دور البورجوازية
الصغرى في إشاعة الفكر الطائفي في المجتمع المغربي
محمد الحنفي
sihanafi@gmail.com
www.elhanafi.com
1) إننا عندما نتكلم عن البورجوازية الصغرى لا نتكلم عن طبقة
عادية، إنها طبقة حربائية لا تستقر على حال
، و لا تترك الحال لحاله في نفس الوقت
، و لا تعمل على أن تترك الأمور تسير بشكل طبيعي
. و لا تسمح بحدوث تطور إيجابي في الواقع الاقتصادي
، و الاجتماعي
، و الثقافي
، و المدني
،
و السياسي . لأن كل ذلك يتناقض مع حربائيتها من جهة ، و لأن تلك
الحربائية لا تحدث إلا في شروط تنتفي فيها الموضوعية ، و تحضر الذاتية
. و لذلك فهي تعمل على إشاعة الفكر الطائفي في المجتمع المغربي . فهي
ثارة تعمل على إشاعة النعرة القبائلية ، و أخرى النعرة الأمازيغية، و
ثارة تعمل على استحضار الجهوية في ممارستها السياسية ، و أخرى تبث في
المجتمع الفكر الظلامي المنبثق عن أدلجة الدين، أنى كان هذا الدين ، و
خاصة ، إذا تعلق الأمر بأدلجة الدين الإسلامي . لتكون بذلك سنية ، أو
شيعية ، أو خوارجية ، أو عدالية ، أو عدلية و احسانية، و تعمل على
إنشاء أحزاب أمازيغية ، أو دينية ، أو مذهبية ، حتى تعمل بذلك على
شرعنة الطائفية التي تعمل على تجسيدها في ممارستها السياسية ، و
الاقتصادية ، و الاجتماعية ، و الثقافية ، و المدنية ، و السياسية .
2) و يتمظهر سعي البورجوازية الصغرى في إشاعة الفكر الطائفي في
المجتمع ، باعتماد البعض رفع شعار دسترة الامازيغية . ذلك أن المغاربة
و منذ القدم لم يفكروا أبدا في كون البعض منهم ينتمي إلى الامازيغ ، أو
ينتمي إلى العرب ، أو أي عرق آخر، بل إنهم لم يستحضروا إلا كونهم
ينتمون إلى الشعب المغربي ، الذي هو الملاذ لكل إنسان مغربي . و إذا
كان هناك حيف يلحق المجتمع المغربي الكادح . فهو الحيف الطبقي الذي
يتساوى في المعاناة منه الكادحون ، و الأمازيغ الكادحون على السواء . و
النعرة الامازيغية التي يدعو إليها هؤلاء البورجوازيون الصغار، و
المتمثلة في الدعوة إلى دسترة الامازيغية ، و إلى تأسيس حزب أمازيغي ،
لا يمكن أن تكون إلا خدمة كبرى تقدم إلى التحالف البورجوازي الإقطاعي
الحاكم ، و إلى الإمبريالية العالمية . كما لا يمكن أن تكون إلا وسيلة
لشرعنة سلب الحريات الفردية ، و العامة ، التي تمت شرعنتها حتى الآن ،
حتى يتم في نفس الوقت إعادة الاعتبار للاستبداد بمضامينه الاقتصادية ،
و الاجتماعية ، و الثقافية ، و المدنية ، و السياسية .
و بالدعوة إلى شرعنة الطائفية على أساس الدعوة إلى دسترة
الامازيغية ، و المطالبة بتأسيس الحزب الأمازيغي تكون البورجوازية
الصغرى قد ارتكبت جريمة في حق الإنسانية ، و في حق الشعب المغربي . لأن
سعيها ذاك سيشرعن صراعا آخر غير الصراع الطبقي الحقيقي ، و سيجد
المجتمع المغربي نفسه منقسما إلى طوائف تتصارع فيما بينها لتحرق الأخضر
و اليابس . و ستنهار كل القيم التي تأسست عليها وحدة الشعب المغربي .
3) كما يتمظهر سعي البورجوازية الصغرى ، ذاك ، في السعي إلى
إشاعة أشكال أدلجة الدين الإسلامي ، لأن البورجوازية الصغرى ، و بسبب
فقدانها لأيديولوجية واضحة تعتمدها في بناء تنظيماتها الحزبية ، فإننا
نجد أنها تلجأ إلى أدلجة الدين الإسلامي بصفة خاصة عن طريق اللجوء إلى
تأويل النصوص المختلفة ، التي تعمل على إعطاء فرصة التأويل حتى تصير
بذلك في خدمة المصالح الطبقية للبورجوازية ، التي تعمل على تضليل
جماهير المسلمين ، و خاصة منهم ، أولئك الذين لا يملكون القدرة على
تلاعب البورجوازية الصغرى بالنصوص الدينية التي تتحول إلى تعبير
إيديولوجي متنوع تنوع المشارب المصلحية للبورجوازية الصغرى ، و تنوع
ادعاءاتها التي تدفع إلى تجييش المسلمين وراءها سعيا إلى تحقيق
تطلعاتها الطبقية ، أو سعيا إلى الوصول إلى السلطة من أجل فرض
الاستبداد بالمجتمع، و التمكن من رقاب المسلمين .
و نظرا لتعدد التأويلات الإيديولوجية ، فإن الطبقة البورجوازية
الصغرى تسعى إلى تشكيل تنظيمات متعددة ، تعدد التأويلات المؤدلجة للدين
الإسلامي ، مما يؤدي إلى تشكيل الطوائف المؤدلجة للدين الإسلامي ،
كالطوائف الشيعية ، و الطوائف السنية ، التي تسمي كل طائفة منها نفسها
على أنها هي حزب "الله" و ما سواها حزب "الشيطان". و تلك الطوائف
القائمة على أساس أدلجة الدين الإسلامي . تدخل في صراع مع كل من لم
ينسق وراءها ، و مع بعضها البعض ، لتعطي للصراع وجها آخر ، و تحرف
الأمور السياسية ، و تصرف أنظار الكادحين عن الصراع الطبقي الحقيقي . و
هو ما يمكن اعتباره خدمة عظيمة تقدمها شرائح البورجوازية الصغرى
المؤدلجة للدين الإسلامي إلى التحالف البورجوازي الإقطاعي ، و إلى
سائر المستفيدين من الاستغلال الطبقي ، الذين يضاعفون استغلال الكادحين
حتى لا يعملوا على المطالبة بحقوقهم الاقتصادية ، و الاجتماعية ، و
الثقافية ، و المدنية ، و السياسية . و من أجل أن ينشدو إخلاصهم في ما
يدعو إليه مؤدلجو الدين الإسلامي الذين يفتقدون القدرة على الوضوح
الإيديولوجي ، فيعملون على تأويل النصوص الدينية بما يخدم مصالحهم
الطبقية.
4) و البورجوازية الصغرى لا تقف عند حدود أدلجة الامازيغية أو
أدلجة الدين الإسلامي ، بل تتجاوزها إلى إثارة النعرات القبلية أو
الجهوية الضيقة ، و من ذلك نجد إثارة النعرة الصحراوية ، و النعرة
السوسية ، و النعرة الرحمانية ، أو النعرة الريفية . و هكذا مما يهدد
أمن المغرب و سلامته على المستوى المتوسط و البعيد . و في هذا الإطار ،
تأتي قضية الصحراء المغربية التي أبت على نفسها إلا أن تكون موضوع
التطرف اليساري المغربي ، الذي يبني استراتيجيته على دعم ما صار يعرف
بحق تقرير مصير "الشعب الصحراوي" ، و تأتي الدعوة إلى قيام صراع بين
شمال المغرب و جنوبه ، و بين شرقه و غربه ، و كان المغرب لا يشكل وحدة
متكاملة و منسجمة ، لينسى المغاربة بسيادة النعرات الجهوية ، ما تمارسه
الطبقة الحاكمة في سياستها الاقتصادية ، و الاجتماعية ، و الثقافية ، و
المدنية ، و السياسية ، التي تقتضي قيام هذه الطبقة بتقسيم المغرب إلى
مغرب نافع ، و مغرب غير نافع، بدل التعامل معه على أنه بلد واحد يجب
الاهتمام بجميع جهاته ، على أساس المساواة فيما بينها ، و على أساس
قيام تنمية حقيقية شاملة ، و في جميع الجهات ، و على جميع المستويات ،
و في جميع مناحي الحياة .
5) و البورجوازية الصغرى عندما تثير النعرات الطائفية، فلأنها
تسعى إلى استقطاب طوائف معينة حولها من أجل جعلها مطية لتحقيق تطلعاتها
الطبقية . و عندما تسعى إلى إثارة النزعات الامازيغية ، فلكي تجعل
الأمازيغيين ، على اختلاف لهجاتهم ، يسعون إلى تحقيق وجودهم على
المستوى اللغوي ن و السياسي ، حتى يصيروا وسيلة لتقوية التنظيم
البورجوازي الصغير ، حتى يمارس الضغط على الطبقة الحاكمة من اجل جعلها
تحقق التطلعات البورجوازية الصغرى . و عندما تلجأ إلى أدلجة الدين
الإسلامي ، فإنها تسعى إلى استثمار الأمية التي لازالت سائدة في
المجتمع المغربي ، و من أجل أن تقوى على ممارسة الابتزاز على المجتمع
ككل ، و على الطبقة الحاكة ، حتى تتمكن من تحقيق تطلعاتها الطبقية عن
طريق الوصول ، باسم الدين الإسلامي ، إلى المؤسسات "المنتخبة" ، أو عن
طريق الوصول إلى امتلاك أجهزة الدولة ، و العمل على بناء ما يسميه
مؤدلجو الدين الإسلامي من البورجوازية الصغرى ب"الدولة الإسلامية" . و
هي عندما تثير النعرات الجهوية ، فلأنها تسعى إلى تقديم خدمات محسوبة
إلي جهات خارجية ، مقابل ما تستفيده من تلك الجهات ، و على حساب وحدة
الشعب المغربي ، لتكون بذلك البورجوازية الصغرى وراء كل الكوارث التي
يعرفها الشعب المغربي ، و لكن هذا لا يعني خلو هذه الطبقة من أناس
يسعون إلى تحقيق طموحات الشعب المغربي الكادح .
محمد الحنفي
ابن جرير في 15/09/2005