الله حسب  ما يذهبون إليه من منطلق أن الحاكمية لله، ومن منطلق أن الفقهاء و العلماء و رجال الدين الذين يتشكل منهم "أهل الحل و العقد" هم وحدهم الذين يحكمون باسم الله، و هم وحدهم الذين يؤولون النص الديني، و يطبقون ذلك الدين على عامة الناس، أما الخاصة فهم المعنيون بالحكم و بتطبيقه. و هم الذين سميناهم بمؤدلجي الدين الإسلامي، لأن تأويلاتهم تكون من أجل خدمة المصالح، و حماية تلك المصالح في نفس الوقت. ومؤدلجوا الدين عندما يأخذون بمبدأ الحاكمية  لله انطلاقا مما ورد في القرءان "إن الحكم إلا لله" فلأنهم يصرون على القطع مع الديمقراطية جملة وتفصيلا.

1) فهم يرفضون الدستور لتعارضه مع دستور الله تعالى الصالح لكل زمان و مكان. ففيه في نظرهم حلول لجميع المشاكل التي يعاني منها الإنسان في جميع الأزمنة و جميع الأمكنة. بينما الدستور الذي لا يهم إلا بلدا واحدا  لا يمكن أن يحل جميع مشاكل الناس في جميع الأزمنة، فهو يتغير و يتبدل من زمن إلى آخر، و من البشر الذين لا يرقى علمهم إلى مستوى علم الله. و لذلك فمهما كان الدستور الذي يضعه البشر. فهو لا يترقى إلى دستور الله الثابت الذي لا يتغير الذي هو القرءان.

و إذا كان الدستور مصدرا لجميع القوانين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، فإن القرءان هو القانون نفسه، لأنه ينص على العديد من القوانين التي طبقت و تطبق في جميع الازمنة، و جميع الأمكنة. و يمكن أن يستنبط الفقهاء و العلماء و رجال الدين أحكاما أخرى عن طريق القياس و الاجتهاد دون أن تتعارض مع ما ورد في القرءان و في الحديث الصحيح و الحسن و المقبول.

لذلك فرفضهم للدستور آت من هذه الحيثيات التي تجعل القرءان دستورا لا يرقى إليه دستور بشري. و مع ذلك فإن القرءان نفسه  يرشد الناس إلى التشاور في أمورهم للوصول إلى ما ينظم حياتهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية فقد جاء فيه "و أمرهم شورى بينهم". و في الحديث " و إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم". و قد استورد عمر بن الخطاب نظام الدواوين من الفرس، و الفرس حينذاك لم يدخلوا إلى الإسلام بعد، و حتى إذا دخلوا فإن نظام الدواوين كان قبل الإسلام. و مع ذلك لم يقل أحد في ذلك الوقت إن عمر قام بعمل مخالف لدستور القرءان. فلماذا إذن يحرمون على العرب وضع دستور يصادق عليه الشعب و يكون مصدر القوانين التي تهم تنظيم الحياة العامة ؟ لما يكفرون الدساتير المعمول بها في البلاد العربية ؟ لماذا يعتبرون الأنظمة الدستورية أنظمة كافرة ؟

و الواقع أن مؤدلجي الدين الإسلامي عندما يكفرون الدساتير الموضوعة، و يعتمدون القرءان دستورا دائما صالحا لكل زمان إنما يسعون إلى حماية مصالحهم الطبقية، و يعملون على تأبيد تلك بإشاعة ادلجة الدين الإسلامي التي تجعل الناس يعتقدون بأوهام ادلجة الدين الإسلامي التي تجعلهم قابلين للتجييش و تنفيذ الأوامر التي يتلقونها من المؤدلجين. و العمل على السيطرة على أجهزة الدولة التي توظف لتسخير المجتمع ككل لخدمة مصالح مؤدلجي الدين الإسلامي. و بذلك يكون التمسك بالقرءان كدستور و الكفر بالدساتير الموضوعة لغاية حماية المصالح الطبقية المادية و المعنوية لليمين المتطرف.

2) و هم يرفضون الانتخابات المختلفة، لكونها تنقل الأمر من يد أهل الحل و العقد، و تجعله بين يدي المنتخبين من قبل الشعب في كل بلد عربي على جميع المستويات المحلية و الإقليمية و الجهوية و الوطنية، و يعتبرونها بدعة غربية تصرف الناس عن الامتثال لما جاء به الدين الإسلامي كما يقدمه لهم أهل الحل و العقد من مؤدلجي الدين الإسلامي الذين نصبوا أنفسهم كأفراد، أو نصبتهم الطبقة الحاكمة، أو يسعون إلى أن يصبحوا حكاما باسم الدين الإسلامي في جميع البلاد العربية، ويعتبرون كل القرارات و القوانين التي تتم المصادقة عليها جملة و تفصيلا غير شرعية و كافرة لصدورها عن مؤسسات كافرة، و يرون أن الحاجة إلى تطبيق تلك القرارات عليهم و في حياتهم غير واردة. و لذلك فهم يعبئون الكادحين و المحرومين و المهمشين من سكان الأحياء العشوائية في المدن، و من سكان البوادي الذين لا يجدون ما يأكلون و ضد القرارات و القوانين الكافرة و الصادرة عن المؤسسات المنتخبة عبر انتخابات حرة ونزيهة مخالفة ل"الشريعة الإسلامية". 

و عندما يتعلق الأمر ب"الشريعة الإسلامية"، فإن هؤلاء المؤدلجين يصوغونها وفق ما تقتضيه مصلحتهم الطبقية، و يعتبرونها هي البديل الأيديولوجي و الطبيعي لما هو متبع من قبل المسؤولين الذين يلتزمون بتطبيق القرارات و القوانين الصادرة عن المؤسسات المنتخبة. و يدعون الناس إلى تطبيق الشريعة الإسلامية التي تتناقض مع القوانين الكافرة في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و الغاية هي إقامة مجتمع المسلمين إلى جانب مجتمع الكفار، و دولة المسلمين أو "الدولة الإسلامية" كما يرونها إلى جانب دولة الكفار، و في كل بلد من البلدان العربية، حتى يحدث الشرخ العميق في المجتمع العربي الذي يصير مهددا بالتمزق و بالصراع بين "المومنين و الكفار".

و انطلاقا من هذه الوضعية التي يسعى إلى تحقيقها مؤدلجو الدين الإسلامي، الذين ثبتت عداوتهم التاريخية للديمقراطية، فإن المجتمع العربي سيعرف صراعا بين "المومنين" بالدين الإسلامي و بين"الكفار" و "الملحدين" يستحيل معه أن يعرف هذا المجتمع ممارسة ديمقراطية حقيقية ليتكرس الاستبداد القائم على أيدي الطبقات الحاكمة في البلاد العربية. و في مقابله سيسعى مؤدلجوا الدين الإسلامي إلى فرض استبداد بديل بكافة الوسائل التي تتاح لهم بما فيها القيام بالعمليات الإرهابية التي تأتي على الأخضر و اليابس كما يحصل يوميا في المغرب، و في الجزائر، وفي مصر، و في السودان، و في اليمن، و في الادرن، و في سورية، و في لبنان، و التي ذهبت بأرواح الكثير من الأبرياء و من الرموز النضالية لليسار العربي.

و لكن عندما تكون الانتخابات مجرد اجراءات شكلية لتضليل الجماهير الشعبية الكادحة، و لتضليل الرأي العام الوطني، فإن مؤدلجي الدين الإسلامي يهرولون للمشاركة فيها موظفين خطبهم النارية في المساجد، و في وسائل الإعلام الرسمية ضد التنوير و المتنورين و ضد اليسار "الكافر" و "الملحد" و ضد "الخطر الشيوعي" الذي يهدد مستقبل البلاد الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و مبشرين بالجنة التي تأتي على أيديهم في حالة وصولهم إلى مراكز القرار الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي من اجل العمل على إصدار القرارات "الإسلامية" في أفق تحويل الدولة إلى "دولة إسلامية" تصير ملتزمة ب "تطبيق الشريعة الإسلامية".

و ممارسة كهذه عندما يقوم بها مؤدلجوا الدين الإسلامي في المغرب و في الجزائر و في مصر و في الأردن و في الكويت و في السودان و في فلسطين و غيرها من باقي البلاد العربية لا تعني أبدا القبول بالممارسة الديمقراطية بقدر ما تعني استغلال الممارسة الانتخابية، و في إطار ديمقراطية الواجهة التي تلجأ إليها الطبقة الحاكمة في كل بلد عربي على حدة من اجل الظهور بالمظهر "الديمقراطي" أمام العالم حتى يتغلغل مؤدلجوا الدين الإسلامي في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة من اجل استغلالها فيما بعد الانتخابات لتحقق أهداف أخرى غير تلك التي يعلنون عنها في برامجهم الانتخابية، و تتمثل بالخصوص في السعي إلى فرض استبداد بديل لاستبداد الطبقة الحاكمة.

3) و هم يرفضون تمتيع الناس بحقوق الإنسان كما هي في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و كما هي في المواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية ، لأنها تعتبر في نظرهم غربية و كافرة و لأن كل من يناضل من اجل تحقيقها غربي و كافر لأنها تدعو إلى :

أ- التمتع بالحقوق الاقتصادية التي تعطي لكل واحد الحق في التمتع بدخل اقتصادي كاف لمواجهة متطلبات الحياة الاجتماعية كمتطلبات الأسرة و السكن، و التطبيب و الحماية الصحية و الحماية الاجتماعية، و ذلك لا يتم إلا برفع الأجور، و الزيادة في الفوائد التي يحصل عليها التجار الصغار و الفلاحون و الحرفيون حتى لا تبقى الفوائد متكدسة في حسابات و في جيوب قلة قليلة من المستغلين الرأسماليين. و مؤدلجو الدين الإسلامي يعتبرون العمل على تمتيع الناس بالحقوق الاقتصادية كما هي في المواثيق الدولية، تدخلا فيما هو خاص بالله تعالى، اعتمادا على ما جاء في القرءان " و الله فضل بعضكم على بعض في الرزق". و لذلك فالمساواة في الحقوق الاقتصادية تقود إلى الكفر بالله باعتباره مصدر رزق الإنسان. و للمحافظة على الإيمان بالإسلام كما يؤول نصوصه مؤدلجو الدين الإسلامي يقتضي الكفر بضرورة التمتع بالحقوق الاقتصادية.

ب- التمتع بالحقوق الاجتماعية التي تكسب كل واحد حقه في التعليم و الصحة و السكن و غيرها مما يجعل الإنسان يندمج في المجتمع. و يضمن احترام كرامته و إنسانيته. ومؤدلجو الدين الإسلامي لا يرون  ضرورة للتمتع بالحقوق الاجتماعية، لكونها غربية و لأنها تدفع الناس إلى تجاوز ما ورد في القرءان كما يؤولونه. و هو ما يعني أن التمتع بالحقوق الاجتماعية يجعل أمر الناس ينفلت من بين أيديهم فلا يجدون ما يستغلونه لدعوة الناس إلى القول بأن "الإسلام دين و دولة" و بأن "الدولة الإسلامية" هي التي تستطيع إيجاد الحلول لجميع المشاكل، لأن التمتع بالحقوق الاجتماعية كباقي الحقوق الأخرى، يكسب الناس وعيا معينا يحقق كرامتهم و يحفظ تلك الكرامة مما يقف عقبة أمام تأثير مؤدلجي الدين الإسلامي في الناس، ويشكل عائقا دون قدرتهم على تجييشهم.

ج- التمتع بالحقوق الثقافية التي تضمن تفاعل الناس مع مختلف المكونات الثقافية و بكامل الحرية سواء كانت محلية أو وافدة، و سواء كانت شرقية أو غربية ما دامت تمد المجتمع بالقيم الضرورية لحياة الناس من أجل ضمان بلورة الشخصية العامة للمجتمع و الشخصية الفردية لكل إنسان. و الحقوق الثقافية في نظر مؤدلجي الدين الإسلامي غير واردة لأنهم لا يومنون إلا بثقافة واحدة هي ثقافة ادلجة الدين الإسلامي التي يسمونها "الثقافة الإسلامية"  و لأنهم يعتبرونها غزوا ثقافيا للبلاد العربية التي تعاني من هذا "الغزو" الذي يجعل العرب ينساقون وراء الأفكار و الممارسات الغربية، فيصيرون كفارا و ملحدين. و الواقع أن مؤدلجي الدين الإسلامي إنما يسعون إلى سد الطريق أمام ثقافة اليسار التي تنبثق من صفوف كادحي الشعب العربي في تفاعلهم مع الثقافة التقدمية على المستوى القومي و على المستوى العالمي، كما يتبين ذلك من خلال معاداتهم لليسار، و لأيديولوجيته، و لممارسة مناضليه.

ه- الحقوق المدنية التي تجعل عنصر المساواة في الحياة المدنية بين الناس جميعا سواء تعلق الأمر بالذكور أو بالإناث لأنه لا فرق بين الناس "لا فرق بين عربي و عجمي و لا بين ابيض و أسود"و بين الرجال و النساء، لأنهم سواء في الحقوق و الواجبات، و أمام القانون مهما كان جنسهم، و مهما كانت الطبقة التي ينتمون إليها، و على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و هذه الحقوق تتم اجرأتها على مستوى القوانين المعمول بها، و هو أمر يرفضه مؤدلجو الدين الإسلامي، لأنه في نظرهم يعتبر مخالفا لما جاء في القرءان الذي ينص على أن "الرجال قوامون على النساء" و يعتبر أن "الله فضل بعضكم على بعض في الرزق" و يدعو إلى العمل بقوله تعالى "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" و هي نصوص تقود إلى أن التفاضل بين الناس واجب و أن قوامة الرجال على النساء واجبة، و أن كل من يدعو إلى المساواة كافر و ملحد، تجب محاربته لمخالفة الإسلام، و لما ورد في الكتاب و السنة. و الواقع أنه جاء مخالفا لأدلجة الدين الإسلامي التي تؤول نصوص الدين الإسلامي حسب ما تقتضيه المصلحة الطبقية للمؤدلجين ليس إلا. و ما تقتضيه تلك المصلحة يفرض عدم المساواة بين الناس، و بين الرجال و النساء، حتى تبقى الأفضلية لمؤدلجي الدين الإسلامي باعتبارهم "أهل الحل و العقد".

ه- تمتيع الناس بالحقوق السياسية التي تفرض التمتع بحق التعبير، و حق الانتماء الحزبي و النقابي و الجمعوي، و حق المشاركة السياسية، و حق تحمل المسؤوليات السياسية العامة، و حق إنشاء أحزاب سياسية معينة ... و هكذا. و مؤدلجوا الدين الإسلامي يرون أن التمتع بهذه الحقوق مخالف لما جاء به الإسلام، فالذين يمتلكون هذا الحق هم "أهل الحل و العقد" من مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يحق لهم وحدهم الكلام باسم الله الذي "اختارهم" لهذه المهمة العظيمة. و لذلك فكل من مارس حقوقه السياسية من خارج "أهل الحل و العقد" فهو كافر".

و مع ذلك فإن مؤدلجي الدين الإسلامي يلجأون إلى احترام بنود المواثيق الدولية عندما يتعرضون لقمع معين، و عندما يصير احترام حقوق الإنسان  الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في صالحهم حتى يتمكنوا من التغلغل في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة التي توصلهم إلى مراكز القرار التي يستغلونها لفرض عدم احترام حقوق الإنسان لتناقضها مع ما جاء به "الإسلام" كما يؤوله مؤدلجوا الدين الإسلامي.

و نحن عندما أدرجنا حقوق الإنسان من ضمن الممارسة الديمقراطية فلأنها هي التنظيم الإجرائي لمضامين الديمقراطية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، التي بدونها لا يكون الحديث عن الديمقراطية أبدا. و لأنها هي المجال الذي يبرز فيه عداء مؤدلجي الدين الإسلامي للديمقراطية. كما أنها هي المجال الذي يسعى إلى تحقيقه اليسار من خلال برامجه النضالية المرحلية و الاستراتيجية.

فهل تتحول الأنظمة العربية إلى أنظمة ديمقراطية استجابة لرغبة اليسار . أم أنها ستبقى رهينة لأدلجة الدين الإسلامي ؟ و هل يمكن، و في ظل الشروط القائمة أن يقوم اليسار بدوره في هذا الاتجاه، و على المدى القريب و المتوسط و البعيد ؟

و انطلاقا من تحليلنا للعلاقة بين الديمقراطية و ادلجة الدين الإسلامي، فإننا نكون قد وصلنا إلى خلاصة أن الديمقراطية تتناقض جملة و تفصيلا مع ادلجة الدين الإسلامي، و أنه من المستحيل أن يكون مؤدلجو الدين الإسلامي ديمقراطيين، إلا إذا تعلق الأمر بحسابات سياسية ضيقة.

 

العلمانية و سد ادلجة الدين الإسلامي :

و ما رأيناه في علاقة الديمقراطية بادلجة الدين الإسلامي من تناقض يجعل الجمع بينهما مستحيلا. و هذه الاستحالة تكون اكثر ورودا و أكثر حدة في العلاقة بين العلمانية، و بين أدلجة الدين الإسلامي. فإذا كان مؤدلجو الدين الإسلامي ينتهزون فرصة الانخراط في ديمقراطية الواجهة، من اجل الوصول إلى مراكز القرار لفرض اخذ المؤسسات المختلفة بأدلجة الدين الإسلامي بطريقة "ديمقراطية" كما حصل في المغرب، و في الجزائر ، و في مصر، و في الأردن ، و في الكويت، فإنهم لا يقبلون أبدا، و بأي شكل من الأشكال أن يتعاملوا مع العلمانية "الكافرة" و "الملحدة" و الوافدة من الغرب، و غيرها من الصفات التي يلحقها مؤدلجو الدين الإسلامي بالعلمانية و العلمانيين، و بالدولة العلمانية.

فلماذا هذا العداء الذين يكنه مؤدلجو الدين الإسلامي على اختلاف مستوياتهم للعلمانية و العلمانيين ؟

ألم يرد في القرءان "لا إكراه في الدين" ؟

ألم يرد فيه " و أمرهم شورى بينهم " ؟

ألم يرد فيه "و أن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا " ؟

هل ورد في القرءان نص صريح يحدد طبيعة نظام الحكم ؟

هل ورد فيه نص يحدد طبيعة النظام الاقتصادي ؟ هل هو نظام عبودي ؟ هل هو نظام إقطاعي ؟ هل هو نظام رأسمالي ؟ هل هو نظام رأسمالي تبعي ؟ وهل هو نظام متعدد التشكيلات الاقتصادية –الاجتماعية؟ و هل هو نظام اشتراكي ؟

ألم يقل الرسول " الناس شركاء في ثلاث الماء و الهواء و الكلأ " ؟

أم يدع القرءان إلى إعمال العقل في كل شيء بما في ذلك النفس "و في أنفسكم أفلا تبصرون ؟" وفي القرءان "أفلا يتدبرون القرءان"

ألم يذهب أبو حنيفة و هو صاحب مذهب ، إلى انه إذا تعارض العقل مع النقل قدم العقل ؟

ألم تسيء التأويلات المختلفة التي تلغي عمل العقل إلى القرءان و إلى الدين الإسلامي نفسه ؟

ألم يكن النص القرءاني علمانيا ؟

فلماذا كان الرسول، و هو من هو، يستشير صحابته ؟ أليست تلك الاستشارة تعبيرا عن علمانية الدين الإسلامي ؟

فلماذا كان الصحابة يسألون الرسول، و هو في عز المعركة أهو الرأي أم الوحي يا رسول الله ؟ أليس إدراكا منهم لعلمانية الرسول ؟

فلماذا نزل قوله تعالى " و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبل الرسل" أليس أفضل تعبير عن علمانية الإسلام ؟

فلماذا قال عمر في عهده "إن السماء لا تمطر ذهبا و لا فضة" ؟

إننا عندما نتتبع ما ورد في القرءان و في الحديث الصحيح، و عندما ندقق فيه سنجد انه قائم على التفريق بين الدين و الدولة. و لعل افضل ما يمكن أن نقف عليه في القرءان و في سورة الجمعة "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله و ذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض و ابتغوا من فضل الله و اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون".

فهل يمكن أن تقوم علاقة بين مؤدلجي الدين الإسلامي و العلمانية ؟ و هل يمكن أن تصير ادلجة الدين الإسلامي علمانية ؟

إن مؤدلجي الدين الإسلامي، و منذ موت الرسول، ثم مقتل عثمان بن عفان و مقتل علي ابن أبى طالب، و هم يغرقون في ربط الدين بالسياسة و جعله مصدرا لكل المواقف السياسية، و يستنبطون الأحكام الفقهية بناء على هذا الأساس، و يسعون إلى جعل جميع مناحي الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية ذات مصدر ديني، و يحاربون كل فكر ينحو إلى جعل الواقع مصدر تلك الأحكام. و المجتمع مصدر القرارات التي تهم جميع مناحي الحياة. و يعتبرون ذلك كفرا بالله تعالى، و مسا بشريعته في الأرض، و إساءة  للدين.

و جميع الدول التي عرفها العرب في تاريخهم، و التي ارتكبت الكثير من الويلات في حق العرب هي دول قائمة على ادلجة الدين الإسلامي، و في الدول العربية الحديثة نجد نفس المنحى و كل دولة حاولت ان تكون علمانية بنسبة أو بأخرى فإنها تتلقى الويلات من مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يستعدون عليها الشعوب من فرض تراجعها عن العلمانية، أو الإطاحة بها لاقامة دولة دينية مكانها.

و ما يجري الآن في العالم العربي ليس هو الصراع بين الدولة العلمانية و بين الساعين إلى إقامة الدولة الدينية. فما يجري ليس إلا تسابقا بين الدولة الدينية، و مؤدلجي الدين الاسلامي من أجل الانفراد بالشرعية الدينية. لأن كل مؤدلج للدين له مصالح معينة من تلك الادلجة. و ادلجة الدين صارت بمثابة الماء و الهواء بالنسبة للمستفيدين من السيطرة على أجهزة الدولة، و من الساعين إلى السيطرة على تلك الأجهزة على حد سواء.

و لذلك نجد سدا منيعا قائما على مدار القرون الخمسة عشر بين العلمانية من جهة، و ادلجة الدين الإسلامي من جهة أخرى. بحيث لا يمكن القبول بالدولة الدينية في ظل وجود العلمانية كما لا يمكن القبول بالدولة العلمانية في ظل سيطرة ادلجة الدين الإسلامي على سلوك المسلمين  و عقولهم و ممارساتهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، نظرا للتناقض المطلق الذي صار قائما بإرادة مؤدلجي الدين الإسلامي، بين الدين و العلمانية.

و نظرا للعلاقة العضوية القائمة بين العلمانية و الديمقراطية  فإن من حقنا أن نطرح السؤال :

ألا يتناقض مؤدلجو الدين الاسلامي مع أنفسهم عندما ينخرطون في ديمقراطية الواجهة ليصيروا بذلك من ضمن علمانيي الواجهة ؟

إن مؤدلجي الدين الإسلامي الذين لا يمكن اعتبار ادلجتهم للدين الإسلامي إلا ممارسة أيديولوجية صرفة  تكون مطبوعة بالممارسة الانتهازية المتناسبة مع صيغة البورجوازية الصغرى، لا تتورع أن تقبل بديمقراطية الواجهة، و بالعلمانية إذا كان ذلك يحقق تطلعاتها الطبقية لتتراجع بعد ذلك عن الديمقراطية و عن العلمانية، لاعادة إقامة السد المنيع بين العلمانية و بين ادلجة الدين الإسلامي.

أما الدين الإسلامي، و كما توحي بذلك الكثير من نصوصه، فهو دين يقبل بعلمانية الدولة لارتباطها بحياة الناس، ما داموا يمارسون طقوسهم الدينية بكامل الحرية و دون إكراه من أحد في مناخ من الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

ونحن في هذا الموضوع : موضوع علاقة العلمانية بادلجة الدين الإسلامي نرى أن من واجبنا أن نفرق بين أدلجة الدين الاسلامي التي لا تخدم إلا المصلحة الطبقية لمؤدلجي الدين الإسلامي، و بين الدين الإسلامي الذي هو دين معظم أفراد المجتمع العربي، و الذي لا علاقة له أصلا بالمصالح الطبقية المتناقضة، و الذي لا تتناقض مضامينه مع العلمانية، لأنه في الأصل يدعو إلى العلم، و لأن العلم هو المدخل إلى العلمانية التي تفيد معنى بناء الدولة التي لا تستند في وجودها إلا إلى البشر الذين قد تختلف أديانهم و مذاهبهم الدينية في إطار الدين الواحد. مما يفرض تحييد الدين في أمور الدولة حتى نتجنب الصراعات الدينية الدينية و المذهبية المذهبية مما لا يعود إلا بالكوارث على الشعب العربي من المحيط إلى الخليج.

 

الديمقراطية و العلمانية، و خيار التلازم :

لقد أشرنا في معرض حديثنا عن العلاقة بين العلمانية و ادلجة الدين الإسلامي، و حسب ما اقتضاه السياق أن العلاقة بين العلمانية و الديمقراطية هي علاقة عضوية.

فما مصدر هذه العلاقة العضوية ؟ و لماذا كانت الديمقراطية ملازمة للعلمانية ؟ و لماذا كانت العلمانية ملازمة للديمقراطية ؟ إننا عندما نتحدث عن الديمقراطية، و عن نسيج المجتمع الديمقراطي، فإننا نجد أن الديمقراطية هي نتيجة لنظام سياسي معين يأخذ باختيارات ديمقراطية شعبية معينة نجدها في الاقتصاد و الاجتماع و الثقافة و السياسة، ينشأ الناس على التربية عليها، يمارسونها في شؤونهم اليومية. تنشأ التنظيمات على احترامها، والنضال من أجل تحقيقها، و إذا تحققت تعمل على حمايتها حتى تصير متخللة لنسيج المجتمع عموديا و أفقيا. فإنها تكون شرطا لتحقق الحرية التي تقف وراء الانعتاق من اسر ادلجة الدين الإسلامي، لأنه بدون الحرية لا يتحرر المجتمع من اسر القيم المتخلفة التي تمنعنا من الرؤية إلى الأمام، و تشدنا إلى الخلف و تجعل الماضي المنقرض بكل قيمه و بقوة السلاح مثالا للحاضر.فالحرية هي البلسم لكل التوترات التي عاشتها البشرية وهي بلسم استعباد البشر للبشر ، و استعبادهم بواسطة الأرض في المجتمع الزراعي، و استعبادهم بواسطة الملكية الفردية لوسائل الإنتاج الصناعية. و هي لا تتم إلا بطرد الخوف و ممارسة الحقوق السياسية و النقابية، و العمل على تحسين الأوضاع المادية و المعنوية لعموم الجماهير الشعبية الكادحة. مما يعتبر مساهمة فعالة في النضال الديمقراطي الذي هو الطريق الأنجع إلى البناء الديمقراطي الذي ينفي من نسيج المجتمع ادلجة الدين الإسلامي التي تعطل الطاقات البشرية وتوقف الابداعات التي تنقل الواقع إلى الأحسن  وبتحرر المجتمع من أدلجة الدين الاسلامي  يصير علمانيا بدون عقد و بدون خوف من الإقدام على اتخاذ القرارات بعيدا عن اللاهوت المؤدلج.

و نحن عندما نصل إلى هذا المستوى من التحرر من ادلجة الدين الإسلامي، نستطيع حين ذلك أن نتحرر من  الدولة المؤدلجة للدين الإسلامي، و نشرع مباشرة في بناء دولة الحق و القانون التي لا تنطلق من الغيب بقدر ما تنطلق من إرادة الإنسان المتمثلة في سعيه إلى تقرير مصيره الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. و تقرير المصير يستهدف الدولة و نظامها و مؤسساتها و برامجها التي لا علاقة لها لا بالدين و لا هم يحزنون. فالدين لله، و الدولة للبشر حتى يصير ما لله لله و ما لقيصر لقيصر، كما يقولون.

وبهذه الصيغة التي توقفنا عليها كاستنتاج نكون قد بنينا الدولة العلمانية التي هي عينها الدولة الديمقراطية، و دولة الحق و القانون، و دولة المساواة بين الناس جميعا، لا فرق بين الرجل و المرأة، و لا بين الطبقات، و لا بين الأعراق، و لا بين الأديان و اللغات، و أمام القانون.

و في هذه الدولة ينفصل التعليم الديني عن التعليم العام ؟ و تصير ادلجة الدين غير واردة، لأنه يستحيل أن تعتمد تلك الادلجة التجييش في مجتمع تربى فيه الناس على الممارسة الديمقراطية في حياتهم اليومية، كما تربوا على الاعتماد على نضالهم، و من خلال إطاراتهم الحزبية و النقابية و الجمعوية، لتحقيق مكاسب مادية و معنوية و ديمقراطية على أن تكون أجهزة المؤسسات التي تحكمهم  من اختيارهم هم، لا  وجود هناك لممارسة اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية لا ينتجها الإنسان، و لا يقررها بواسطة المؤسسات التشريعية، و التقريرية و لا ينفذها تحت إشراف أجهزة الدولة التنفيذية، كما لا يمكن أن تعتمد ادلجة الدين الإسلامي في بناء الدولة. لأن الدولة العلمانية تصير قائمة لتقطع الطريق أمام الدولة الدينية.

و انطلاقا من هذا التحليل المعمق و المركز نستطيع أن نقول إن العلاقة القائمة بين الديمقراطية و العلمانية تكون محكومة بخيار التلازم بحيث تكون الديمقراطية هي العلمانية، و العلمانية هي الديمقراطية لأن كلا منهما سيصير متخللا لنسيج المجتمع في نفس اللحظة، و في نفس الزمان و نفس المكان. و هذا التلازم هو ثمرة لاستنهاض جميع أفراد المجتمع اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و مدنيا و سياسيا بما يتناسب مع تطور التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية و تطور الصناعة و التجارة و وسائل الإعلام و العمل على أن تعكس الدولة ذلك التطور الذي يستلزم أن تكون الدولة علمانية، و أن تكون ديمقراطية قبل أن تطور أداءها كأداة للسيطرة الطبقية التي تكون بدورها سيطرة ديمقراطية.

فهل تتاح لنا فرصة النضال من اجل الديمقراطية ؟ و هل تتحقق الديمقراطية فعلا في المجتمع العربي؟

هل يمكن أن تتحقق الدولة الديمقراطية في الوطن العربي و هل تصير الدولة الديمقراطية علمانية إن تحققت ؟

و هل يتشبع الناس بالممارسة العلمانية  في المجتمع العربي ؟

و هل ينبذ الناس ادلجة الدين الإسلامي لإيقاف نزيف الدم الذي تقف وراءه ادلجة الدين الإسلامي ؟

أما عندما نحلم بطرح هذه الأسئلة، فإننا ندرك أن ادلجة الدين الإسلامي تخالط الماء و الهواء، و تجعل كل شيء يخالط كل شيء حتى تصير الجامعة مؤسسة دينية، و المعمل مؤسسة دينية، و و النقابة مؤسسة دينية، و الحزب مؤسسة دينية. و أن الدولة نفسها صارت مؤسسة دينية. و لذلك فنحن ندرك إلى أي حد يستحيل قيام الدولة العلمانية في الوطن العربي لأن الإسلام ينبذ العلمانية، بل لأن أدلجة الدين الإسلامي هي التي تنبذ العلمانية. و نذكر كذلك أهمية الديمقراطية كمطلب جماهيري عربي، و أهمية النضال من اجل الديمقراطية في استنهاض الجماهير الشعبية الكادحة، و دور الديمقراطية في جعل العلمانية تتسرب إلى نسيج المجتمع، و هو ما يجعلنا نستمر في الحلم.

ديمقراطية الواجهة و أدلجة الدين :

و مؤدلجو الدين الإسلامي صاروا مهووسين بديمقراطية الواجهة باعتبارها ديمقراطية مزيفة و متخلفة، و ديمقراطية الرأسمال التبعي، الذي أدى إلى استقطاب الرأي العام الدولي، من أجل جلب الاستثمارات الأجنبية الدولية، و من اجل تسهيل أمر القروض المسلمة من صندوق النقد الدولي. و هذه الديمقراطية التي سميناها في حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي في المغرب بديمقراطية الواجهة . تسمح بعمالة الأحزاب و النقابات و أحزاب مؤدلجي الدين الإسلامي للطبقة الحاكمة و للنظام القائم في كل بلد عربي على حدة، و المشاركة في تلك الديمقراطية مقابل ما يتلقاه من دعم و تأييد من قبل الطبقة الحاكمة في كل بلد كما حصل في المغرب، و في الجزائر، و في مصر، و في اليمن، و في الكويت، وفي الأردن حيث تعود مؤدلجو الدين الإسلامي على استغلال ديمقراطية الواجهة.

فلماذا يستغل مؤدلجوا الدين الإسلامي ديمقراطية الواجهة ؟

و هل صاروا مقتنعين بالممارسة الديمقراطية فعلا ؟

و ما هي الأهداف التي يحققونها من وراء ذلك ؟

إن استغلال مؤدلجي الدين الإسلامي لديمقراطية الواجهة يرجع إلى طبيعة الممارسة الانتهازية التي تحكم مؤدلجي الدين الإسلامي ذوي الطبيعة البورجوازية الصغرى الذين يستغلون التزوير و ديمقراطية الواجهة لإلغاء الديمقراطية الحقيقية التي لا تكون إلا من الشعب و إلى الشعب.

فمؤدلجو الدين الإسلامي في البلاد العربية يقبلون بالدساتير اللاديمقراطية و اللاشعبية، و يعتبرونها دساتير شرعية لا لشيء إلا لكونها في معظم الأحيان تكون قائمة على ادلجة الدين الإسلامي، مما يجعلها دساتير إسلامية.

و مؤدلجو الدين يقبلون بالقوائم الانتخابية المزورة و بالقوانين الانتخابية الخالية من الضمانات الكافية ضد التزوير، و بشروط إجراء الانتخابات، و بالجهات التي تشرف عليها من بدايتها إلى نهايتها. و يقومون بشراء الضمائر كما تفعل الأحزاب الإقطاعية، و البورجوازية التابعة و البورجوازية لعلمها مسبقا أن الطبقة الحاكمة تتحكم في النتائج و في توزيعها على الأحزاب المشاركة.

و مؤدلجو الدين الإسلامي يقبلون بالتواجد في المؤسسات المنتخبة لإيهام الناس انهم يجاهدون من اجل تسخير تلك المؤسسات لفرض تطبيق الشريعة الإسلامية.

و بذلك يتبين أن مشاركة مؤدلجي الدين الإسلامي ينخرطون في ديمقراطية الواجهة، و دون أي شرط يذكر ، و بشروط الطبقة الحاكمة، و نزولا عند رغبتها حتى تنال نصيبها من العطاء الطعم الذي يقدم لجميع الأحزاب من اجل استغلاله في ترويج ادلجة الدين الإسلامي في المجتمع العربي لرفع قيمة اسهم مؤدلجي الدين الإسلامي في الانتخابات المقبلة.

فهل تستيقظ الجماهير العربية و تدرك اللعبة الحقيرة لليمين المتطرف ؟

أما كون مؤدلجي الدين الإسلامي يقبلون بالديمقراطية فأمر غير وارد إطلاقا، لكون ادلجة الدين الإسلامي تسحب من الإنسان كل إمكانية الاختيار، وترهن ما يخصه بإرادة مؤدلجي الدين الإسلامي الذين ينوبون عن الله في الأرض، و يوجهون مصير الإنسان بدعوى إعداده ليوم القيامة. و من كان هذا مذهبه، و هذا توجهه، لا يمكن إن يكون قابلا بالديمقراطية حتى و إن انخرط فيها بشكل من الأشكال.

أما الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها مؤدلجوا الدين الإسلامي فتتمثل في :

1) الوصول إلى المؤسسات التمثيلية لاستغلالها في تصريف ادلجة الدين الإسلامي، و فرض القرارات المتناسبة مع تلك الادلجة و بطريقة قانونية على جميع أفراد المجتمع.

2) الوصول إلى وجدان الناس و التمكن من قلوبهم و الزيادة في تجييشهم عن طريق تلك المؤسسات، و إكساب الشرعية الجماهيرية لممارسة مؤدلجي الدين الإسلامي.

3) استغلال المؤسسات التمثيلية لتحقيق التطلعات الطبقية لمؤدلجي الدين الإسلامي، كما يفعل جميع من يقبل المشاركة في ديمقراطية الواجهة. لأن المؤسسات التمثيلية في البلدان العربية تعتبر سلما لتحقيق المصالح الطبقية، و لخدمة تلك