الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة الاولى

الشهيد الشيوعي علي منصور الحسن ( أبو سرمد )....جسارة في الحياة  - نجم خطاوي 

          هزني الألم وأنا أطالع خبر نقل جثمان صديقي ورفيقي الشهيد علي منصور الحسن ( أبو سرمد ) من المقبرة القريبة من مدينة دهوك باتجاه مقبرة شهداء الحزب الشيوعي العراقي في مدينة أربيل . تمنيت أن أكون هناك وفاء لهذا الثوري الجسور , ولتضحياته في سبيل الناس والوطن .

       لم أكن أعرفه عن قرب , رغم مشاهدتي له يوميا وهو بقامته القصيرة وشاربه الكث وملامحه الصارمة ,  ذاهبا لعمله مدرسا لمادة علوم الحياة في متوسطة ( التحرير ) في مدينة الكوت . طالبا كنت يومها في إعدادية الكوت , وكنا طلبة الثانوية نتقاسم البناية سوية مع طلبة متوسطة التحرير .

   في هذه المتوسطة درس أخي , وكان الشهيد علي مدرسه . ومن خلال أحاديث أخي وبقية التلاميذ , كنت اسمع حكايات طيبة عن جدية هذا المدرس الشيوعي ونزاهته وحرصه على تعليم تلاميذه , وبذله الكثير في سبيل مساعدتهم .

   منصور الحسن والد الشهيد علي ,  يتذكره الكثيرون من أهالي مدينة الكوت , وبالخصوص ناس منطقة (سيد حسين) و(الساحة الحسينية) . رجل نحيف وطويل ذو صوت جهوري , واثق بنفسه وبأقواله . هكذا كان والد الشهيد علي .     

  لقد ضمر البعثيون الحقد والكراهية لهذا الرجل , وللعائلة جميعا , بسبب وطنية أبنائها وقربهم من الحزب الشيوعي العراقي , وبسبب مجاهرة هذا الرجل بحبه لثورة 14 تموز ولعبد الكريم قاسم .

    منذ فتوته تقرب علي من فكر الشيوعيين , ولم يكن هذا غريبا على الفتى الذي ترعرع وسط الأحياء الفقيرة , قريبا من المعاناة والجور , في مدينة يشخص وسطها ذلك السجن الكبير الذي يرمز لبسالة الثوريين .

  في كلية التربية في بغداد , وفي نهاية الستينات , تقدم علي الصفوف للمطالبة بحقوق الطلبة والشعب . وقد ساهم بشكل ملموس في كفاح الطلبة عبر الإضرابات , وفي معارك الانتخابات .

  بداية الثمانينات هجرت العائلة إلى إيران بحجة التبعية الإيرانية . ولم يراع فاقدي الضمير والأوباش , مكانة والد الشهيد الاجتماعية والعائلة , ولم يكتفوا بذلك , حين اقدموا على اعتقال ( صادق جاسم الحسن ) ابن عم الشهيد علي , وكان لم يزل شابا في مقتبل العمر, ولم تعرف العائلة عن مصيره طوال سنوات حكم النظام , وبعد اكتشاف المقابر الجماعية وجدوه في مقبرة قريبة من مدينة بدرة .

     يوم شرعوا وبهستيرية في حملتهم ضد الشيوعيين أواخر السبعينات , اضطر الألوف إلى الهروب والتخفي . وفي هذه الأيام بالذات تعرفت عليه عن قرب , إذ جمعتنا غرفة قديمة في خان كبيرة في شارع الرشيد في بغداد , سوية مع أربعة شيوعيين من مدينتنا . وهي أياما من العوز والألم والعذاب والتحدي .

   أذكر يوم نهضت في أحد الصباحان ذاهبا لشراء الصحف , وقد دهشت وأنا أقرأ خبر استشهاد الرفيق الشيوعي توفيق رشدي في مدينة عدن اليمنية , واشتريت المجلتين اللتين نشرتا الخبر وهما مجلة الهدف الفلسطينية ومجلة كويتية أخرى . وفي الغرفة جن جنونا ونحن نطالع تفاصيل اغتيال الشهيد , وبدأ الشهيد أبو سرمد أكثر ألما وعصبية داعيا لأن نقوم ومنذ تلك اللحظة بكتابة شعارات على الجدران في أحياء بغداد للتنديد ضد أعمال القمع والإرهاب .

   ومعه عملنا سوية عمالا في البناء وكان يجاهد كثيرا بدفع عربة الطابوق الثقيلة بسبب الآلام الموجعة في ظهره .

   وفي ليلة شتوية من كانون الثاني 1979 قررنا المجازفة بالفرار من الوطن . وكانت الفكرة أن نذهب إلى مدينة الموصل , ومنها إلى مدينة ربيعة الحدودية , ومن هناك باتجاه الأراضي السورية . ونفذنا الفكرة أنا وعلي ورفيق آخر , وذهبنا متخفين بالقطار الصاعد من بغداد صوب الموصل , ومن هناك باتجاه ربيعة . لكن الأمور لم تجري كما أردناها , وضاقت بنا السبل في مدينة ربيعة , وحين حل المساء قررنا الرجوع ثانية باتجاه الموصل خوف افتضاح وجهتنا , ومن هناك عدنا راجعين لبغداد .

    كانوا يرصدون كل تحركاتنا , وقد أرسلوا عصاباتهم من مدينتنا الكوت لمراقبة تحركاتنا في بغداد , وحين اكتشفوا موقع غرفتنا الصغيرة في تلك الخان الكبيرة , قررنا ترك المكان , ونمنا في الفنادق الرخيصة , والشوارع . ثم جمعنا بيت صغير في مدينة (الكاظمية) , وبالتحديد في منطقة (المحيط) , وهي موضعا لصبا وطفولة الشاعر مظفر النواب .

    في تموز 1979 تركت العراق , وقد عاضدني الشهيد على الفكرة , وساعدني , ووضح لي الكثير من المعلومات التي تخص السفر , مصرا على كتابة رسالة لإحدى قريباته الدارسات في تشيكوسلوفاكيا موصيا بمساعدتي .

   ووصلت براغ وألم مفارقة الشهيد أبو سرمد والفتية الحمر تحرق قلبي , ثم علمت بعدها أن الشهيد قد وصل مدينة بيروت اللبنانية , وهو يتدرب في إحدى المعسكرات استعدادا للذهاب صوب كردستان العراقية نصيرا في حركة الأنصار .

    رغم الفترة القصيرة التي مرت عليه وعلى عائلته في بيروت فقد أصابت قذائف الإسرائيليين أحد أبناءه , وقد نجا بأعجوبة .

  وكنت أتابع أخباره يوم علمت بوصوله ارض كردستان العراق مع الكتائب الأولى للشجعان بداية الثمانينات . كانوا يتحركون ضمن مفرزة كانت تجوب مناطق دهوك للتعريف بالحزب الشيوعي العراقي , ولوضع اللبنات الأولى لحركة الأنصار . وقد خاضت هذه المفرزة الشجاعة العديد من المواجهات مع الجيش والمرتزقة , وفي إحدى المواجهات يسقط علي شهيدا .

  يقول أحد رفاقه انه لحظة استشهاده كان يقف دون ساتر والرشاش بيده متحديا المرتزقة .

   وكنت احتفظ بصورة البوستر الكبيرة له على جدار غرفتي في القسم الداخلي التابع لجامعة كارل للاقتصاد في مدينة براغ .

   ثم قدمت خريف 1982 صوب الوطن لمواصلة طريق علي ورفاقه , ولم تمهلني الظروف في التعرف على المنطقة التي استشهد فيها , وعلى مكان قبره الذي بناه الرفاق لاحقا .

  بعد أحداث بشت ئاشان أيار عام 1983 ذهبت إلى إيران لزيارة بعض أقارب لي , وهناك التقيت باخوة الشهيد في مدينة قم , وفي زيارتي لضريح السيدة معصومة فيها , شاهدت والد الشهيد وقد هده الكبر والتعب , وهو ينتحب حرقة على رحيل الشهيد علي , وجلست معه أواسيه واخفف بعض آلامه .

  سأظل أتذكر تلك اللحظات , ولا أظن أ، الأيام ستنسيني يوما صورة ذلك الأب , وكوفية الحج الصفراء فوق رأسه الأشيب , وهو ينتحب في الضريح الكبير في مدينة قم , ماسكا بالشباك مستغيثا :

اللهم اسبيهم كما سبونا ....

اللهم خذ حقنا من الظالمين ....

  في تموز عام 2003 عدت لمدينتي الكوت وهناك قصصت على معارف علي وأهله وأصدقاءه , الكثير من صور الكفاح والبطولة التي سطرها الشهيد ورفاقه .

وقد تألم أخي وبعض من تلاميذ الشهيد , تألموا كثيرا لقصة استشهاد مدرسهم ومربيهم الطيب .

  طريق الشيوعية في العراق محفوفة بالمخاطر والعذاب , واختيارها لا يخلو من استبسال وجسارة , وقد أدرك الشهيد ذلك , وظلت هذه البسالة ثوبا يليق به في كل سنوات نضاله , ورافقته أيضا في رحيله حين يستشهد واقفا.

سلاما لروحك الطيبة يا صديقي ورفيقي ومعلمي وابن مدينتي علي منصور الحسن ( أبو سرمد ).

وسيذكرك الناس الذين وهبت حياتك في سبيلهم .

 

السويد

الثامن عشر من تموز

2005