لتكن عين سفني مركزاً
لفيدرالية تضمن السريان "سورايي" واليزيديين والشبك
عين سفني 40 عاما بين مطرقة البعث و الديمقراطي
نبيل البازي



طرأت تغيرات جذرية
على الساحة السياسية بعد سقوط النطام العراقي الفاشي وبرزت قوى قومية
كردستانية وحتى عراقية تطالب بالفيدرالية في العراق ،وهذا المطلب
مشروع اذا استطاعت هذه القوى ان تضمن فيدراليات اخرى لمكونات الشعب
العراقي الاخرى على أسس قومية او جغرافية والصراعات السياسية في هذا
الجانب تحتد بتصاعد وبشكل مستمر لاثبات او تمرير الاجندة السياسية
المرسومة لهذه الجهات، وتنتهز هذه القوى الفرصة قبل ان يقرالدستور
الدائم وخاصة في المناطق الحدودية التي لم يحسم أمرها اداريا ًبعد
على الخارطة السياسية المستقبلية والغير معلنة رسمياً. في الواقع
استطاعت بعض القوى السياسية الكردية ان تفرض سيطرتها وهيمنتها على
المؤسسات الرسمية والسلطات التنفيذية من دون الرجوع الى مؤسسات
السلطة المركزية أو حتى الرجوع الى المواطن كي يؤخذ رأيه في ذلك
وتعتبر عين سفني نموذجاَ حياً على الساحة العراقية التي تعيش هذا
الوضع الذي يشكل مصدر قلق كبير للمواطن البسيط.
عين سفني مدينة لها
تاريخها ودورها في تاريخ العراق القديم والمعاصر وحاليا هي مركز قضاء
الشيخان ومرتبطة إداريا ورسميا بمحافظة نينوى وعملياً بمحافظة دهوك
ومن المعروف ان جبال عين سفني تدخل ضمن المنطقة التي تسمى في العصر
الساساني "بداسن" حسب المصادر الكنسية القديمة، واطلق الاسم (داسان ـ
داسن) على اليزيديين الذين يسكنون المنطقة التي كانت تسمى داسان
السفلى التي انحصرت في منطقة دهوك وعين سفني وايضا يطلق على
اليزيديين باللغة السريانية الارامية " دسناي" وهذا مؤشر اخر يؤكد
صحة ذلك. والمنطقة لن تخلوا ايضاً من الأقوام الاخرى التي نزحت من
المناطق الجبلية في فترات تاريخية متفاوتة وهناك مؤشرات وخاصة في
بداية القرن الأخيرحيث اصبح سكنة عين سفني الاصليين هم اليزيديين
والسريان " سورايي". اما عدد العوائل الكردية التي سكنتها لم تكن
تتجاوز عدد الأصابع وهذه العوائل معروفة لدى السكان الاصليين كونهم
من المهجريين واسباب الهجرة معروفة لدى الجميع، اما الاضطهاد او
الوضع الاقتصادي، وبعد بيان 11 اذار ازداد عدد الاكراد بحيث أصبحوا
يشكلون اكثر من نصف عدد سكانهاوهذا العدد المتزايد شكل نوع من
التجاوزات على الاراضي الزراعية حيث الزراعة تشكل المصدر الرئيسي
للحياة الاقتصادية.ً
عين سفني معروفة
تأريخياً بتلاحمها وتكاتفها بالرغم من اختلاف مواطنيها الكامل دينياً
وقومياً ولاتوجد خلافات واضحة وبالعكس فهنالك علاقات طيبة ومبنية
اساساًعلى المصلحة المشتركة و العيش المشترك ومهما حاولت الانظمة
المتعددة التي حكمت العراق زرع الفتنة فيما بينهم الا انهم لم يفلحوا
في ذلك و صمدت امام كل المحاولات ، اليوم للأسف يحتد الصراع في عين
سفني بين القوى التي تريد جعل عين سفني كردستانية وعراقية وعملياً
تديرها اليوم الحكومة الكردستانية .وهذا الصراع موجود وغير معلن على
الساحة ومكتوم في صدور أهالي عين سفني وينتظرون اللحظة المناسبة
لإعلانه والتعبير( طبعاًأذا سمحت لهم الفرصة) عن رأيهم او بالأحرى
الى ان يتم اعلان الدستور العراقي الجديد في البلاد.
في اوائل الستينات
اي ابان اندلاع الحركة الكردية كان الشارع بمختلف تياراته يصطف مع
الشعب الكردي إذ كان يجد في حركته هذه طريقاً لنجاته وضماناً لحقوقه
الحقيقية التي كانت تسلب منه من قبل الانظمة الشوفينية وبالذات بعد
ان استلم البعث السلطة في العراق عام 1963و1968، وحاولت هذه الانظمة
المتعاقبة ان تضع عين سفني تحت مطرقتها وكانت تعتبرها من المتمردين
ليلآ على الحكومة المركزية وكانت اجهزة الامن والاستخبارات العسكرية
تحتلها في النهار..استخدمت اساليب الترهيب والترغيب وكرست مبالغ
كبيرة لكسب الناس وكانت تستغل من ذوي النفوس الضعيفة والساقطين
لتمرير مشاريعهم الدنيئة ولكنها صمدت خلال اربعين عاماً وبقيت عين
سفني عراقية وترعرع منها مناضليين صامدين ضد الديكتاتورية.اليوم
الشارع في عين سفني لازال صامدا .. القوى السياسية المتواجدة على
الساحة بدأت تستخدم الأساليب القديمة وهذا يشكل عدم الرضى وأستهجان
من قبل أهاليها .. وهذا الذي اذكره هو نبض الشارع وليس من باب
التشهير اوتعبير عن وجهة سياسية لجهة معينة وانما من الحرص على
التجربة الجديدة وعواقب الممارسة الخاطئة التي تقوم بها بعض المؤسسات
السياسية .. والكل يتحدث هناك عن اجبارهذه المؤسسات على تعليق صور
الرئيس مسعود البارزاني حتى في المقاهي و المؤسسات الحكومية ....
الحاشية المتملقة لها دورها في ارغام الناس على الدخول في الحزب
الديمقراطي وكذلك كان لها الدور في توزيع استمارة الاستفتاء التي من
خلالها ارادوا ان يذكر المواطن انتماءه او الجهة السياسية التي يميل
أو ينتمي اليها ،وقد عمم هذا الى كل الموظفين،او بمعنى اخر التعينات
الجديدة لاتتم إلا عبر الاشايس ويتم كالعادة التحقيق قبل التعيين
ويحثون الناس الدخول الى الحزب الحاكم قبل اصدار قرار التعيين وهذا
ما كان يفعله النظام الصدامي.. وهناك ممارسات اخرى في الدوائروهو
أنهم لايعترفون بالكتب الرسمية التي تصدر باللغة العربية وخاصة في
دهوك لايعترفون حتى بالطابع الذي يلصق على المعاملة الرسمية ويجب
تغيره بطابع "كردستاني" وقد حدث هذا امام أعيني ولم أسمعه عبر أناس
آخرين.
وفي يوم تنصيب
مسعود البارزاني احتفل اهل عين سفني وكانت تذكرني الحالة التي كنا
نعيشها ابان الحكم الصدامي حيث المشاركة ليست طوعية وكان في سيطرة
التفتيش يَسأل لماذا لم يرفع العلم الكردي وصورة الرئيس في السيارة
التي يقودها وهذا ليس افتراء وانما كنت ايضاًكشاهد عيان، وكذلك
ااستخدمت في هذا الاحتفال سيارات الاسعاف الحكومية وسيارات جمع
القمامة والموظفين شاركوا في هذا الاحتفال بدلا من ان يقوموا
بواجبهم الوظيفي كنقل المرضى وجمع الاوساخ والتي هي متراكمة في شوارع
عين سفني وماهو احوج اليه اليوم الانسان العراقي، ..والغريب أنه
انزلت كل الاعلام العراقية من على المؤسسات الحكومية ووضع العلم
الكردي فقط عوضا عنها .. لانعرف كيف ومن أعطى لهم الشرعية في ذلك ،و
لااعتقد ان تكون القوى السياسية قد اجرت استفتاءاً حراً للإدلاء
برأيهم حول هذه الممارسات اللاديمقراطية او في انتخاب ممثليهم وما
يجري اليوم هو تعيينات وان يوافق أولآ الحزب الحاكم .. وما حصل اليوم
هوتغيير فوقي اي فقط تغيير في السلطة ، أما الممارسات فبقيت كما هي
وان لم نقل نحو الأسوأ .. في النهار الأشايس وافراد الحزب الحاكم هم
الذين يحتلون الشارع اما في الليل فقلوب الناس مع وحدة العراق
ومستقبل المواطن ويؤيدون فكرة الأنضمام الى الإدارة المركزية ..واذا
لم يكن في اليد حيلة واقر مبدأ الفيدرالية فان أهالي عين سفني
سيفضلون ان تكون هي مركزاً لفيدرالية تضم السريان واليزيديين والشبك
بدلا من ان تكون منقسمة على نفسها ومصيرها مرتبطاً بقيادات لم تغيير
ممارساتها وحتى لا تريد ان يكون للعراق مكاناً في قلوب الناس.
يقول المثل الروسي
:
يفضل أن تراه مرة
واحدة من ان تسمع عنه الف مرة.
السويد
25 تموز 2005