الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 

مهمة آنية لا تقبل التأجيل  - أ.د محمد معا رج الحجاج

 

لم يعد خافيا على أحد أن مصطلح (عراقيي الداخل و عراقيي الخارج ) أصبح شائعا لدى الجميع في مرحلة ما بعد سقوط النظام    المقبور أكثر   من المرحلة التي سبقت    سقوطه والغريب ما في الأمر أن أكثر من يسوغ هذا المصطلح هم من الذين كانوا ضمن جموع الخارج و الذين أتوا (معهم ) إلى الداخل بأسباب كثيرة منها الشخصية    لكسب   المال أو الجاه و أن أغلبية هذه الفئة قد عادت إلى ( قواعدها سالمة ) إذ تمتلك مقومات العودة وهي مهيأة لذلك أصلا لأنها قد اكتسبت جنسية أخرى غير العراقية أي في البلد الذي أتت منه، ومنها ما زال يراوح بين الداخل و الخارج ليتمسك بمنصبه الجديد أو بمهمته الجديدة كمستشار في وزارة ما ليصبح موظف (فوق العادة ) مستغلا الظروف الاستثنائية الانتقالية و المجال الواسع للانتهازية.

 

وحينما نلقي نظرة عامة على الظروف التي أدت إلى هجرة الأعداد الغفيرة من العراق إلى الخارج، وكذلك انتماءاتها إلى شرائح المجتمع العراقي المختلفة، فإننا نلاحظ الكثير من التباينات بينها بألاضافة للأسباب التي أدت إلى هجرتها أو تهجيرها.ومن ضمن الأسباب الرئيسة، الوضع السياسي ألقسري و القمعي المفروض سابقا من قبل النظام الجائر حيث أضطر العديد من العلماء و المثقفين إلى البقاء في دول المنفى بدءا من منتصف السبعينيات، ومنها ما هجر قسرا و بالقوة لأسباب شوفينية و عنصرية بحجة التبعية الإيرانية أو من جراء سياسة التمييز القومي و الطائفي و التي طالت الكثير من أبناء شعبنا العراقي من القوميتين العربية و الكردية و باقي الأقليات والطوائف الأخرى كألاشوريين و الكلدان و الصابئة وغيرها.   كذلك أدت الحروب المتعددة و أولها الحرب العراقية الإيرانية و احتلال الكويت و ما أعقبها من ماسي مؤلمة والتي أحرقت اليابس والأخضر، إضافة إلىا لتبعات التي لحقت الانتفاضة البطلة في عام 1991 و سنوات الحصار الجائرة، أن كل هذه الأسباب، و بغض النظر عن الاستثناءات والتي سنتطرق لها لاحقا،أدت إلى جمهرة واسعة في أن أن تجد نفسها مرغمة للبقاء في بلدان عربية كسوريا و الأردن و الجزائر وليبيا و بعض دول الخليج العربي و بلدان أجنبية كالدول الأوربية و أمريكا و كندا وفي جميع بقاع العالم المختلفة كاستراليا و نيوزلندا وغيرها و لا نبالغ إذا قلنا انه لا توجد قارة إلا و عراقيا فيها.

لقد حملت جميع هذه الفئات صفات المجتمع العراقي من الناحيتين الإيجابية و السلبية.  و لا نريد هنا أننبين السلبيات حتى لا نجرح أحدا لكننا نود أن نوضح أن غالبية   الجالية    العراقية قد تعلمت الكثير من الصفات الإيجابية و الحضارية و أن القلة منها قد أساء إلى سمعة العراق وهناك أمثلة لا باس بها حول ذلك و أن هذه الفئة لم تحلم أساسا بهذا الواقع الجديد وبنفس الوقت لا تريد أن تتعلم الوضع الحضاري الجديد و أن همومها و تطلعاتها مختلفة عن الغالبية العراقية في المهجر و أن بقائها ضمن هذا الوضع بعد سقوط النظام لايغيرمن حالها، إضافة إلى أنها قد لا تفكر بالعودة إلى الوطن في الوقت الحاضر إلا  في حالات محددة فهي تسعى في اغلب الأحيان إلى تحسين واقعها ألمعاشي و حسب.

 

 

 

 

 

 

 

و ااستنادا إلى هذا الوصف السريع، يمكن القول وبكل تأكيد أن جميع هذه الفئات هي عراقية و ستبقى كذلك رغم الاختلاف في طموحاتها المستقبلية ما بعد سقوط النظام الديكتاتوري الفاشي و بهذا الصدد يمكننا أن نوجز و لو باختصار هذه الطموحات حتى نستطيع أن نبين بشكل عام مشاكل و هموم الجالية العراقية في الخارج و حسب المواقع السياسية و الاقتصادية والقومية و الثقافية - قبل سقوط النظام ولان الهجرة ألأخيرة أي ما بعد السقوط تحتاج إلى وقفة أخرى تختلف عما نحن فيه الآن - ومن ثم تطلعاتها في العودة للوطن وما ينبغي على الجهات المسؤولة عمله في الوقت الحاضر.

 

أولا: الواقع السياسي

 

تمثل هذه الفئة في البداية غالبية المهجر العراقي رغم تبايناتها ما بين العلمانية والدينية

 و التي أجبرت بشكل أو بآخر قسرا إلى االقبول بواقع الغربة و تبعاتها المؤلمة، ومع الأسف الشديد أن البعض يتجاهلها عمدا أو بدون قصد و الغرض من ذلك جلي و واضح  و هو الإساءة لها و التقليل من معاناتها بالإضافة لاختزال دورها في عملية التغيير الحاصل حاليا و مستقبلا و أن هذه العملية لم تكن جديدة على الإطلاق، لان النظام القمعي المقبور قد عمل الكثير من اجل هذا الهدف عبر جميع مؤسساته في الداخل والخارج أو من خلال عملائه الذين أخرجهم مع الجموع ألغفيرة المهاجرة قسرا كما حدث ذلك في إيران أو سوريا وحتى بلدان أوربية. وأن هذه الفئة مؤهلة أساسا للعودة إلى الوطن ولا توجد لديها مبررات ذاتية للبقاء في المهجر و لأنها المعنية في التغيير لعراق الغد الواعد و ضمن الواقع الملموس.

 

ثانيا: المستوى القومي و ألاثني

 

و تتباين هذه المجموعات ليس في انتماءاتها السياسية، بل في مستواها الفكري والعلمي و الثقافي.وعلى هذا الأساس فان طموحاتها متباينة أيضا نحو العودة إلى الوطن حتى أن بعضها يجاهر بقطع الصلة بالوطن ألام لأسباب غذيت بأفعال النظام نفسه إلا أن نسبة ليست بالقليلة تطمح بالعودة إلى الوطن ولكن بالشروط الملائمة لا سيما وان الغلبة منها قد توطن و وجد ظروف إنسانية و حضارية جديدة بعيدة لم تكن متوفرة لها بالمقارنة مع الواقع المعاش سابقا، ليس في العراق بل و في غالبية الأقطار العربية الأخرى. واقل

 ما يقال عنها إنها تريد التواصل مع الوطن ألام وبمستويات مختلفة.

 

ثالثا: المستوى العلمي و الثقافي

 

تضم هذه الفئة الوجه العراقي المتنور بشكل عام وهي تنتمي لجميع الفئات المذكورة أعلاه، أي أنها لا تنتمي إلى قومية أو دين أو طائفة محددة أو لأي اتجاه سياسي معين، وهذا ما جعلها أكثر قربا من بعضها البعض بالمقارنة مع المستويات الأخرى …

 وعلى هذا الأساس يمكن القول أنها الأكثر تضررا من الناحية المعنوية ضمن ظروف المهجر خاصة أن غالبتها قد ابعد قسرا عن المجتمع العراقي وعن مؤسساته العلمية و الثقافية و الإدارية بسبب الانتماء السياسي أو الديني أو القومي أو لأسباب اقتصادية، إلا إنها تمتاز بوعيها و تواصلها العلمي و الثقافي و تطورها النسبي الحضاري، بالمقارنة مع بقية المستويات و المجموعات الأخرى، وقد احتل قسم منها مراكز مهمة في مجالات العلم و الثقافة و المعرفة وألأقتصاد والمجتمع، وعلى هذا النحو فهي متبانية اتجاه العودة للوطن ألام حسب وعيها السياسي والفكري والشعور بالمسؤولية في إعادة أعمار العراق ضمن الظروف الحالية و المعقدة.

 

ومن خلال هذا الاستعراض السريع لواقع و طموحات العراقيين في المهجر و الذي برئينا يحتاج إلى الكثير من الدراسة والتمعن من قبل الجهات المختصة الرسمية وغير الرسمية ومن كل الباحثين في المجالات المتعددة، فأننا نجد الكثير من الفوارق في التطلعات نحو العراق الجديد. و على هذا الأساس لا نرى مبررا واحدا للسكوت الذي يكاد أن يكون مطبقا حول دراسة الواقع العراقي في الخارج و الذي تصل نسبته لأكثر من خمسة عشر بالمائة من سكان العراق حاليا بأقل تقدير و ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه النسبة في رسم مستقبل العراق السياسي والعلمي و الثقافي و الحضاري لا سيما وا ن الحديث يجري عن الانتخابات المقبلة و كان الأمر لا يشمل هذه الفئة الكبيرة الواعية المتعلمة ومن الجهة الأخرى انه لا يوجد شك في عراقيتهم إلا من قبل الذين لا يرغبون في ضرورة مشاركتهم في الحياة العامة والذين يعملون بدون كلل في الحد من طموحاتهم وحقهم في وطنيتهم التي لا جدال فيها على الإطلاق و ضرورة فسح المجالات أمام الراغبين في الوقت الحالي للعودة للوطن.

 

أن النظرة القاصرة عن دور العراقيين و مساهماتهم في المهجر لإسقاط النظام الدكتاتوري والتي تغذيها جهات داخلية و خارجية و لأسباب متباينة هي إجحاف كبير وانه لأمر يثير الحزن و الأسى في نفس كل غيور للوطن و تقدمه. وليس سرا القول بان نسبة كبيرة ممن كانوا خارج العراق أبان سقوط النظام أو بالأحرى قبيل بدء الحرب الأخيرة التي أدت إلى سقوطه، قد ساهموا مساهمة فعلية و بشكل مباشر و بظروف قاسية في مقارعة النظام المقبور وحتى في الكفاح المسلح، وان ربوع كردستان العراق تشهد على الكثير من الأمثلة البطولية التي خاضها العراقيون عربا و كردا و أقليات أخرى وفي أوقاتا مختلفة وضمن حركات سياسية معروفة للجميع، وسقط الكثير من الشهداء لتروي  دمائهم ارض الوطن الغالية، ولا نغالي إذا قلنا أن بعضا من شهدائنا لا يملك حتى قبرا يذكر و لأسباب يعرفها الكثيرون ولا نرى داعيا لذكرها في الوقت الحالي.

 

أن ما يثير الدهشة حقا في هذا الأمر أن قيادات لبعض الحركات السياسية قد تناست الواقع و حتى لأعضاءها و جماهيرها ولأسباب عديدة منها الاختلاف بالرأي ومنها الركض وراء المناصب و تقاسم الحصص حتى أعماهم ذلك من ذكر الحقيقة ، وقد اعتمدت في احيانا كثيرة  ميزة ( ذوي القربى ) لملئ ألمناصب و الجلوس على الكراسي، وقد أضحت جمهرة واسعة مهمشة لا تجد لها حيزا يذكر ، لان الانتهازيون كما في أي زمان و مكان قد وجدوا ضالتهم قي هذا الوضع الاستثنائي ليتبؤا المناصب التي لا يستحقونها ولا يحلمون بها سابقا. وبالمقابل بقى الجنود المجهولون بعيدا عن الأضواء كالعادة، ليجدوا أنفسهم من جديد خارج اللعبة- كما يقال- وقد ساعد ذلك بقاء القوانين الجائرة من العهد البائد والتي يعمل بها لحد الآن ليزيد من تهميشهم وحتى إبعادهم عن المساهمة الفعالة في إعادة بناء الإنسان والوطن.

 

 لقد مضى أكثر من السنة والنصف على إزالة النظام البائد ولكننا لا نجد قانونا أو تشريعا ينصف العراقيين في المهجر سوى ما يسمى بقانون ازدواج الجنسية و الذي وضع أساسا لإغراض محددة يعرفها الجميع وان هذا لا يسمن ولا يغني من جوع سوى لقلة من الناس وهم الذين يتشبثون بالقوانين والقرارات السابقة فيما لو تناولت قضية ما لوضع الآخرين وهي باقية حتى بعناوينها، وباسم مجلس قيادة الثورة سيء الصيت و المعيقة للتطور.

لقد أنشأت وزارة خاصة تعني بالمهجرين و المهاجرين وقد استبشر الجميع بها خيرا، ولكن ومع الأسف الشديد فهي ضلت عاجزة لحد ألان عن عمل ما هو مطلوب منها ، من الناحيتين المعنوية و المادية سوى أنها تحاول أن تقنع الحكومات الأجنبية التي تأوي العراقيين ، حتى لا تتخذ إجراءات قسرية بحق العراقيين في المهجر تحملهم في العودة إلى الوطن وبنفس الوقت لا نرى أية إجراءات عملية و طموحة لحل المشاكل الآنية للعدد الذي لا يستهان به من الذين لديهم الرغبة و الإمكانية بالعودة إلى الوطن، بل بالعكس من ذلك نجد أن من بين من نصب في المسؤولية يبحث بلا كلل عن قوانين و تعليمات و مبررات قديمة تحول دون طموحات العديد من الذين يرغبون في العودة إلى العراق و إعادة بنائه، وبنفس الوقت يفسح المجال واسعا لاحتضان المقربين بالولاء فقط … وإذا استمر الوضع بهذه الوتيرة ( وهذا ما لا يطمح له أي غيور على هذا الوطن ) فانه سيؤدي بالتأكيد إلى فقدان الثقة و الأمل بالأساليب المأمول بها إلى ترسيخ الديمقراطية الموعودة و التي يريدها و ناضل من اجلها غالبية العراقيين سواء كانوا في الداخل أو الخارج. أن على قيادات الحركات السياسية أن تنتبه لهذا الأمر بجدية و موضوعية ون تبتعد عن الأسلوب الميكافيلي ألمعمول به حاليا في انتقاء الأشخاص لتحمل المسؤوليات وان الأمثلة كثيرة و صارخة و مؤلمة حقا، وما تم إجراؤه في (انتخابات ) المجلس الوطني أو التعيين ضمن نظام المحاصصة البغيض في الوزارات و مؤسسات الدولة أو الجيش و الشرطة وما يتخلل ذلك من الصفقات المشبوهة إلا برهانا واضحا على ما نقوله.

 

لقد تناسى البعض ممن الحقوا بمراكز معينة والذين هم كانوا أنفسهم ضمن جمهرة المهجرين و المهاجرين وضعهم السابق وما عاناه زملاؤهم في الماضي وما يعانونه حاليا حتى أصبحوا أوصياء و أولياء الأمر … إنها ظواهر مؤلمة و بوادر مثبطة للعزائم وحتى محبطة للآمال.

أننا نطالبهم و جميع ذوي الأمر بان يعدلوا عن مثل هذه الأساليب وان يعودوا إلى واقعهم ما دام هناك متسعا للعودة وان يضعوا نصب أعينهم بان العراق وطن الجميع و أن الباطل لا يدوم مهما تجبر و طغى، وان الاستمرار بهذا النهج سيؤدي إلى إلحاق افدح الخسائر في مسيرة بناء هذا الوطن والذي ساعدت نفس الأساليب على تدميره والتي اتبعت سابقا.

أننا نناشد هيئة رئاسة الدولة و رئاسة الوزراء و كل من سنحت له الفرصة لان يحتل موقعا ما في العراق الجديد بالعمل وفق معايير جديدة ، تتضمن ما يلي:

 

أولا:   فسح المجال أمام الكفاءات الوطنية بجميع شرائحها العلمية و الثقافية و الإدارية من اجل المساهمة في بناء العراق و العمل ضمن مبدأ تكافؤ الفرص في كل مواقع الدولة وعدم اللجوء إلى الاحتكار أو التمييز وفق معايير سبق و أن عانينا منها جميعا.

 

ثانيا:  إلغاء القوانين و التعليمات السابقة التي تعيق عودة هذه الكفاءات من الخارج على مستوى كل وزارة أو مؤسسة و تفعيل التعليمات الايجابية التي تخدم هذه الأهداف.

 

ثالثا: سن القوانين الملائمة و تفعيل الوزارات المعنية لاستقطاب الكفاءات الوطنية و حسب الأولوية و حاجة البلد لذلك لتكون بديلا عن القوانين المجحفة السابقة التي وضعت أصلا للتمييز بين المواطنين.

 

رابعا: دعوة قيادات الأحزاب و الحركات الوطنية و جميع مؤسسات المجتمع المدني للتخلي عن الأساليب المتبعة والأفكار الأنانية و التحلي بروح المسؤولية اتجاه البلد

 و إشاعة مبدأ تكافؤ الفرص للجميع و نبذ مبدأ الولاء و المحسوبية و الذي لا يخدم تطلعات و طموحات شعبنا، وترسيخ الديمقراطية في جميع نواحي الحياة و النظر بجدية

 و ليس بالشعارات فقط لمبادئ حقوق الإنسان و كرامته و حتى داخل هذه الحركات السياسية و لا نبالغ إذا قلنا أن بعضها يحتاج إلى هيئات خاصة لرقابة هذه الحقوق في داخلها