نـــــزار
حيدر
●
ليس في
العراق
الجديد ، من لا
يحق له أن يدلي
برأيه ، في أية
قضية من
القضايا
العامة ،
السياسية
منها
والاجتماعية
والاقتصادية
والتعليمية
والحقوقية ،
وغير ذلك ،
ولكن ، في نفس
الوقت ، ليس
لأحد أن يفرض
رأيه على
ألآخرين ، في
كل الظروف .
هذه
القاعدة لا
يستثنى منها
أحد ، بسبب زيه
أو إنتمائه أو
موقعه
الاجتماعي ،
فإذا كان
المواطن
العادي يحق له
أن يدلي برأي
ما في قضية ما
، فهل يجوز أن
نمنع المرجع
الديني ـ مثلا
ـ من الإدلاء
برأيه ، في
قضية من
القضايا ، ليس
إلا لمجرد أنه
يلبس العمامة
؟.
حتى
أولئك الذين
يرفضون اليوم
تدخل (رجل
الدين)
بالسياسة،
ظلوا، ولسنين
طويلة ،
يتعاملون معه
كرجل سياسة ،
وذلك طوال
فترة عمل
المعارضة
العراقية ،
والممتدة
أكثر من ربع
قرن من الزمن ،
فهل يعتقد
هؤلاء ، بان (رجل
الدين) هذا ،
يحق له التدخل
بالسياسة
فترة النضال
السلبي ، ولا
يحق له
تعاطيها فترة
النضال
الايجابي ؟
وبعبارة أخرى
، هل يرونه
يصلح للذبح
والإعدام
والاعتقال
والمطاردة
والاغتيال ،
ولا يصلح
للسلطة
والإدارة ، أو
على الأقل
كرأي في
القضايا
العامة ؟
فيتعاملون
معه في مجلس
الحكم
الانتقالي ،
ولا يتعاملون
معه إذا لم يكن
عضوا فيه ؟ أو
يتعاملون معه
إذا كان ضعيفا
مستضعفا ،
ويرفضون
التعامل معه
إذا كان قويا
مقتدرا ؟ .
ثم ، من
انتم ؟ وماذا
تمثلون ؟ حتى
تحددوا دور
الناس ؟ فهذا
يصلح للحكم ،
وذاك يصلح
للذبح ؟ أنتم
تصلحون
للقيادة ،
وغيركم جهلة
وأميون لا
يصلحون إلا
للسوق
كالبهائم ؟.
حقا ، لقد
سقط الطاغية
الذليل ،
ليكشف
الكثيرون عن
حقيقتهم ، وما
كانوا
يخبئونه تحت
طيلسانهم ،
والإمام علي (عليه
السلام) يقول ؛
(المرء مخبوء
تحت طي لسانه
لا تحت
طيلسانه) ، وها
هي الأيام ،
تنتزع ما خبأه
هؤلاء ، تحت طي
ألسنتهم عقود
طويلة من
الزمن ،
لتكشفهم على
حقيقتهم و (عش رجبا ،
ترى عجبا).
ما لهم ؟
كيف يحكمون ؟
وما هو الفرق ،
إذن ، بينهم
وبين نظام
الطاغية
الذليل ؟ ،
الذي لم يكن
يميز بين
مواطن وآخر
عندما كان
يوزع الموت
وينشر القتل
وينثر الدم في
الاتجاهات
الاربع ؟ .
لقد حاول
النظام
البائد أولا
إبعاد (رجل
الدين) عن
السياسة ، في
الوقت الذي
كان يتدخل هو
في الدين
وشؤونه
ومؤسساته
وبكل
التفاصيل
المتعلقة به ،
ولكنه عندما
كان يمر بأزمة
ما ، كالحرب
العراقية
الإيرانية
وأزمة إجتياح
الكويت ،
وأزمة الحرب
مع المجتمع
الدولي ، كان
يسعى لتوظيف
الدين و(رجل
الدين) لخدمة
سياساته
وأغراضه أسوأ
توظيف ،
وعندما كانت
تعيه السبل ،
كان يستورد (رجال
الدين) من
الخارج ،
ليمرر ما كان
يريد قوله على
ألسنتهم ، كما
فعل ذلك فترة
إحتلاله
للجارة
الشقيقة
الكويت .
أكثر من
هذا ، فقد راح
يفتتح
بياناته
وخطبه ، بآيات
من القرآن
الكريم
ويختتمها
بأخريات ،
وأكثر ، عندما
اختار الآية
المباركة ، (وجئتك
من سبأ بنبأ
يقين) ، لتكون
شعار جهاز
المخابرات
سيئ الصيت ،
لتزين شارة
عناصره
الإرهابية ،
في إشارة إلى
استحسان
عملهم ، كما
فعل هدهد
سليمان الذي
نقل لصاحبه
نبي الله خبر
الملكة بلقيس
التي كانت
تعبد وقومها
من دون الله .
ولم يكتف
بكل ذلك ،
فأطلق ما
أسماه
بالحملة
الإيمانية
التي كانت ،
ولله الحمد ،
السحر الذي
انقلب على
الساحر.
وعندما
أراد المرجع
الديني (الصدر
الثاني مثالا)
أن يدلي برأي
ما ، في قضية
ما ، أقام
النظام
الدنيا ولم
يقعدها، فهدد
وتوعد، ولما
لم ينحن الرجل
أمام كل
تهديدات
النظام ،
إعترضه جهاز
الاغتيالات ،
الذي كان يشرف
عليه قصي ، إبن
الطاغية
الذليل ،
ليمطره
برصاصات
الحقد الأعمى
الدفين ، هو
وإثنين من
أولاده
الأربعة .
تلك كانت
قصة النظام
البائد مع
الدين ورجاله
، فلماذا
يتعامل بعض
ضحاياه اليوم
بنفس الطريقة
؟ وإذا بهم
يصبون جام
غضبهم على
الدين ورجاله
، لمجرد أن
المرجع
الديني قال
رأيا في قضية
ما ؟ .
هم
يخوضون في
قضايا الدين ،
كل الدين ،
لدرجة أن
أحدهم نصب
نفسه إماما
وفقيها
ومؤرخا
ومفسرا (ما شاء
الله)، وهو
الذي لم يدرس
ألف باء
الطهارة ،
وراح يفتي بما
لم ينزله الله
من سلطان، ومن
دون أي دليل أو
حجة ، فحمل
الدين من
البدع
والخرافات
الشئ الكثير ،
وفسر آيات
القرآن
الكريم بلا
علم ولا هدى
ولا كتاب منير
، وأبدى رأيا
في آيات
القصاص ، ما لم
نسمع بمثله
حتى أيام زمن
الطاغية
الذليل ، ثم
يختم مقالته
بقوله ، وكأنه
استنتج رأيا
فريدا يستحق
أن يمنح عليه
شهادة براءة
الاختراع ،
فيقول (ولكل
ذلك لا نريد
للدين أن
يتدخل في
السياسة ، ولا
نريد لرجل
الدين أن
يتدخل في
السياسة) .
إن مثله يشبه
إلى حد بعيد ،
مثل ذلك الذي
سأله صاحبه ،
إن كان يصلي أم
لا ؟ ، فأجابه
بالنفي ، ولما
سأله عن السبب
؟ رد عليه
بقوله ، عملا
بأمر الله عز
وجل ، فاستغرب
زميله وسأله ،
وأين قرأت هذا
الأمر الإلهي
الخطير،
والذي لم
تنتبه له كل
الرسل
والأنبياء
والصالحين
والشهداء من
قبل ؟ فأجابه ،
قرأته بقول
الله عز وجل في
كتابه العزيز (ولا
تقربوا
الصلاة).
ضحك
زميله ضحكة
كادت أن تكون
القاضية ،
قائلا له ؛
ولكن للآية
تكملة ، لعلك
نسيتها ؟ تقول
؛ (وانتم سكارى)
؟ أجاب الرجل
بكل ثقة
المكتشف
المتيقن ؛ أنا
أعشق هذا
الجزء من
الآية ، وأنا
حر ، ولذلك
أطبقه حرفيا
من دون زيادة
أو نقصان ، ولك
أن تختار من
الآية ما تحب
وتهوى .
هو يحب أن
لا يتدخل
الدين
بالسياسة ،
ويكره أن
يتعاطى (رجل
الدين) بالشأن
العام ، ومن
أجل أن يدلل
على رأيه،
ويضفي الدليل
الشرعي
المزعوم ،
تراه يتصفح
سور وآيات
القرآن
الكريم ،
وأحيانا بعض
كتب التفسير
المشبوهة ،
بحثا عن كل (
نصف آية) تخدم
هدفه ، بطريقة
إنتقائية
ظالمة
ومتعجرفة ،
حتى إذا لزم
الأمر ، زاد
عليها أو أنقص
منها شيئا .
نعم هو حر
بطريقة
تفكيره
المنحرفة
والمخادعة
هذه ، ولكنه ،
بالتأكيد ،
ليس حرا في
تحميل الدين
خزعبلاته ،
والنتائج
المنحرفة
التي يصل
إليها بهذه
الطريقة من
التفكير .
حقا إنهم
تلاميذ
معلمهم
الطاغية
الذليل ، فهم
الصورة
المصغرة لتلك
الحقبة التي
مرت على
العراق ،
فأرته الويل
والثبور .
أجزم ، لو
حكم أمثال
هؤلاء ،
العراق
الجديد ،
لأعادوا
عقارب الزمن
إلى عهد نهاية
الخمسينيات
وبداية
الستينيات من
القرن الماضي
، فسيروا ،
أولا ،
المظاهرات
الشعبية ـ وإن
سماها بعضهم
بالملايين
الأمية لأنها
لم ترفع صور
الزعيم
العمالي
المحبوب ، أو
تردد شعار
الطبقة
العاملة ـ ،
وهي تتوعد (الرجعية
السوداء)
بالويل
والثبور ،
والقاضي
المسكين ،
بالغرق حتى
الموت ، ليشرب
من ماء البحر،
وهي تردد ؛ (بس
هالشهر، ماكو
مهر ، والقاضي
نذب بالنهر) ،
ـ أي الزواج
على الطريقة
الديمقراطية
ـ .
أي عراق
جديد يريد أن
يبنوا لنا
هؤلاء(الصداميون
الجدد) ؟ و(الضلاميون
الديمقراطيون)
؟ وأي مجتمع
يريد هؤلاء ؟ .
لا أحد
يعترض على كل
ما يقولونه ،
فهو يدخل في
إطار إحترام
الرأي والرأي
الآخر ، شريطة
أن لا يحملوا
الدين كل ما هو
منه براء ،
وعليهم أن
يأتوا
بالدليل
العلمي
المقنع ،
لنشعر أنهم
بالفعل ،
حريصون على
تبني كل كلمة
يقولونها ،
وكل رأي يدلون
به ، أما أن
يطيروا
الكلام على
عواهنه ،
ويوزعوا
التهم
والافتراءات
يمينا وشمالا
، ويحاولوا
فرض آرائهم
قسرا
وبالإكراه ،
لدرجة التوسل
بالكذب
والتزوير
والغش
والخداع
وطريقة
الانتقاء
السيئة، فإن
كل ذلك مرفوض
جملة وتفصيلا
، لا أحد يقبل
أن يعود إلى
أجواء العراق
الجديد أبدا .
كذلك
، فكما أن من
حقهم أن
يقولوا رأيهم
في كل الأمور
التي يعلمون
بها ولا
يجهلونها ،
فإن للآخرين
كذلك كامل
الحق في إبداء
آرائهم بكل ما
يريدون ، لا
فرق في ذلك بين
من يلبس الجبة
والعمامة ، أو
من يلبس
الكوفية
والعقال
العربي ، أو من
يلبس ربطة
العنق ويضع
على رأسه
السيدارة
الإفرنجية ،
أو من يلبس
الزي الوطني
الكردي أو
التركماني أو
الآشوري أو أي
زي آخر ، فليس
المهم من الذي
يقول ، وما هو
إسمه أو زيه أو
رسمه ، أو
إنتماءه ،
وإنما المهم ،
ما الذي يقوله
؟ وكيف يقوله ؟
، وفيما إذا
كان صحيحا
مقنعا ، أم خطأ
مرفوضا لا
يقنع الآخرين .
إن ما
يؤسف له حقا ،
هو أن بعض فلول
جيل
الديناصورات
المنقرضة ،
كشف عن وجهه
الحقيقي
وأماط اللثام
عن قلبه
الأسود
المملوء حقدا
وضغينة ، ضد كل
ما يمس الدين
وأهله من قريب
أو بعيد ،
فيحاول أن
يعيد للعراق
أجواء عهد
الخمسينيات
والستينيات ،
أيام المد
الأحمر سئ
الصيت ، الذي
رفع وقتها
راية العداء
للدين وقيمه
وأخلاقه ،
لدرجة إضطرت
وقتها
المرجعية
الدينية
العليا آنذاك
، السيد محسن
الحكيم ،
لإصدار
الفتوى
الدينية
التاريخية
المشهورة
التي تقول (الشيوعية
كفر وإلحاد) ،
والتي كانت
بمثابة القشة
التي قصمت ظهر
البعير
الأحمر .
ترى ، متى
كان الدين
سببا لمشاكل
العراق
الحديث ؟
لتطالب هذه
الفلول
بالنظام
العلماني
المعادي
للدين ؟ ، بل
متى كان
النظام في
العراق دينيا
، حتى يطالبون
اليوم بنظام
علماني ؟ .
ألم تحكم
العلمانية ،
العراق
الحديث منذ
تأسيسه مطلع
القرن الماضي
وحتى سقوط
الطاغية
الذليل ؟ .
ألم
ترتكب كل
الجرائم التي
شهدها العراق
خلال القرن
الماضي من
الزمن ، باسم
العلمانية ؟ .
ألم يقتل
الشيوعيون
باسم ،
العلمانية ؟.
ألم يقتل
الإسلاميون ،
باسم
العلمانية ؟.
ألم يقتل
الرجل
والمرأة ،
الصغير
والكبير ،
باسم
العلمانية ؟.
ألم يقتل
رجل الدين
الشيعي ،
وأخيه السني ،
وأخيه
المسيحي ، وكل
رجال الدين في
العراق ، باسم
العلمانية ؟.
ألم تقصف
مدينة حلبجة ،
باسم
العلمانية ؟.
ألم
يمتلئ العراق
بالمقابر
الجماعية ،
باسم
العلمانية ؟.
ألم يقتل
الأبرياء في
عمليات
الأنفال ،
باسم
العلمانية ؟.
الم
تستباح
الأعراض ،
ويغتصب الشرف
، باسم
العلمانية ؟.
الم تشن
الحروب ضد
الكرد في
الشمال ، وضد
الجارة إيران
، والأخرى
الكويت ، باسم
العلمانية ؟.
لقد
ارتكب
الشيوعيون
جرائمهم ،
باسم
العلمانية ،
كما ارتكب
القوميون
جرائمهم ،
باسم
العلمانية ،
وكذلك فعل
المدنيون
والعسكريون ،
إن كل الجرائم
الفضيعة
ارتكبت باسم
العلمانية ،
فأين الدين في
كل ذلك ؟ ،
لتطالب حثالة
نكرة ، بفصل
الدين عن
السياسة ،
ومنع رجل
الدين من
التعاطي
بالشأن العام
؟.
على
العكس من كل
ذلك ، فان من
حق المواطن
العراقي الذي
ضحى مدة (35) عاما
من اجل صيانة
دينه وقيمه
ومقدساته ، أن
يطالب بقيام
نظام ديني في
العراق
الجديد ، بعد
أن ذاق
الأمرين من
النظام
العلماني .
إنهم
يحكمون على
الدين وأهله
بالنوايا
والاحتمالات
، أما
العلمانية ،
التي جربناها
قرن من الزمن ،
ورأينا بأم
أعيننا ، ما
فعلت بأربعة
أجيال من
الشعب
العراقي ، فلا
يصدرون ضدها
أي حكم ، بل
يبرئونها من
جرائمها في
اغلب الأحيان .
حقا إنهم
صم بكم عمي فهم
لا يعقلون .
ولهؤلاء
أقول ؛
أولا ؛
العراقيون
شعب متدين (مسلمون
ومسيحيون
وغيرهم) ، من
دون أن يعني
ذلك بالضرورة
، أبدا أنهم
يريدون إقامة
نظام ديني ،
إلا أن الدين
بالنسبة لهم ،
قيم وأخلاق
وقواعد
اجتماعية
ولغة وتاريخ
وثقافة
وعبادات
وعلاقات
اجتماعية ،
يخطئ من يتصور
أنهم
سيستغنون عن
دينهم في يوم
من الأيام
لصالح حفنة
تدعو إلى
التحلل
الأخلاقي.
ولمن
يريد أن يتأكد
مما أقوله ،
عليه أن يقرأ
الواقع
العراقي
الحالي بشكل
دقيق ، بعيدا
عن النماذج
الانتقائية
والعقد
التاريخية ،
فلقد رأينا
كيف خرجت
الملايين في
أربعين
الإمام
الحسين بن علي
(عليهم السلام)
في مدينة
كربلاء
المقدسة ، بعد
سني الكبت
ومحاربة
الدين
وشعائره ،
ومنها شعائر
الحسين (عليه
السلام) .
أو كما
عرضت لنا
شاشات
المحطات
الفضائية ،
التظاهرات
المليونية
التي جابت
شوارع
محافظات
العراق
تأييدا
للمرجعية
الدينية ، كما
أن صلوات
الجمعة التي
يشارك فيها
الملايين في
كل مناطق
العراق
تقريبا، ومن
دون استثناء ـ
وهي
بالمناسبة
اكبر وأضخم
تظاهرة
أسبوعية
دينية
وسياسية لا
تضاهيها أية
ظاهرة سياسية
أخرى ـ ، دليل
آخر على صحة ما
أقول .
ولكي
أكون منصفا ،
يلزم أن اذكر
هنا تظاهرة
ألـ (200) نفر التي
عرضتها لنا
المحطات
الفضائية ،
والتي خرجت في
العاصمة
بغداد ، في
ذكرى عيد
العمال الذي
يتخذه هؤلاء
شعارا لهم ،
فلقد نقلت
وسائل
الإعلام
وقتها ، أن
المشرفين على
التظاهرة ،
أصدروا أمرا
حزبيا صارما
وملزما لكل
منظماتهم
الحزبية في
مختلف مناطق
العراق ،
للمشاركة في
التظاهرة (المئتينية)
، ولم ينس
المنظمون دفع
قيمة وجبة
الغداء
للعمال
والفلاحين
الكادحين ،
الذين شاركوا
في التظاهرة (خبز
وكباب) .
ثانيا ؛
سيكتب للنظام
العلماني
الفشل في
العراق ، فلا
تتعبوا
أنفسكم .
حتى
الرئيس
الاميركي
جورج بوش ،
تنازل عن زلة
لسانه ، التي
قال فيها يوم
أن سقط نظام
الطاغية
الذليل ، (أن
إدارته تريد
إقامة نظام
علماني في
العراق) ، بعد
أن اصطدم
بحقيقة
الواقع
العراقي
الملتزم
بالإسلام ،
لدرجة انه
أعلن احترامه
للمرجع
الديني
الأعلى السيد
علي
السيستاني
وتقديره
لآرائه (السياسية
طبعا) ، لان
الرئيس بوش لا
علم له بالدين
، ثم ، انه
علماني لا
يتدخل في شؤون
الدين ، كما هو
معروف، وينص
عليه الدستور
الاميركي .
ولا ادري
إن كان
علمانيو
العراق قد
اطلعوا على نص
الدستور
الأفغاني
الجديد، الذي
صادق عليه
الشعب في ظل
الاحتلال
الاميركي
وباستشارة
اميركية صرفة
؟ ، فقرأوا
مثلا ، النص
الدستوري
الذي يسمي
الدولة
الجديدة (جمهورية
أفغانستان
الإسلامية )
وأن (الإسلام
هو دين الدولة
الرسمي ومصدر
التشريع
الأول) ؟.
وهل
قرأوا دستور
دولة فلسطين
المرتقبة ،
المقترح ،
والذي يذكر
نصوص مشابهة ،
لتلك الواردة
في الدستور
الأفغاني ؟ .
أقول
وبصراحة ، لقد
ولى عهد
الاستعمار
البريطاني
للعراق
الحديث ، وقد
كنست كل
مخلفاته عن
ارض العراق ،
وبقي أن نكنس
مخلفاته ،
التي لا زالت
عالقة في
أذهان البعض
من أيتامه ،
مثل موضوعة
فصل الدين عن
السياسة ،
وتقسيم
العراقيين
إلى عربي
وعجمي ، وان
المرجع
الديني
العجمي ، لا
يحق له أن
يتدخل في شؤون
العراق ، وغير
ذلك من
الأفكار
القذرة التي
زرعها (أبو
ناجي) في
العراق ،
وظلـت عالقة ،
حتى الآن ، في عقول
البعض ، يرددونها
كالببغاوات ،
من دون أن
يفهموا
معناها ، أو
يعوا الغرض من
ورائها ،
وبالمناسبة ،
فان الكثير من
هؤلاء
يتمتعون
بمواطنة (أبو
ناجي) من دون
أن يقول احد
لهم ، اذهبوا
فانتم غرباء
أو أجانب عن
هذا البلد ،
وهم الذين لم
تمر على مدة
إقامتهم في
بلاد الضباب ،
سوى سنوات
معدودة ، فما
بالك
بالمرجعية
الدينية التي
ولد بعضها في
العراق ، أو
مرت على
إقامته أكثر
من نصف قرن ،
هذا ، إذا
أردنا تناسي
أصول السادة
منهم ، والتي
تعود إلى بني
هاشم ، ما يعني
أنهم عرب
اقحاح معروفي
النسب ، وليس
كبعض العرب ،
مجهولي النسب .
لقد كان
الدين في
العراق ،
مشروع تحرر
وتحرير ، وكان
به جديرا ، كما
كانت المآذن
والكنائس ،
جهاز الإعلام
المفضل
لدى
العراقيين ،
للإصغاء إليه
وهو يتلو
بيانات
الثورة
وتعليمات
الجهاد ، أما
العلمانية ،
فقد كانت
مشروع سلطة ،
ولم تكن بها
جديرة أبدا ،
فلقد حرر
الدين ،
العراق ، من
الاستعمار ،
وسلمه إلى
العلمانيين ،
وإذا بهم
يخونون
الأمانة فيعيدون
البلاد
وأهلها ، إلى
حضن
الاستعمار
والاحتلال من
جديد ، فماذا
يعني هذا ؟ ألا
يعني أن الدين
أدى دوره بكل
جدارة ، فيما
فشلت
العلمانية
فشلا ذريعا في
الحفاظ على
منجزات الدين
، وفرطت
باستقلال
العراق
وكرامة أهله ؟
.
ألا يعني
ذلك أن الدين
كان أمينا على
الوطن والشعب
، فيما خانت
العلمانية
الأمانة ؟.
ثالثا ؛
إن العراق
يختلف عن
أوربا ، التي
نمت فيها بذرة
العلمانية ،
ثم صدرتها لنا
مع بعض أنصاف
المثقفين
الذين ذهبوا
إلى عواصمها
للدراسة وطلب
العلوم
الدنيوية .
فالعراق
، مهد
الديانات
السماوية
الثلاث ،
المدفون فيه
أبو البشر آدم
(عليه السلام)
، والذي ولد
فيه أبو
الأنبياء
الثلاثة
أولوا العزم ،
(موسى وعيسى
ومحمد) ،
إبراهيم (عليه
السلام)،
العراق الذي
يرقد فيه أئمة
الشيعة
والسنة ،
العراق الذي
حكم فيه
الإمام علي بن
أبي طالب (عليه
السلام) ،
واستشهد ودفن
فيه الإمام
الحسين بن علي
(عليهما
السلام) ، لا
يمكن أن يكون
علمانيا بأي
شكل من
الأشكال ، لان
خصوصياته
تختلف كليا عن
خصوصيات منبت
العلمانية (أوروبا)
، وان التجارب
الإنسانية لا
يمكن أن تصدر
أو تستورد،
كعلب السردين
، إذ لكل بلد
تجربته ، ولكل
شعب خصوصياته
وواقعه ،
سيفشل من
يحاول زرع
النبتة في غير
أرضها ، أو
الاحتفاظ
بالسمكة
بعيدا عن
الماء .
قد
تستفيد
الشعوب من
تجارب بعضها
البعض الآخر ،
ولكن من
المستحيل أن
تتطابق فيما
بعضها تطابق
النعل بالنعل
، أبدا .
إن فخر
العراقي ، انه
يسكن في ارض
طاهرة ،تحتضن
في تربتها ،
الأنبياء
والأئمة
والعلماء
والفقهاء
وأساتذة
مختلف
المدارس
المذهبية
واللغوية
والنحوية
والفقهية
التي تأسست في
العراق
وانتشرت إلى
العالم ليدين
بها المسلمون
، فكيف يقارن
هذا العراق ،
بأي بلد آخر في
العالم ؟ ،
وكيف تريدون
لأهله أن
يعتنقون
العلمانية ؟.
رابعا ؛
كذلك ، فإن
الإسلام ، هو
الآخر ، يختلف
عن مسيحية
أوروبا ، التي
كانت
العلمانية
ردة فعل
لمنهجيتها
ومواقفها
المعادية
للعلم ، وان
المسجد يختلف
كذلك عن
الكنيسة
الأوربية ،
فلا الإسلام
ضد العلم كما
كانت
المسيحية في
أوربا فترة
انتشار
الأفكار
التنويرية ،
أو في عهد
الثورة
الصناعية ،
ولا المسجد ضد
التطور
والتجدد
والتجديد
والمدنية ،
كما كانت
الكنيسة في
ذلك الوقت ،
والتي أدارت
محاكم
التفتيش ،
للتفتيش في
عقول العلماء
والمفكرين
المتنورين ،
بحثا عن
الأفكار
التجديدية ،
فأعدمت مثلا ،
من قال بكروية
الأرض، وقتلت
من دعا إلى
نظرية العقد
الاجتماعي ،
وفصل السلطات
الثلاث ، وما
إلى ذلك .
إن
الإسلام دين
ودولة ، دنيا
وآخرة ، روح
ومادة ، تدين
وسياسة ، مسجد
وساحة ، واكرر
، من دون أن
يعني ذلك
بالضرورة ،
أبدا ، الدعوة
إلى إقامة
نظام ديني في
العراق ،
ولكنه يعني ،
بكل حزم وجزم ،
الدعوة إلى
احترام الدين
ـ أي دين ـ
وأهله
وأخلاقه
وقيمه
وقواعده
وعلماءه
ومؤسساته .
وإذا
كانت
المسيحية
التي جاء بها
نبي الله عيسى
بن مريم (عليه
السلام) ، من
الأساس ، دعوة
روحية لم تنشأ
في ظلها دولة
بالمعنى
الحديث
للكلمة ، حتى
في عهده (عليه
السلام) ، فان
رسول الإسلام
محمد بن عبد
الله (صلى الله
عليه وآله
وسلم) ، أقام
دولته في
المدينة ، ومن
بعده الخلفاء
الراشدين
الأربع ،
وهكذا ظل
الإسلام
مشروع دولة ،
بالرغم من كل
حالات المد
والجزر في
مشروعه
السياسي ،
وهذا ، كذلك ،
ما يميز
العراق (الإسلامي)
عن أوروبا (المسيحية)
.
خامسا ؛
لقد اعترف ، كل
من سعى إلى
إبعاد الدين
وقيمه عن
الحياة
العامة ،
بخطئه الفضيع
، ولكن بعد
فوات الأوان ،
كما هي عادة
الإنسان ،
عندما يريد أن
يعترف بخطئه .
إقرأوا
كتاب (
البيروستريكا)
لمؤلفه
ميخائيل
غورباتشوف ،
آخر الأمناء
العامين
للحزب
الشيوعي
السوفيتي ،
وآخر زعماء
الاتحاد
السوفيتي
المنحل ، الذي
اعترف فيه ،
بأن واحدة من
اكبر أخطاء
الشيوعية ، هو
محاربتها
للدين ،
ومحاولة
إبعاد أخلاقه
وقيمه عن
المجتمع
السوفيتي .
وراجعوا
نص الخطاب
الرئاسي ،
الذي أدلى به
الرئيس
الاميركي
جورج بوش قبل
سنتين ، وهو
يتحدث في
البيت الأبيض
، بحضور علماء
مختلف
الديانات في
الولايات
المتحدة
الاميركية
ورجال
إدارته، في
حفل التوقيع
على قانون
الأديان
المعروف، وهو
يتحدث عن دور
الدين في
الحياة
العامة ، خاصة
، في مجال
التربية .
ثم إقرأوا
ما كتبه
الدكتور فاضل
الجمالي ، قبل
وفاته بسنة ، (توفي
في تونس عام 1996) ،
عن الخطأ
الفضيع الذي
ارتكبه
المسؤولون
على التربية
والتعليم في
العراق ، بشأن
تهميش دور
التربية
الدينية في
المناهج
التعليمية
والتربوية ،
وهو
بالمناسبة ،
كان قد تولى
رئاسة
الوزارة في
العراق مرتين
، ورئاسة
المجلس
النيابي
مرتين ،
ووزارة
الخارجية
ثمان مرات ،
وكان قبل ذلك ،
من رجال
التربية
والتعليم
البارزين
ومديرا عاما
لوزارة
المعارف
العراقية
لمدة عشر
سنوات .
فلماذا
يصر هؤلاء ،
على تكرار
التجارب
الفاشلة ، ومع
سبق الإصرار ؟.
سادسا ؛
لا ادري أية
علمانية يريد
هؤلاء للعراق
؟ .
أهي
علمانية
فرنسا ، التي
تمنع الحجاب
الإسلامي
بالقوة ؟.
أم
علمانية
تركيا ، التي
قادت
الانقلابات
العسكرية ،
بسبب اقتحام
الحجاب
الإسلامي
لقبة
البرلمان ؟.
أم
علمانية تونس
، التي منعت
العمال من
الصوم في شهر
رمضان الكريم
؟.
أم
علمانية رضا
خان ، الذي قتل
المرأة بسبب
ارتدائها
للحجاب
الإسلامي ؟.
أم
علمانية
الاتحاد
السوفيتي (الشيوعية)
، التي حاربت
الكنيسة
والمسجد على
حد سواء ؟ ،
ومنعت
المسلمين من
إطلاق
الأسماء
الإسلامية
على مواليدهم
؟.
كل
هؤلاء يقولون
إن أنظمتهم
علمانية ، وهم
بالمناسبة ،
من أكثر
الأنظمة
تدخلا في شؤون
الدين ، أما
إذا تدخل رجل
الدين
بالسياسة ،
ولو بشطر كلمة
، أو على
الهامش ، فسوف
يعدم ويفنى من
على وجه الأرض
، لأنه ، وبكل
بساطة ، يعيش
في ظل ( أنظمة
علمانية) .
أية
علمانية لم
تتدخل بالدين
؟ ، حتى
يطالبون
الدين بان لا
يتدخل
بالسياسة ؟ .
حتى
الذين يتبنون
المنهج
المعادي
للدين ،
حاولوا
امتطاء صهوة
جواده من اجل
إيجاد مواطئ
قدم لهم في
المجتمع
العراقي ، كما
كان يفعل
الشيوعيون
طوال
الستينيات
والنصف الأول
من
السبعينيات
من القرن
الماضي ،
عندما كانوا
يسيرون مواكب
العزاء
الحسيني أيام
محرم الحرام
في مدينة
كربلاء
المقدسة ،
للظهور بمظهر
الولاء
للإسلام
وشعائره
المقدسة .
بل إن
اعتى الطغاة ،
وعلى مر
التاريخ ،
كانوا
يتلفعون
بعباءة الدين
، لأنهم
يعرفون ، أنهم
إن أرادوا أن
يضفوا
الشرعية (وان
كانت مزيفة)
على أنظمتهم
وسياساتهم ،
فلا يمكنهم
ذلك ، إلا
بتركيب آيات
القرآن
الكريم ، على
عناوينها
لتبدو مقبولة
عند الناس .
لا أريد
هنا أن أهون من
المشكلة
المزمنة
القائمة بين
الدين
والعلمانية ،
ولكنني أريد
أن أقول ، بان
فتح النار
بهذه الصورة
المتشنجة ،
على كل ما يمت
إلى الدين
بصلة ، سوف
يعقد المشكلة
أكثر ، لأنه
سيستعدي حتى
المتنورين من
الإسلاميين ،
الذين تعاون
معهم
العلمانيون
مدة طويلة من
الزمن ، قبل أن
يسقط نظام
الطاغية
الذليل ، كما
أنهم
سيستعدون ،
بهذه الطريقة
، كل
المتدينين ،
من المسلمين
والمسيحيين
وغيرهم ، خاصة
(رجال الدين) ،
وما أكثرهم ،
إذ كيف يجيز
هؤلاء
لأنفسهم ، أن
يحرموا كل
هؤلاء من
التدخل في
السياسة ،
ويمنعونهم من
التعاطي
بالشأن العام
، وكأنهم
ليسوا
مواطنين ، أو
أنهم مواطنون
من الدرجة
الثانية ؟ .
لنفكر ،
إذن ، بطريقة
ثانية ، أكثر
عقلانية
واقرب إلى
الواقع
العراقي ،
لنصل إلى
طريقة
توافقية تمنع
الصدام بين
الدين
والعلمانية ،
وبين (الدينيين)
وبعض
العلمانيين ،
طريقة تعايش
بين الطرفين ،
حتى لا يطغى
أحدهما على
الآخر،
فالتعميم في
المواقف خطأ،
كما أن
التعميم في
القياس ، خطأ
هو الآخر .
ليستعد
الجميع إذن ،
لدراسة كل
الأفكار
والنظريات ،
من دون شروط
مسبقة أو
أحكام ومواقف
استعدائية
تاريخية ،
لأنهم جميعا
أمام اختبار
المصداقية ،
في كل
الشعارات
التي رفعوها
طوال فترة
العمل في حركة
المعارضة
أيام النضال
السلبي .