
رأي في نقد كتاب
:
تحت ظلال شهب نيران بابا كركر
للمؤلف الباحث والكاتب د. توفيق آلتونجي
نقد: الأستاذ حمودي عبد محسن
إن سياق الكتاب ( تحت ظلال
شهب نيران بابا كركر ) للمؤلف الدكتور
توفيق آلتونجي الصادر
عن دار نشر _ فيشون ميديا _ السويد _ عام 2006 بلغته
الانسيابية الجميلة
المعبرة عن الشخصية الرئيسية في قصصه تبغي لنا مضمونا جديدا ،
وبناء قصصي جديد ،
يظهر فيه كل ما هو خفي عن أنظارنا ، ولذلك كانت قراءته ممتعة
ومحبوكة حول أمور
محددة ، أوجزها المؤلف في مفاهيم ودلالات عديدة ، تجعل القارئ
يتشبث في متعتها ،
ويمكنني أن أوجز تلك الأمور في النقاط الآتية
:
أولا : إن الدولة
الاستبدادية تصنع الخوف في نفوس الناس ، إضافة
إلى الرهبة اليومية ،
تعايشه يوميا ، ويحاول الانفلات منها بمختلف الأساليب الهادئة
، الذكية ، لئلا يقع
المواطن العراقي في أيدي الأجهزة القمعية التي لا ترحم أحدا ،
والتي تستخدم أشد
قساوة التعذيب ، وفنون القتل ، وهناك إشارات كثيرة في الكتاب حول
هذه النقطة ، والخوف
بحد ذاته يصنع القلق ، ويهز الوعي الإنساني للانفلات من هذه
القبضة الصارمة
.
ثانيا : إن الكتاب اعتمد
في شخصياته على عناصر كادحة ، فأغلبها
تنحدر من هذه الشريحة
الاجتماعية ، ومنها بشكل خاص الإسكافي ،إلا أن الشيء الملاحظ
أن هذه الشخصيات تتوزع
على جانبين :
الأول _ شخصيات يتقى
محافظة على طبيعتها الإنسانية وتبقى تعاني من
الكدح دون أن تصاب
بتحولات تقضي على روح انتمائها لشريحتها المعذبة
.
الثاني _ شخصيات ارتزاقية
، وصولية ، نفعية ، تستخدمها الدولة
الاستبدادية في تعذيب
الشخصيات الكادحة التي كانت في يوم ما من وسطها ، وقريبة لها
.
ثالثا : الكتاب يخوض في
عوالم تاريخية متعددة ، و متشعبة ، تئن من
خلال سياق الصور
والتداعيات ، والهواجس التي وصفها المؤلف
.
رابعا : كلما يتحدث المؤلف
عن أحداث كركوك نجد فيه الحس الوطني
العراقي الذي أحسن
المؤلف في تجسيده رغم تعدد القوميات والمذاهب في هذه المدينة ،
التي نحن بأمس الحاجة
إليها في ظروفنا الراهنة ، ظروف أخذت تتوزع فيها الانقسامات و
التناحرات ، وهذا ما
يعطي الكتاب نكهته الوطنية العراقية الجادة ، وقد أحسن المؤلف
، في ذلك ، وأعتقد هو
السبب الأساسي في نجاح الكتاب بمحتواه ، واسلوبه ، ودقة إبراز
الشخصيات التي تهم
العراقيين في مرحلة الدكتاتورية ، إضافة إلى استخدام المؤلف
الكلمات الدارجة أثناء
الحوار ( اللهجة الشعبية ) ، وإن قراءة هذا الكتاب ضرورة
للمواطن العراقي فسيجد
الربط بين
الخوف من استبدادية الدولة
الدكتاتورية ، ومحاولة
إيجاد المنفذ الذي
يخلصه من براثنها
.
إن القصص تتجلى بالمعانات
الفردية بالخوف من رشاشة طائرة
الهليكوبتر ، السجن ،
الحرب ، المرض …الخ ، إنها تجسد الهروب من واقع مرير يعيشه
الإنسان في بلدان
استبدادية ، توصف بذكريات قصصية عانى منها المؤلف نفسه ، مجسدها
في عودة إلى الماضي
بصور مختلفة كما لو أن الماضي عبور إلى عوالم الحرية، ثم
الانتقال كلجوء إلى
بلدان ذات أنظمة أوربية بديمقراطيتها ، فهذا العبور تتجسد
شخصيات أخرى صار حسا
يوميا واقعيا لملايين البشر ، المنحدرة أكثرها من الفئات
الكادحة ، في
مجتمعاتها التي تعذبت فيها لأزمنة طويلة رغم تغير شكل أنظمتها ، في
حين أن كثير من
الشرائح الأخرى التي عبر عنها الكتاب ، والتي استوطنت وطنها مأهولة
بالفساد الاجتماعي
الاقتصادي ، كما يتساءل في صفحة خمسة وعشرين ( هل عندكم سياف
مشهور …) ، وفي لفتة
غير عادية التي تجسد الرعب في وطنه التي وردت في صفحة تسعة (
التقت عيوني بعيون
الجندي الذي وقف مختفيا وجاثيا كالصقر على الرشاش داخل الطائرة
وقد شرع باب الطائرة
على مصراعيه ) ، وفي محور الحديث عن الشرائح الاجتماعية ، يقول
في الصفحة السادسة
والعشرين ( إلا أن ما تفرزه هذه الطبقة أن ابن الإسكافي يتدرج من
صانع شرطي إلى كبير
الشرطة على حساب أرواح الناس _ وممارستها المشينة الارتزاقية
) و القول بأن هذه
الطبقات عملت عن جهل في رفد الدكتاتورية بإرساء نظامها لا يكفي بل
لابد أن نضيف لها أيضا
العوز المعيشي ، الذي يجعل ضعيفي النفوس ماكينة الدكتاتورية
على حساب شريحتها ،
وهذا ما نفذت من خلاله في سياسة _ الترغيب والترهيب _ ولذلك
استطاعة بفترة قصيرة
أن تبني أجهزتها القمعية ، ويعرج المؤلف في الكتاب عن المجتمع
السويدي الذي يعاني
فيه كبار السن من عزلة اجتماعية ، ويشير أيضا عن الممارسات
الخاطئة للاجئين
.
اعتقد أن الكتاب مصدر مهم
للقفزات التي يشهدها في ثلاث مراحل
: الأولى : الدولة
الاستبدادية ، الثانية : منفى الهجرة ، الثالثة : الدولة
الديمقراطية الأوربية
، ولكل من منابع هذه المراحل الثلاثة ينبع الشيء الجديد
للدكتور توفيق آلتونجي
.
حمودي عبد محسن
السويد
15 . 5 . 2006