من
الشعر العراقي : جنة عدم
احمد عبد الحسين
ساحةُ الأندلس
إنني أتناقضُ
برهاني يقودني إلى العطب
بالأمسِ
حين رفعتُ الغطاءَ عن تابوتِ أخي
رأيتُ الابديةَ: رزمةَ أوراقٍ نقديّةٍ على وجهٍ محترق.
- هل رأيتَ الابديّة؟
- رأيتُ قارباً مكذوباً عليه في العاصفة
رأيتُ ناراً منسيّة تتأجّجُ على حافّة الفجرِ
- هل رأيتَ الأبَ ومعناه يتقاتلان في صلاةٍ لم تكنْ لأحد؟
- هل رأيتَ الأمَّ
عباءةً تردحُ منذ الفجرِ على دمٍ أشقرَ يتصببُ على العتبة؟
هل رأيتَني حارساً على صناديق الأسلحة ولا أدري لماذا؟
هل رأيتَ كوثرَ
تسفحُ عقائدها على ماكنة الخياطة
وتتبعثر لتشدَّ حجابها؟
هل رأيتَ عبد الرحيم
ينبوعاً أسودَ يترقرقُ في قرآن أبيضَ؟
هذا هو برهاننا الذي قادنا إلى العطب
هذه غيبتُنا الكبرى التي اختلفنا على تأويل عظامها.
هذه هي الأبديّة:
نتكدّس في رقعةٍ خرساءَ ونتحدثُ عن القيامة،
عن حدائقَ مضبّبةٍ تشقّ طريقها في زينة المآتم،
عن الفم الذي يتشرّد ليقول:
أنا.
أنا السهمُ المثلّثُ الذي أخطأنا جميعاّ واستقرَّ في أحشائكَ
أنا الخاتمُ الذي انفرطَ من خنصرك الهزيلِ
أنا شمعدانٌ يجادل عن قوّة الظلام فيكَ،
في ثقوبكَ الكثيرة،
ولا أحد، تحت هذا الكوكب المترنّح، سيسمّيكَ
عارياً ومحتجباً، كأنْ جوقةُ مجانينَ ينتحبون في ثيابك المسلوبةِ،
كأنما نكـهةُ الفـجرِ استوقفتـك
وألقـتْ في يديك المأكولتينِ دراهمها المصكوكةَ من لهاثٍ وزمهرير،
فلتصمتْ إذاً،
ولتفتحْ أبواقك الصـخّابةُ نـفيرَها في الظلّ،
حيث الرياحُ الباطلةُ تقلّب الوجوهَ الباطلةَ
مثل قنديلٍ باطلٍ يضيءُ وجدانَ الأعمى،
أو
مثل شهوةٍ نظفر بها في كتابٍ ممزّق
ونقشعرّ لها أبدَ الآبدين.
غير انك الأسمُ ونقيضُه الذي يبشّر بالجسد النظيفِ المقموع
أنت المعجزةُ وتدابيرُ المعجزة:
فمٌ محشوّ بأوراقٍ نقدية.
أنت القفلُ في باب أبي يحرّف معناي:
حين كان الشمرُ بن ذي الجوشن
باسـطاً يديه مـن الكوى، يصفّق للتوّابينَ،
كان أبي منشغلاً بيديه
كيف تتناوبانِ الضحكَ والبكاءَ على بابلَ وأسباطٍ يتفسّخونَ في الكُتب.
وباسمي
باسم طبائعَ شاقّةٍ
تراجعتْ حكمتي،
وانتهيتُ الى برهانٍ مريضٍ وبلاغةٍ تتقشّر،
وها أنا أتناقضُ
ها أنا أتقدّم اليكم مثل قاربٍ مكذوب عليه في العاصفة
ها هو لساني يجرجرُ وساوسه:
العشائرُ شعثاءَ تتصارعُ على حبّة شـعيرٍ، ما اسمُها؟
الغيبةُ الكبرى التي اختلفنا على تأويلِ عظامها، ما اسمها؟
وما اسمُ الحدائقِ التي من أجلِ خلاصي وخلاصكَ تتزيّنُ بالرُعب؟
ما اسمُ اليمامةِ التي تحفظ لي عينيَّ الى أن يحينَ بلوغي،
الى أن تطـربني الأباطـيلُ
وأُدفَنُ مع أسـمائي
فلا يطّلـعَ عليَّ أحد؟
باسمي
باسم نظامٍ آخرَ للكونِ
باسم برقٍ فقيرٍ يذرذرُ مواعظَه على النائمينَ
حاولتُ أن أنقطعَ الى تأريخٍ نهائيٍّ يوجزُني
أن أستجمعَ حياتي كلَّها في مشهدٍ وحيدٍ
حاولتُ ولم ألتقطْ غيرَ معنىً أليفٍ:
شرطيّ غامض يتثاءبُ في ساحة الأندلس.
هل أقولُ له: برهاني قادني إليك؟
هل أسألُه: أهذه هي أوروكُ؟
أهذه هي البقرةُ التي ترعى جادّةَ السماءِ؟
أهذا هو الـقنديلُ الخـاشعُ السكرانُ
الذي أنعـشَ قـلبَ سـقراطَ وأنّتْ عـليه أحـشاءُ الإسكندر؟
أهذه هي الأبديّةُ:
حفنةُ أوراقٍ نقديّةٍ في فمٍ محترق؟
لنبتهلْ
لنرفع الغطاءَ عن وجوهنا
ثم نلهث راكضين كلّاً الى صحرائه
كلاً الى ينبوعهِ المتعفّن
لنبتهلْ
لكنْ لنحيّي أولاً هذه الكآبةَ - بهجتنا التي هيأتْ عظامنا للهزيمة،
- لنتذكرْ
- لننسَ
- لننسَ ولنتذكرْ
لنباركْ هذا الرأسَ المرفوعَ من الزنزانةِ
مطالباً بحريّة التناقض:
أنا أتناقضُ
برهاني قادني إلى العطب
وهذه القصيدةُ أيضاً تحملُ تناقضها في أحشائها
لأنها هي والعدمُ تُسقى من ماءٍ واحد.
------
* ساحة الأندلس ساحة معروفة في قلب بغداد، فيها مقر اتحاد الأدباء
والكتاب العراقيين ومقر الأمن العام .
1995
جنّةُ عدم
إنْ تكنْ جيوشٌ تكن الموازينُ مترفةً ومنسيةً كحـدائقَ أنضجها القحطُ
على مَهلٍ ،
والحكمةُ - هـذه الكنـوزُ السـوداءُ فـي فمِ الذئب - تلجئكَ إلى قرينٍ
حيٍّ يرفعُ حديدَه الصدئَ عالياً
تحيّة للعدم.
إن تكن الحربُ
تكن بغدادُ تنقّر جثّةَ بابل، أو بالعكس
زقورةٌ تتهدّم في كتاب "أبي مخنف"،
فردوسٌ كالطعناتِ المرحة في أحشاءِ النائمِ
عادلاً يضحكُ على العراق،
عادلاً يضحكُ على صبيانٍ ممتحنينَ بشرطيّ سكران:
أختامُه المزوّرةُ في معطفه،
ويداه مغلولتانِ على دراهمَ مسكوكةٍ من لهاثٍ وزمهريرٍ.
ويا للنياشينِ المشعّة على صدرهِ المنكوب،
يا لقبّعة الريشِ، مثقوبةً تتداركُ الصاعقةَ برأسٍ مبتور،
يا لأنواط شجاعته تتدلّى كمفاتيح الصيرفيّ،
كالذبائحِ التي تقلّبها الشمسُ:
نعم نعم ولا لا
ويا للركلةِ المطبوعةِ على وجهه - وجه الملاك -
يا للطائرات الكسولةِ ترمي نردَها في الصحراء
فتأكلنا النعمةُ ونتعافى.
تأكلنا النعمةُ لأنّ وجوهنا تتفسّخ من طعنةِ الفزع التي تشفي،
ونتعافى لأن أحشاءنا أُترعتْ بسموم "المارينز"،
تأكلنا النعمةُ ونتعافى لأنّ كلباً أجربَ حكّ جلدَه بأعمارنا واختفى.
إن تكنْ الحربُ يكنْ أخونا البابليُّ قاعداً في الظلّ يحلّ الضماداتِ
عن قلبهِ، ويلهو بطنين الذبابِ، بالقيامات المدفونة هنا وهناك،
بالأبدية المرتجلَة، بشكيمة الأنثى تغسلُ ثيابَ غوغاءٍ يسهرون على
أكياسِ الطحين.
إن تكنْ الحقيقةُ مترَعةً بالدماء الثلاثة - دماء الحيض والاستحاضة
والنفاس - يكنْ اليقينُ بارداً كالنار المرسومة في بيت النساء، كالفقير
الباكي على نجمة الصباح، كالأصنام الصغيرة في لفظة الله، أو كالذي يقال
له: من أنت؟ فترتجف يداه من الحمّى.
وأنتَ
أخي أيها المنتصبُ على الفردوسِ بفداحة الفجر التالف وصريرِ الأسنان،
يا من يمزّق دفاتر الإخباريين بحثاً عن كُنية تليقُ ببياض أكتافه،
شمسُ ماءٍ تفجّرتْ في ثيابك؟
أمْ هي الحربُ، وأعداؤك أطفالٌ يقايضونك بزئير الذهب، بالنبوءات
الرخيمة كقواربَ مربوطةٍ إلى أكوام الكتب؟
أعداؤك - أخوتك طهاةُ الأيام يلتمسون الأبوابَ إلى قلاقلَ يائسةٍ تنعش
الأنثى التي فيك، الأنثى التي ترتجّ في أحشائك، الأنثى التي هي أنتَ
لولا براهينها وشكّك، لولا القرائنُ التامّة للغيب المدوَّن بالركلات.
ألهذا
_ أخي أيها المشرف على أقنعة الغد وخرائبه _
تقفز من عاصفة لاتعرفك إلى عاصفةٍ لا تعرفها؟
ألهذا تحلّ الضماداتِ عن قلبك،
ومعك الربيعُ الأخرسُ يربّتُ بيدين سوداوينِ على حديدك الذي لن ينجوَ
منه أحد؟
ألهذا بغدادُك تنقّر جثةََ بابلك
أو…..بالعكس
بابلك مقفلة
ومفتاحها في فمك.
بابل مقلوبة
1
أضعُ بداهاتي قدّامكَ الى أن يسكنَ الرعدُ
الى أن ترفعَ البوقَ من فمكَ وتصرخ في الشعب:
أما قرأتم قطُ في الكتب؟
أما رأيتم الغريبَ مربوطاً بالذهبِ الى خيامِ آبائكم
فسلطتم عليه الكتبةَ ليرتعدَ؟
إكتنفتم يديه بجيوشٍ ومجانيقَ
صيرتم أكتافه مأكلاً للضبابِ
وكلما استيقظ من نومه وفركَ عينيه
رعاةٌ نوامونَ منكم أعادوا عليه النعاسَ
فالآنَ أقولُ لكم:
قبّلوا هذا الطفلَ النائم لئلا يغضب
قبلوه لئلا يحلَّ الظلامُ.
2
وأكاد أتكلمُ لولا لساني
أكادُ في ظلّ أسيادكِ المقموعينَ أوثقكِ
وأسقيكِ من المنفى الذي أسقيتِني إياهُ
ياخاشعةُ
ياسكرانة
يابيتاً يطرده الأخ الأكبرُ بلا حقائبَ
يا بابلَ أُوحيَ اليها أنْ تمخّضي وإلا نفضتكِ
تمخّضي لأنكِ الجيشُ المنهزمُ
بوق بعثركِ وطافَ بكِ في البلدانِ
شرطيُّ يشتكي العطشَ أماتكِ وأحياكِ
ثم أماتكِ وأحياكِ
ثم أماتكِ وأحياكِ الى أن حبلتِ وأنتِ العذراءُ
استيقظ أبناؤكِ وتاهوا
وتهشمتْ أسنانُهم من الضحك.
3
ومالي لا أضحكُ؟
أضحكُ لهذه الصنائعِ الشاقّة:
أضحك لنافخِ البوقِ تحتَ خرائبِ بابلَ،
أضحكُ للغيم الأبيضِ يتوّجُ قلبَ ميديا بلا سبب،
أضحك لصبيةٍ لم يقلْ لهم أحدٌ أنهم شيعةٌ لكنهم تنبأوا بذلك،
أضحكُ لمعدان يحرثون أكتافَ نسائهم حزناً على ثأرٍ لم يبلغوه،
أضحكُ لمندائيينَ يخرجون من خيمة الإجتماعِ وعلى أيديهم دمٌ لا يعرفون
لمَنْ،
أضحكُ لانكشاريةٍ يربطون خيولهم إلى رأسِ الملكِ كوديا،
أضحكُ لكلدان لم يجدوا ما يتصدقون به، ملأوا آبارهم خلاً وتفرّقوا في
الأقطار،
أضحكُ لعشائرَ أوقفتها خطيئتُها في ظلِّ شرطيٍ يتثائبُ،
أضحكُ على ناصر الأشقر
على قلائده المصكوكة من أسنان العبيد،
أضحكُ
وأعرف أن شعباً أحدبَ سوف يتسلّلُ اليَّ
في هذه الساعةِ
ليشاركني البكاء.
الكروبيون
إلى جمال الساعاتي
:أعمى يغمسُ عصاه في الذهبِ ويتألّمُ
اعتقادي أن ربّكَ البهلوانَ يسدّدُ إصطرلاباتِه إلى وجداني
ويخصّني باللطائفِ كلِّها:
حيواناتٍ مسختْها الأقاويلُ،
ومصاحفَ تشتهي جوقةً ترتّلُها بحزنٍ على النائمينَ
صمت
اعتقادي أنّ العقلَ، مثل ثمرةٍ باردةٍ، يخوضُ فيك لئلا يصلَ إليكَ
وأنك مزجتَ سماعي بسماعِ العوامّ
........... فتشابهتْ عليك العقول
صمت
غير أنّ هؤلاء الملاحدةَ رُزِقوا من الرعب بحيثُ أنّ منهم من يصعدُ إلى
غرفة أبيه ليرى طاعته وعصيانه تتناوبانِ الضحكَ على كومةِ عظامٍ تتلو
وصيتها الأخيرةَ ثمّ يهبطُ مبللاً وكلّه عيونٌ تبكي بعد فواتِ الأوانِ
على أخٍ يغمسُ عصاه في الذهب ويتألم وأختٍ وقفَ بها التمكينُ وراء
ماكنة الخياطةِ ربيعاً ينقبضُ وينبسطُ تحت الأقنعة....
صمت
وإلا فاعتقادي أنك تطالعُ الجنديَّ الهاربَ يطمرُ أسلحتَه في أحشائه
بالعينِ ذاتِها، عين الخنثى، التي تطالعُ بها عذراء تنعكس في المرآة
أماً وترتدُّ عليك مزقاً...
صمت
....لا
لا لأنك البركانُ الوقورُ يدفنُ وجهَه في ظلامِ العشبِ بانتظارِ أن
يحبَّه أحدٌ،
ولا لأنّ وجهك شمعدانٌ مسروقٌ يترقرقُ تحت جبينِ النائم،
بل لأنّ فيك ما يُدرَكُ وما لا يُدرك
:فمن جهةٍ
حيواناتُك تتدافعُ في ممرٍّ ضيقٍ مسختْها الأقاويلُ
مصاحفُك أُنزِلتْ بحزنٍ ولا أحدَ يقرأها بحزن،
:ومن جهةٍ أخرى
صمت
حتى متى اصطرلابُك مسدّدٌ إلى دمي؟
حتى متى فرجالك يقيسُ دورانَ الفراشة في محيطها الأسودِ
قارعةً بمخالبَ من عسلٍ وحمّى هذه الغنيمةَ المشعشعةَ،
زجاجةَ المصباحِ المكسورةَ
حتى متى يخلطني الفجرُ بنقوشه
والملائكةُ بأنينها العذبِ
صمت
نعم
هذه بئرُ العطش يتدافع عليها الكروبيون ولا أحد يشرب،
هذا فرجالك يقيسُ ضجّةَ العالم،
والعقلُ
مثل ثمرةٍ باردةٍ متروكة الى الفجر،
يلتمسُ له محنةً تعيدهُ الى ديمومتهِ،
....العقلُ
صمت
قنديلٌ يدفنُ قوّته في قوّة الحائط
وينهدمانِ معاً
صمت أبدي
قتيلانِ يتحاوران
ـ هذه خرافةٌ، تنجيمٌ أو لعبٌ بالاوفاق
ـ لماذا؟
ـ لأنّ السفينةَ لاشيءَ إنْ لم تكنْ ريحُها منها..
ـ كذلك أنا في بيت المعنى عقيقٌ زائفٌ لولا أنْ صدّقتُ نفسي.
ـ ولكنها مع ذلك خرافةٌ، تنجيمٌ، محضُ استرسالٍ في التيه كمن يبســطُ
يـداً إصطناعيةً أمامَ قارئ كفٍّ،وإلا مَن أين لك أن ترى الكنزَ
الوقورَ في ابتسامةِ الجنديّ الخائفِ، بل كيفَ لي أن أقيم الدليلَ على
بلاغةِ حاجبيك وهما يعذّبان المكانَ..؟
ـ لا، .. ليس عندي هنا بين الانقاضِ سوى قوّتي، قوّة المنجّم يتخاطرُ
تحت قوس زحلٍ رادّاً التحيّةَ على قتلاه.
ـ الليلةَ اقترانُ نجومِ العقيدِ بكوكبةِ ذاتِ النطاق
ـ لمثل هذه الليلةِ ادّخرتُ لُباناً ذَكَراً، زهرةَ دفلى حمراء
وصناديقَ أسلحة.. وأنت، ماذا ادّخرتَ ليوم زفافك، يا من تدفن وجهكَ في
أطلس البروج بانتظار أنْ تتذكرَ اسمَك؟
ـ .. ما اسمُكَ؟
ـ لا شيء. أريدُ أن أقبّلَ جرحك المفتوحَ للصيف.. وأنتَ ما اسمُكَ؟
ـ أريد أن أشكرَ الضبابَ الذي يرفو الثقوبَ في خوذةٍ تتقلّبُ على السفح
..
ـ لعلّها خوذتك
ـ انها حقّاً خرافةٌ
( يقف الانسانُ مقطَّعَ الأوصالِ في شـفيرِ الفجر، على حافّة خندق في
"سانوبا"*، يقفُ ليملأ منخريه برائحة الدم، ثمّ وقبل أن يتهالكَ،
تؤاتيه شفـقةٌ مضحكةٌ، شفقةٌ تتلّخص بإنقاذ الانسانِ من شفقته)
ـ ما هذه الخرافة؟
ـ انها الاسمُ الريفيّ الذي أعطوه للموت
ـ بل هي الثلجُ المتقلّب في نعمةِ النار، ويحرقُ طالبيه.
----------
سانوبا: منطقة حدودية سقط فيها آلاف من الشبان العراقيين والايرانيين.
8 شباط
كتبتُ الى الزعيمِ: رأسُ مَنْ أسمعه يُطحنُ بمطرقةٍ؟
وفي لياليَّ وأيامي أنينُ معدانٍ يتنازعونَ كأسَ السمِّ وراءَ القصب.
كتبتُ اليه:
أخي
إن البدوَ الذين وكلتَهم على منابعِ الفراتِ أثقلوها سمّاً
ان عمالك خلطوا بريدك ببريد العصاةِ
وان عقربينِ كبيرينِ تحتَ جلدك يلتهمانِ الليلَ والنهار.
ولما أنْ وصلَ بريدي، كان رأسُ الزعيمِ أخي يُطحنُ بمطرقةٍ،
وكانَ
جيشٌ جبانٌ وراءَ القصب يفتكُ بالمعدان.
آخرُ العرب
تحتَ شمسِ الشموس،
في قيظِ الحكمةِ ومجدِ العطشِ
لساني أرادَ أن يجلوَ صدأً قديماً تراكمَ على اسمِ العراق.
والعراقُ كلمةٌ لا أقولها.
يقولُها شابٌّ مندائيٌّ تناوبَ ماءانِ على شفائهِ من الصرع.
يقولها كلدانيٌّ أشقرُ
ريشُ وسادتهِ من أجنحةِ ملاكٍ فقير.
كلمةٌ تليقُ بكرديّةٍ مسفوحةٍ في ظلامِ الكهف
وقنديلُها طاهر.
لكني إذْ قلتُها وانعقدَ طلسمُها في فمي
فلأني بالأعلاقِ الدمويّة ورثتُ هواءً كثيراً عنهم
وتنسمّتُ شميمَ صواعقهم المخلوطةِ بآهةِ الآدميّ وعريهِ الضاري.
ورثتُ غبطةً كوكبيةً في هشيم فخارهم
ورعباً
في ولائم الطينِ المتروكةِ هنا
تحت شمسِ الشموس.
وكان ذلك في القديمِ القديم
قبل أن يأتي أولُ الأعرابِ
قبل أن يحرقَ خيمته ويعقرَ حصانه،
حصانَه
المكرَّ
المفرَّ
المقبلَ
المدبرَ
في قيظِ الحكمةِ ومجدِ العطش.
أسدُ بابل
- 1 -
تهتّكْ
بالذي يمتشقُ سيفَ العذوبة الأسودِ ويزلزلُ المغيبَ،
تهتكْ
بالساهر يذرذرُ على النائمين أحزانه القويّةَ كالشمس،
تهتكْ
بأسدِ الرخام يوشكُ أن يتعافى،
تهتك
بالجيشِ يتداوله طائرانِ بكّاءان،
تهتك
بالحكومةِ وقعتْ عليها القرعةَ فسلكتْ بنا تصانيفها العاريةَ،
تهتكْ واكرعْ مع القطيعِ الذهبيّ من البُرْكة إيّاها،
تهتك وقلْ للقيامة:
مرحى
أنا غير ذي ثقةٍ
وحسبي من الفردوس كلابُ الفردوس
حسبي من الدسائس نومةُ الأبِ في الظلِّ المكتوم
بعيداً
مع ملائكةٍ يتهتكون.
- 2 -
سأدلّك على بابلَ
سأرشدُك إلى جحيمٍ لن تراه بعدُ في الكُتبِ
سأريك معتقداتِ اليأسِ ومذاهبَ الأنينِ
وأنا وإياك سوف نحتكمُ إلى حدائقَ تتأجّجُ في المنعطفِ القادمِ
حيثُ ملاكٌ مستأجرٌ يسهرُ على نكبتِه،
نكبةِ الماءِ اليتيمِ
يرفعُه شريكٌ ممسوسٌ إلى جنائنَ معلّقةٍ حوصرتْ
ويشفقُ عليها الرمادُ.
وهناك
على السريرِ الذي تفجّرتْ فيه أعينُ النحّاتين،
سأستلقي مديداً
وأحصي عليك جيوشَك التي - على صوابٍ -
تمعنُ في أخطائها.
و دونك الحجر،
دونك مساكبَ الحمّى،
دونك معاولَ النهارِ
توقظُ الخسارةَ في الظلال القويّة
لصرخةِ الأسد.
1994
إلى محمد صلاح
غداً
في نهارٍ مضادٍّ كهذا
في هواءٍ كالسائح يلتقطنا ويهدينا لطفلٍ ساهمٍ
اتملّاكَ
اترقّبُ اعيادَكَ منقوعةً بسمومِ الخطأ والصواب
أتتبعُ وجهكَ راجعاً من نزهاتٍ غفلٍ
يتفرسُ في سواد التماثيل وينكرني
سأكونُ أباك تارةً
وتارةً بركانَك الوقورَ
إلى
أنْ تنكسرَ بيننا هذه الكأسُ
ـ الكأسُ المترعةُ بعيونٍ لا تنامُ
إلى أن أموتَ ويوقظني العقربُ
العقربُ المنزوي يساراً
في صدركَ الصغير.
هاملت
هذه قيلولةُ الملكِ المسمومِ
عواصفُ مموّهة كأنها لا أحد
كانت تسندُ رأسي .
ريفٌ حزينٌ يخفقُ في صدري
و حين رفعتُ كأسَ النبيذِ عالياً
حطّ غرابٌ أشيبُ على البلاط
وتعثّر بالأقنعة:
ـ هذا قناع الملك أبي
موحِشٌ كأنه بقايا قاربٍ
يستغيث .
ـ وهذا الوجه المضرّجُ بالعشب
قناعُ أمّ موؤدة بالخبز الباردِ
تهشُّ على إله الظلمات .
ـ أما القناعُ الأزرقُ
ذاك الذي يسترُ حنينه لصقَ الموقدِ
فهو قناعي
و قد تكاثرتْ عليه الألسنة.
بياض
ـ إلى أين ؟
إلى طفلٍ منحناه أفواهنا
و كذبناه.
هذا البياض غلافٌ لأيِّ كتابٍ ؟
خادمٌ لأيِّ مصباح؟
باسمِ مَنْ يسهرُ على بياضهِ
سهرَ السندبادِ يحشو حكاياتِهِ
بالقواربِ
ويبحرُ
ـ إلى أين ؟
ـ إلى نبعٍ كمّمنا روحَه بهواءٍ منكوبٍ
و ذئابٍ بيضاءَ مضمرةٍ في تكشيرةِ الملاك.
قبلَ هذا نمتُ في صهريجِ الألمِ،
أبيضَ، مع شعوبٍ داكنةٍ
تتفصّدُ رعباً على
بياضٍ لا نفعَ فيه.
قبل هذا
رأيتُ المعجزةَ:
عناقُ بياضينِ في ورقةٍ.
وجعُ أضراس
قديماً قلتُ: وهكذا مضتْ حياتي شبيهةً بوجع الأسنانِ
أما الآن فأقول:
أيها الواقفُ بين شجرتينِ محترقتينِ
عليك أن ترسّخ معتقداتك
عليك أن ترسخ أوبئتك.
فما الذي تغيّر؟
ربما عطلي عن العمل
ربما قوّةُ الظلام
ربما اللسانُ القديمُ يسقطُ من أكوام الكتب فترتعشُ له يدي وخاصرتي
غير اني حاولتُ .....
كثيرون قبلك حاولوا ولم يجدوا القيامةَ إلا في كتاب الفقهِ
أما أنا فقد وجدتُ القطيعَ الكبيرَ يصعدُ بسلاسله الى الهضبةِ
وجدت العظامَ (عظامك) ملفوفة بجريدةٍ ومقذوفةً من النافذة،
وجدت الأسنان (أسنانَ المذراة) منغرزةً في عنقِ النائمِ
وجدته (هو) بين شجرتينِ محترقتينِ
يترنّح تحتَ وطأة وساوسه الشاقّة.
ماالذي تغيّر؟
بلاغتي تسحلُ نفسها مخضبةً بالطاعون
بلاغتي ـ إسفنجتي تمتصّ رغبتي بالبكاء
وهذه البوصلةُ
منذ أوّلِ أمسِ تنقلُ لهاثي اليك
فلا تصدقْ
هذه ذخيرةُ الإنسانِ
منطوياً على نفسه
يسحقُ في تلعثمهِ مركزَ الآلهة
يتلفُ ممرَّ الطيورِ الكسيرةِ
يتلِف
ويتلَف
كلُّ شيء عندنا ينتظم وفقاً لهندسةِ التلفِ
فما كان اكتشافاً، فلسفةً، يقيناً لا ريبَ فيهِ
فهو الآنَ دلوٌ مثقوبٌ
أو ضرسٌ منخورٌ يتقلقل.
وهكذا مضتْ حياتي شبيهةً بوجع الأسنان.
زاخو 1992
نادراً ما يحدث هذا
نادراً ما يحدثُ هذا
فمن الطبيعيّ أن يصغي النائمُ لغبار تنفسه
وهو يبرّر وحشته بين ثلّةٍ من مشيعيه
ومن الطبيعيّ بل ومن الضروريّ ايضاً
أن يتأكد الآخرون من نظافة ميتته
فيضطرون لقتله مرةً أخرى
ثم ينادونه بأحبّ الاسماءِ لديه
لكنْ
أن تمتدَّ يدٌ من الضريح لتصافحَ الغرباءَ
فذلك أمرٌ نادرُ الحدوثِ
ولأنه حدثَ
فقد خسرنا ـ نحن المشيّعينَ ـ لذةَ الهتافِ بأسمائنا
خسرنا فرصةً بريئةً للقتل
ببينما خسر المسكينُ ميتةً بيضاءَ أخرى
وربحنا جميعاً هذه اليدَ الممدودة
1987
عقائد موجعة
1
مثل غيابٍ يصفّدُ الغرقى وينشرُهم في آخرِ العبارةِ،
مثل حدائقَ سامّةٍ ترتجفُ أمامَ الصحراء،
مثل نواقيسَ تذبلُ في نهارٍ أصمّ،
مثل هذا وذاك
أشير بأصابعَ مبتورةٍ الى عزلتي.
2
أنا:
مكيدةٌ تنغلق في كتابٍ أصفرَ تلخيصُه: من أنت؟
سوادٌ نحوَ لا أحد يتقدّمُ ضدّي
ميراث خلّبٌ يتفتّحُ عن جمهرةٍ تصغي لمزاميرَ مكذوبةٍ.
عبدٌ يجثو في آخر القومِ على ركبتيهِ ويطرحُ سؤالَه
(الذي هو في نهايةِ المطافِ سؤالي):
أيتكلم الغيابُ؟
قال: والعزلةُ تتكلمُ أيضاً
تأمرُ وتنهى
والنهي والأمرُ كلام.
قلت: لا أستطيعُ التحدثَ بهذا في الناس.
قال وهو يشير إلى صدره:
وهل الناسُ إلا أنا؟
3
مثل صمتٍ شاسعٍ ينشرُ أبواقَه المريضةَ
في أذنينِ ناعستينِ
أحرسُ عزلتي.
4
أنا:
شرشفٌ مسروقٌ يخضرُّ فوق حبل الوشاية،
قريةُ عميانٍ تقود الجنوبَ الى انتظارٍ طاحن،
ربيعٌ مغلوبٌ في مصاحفَ مغلوبة
وجهُها محرّفٌ
وسيبقى محرّفاً حتى وهو يمكّنُ عزلته من نفسه
فتجتمعُ على معرفته النفوسُ المتباينةُ
فسوف يظلّ مسدّداً الى مرماه الطائشِ
مرتعشاً
(في الحقيقة عقائدُ أبيه هي التي ترنعشُ في داخله)
مبلّلاً
يصعدُ بسلاسله ودموعه الى غرفة أبيه
وهناك
أمام مدفأة نفطيةٍ
أمام قرآنٍ مفتوح على سورة محرّفة
يجهش:
أبي
عقائدي تؤلمني.
5
(عقائدي تؤلمني)
يقولها وهو يتحسّس موضعاً في جسده
يقولها ويقصدُ:
أين سأقضي تأخري عن المدرسة؟
أو أين سأكملُ غيابي
(أبرضوى أم ذي طوى)؟
أو لمن سأفضي بهذا الأبد الساكب معارفه في دوارق الرماد؟
ومن سيفترضني بعد ذلك صنماً ليستدلّ بي على كاهنٍ منفيّ يسوق حشوداً من
الصبيانِ يرفعونَ توابيتَ آبائهم اليَّ:
أيْ ربّ
تكسرتْ عصيُّ الرمالِ على رؤوسنا فما نستطيعُ دنوّاً،
ربَّ الجنوبِ
ألا تسمع؟
6
مثل عين حمراءَ تنغلقُ عليَّ في غيابي
أجثو في آخر القوم على ركبتيَّ
وأطرحُ عزلتي:
عقائدي تؤلمني
ولا أستطيعُ التحدثَ بهذا في الناس.
7
...وهل الناسُ إلا أنا؟