أعظم الخيانة

نـــــــــــــــــــــــــزار حيدر

NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM

   رحم الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر (أعدمه نظام الطاغية الذليل في 9 نيسان 1980) ، فلقد سمعته مرة يقول ، وهو يتحدث إلى مجموعة من الشباب الجامعي ــ كنت من بينهم ــ تكدسوا في غرفته المتواضعة ، في منزله البسيط ، في أحد أحياء مدينة النجف الاشرف القديمة ، معلقا على تاريخ الصراع الطويل الممتد عبر العصور، بين الحق  ورجاله ، من جانب ،  والباطل وأزلامه ، من جانب ثان ، سمعته يقول : (إذا جاءتنا سلطة هارون الرشيد ، ولم نفعل بالإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) ما فعله به الرشيد ، عندها فقط سنعرف أننا من رجال الحق ، وليس من أعوان الباطل ، فالأدعياء كثيرون ، أضاف الصدر ، أما الصادقين فقليلون ، إنهم نادرون) قالها بألم وحسرة ، وكأنه ينظر إلى المستقبل ، ويقرأ القادم من بعيد.

   وأضاف يقول : (لا تنخدعوا بما يقوله الرجل ، عندما يكون خال الوفاض من السلطة ، أية سلطة ، بل انظروا إلى ما سيفعله عندما تصل إليه سلطة ما ، فقيمة المرء بأعماله وليس بأقواله ، وبأفعاله وليس بادعاءاته ، وان حقيقة معدن الإنسان ، تظهر عندما يتعرض للامتحان والتحدي ، وليس في زمن الاسترخاء).

   وتمر الأيام ، لتأت بعض سلطة الرشيد ، إلى عدد ممن يدعي أنه من تلامذة الصدر ، فكانت البداية أنهم اظهروا تهالكا على السلطة لم يسبق له نظير حتى من متدين عادي ، أما النهاية ، والتي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون ، فتوقيعهم على ما سينتهي برجال الحق ما أصابهم أيام هارون الرشيد ، من ظلم وقمع ونفي ومطاردة وتكميم للأفواه ومصادرة للحقوق ، ليس باسم الدين هذه المرة ، وإنما باسم الديمقراطية .

   هذا البعض الذي ظل ، وعلى مدى ربع قرن ، يتاجر باسم الصدر وفكره ودمه الطاهر وقضيته وكتبه وانتمائه ــ هكذا كان يدعي ــ فأصم آذان مستمعيه بخطبه الرنانة ، عن أفكار الصدر ، وملأ صفحات وسائل الإعلام بالمقالات الطويلة والعريضة ، التي كان يزينها بفقرات مقتبسة من رؤى الصدر في موضوعة خلافة الإنسان وآراءه في الدستور من وجهة نظر الإسلام ، وما إلى ذلك ، وقاد حروبا ضد هذا الفريق وذاك المرجع وذلك التنظيم تحت شعار (من ليس معنا ، فهو علينا) فأطلق النار على كل من لم يحمل اسم الصدر ، وتوسل بسياسة التسقيط للقضاء على منافسيه ، بحجة أنهم لا ينتمون إلى خط الصدر ،  وسعى لإقصاء من يختلف معه في رأي أو فكرة ، بحجة أنه لا ينتمي إلى مدرسة الصدر، التي كانت بالنسبة له ن الميزان الذي يزن فيه الحق والباطل ، والأساس الذي يبني عليه علاقاته مع الآخر ، وكان كل الظن أنه ، سيدعو إلى تشييد (المدرسة الإسلامية) التي تبناها ونظر لها الشهيد الصدر في كتبه القيمة ، لحظة أن يحصل على بعض القدرة والسلطة التي تمكنه من ذلك ، وإذا به يخون الصدر ومدرسته ، والأمة وأهدافها ، والشهداء ودماءهم ، وليتبين للجميع ، أنه لم يكن ليختلف عن كل الأدعياء الآخرين ، مهما اختلفت الأسماء والأزياء والرسوم والألوان والشعارات ، لأنه ، وببساطة، (عند الامتحان ، يكرم المرء أو يهان) ، كما تقول الحكمة الراقية .

   إنه لم يكن أكثر من تاجر ، ليس بالنفط وعلب السردين وملابس الجينز ، وإنما بدماء الشهداء وسمعة المرجعيات وقيم الفقهاء وأسماء القادة ، وبالتاريخ الغابر الذي لم يعد يشفع لأحد ، ما لم يكن حاضره نزيها ، لأن قيمة المرء تقاس بيومه وليس بتاريخه ، وبما ينجزه وليس بما يقوله أو بما فعله في الماضي ، وتلك هي أسوا التجارة وأعظم الخيانة .

   ولذلك ، جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) : (أعظم الخيانة ، خيانة الأمة ) .

   فلماذا يا ترى ، أن أعظم الخيانة ، هي خيانة الأمة ؟ وما هي صفات الخائن لأمته ؟ ولماذا يخونها ؟ وكيف ؟ .

   أولا : لأن هذا النوع من الخيانة ، تظل آثارها المدمرة تنتقل من جيل إلى جيل بمرور الزمن ، فلا تصيب فردا بعينه أو جيلا واحدا ــ هو الذي يشهد الخيانة ــ فحسب ، وإنما ستصاب بها عدة أجيال متعاقبة ، وبقراءة سريعة للتاريخ ، نلاحظ أن هذا النوع من الخيانات ، هو بالفعل الأخطر من بين كل الأنواع الأخرى .

   حتى مع موت الخائن للأمة واندثار جسده في التراب ، إلا أن آثار خيانته تبقى تؤثر في الأجيال ، أثر الميت في الحي ، وأثر الرائحة النتنة في العطور الفواحة ، فهل ترى ما هو أسوأ من هذه الخيانة ؟ .

   إن خيانة الأمة ، مصادرة باطلة لحقوق أجيال متعاقبة ، وأنها مصادرة الأموات لحياة الأحياء ، ومصادرة جيل سينقضي وينقرض ويقبر، إن عاجلا أم آجلا ، لحياة أجيال ستولد في المستقبل لترى أنها محكومة ، ظلما وعدوانا وبغير وجه حق ، بسقوف واطئة بناها أموات من الكونكريت المسلح ، ما يحول بينها وبين التمتع بحقوقها المتوالدة ، في الزمن المتجدد ، وفي حياتها الجديدة .

   ثانيا : ومن صفات الخائن لأمته ، أنه ضيق الأفق ، فعندما يتخذ قرارا ، لا ينظر إلى أبعد من أنفه ، ولا يتحسس إلا حيث موطئ قدميه ، ولا يضع أمام عينيه إلا مصالحه الخاصة ، فينسى أنه بالخيانة ، يدمر أمة ويحطم آمال ويسحق حقوق ، طالما ناضل الأحرار والشرفاء من أجل انتزاعها والحصول عليها لتتمتع بها الأجيال القادمة .

   لا أدري كيف يجيز الخائن لنفسه ، أن يكبر على حساب دماء الشهداء ؟ ويتسلق السلطة على أكوام رفات الأبرياء ؟ وينهض بالإتكاء على آهات وأنين وحسرات ألأرامل والأيتام ؟ .

   أجزم أنه لم يعثر على عظمة واحدة تعود لأحد أفراد عائلته أو أقربائه أو حتى عشيرته ، في مقبرة جماعية واحدة من المقابر الكثيرة التي لا زال يكتشفها العراقيون في مختلف مناطق العراق منذ سقوط الطاغية الذليل ، ولذلك لم يعر أي اهتمام لكل التضحيات ، ولم يعط بالا لأنهار الدم التي امتدت من أقصى الشمال إلى أدنى الجنوب ، لتحفر نهرا ثالثا إلى جانب نهري دجلة والفرات .       ولكن ، أو ليس في نفسه بقية من دين أو أخلاق أو مروءة أو حتى غيرة ، ليكف عن هرائه وتصفيقه لنفسه ، ولما أنجزه من خيانة للأمة ، سيلعنه عليها التاريخ والأجيال المتعاقبة ، إذا ما مرت من دون تصحيح ؟ .

   لا أدري ، ربما يظن أن من الممكن أن يحول النكسة إلى نهوض ، والفشل إلى نجاح ، والهزيمة إلى انتصار ، لو ملأ الجو صراخا وعويلا ، أو، لو أنه ملأ الشاشة الصغيرة بصوره وبلقطات إستعراضية عنترية تشمئز منها نفس العاقل .

   أو ربما يظن بأن الناس سيغفرون له خيانته ، إذا ملأ الدنيا صخبا في محاولة منه لركوب الموج والميل مع الناس ، كلما رأى موقفا شعبيا ضد ما أنجره ، في محاولة منه للهرب من المسؤولية .

   ثالثا : فلماذا الخيانة إذن ؟ .

   لأنه لا يرى إلا السلطة التي همه أن يصل إليها بأي شكل من الأشكال ، وليذهب الدين والقيم والمبادئ والتاريخ والتضحيات وكل شئ ، فداءا لسلطته ، إذا كانت هي التي ستعبد له الطريق ، للوصول إليها .

   ولأنه ضعيف مستضعف أمام الآخرين ، أعداءا أو منافسين لا فرق ، لذلك لا يقدر على التحدي ، ولا يصبر على الزمن ، ولا يطيق تحمل سياسة عظ الأصابع إلى أمد غير محدود ، فلا بد إذن أن يصرخ ، ولأنه لا يريد الصراخ ، حتى لا يكتشف الناس هزيمته ، لذلك تراه يضغط على مراكز القوى الحقيقية ، للتنازل عن رصيد الأمة لتوضيفه في خدمته ، لأنه لا يمتلك ، في الأساس ، أي رصيد شخصي يمكنه الاعتماد عليه في لعبة السياسة والسلطة .

   والأسوأ ، أنه لا يعرف كيف يدير اللعبة ،  فتراه ينجز ما يمكن به أعداءه أو خصومه ، لا فرق ، من ابتزازه ، ولأنه لا يملك ما يمكن أن يخسره ، لذلك يلجأ إلى المخزون الاحتياطي ، ليقدمه ثمنا لخياناته .

   إنه لا يعترف بخطأ يرتكبه ، ولذلك فليس له فضيلة واحدة .

   يظن أن الثرثرة تساعده على تصحيح الخطأ ، من خلال خلط الحابل بالنابل ، كما يقولون ، ناسيا أو متناسيا بأن (إمساك اللسان يصرف الخطأ) كما تقول الحكمة .

   تراه يستحضر كل تجاربه ، ويستعرض كامل قوته ، إذا واجهه صديق بحقيقة ما ، ولكنه لا ينبس ببنت شفة ، ويصمت صمت أهل القبور ، وينسى كل شئ ، لدرجة الانبطاح ، إذا واجهه الخصم ، خاصة إذا شعر بأنه المنفذ المفترض للوصول إلى السلطة .

   إنه يحاول أن يبرر خيانته بشتى السبل وبكل الطرق ، مسخرا البيان اللطيف والكلام الجميل والحجج والبراهين ، ولكن من دون نتيجة ، فإن من خان قبله ، كان يبرر ، كذلك ، ما يقدم عليه .

   إن الموقع مسؤولية ، والمسؤولية أمانة ، ولقد أمرنا الله تعالى أن نؤدي الأمانات إلى أهلها ، أما الخائن ، فليس في ذهنه شئ من هذا الفهم ، لأن السلطة أعمت عينيه ، وأغلقت على فكره ، وأصمت أذنيه ، فهو لا يرى إلا السلطة ، مهما كانت حقيرة المحتوى ، قصيرة الأمد .

   إن من لا يجد في نفسه القدرة على صيانة الأمانة ، فلماذا لا يعيدها إلى أهلها، ويسلمها إلى من يجد في نفسه القدرة على صيانتها واحترامها والحفاظ عليها من السرقة أو القتل ؟ .

   إن تعرض الخائن إلى الضغط أو الترغيب والترهيب ، لا يبرر فعلته ، فإذا كان المرء مجبورا على خيانة ما يخصه ، وما يجوز التصرف به ، فإنه ليس مجبورا على خيانة ما لم يخصه ، أو ما يخص الأمة بالكامل ، وما لم يفوضه احد بالتصرف به ، إذ أن هناك أكثر من فرصة لإعادة الأمانة إلى من هو أكفأ منه وأقوى وأجرأ وأشجع ، على الاحتفاظ بها وانتزاع الحقوق .

   لطالما دعا العراقيون ، الطاغية الذليل إلى الاستقالة ، كلما أقدم على خيانة ، فلماذا لا يستقيل من خان الأمة ، وهو بعد في بداية الطريق ؟ .

   إن الخائن لأمته ، لا يصغ إلى نداءات العقل والمنطق ، بل يحاول دائما أن يفرض خياناته على الأمة ، بأي شكل من الأشكال .

   إذا وجد نفسه يغرق في خيانته ، يحاول فورا جر الأمة وراءه ، على طريقة الطاغية الذليل ، الذي كان شعاره المفضل دائما : (علي وعلى … أمتي) لأنه يعتقد أنها (لو عمت هانت) ، لماذا ؟ لأن الخائن يرفض أن يكون الضحية المحتملة من أجل إنقاذ ما تبقى ، فيسعى إلى تحطيم كل السدود الأخرى التي من الممكن أن تلعب دورا تصحيحيا للمسار المنحرف .

   ولو تخيل الخائن بأنه سيموت صبيحة الغد ، ترى أين سيكون مصيره ؟ بالتأكيد ليس في صفحة بيضاء من صفحات التاريخ المشرق ، وإنما في مزبلة من مزابل التاريخ ، التي تنتظر المتهالكين والخائنين والمغفلين ، من أمثاله ، لتقبرهم ، وهي تصرخ وتنادي ، هل من مزيد ؟ .