الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 
المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة الاولى

 حاجات البشر جوع أم إشباع?
        

          بعد كارثة تسونامي, وتواتر نذرها, ربّما حان الوقت للتفكير من جديد, وباستعادة مبتكرة, في قضية الحاجات الاجتماعية, وطرق إشباعها وتوسيع دائرة تفعيلها, يضاعف من ضرورة هذا الاهتمام, حيثيات أربع تتصادى معها الكارثة راهنًا.

          أولى هذه الحيثيات, تصاعد ظروف وحالات الفقر والمجاعة والتصحّر والأوبئة في أنحاء متفرقة من العالم, حيث يموت أكثر من (10) ملايين طفل كل عام, بمعدل (30) ألفا في اليوم بسبب أمراض يمكن تجنبها, ويجوع في البلدان النامية قرابة (799) مليون شخص, يشكلون نحو (18%) من سكان الأرض, ويعيش حوالي (1.2) بليون نسمة بأقل من دولار واحد يوميًا حسب تقارير البنك الدولي, ويوشك مرض نقص المناعة AIDS, الذي أضحى أول عامل للوفيات في البلدان الأقل تقدمًا, أن يلتهم ثلث سكان إفريقيا, ونسبة غير معروفة في آسيا, وكلها شواهد وأرقام تطرد زيادتها, لتتضافر في رسم مصير لمستقبل يحمل تحدياته وكوارثه وأوضاعه البائسة.

          وتتبدى ثانية هذه الحيثيات, في موقف اللامبالاة من جانب العالم بإزاء البيئة والموارد الطبيعية التي تمثل مصدر الحاجات الأساسية, حين نظر إلى هذه الموارد كما لو كانت مجرد سلع لا غير, وأنها معين لا ينضب, مما شجع التبذير في استغلالها واستنزاف ما يتعذر تجدده منها, وإهدار ثرواتها, والإخلال, من ثم, بالتوازن الإيكولوجي, نتيجة للتقدم التكنولوجي الهائل الذي أضحى له مردوده في إجهاد البيئة, وواقع اقتصاد سوق لم يؤدّ إلى توفير إطار مقنع لاستخدام الموارد, واستتباعًا توفير الحاجات. ولقد يكفي للوقوف على هذا الخطر, أن حاجة أساسية كالغذاء, تتعرض حاليًا لتلوّث المياه, وتقلص مصادرها العذبة, وانخفاض غلال المحاصيل في معظم الأقاليم الاستوائية وشبه الاستوائية, واستنزاف مخزونات الأسماك بسبب الصيد المتقدم في تقنياته, وغير المقيّد في كمياته, وتدهور خصوبة الأرض الزراعية, وتآكل التربة, واستخدام المبيدات والمخصّبات, علاوة على الانتشار الواسع للأغذية المعدّلة وراثيًا,مما حدا منظمة السلام الأخضر على أن تطلق على هذه المنتجات اسم (أطعمة فرانكنشتاين), كتحذير من المخاطر الصحية المحتملة لتناولها, فضلاً عن محاولات الشركات الكونية عولمة صناعة وتجارة الغذاء, والاستئثار بها.

          ويأتي خلق طموحات استهلاكية, بغضّ النظر عن الحاجة إليها لدى المستهلكين كحيثية ثالثة.

          أما الحيثية الرابعة, فتجد تعبيراتها في غلبة مفردات الليبرالية الجديدة على خطابات الإصلاح في المجال العربي العام, مقابل غياب ملحوظ لأجندة تغطية الاحتياجات الأساسية, فيما تدور صياغات منتجي هذه الخطابات, في فلك البحث عن استراتيجيات لتعظيم مساحات الحرية السياسية, واحترام حقوق الإنسان, والحدّ من سطوة الدولة, من خلال مقْرطة وتحديث مؤسساتها, على حين تكاد معالجة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للإصلاح أن تقتصر في هذا السياق على استكمال التحوّل نحو اقتصاد السوق, وحتمية تراجع دور الدولة الاقتصادي, وتخلّيها بالتبعية عن الجزء الأكبر من مسئوليتها بإزاء اختلال معدلات توزيع الثروة, وأزمة البطالة والفقر والتهميش المتصاعد, وتغطية الحاجات الأساسية للفئات المحتاجة.

حاجات ذاتية وموضوعية

          وفي المعجم العربي, تترادف الحاجة والحائجة والحوْجاء والحويجاء, وجمعها حاج وحِوج وحاجات وحوائج وحويجات, والمحْوج هو المعدم من قوم محاويج, والحوج ويعني الفقر. أما وضعية سدّ الحاجة, فتتصل في حافظة الجماعة الشعبية العربية بتعابير شائعة: (البركة) و(القسمة) و(الحظ) الذي يعني ما يصيب المرء من خير أو شرّ, ويُنسب إلى الدهر وصروفه. و(الرزق), ويعني الحصول على وسائل كسب العيش وسد الحاجة, ويتوسط لدى هذه الجماعة بين طرفين متضادين: الفقر والوفرة, أو (المقدّر) و(المكتوب), لأنه يمثل عطاء المولى سبحانه لمن يشاء, ويعتمد على إرادته.

          قد تُفهم الحاجات بوصفها الشروط والظروف الواجب توافرها, لكي يستمر الإنسان أو الجماعة في الوجود (الحاجات الموضوعية), وقد تتحدد من جانب آخر, على ضوء وعيهم بهذه الشروط والظروف (الحاجات الذاتية), لكنها على تعددها واختلافها متكاملة, وإن تراوح تعريفها بين اعتبارها انتظارًا يقتضي إشباعه, أو أداة تبعية واستغلال, تعبيرًا عن عدم المساواة التي يعانيها أفراد وفئات بسبب نقصها.

          وربما لهذا, لم يستخدم مفهوم الحاجات بالدقة الواجبة في التحليل, ولذا بدأ التعامل معه وتطبيقه إشكاليًا, خاصة مع عدم توافر رهانات إمبيريقية لتمييزه عن الضروريات, والرغبات, والخدمات, والمصالح, والمطالب.

          فالضروريات تشير إلى ما هو ضروري من الحاجات الأساسية, عبر صيغ ست لإشباعها, بحسب ما يورده مشروع الأمم المتحدة الإقليمي للتنمية في دول أمريكا اللاتينية, وهي: الدخل المنتظم, إتاحة الخدمات المجانية أو المدعومة, ملكية أو الحق في تملك أصول ثابتة تقدم خدمات استهلاكية أساسية, مستوى تعليمي ومهاري, وقت متاح للمهام المنزلية والاسترخاء, وأخيرًا قدرة على اقتراض النقود.

          وعكس الضروريات, تدل الرغبات على اتساع مفردات الإشباع الكمالية, وهو ما ذهب إليه ابن خلدون, في تفريقه بين الضروري والحاجي والكمالي.

          وربما لهذا التداخل, اقترح الأنثروبولوجي البريطاني رادكليف براون, استبدال مفهوم الحاجات بعبارة الظروف الضرورية للوجود أو العيش, وإن جاز الحديث عن الحاجة كحالة تعبر عن مسافة نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية, بين الشخص أو الجماعة, ووضعها المدْرك, والتي تساعد الخدمات النسبية في مضمونها, وفي قدرتها على تقريب هذه المسافة.

إضاءة

          وإطلالة عجْلى حول الحاجات في الفكر الإنساني, تشي بأن الفلاسفة القدامى عاينوها كفهوم مربك, ولم يلحظوا تمايزها عن المصالح والرغبات: فأفلاطون ينظر إليها كأساس للرضا, حيث افترض أن من يملك الحاجة هو الأقرب إلى هذا الإحساس, فيما أضحى مَن لا يملكها مصدر قلاقل سياسية, وأرسطو رآها كأساس للمدينة, ذلك الحشد الاجتماعي الذي يعتبر التبادل التجاري نشاطه الاقتصادي الأول.

          أما المفكرون الأبيقوريون والرواقيون في العصر الهلنستي, فميّزوا بين الحاجات الحقيقية والزائفة, كمعيار للمفاضلة بين الحياة الصالحة والحياة الطالحة, تطويرًا لنموذج (الإنسان المكتفي), وهو ما يتضح في تفرقة أبيقور بين حاجة ضرورية كالماء, وأخرى غير ضرورية كالرغبة في احتساء عصير جيد, ومناداة أبيكتيتوس بترشيد إشباع الحاجات كوضع أخلاقي, ووصف سينيكا لها بالمرونة, بما يسمح لها بالتزايد, إن لم تتدخل الأخلاق في كبح جماحها, وهو عين ما ارتآه مفكرون تنويريون, من مثل جان جاك روسو, الذي فرّق بين الحاجات الطبيعية والإنسانية, مشيرًا إلى أن الخلل في إشباعها يكمن في الاستعمال السيئ لموارد الطبيعة, بسبب  تقسيم العمل وظهور الملكية, ما يؤدي إلى استئثار القلة بوسائل الإنتاج, سيّما الأرض, ومن ثم التحكم في حاجة الكثرة للغذاء.

          وخلافًا لروسو, قدم مالتوس بعده فرضية حول شح الطبيعة العاجزة عن تأمين إشباع حاجة الغذاء, بزعمه ميل الزيادة السكانية الدائم لتجاوز وسائل توفير العيش, وهو زعْم صدم المشاعر الدينية لدى نظرائه من المفكرين, فوصفوه بـ (القسّ التعيس), حين رأوا في فرضيته تشكيكًا بقدرة العناية الإلهية على الوفاء بحاجات البشر.

          وعلى خطى تمييز روسو بين الحاجات الطبيعية والإنسانية, قام المشتغلون بعلم النفس البيئي وعلم الاجتماع الفرنسيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, مثل كلود هلفيثيوس, وبول دولباخ, وجوليان لامتري, بالوصول إلى نتيجة مفادها أن عماد صلاح المجتمع يمرّ من سكة إشباع أفراده بالحاجات المناسبة.

          وما إن قدم هيجل رؤيته حول موضوع الحاجات, حتى حدث الانفصال بين المعالجات الأخلاقية الباكرة, والأخرى غير المنظمة لهذا الموضوع, ليستخدم على نحو شبه فني. فعلى غرار علماء الاقتصاد السياسي الأسكتلنديين, عرّف هيجل المجتمع المدني على أنه (نظام الحاجات), باعتبار المجتمع له وظيفة أساسية, تتمثل في إشباع ضروريات البقاء.

          وأواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين, تبلورت دراسة الحاجات,حين برزت في الدول الناطقة بالإنجليزية, أفكار حول الفقر المدقع وأساسيات الحياة, نتيجة لتقدم بحوث الأطباء وعلماء التغذية حول الحاجات الفسيولوجية للأفراد, من مثل الطعام والمأوى والملبس والتدفئة, والتي تمثل الضروريات الجوهرية للبقاء على قيد الحياة, وحيث ترجمتها إلى قيمة نقدية يعد بداية لهذا الفقر المدقع.

          ولأنه, وعلى ما يذكر بيتر تاونسند, لا يمكن تحويل الأفراد إلى كائنات عضوية مستهلكة للطاقة, اعتبارًا من أن هذه الحاجات الفسيولوجية تتحدد اجتماعيًا, نشأت فكرة الحاجات الأساسية, كامتداد للفكرة السابقة حول ضروريات الحياة.

          ومع قيام دولة الرفاه وتجارب الديمقراطية الاجتماعية في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية, تعاظم دور الدولة في إشباع حاجات الرفاهية في المجتمعات الصناعية المتقدمة, والتي لا تقتصر على توفير الطعام والكساء, بل تمتد إلى المسكن والتعليم والرعاية الصحية وفرص العمل, وشغل أوقات الفراغ,

          غير أن الأزمة البنيوية للرأسمالية في السبعينيات, زادت من دعاوى الليبرالية الجديدة في المناداة بتحرير الاقتصاد, وتحجيم دور الدولة, والاتجاه إلى خصخصة خدمات الرفاهية, ودعم الهيئات الخاصة التي تقدم الخدمة, وفقًا لقدرة المستفيد على الدفع, وليس تبعا لمدى حاجته, مما كان له أثره في سقوط دولة الرفاه وتجارب الديمقراطية الاجتماعية.

تصنيفات

          وتشهد الخبرة التاريخية تواتر طريقتين مختلفتين لإشباع الحاجات: إنتاج الوفرة كما في المجتمعات الفردية, أو الاكتفاء وعدم الاهتمام بالمزيد لدى مَن يسمّيهم الأنثروبولوجي الأمريكي مارشال سالينز مجتمعات (زين) Zen, التي تتبعها تجمّعات الصيد والجني, ويتمثل في الكف عن إنتاج الطعام فور أن يعتبر أفرادها أن الكمية الموجودة منه تحت أيديهم, بلغت المستوى الكافي لحاجتهم.

          على أن تحديد الحاجات يظل دوْما محل خلاف: فبالرغم من إمكان التوصل إلى اتفاق على قائمة للمتطلبات الأساسية اللازمة للبقاء, من مثل الحاجات الفسيولوجية والمادية كالطعام والنوم والمأوى, فإن تحديد المستويات الضرورية الحاسمة من هذا المتطلبات يعد أكثر عسرًا.

          وفضلاً عن ذلك, فرغم اتفاق الباحثين وصنّاع القرار على جوهر الحاجات الأساسية, فالخلاف قائم بينهم حول مدى تغطيتها لكل المجالات الإنسانية, فعلى حين يرغب البعض أن يضمّنها حاجات نفسية واجتماعية, كالحاجة إلى الحب والرعاية والصحبة, والحاجة إلى فرص التعليم وغيرها, يرى آخرون أن مثل هذه الحاجات يمكن النظر إليها تدريجيًآ.

          وربما لهذا, بدا تصنيف هذه الحاجات موصولاً في أدبيات العلوم الاجتماعية, ومثاله الشائع قسمة الأنثروبولوجي البريطاني مالينوفسكي لها إلى ثلاث فئات, لكل منها وسائلها الساعية إلى إشباعها: حاجات أساسية (الطعام ووسيلته الغذاء, والتناسل وتربية الأطفال بالأسرة والمدرسة, والراحة بالمأوى, والأمان بالأسلحة, والحركة بالرياضة, والصحة بالعلاج), وحاجات متفرعة أو مشتقة (الإنتاج وتنظيم النشاط وتقنين السلوك ونقل التراث, عن طريق النسق الاقتصادي والتنظيم السياسي والضبط الاجتماعي والنظام التربوي), وحاجات تكاملية أو ثانوية (الاتصال وضبط الصراع والهدوء النفسي, ووسائلها اللغة والمعايير المشتركة والدين).

          ويفترض عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو, أن للبشر حاجات متدرجة, يسعون فيها ابتداء إلى إشباع الحاجات المادية لمعيشة مريحة آمنة, ثم يهتمون بالحاجات الاجتماعية التي يقبلها المجتمع ويقدّرها,بعدها يتوجهون نحو إشباع الحاجات الفردية, تماشيًا مع مثاليات الحب والصدق والعدالة والجمال, لتحقيق غرض إنساني أسمى.

          وقد حداه ذلك على صوغ محاولة في تصنيف الحاجات, مرتبة وفق نظام هرمي بحسب أهميتها على مستويات خمسة: الحاجات الجسمية الأكثر أهمية, وتتمثل في السعي إلى الطعام والماء والهواء والدفء والإشباع الجنسي, يليها الحاجات التي ترتبط بالأمن الفيزيقي كتجنب الأخطار الخارجية, بعدها الحاجات التي تتصل بالحصول على الحب والعطف والعناية, والاهتمام والسند الانفعالي بواسطة الآخرين, ثم الحاجات التي تتعلق بإقامة علاقة مشبّعة مع الذات والآخرين, كالتمتع بالتقبّل والتقدير, وتجنّب الرفض أو النبْذ, وأخيرًا الحاجات ذات العلاقة بالتحصيل والإنجاز, وتحقيق إمكانات الإبداع والإنتاج.

          أما الاقتصادي التشيلي مانفريد ماكس نيف, فيصنّف الحاجات تصنيفًا مشابهًا لماسلو, وإن رفض ترتيبه التدريجي, اعتقادًا بأن إشباع الحاجات المادية وغير المادية يجري معًا. ويعرّف تسع حاجات إنسانية جوهرية: مورد الرزق, العاطفة, الحماية, الفهم, المشاركة, وقت الفراغ, الإبداع, الهوية, والحرية, وهي حاجات يتم السعي إلى إشباعها بأربعة من أساليب التجربة: تحقيق الذات, الحيازة, العمل, والتفاعل.

          ويتحدث ماكس نيف عن تباين أساليب إشباع هذه الحاجات, حيث البعض منها يغطي الحاجات التي توجه إليها فقط, على حين أن غيرها يشبع في الوقت نفسه حاجات أخرى, إضافة إلى أساليب زائفة لا تشبع الحاجة المطلوبة, ورابعة كابحة تؤمّن حاجة واحدة, ولكنها تكبح حاجات أخرى, وخامسة تنتهك الإشباع بوجه عام, حتى إشباع الحاجة الموجّهة إليها.

قياسات

          وبخصوص قياس هذه الحاجات, تعوّل الدراسات على منهجية خط الفقر, الذي ينبني على أساس معدل نصيب الفرد في الأسرة من الدخل أو الاستهلاك, حيث تعد الأسر ذات الدخول الأقل من هذه المعدل فقيرة.

          وبشكل عام, تستند خطوط الفقر القطرية إلى مبلغ المال الذي يحتاج إليه الشخص في بلد معين, للعيش على نحو لائق, على حين يستخدم البنك الدولي خطّا للفقر المدقع يبلغ نحو دولار واحد في اليوم, يقاس بمعادل القوة الشرائية, بما يعني أن هذا المبلغ يعتبر متوسط الاستهلاك الأدنى المطلوب لعيش الكفاف في العالم النامي.

          ويحدد دليل الفقر البشري, الصادر عن تقارير التنمية الإنسانية, موشرات بعينها لقياسه: النسبة المئوية للأحياء بعد سن الأربعين, معدل الأمية لدى البالغين, إجمالي توفير الحاجات الاقتصادية, النسبة المئوية لمن لا يستعملون مصادر محسّنة للمياه, والنسبة المئوية للأطفال دون الخامسة من ناقصي الوزن المعتاد لأعمارهم.

          وعادة ما يتم قياس الحاجات بهذه المنهجية, عبر مقاييس ثلاثة تتكامل فيما بينها: أولها, مقياس سلة الغذاء المعيارية, وتحسب تكلفة هذه السلة بحسب نسبة الإنفاق المخصصة لإطعام مجموعة من الأسر, بناء على الأغذية المرصودة والمتطلبات الغذائية الموصى بها حسب العمر والوزن والطول والنوع والعمل وعادات الطعام, ومنها تؤخذ بيانات أو قوائم عن كميات المواد الغذائية التي تشبع المتطلبات الغذائية السابق تحديدها للشخص, ويُعبّر عنها بكمية البروتين والسعرات الحرارية.

          ويؤخذ على هذا المقياس, اهتمامه المبالغ فيه بحاجة الغذاء على حساب الحاجات الأخرى, مما قد ينتج عنه نوع من الالتباس, حيث العديد من الأسر التي يمكن أن تصنّف على أنها غير فقيرة بمعايير خط الفقر, أي التي تشبع حاجاتها الغذائية الضرورية, قد تعدّ فقيرة بمقياس عدم إشباعها لحاجات أخرى. وحتى اهتمامه بالغذاء يبدو قاصرًا, حين يختزل احتياجاته إلى سعرات حرارية فقط, وهو ما يخالف توصيات المنظمات الدولية.

          أما ثاني هذه المقاييس, فهو مقياس الحاجات الأساسية غير المشبعة, ويقوم على مقارنة موقف كل أسرة بالنسبة لحاجات معينة, باستخدام مجموعة من الأوضاع المعيارية لكل حاجة من هذه الحاجات, بحيث يعتبر ماهو دون المستوى الأدنى منها غير مشبع, ومن ثم تعد الأسر التي تكون فيها واحدة أو أكثر من الحاجات الأساسية غيرمشبعة, من الأسر الفقيرة.

          وفي الواقع العملي, اقتصر هذا المقياس, إلى حد كبير, على مجموعة فرعية واحدة من المؤشرات المتاحة (عدم كفاية مواد بناء السكن, الافتقار إلى مورد للمياه وأنظمة للصرف الصحي, عدم التحاق القاصرين بالمدارس الابتدائية...), وعدم الأخذ في الحسبان مؤشرات أخرى توجد عادة في التعدادات أو نتائج الحصر الشامل, من مثل مدى إتاحة خدمات التأمين المهني والصحي.

          وثالثها, مقياس سلة السلع والخدمات, كصيغة معدلة لمقياس الحاجات الأساسية غير المشبعة, وتعاينه بعض التقارير الدولية على أنه (المقياس المثالي), كوسيلة لتحديد إشباع مجموعة الحاجات الأساسية (التغذية, الإسكان, التعليم, الصحة...), حيث يمكن أن تمثل تكلفة هذه السلة خط الفقر.

المواجهة

          وتشير مسيرة التاريخ إلى نماذج عديدة في التخفيف من نقص الحاجة, كانت أدعى إلى ظهور صيغ للمواجهة, تقدم دروسًا في التعبئة بإزاء المتطلبات اليومية, وتظهر ضرورة التصالح مع الحياة, للبقاء والاستمرار والتجدد, رغم قهر الأوضاع المحلية.

          وقد راكمت هذه الصيغ, على المدى, خبرات وممارسات جسّدت الإحساس بالواقع, وإدراكه, وتصور بدائله, ونزوع إلى تغييره بأساليب مبتكرة, تتجاوز المعتاد, وتتخطى السائد والمألوف, وتغاير ما تقدمه أساليب التنمية الرسمية وفلسفاتها, وتقترب مما يطلق عليه في أدبيات الاقتصاد أسلوب الاعتماد على الذات.

          ويعدّ نظام الوقف الإسلامي من الأمثلة الدالة على ذلك, وبخاصة منذ عصر سلاطين المماليك والعصر العثماني حتى منتصف القرن العشرين, مع قيامه على زيادة فرص وإمكانات التعاون في مجال سدّ الحاجات الاجتماعية المتزايدة, التي ماعادت الدولة الإسلامية تستطيع الوفاء بها بمفردها, وهو ما دعا إلى توسيع مجالاته (وقف أرض زراعية, نقود, مبان, منقولات...), واتصالها بالمصالح الاستراتيجية للمجتمع, على حين كانت مصارف الزكاة محددة في تلبية الحاجات الآنية العاجلة.

          وتوسع هذا النظام, لدرجة قيل إن ربع أراضي الدولة العثمانية, وثلث أرض مصر كانت وقفًا, بما عبّر عن الالتزام بتغطية الحاجات.

          كذلك فمن النماذج المعاصرة لمواجهة هذه الحاجات, ما قدمته بلدان جنوبي آسيا منذ تسعينيات القرن العشرين, حين استشعرت ضعف قدرتها على مواجهة الفقر, باعتبارها واحدة من أفقر الأقاليم من العالم, وموطن أكبر عدد من الفقراء, بالنظر إلى كثافتها السكانية, وتصاعد الضغوط عليها بتأثير سياسات التعديل الهيكلي, المصاحبة لاستراتيجية التصنيع والانفتاح التي اتبعتها, بما أدى إلى تفاقم حجم ومدى تعقيد مشكلة الفقر بها.

          وقد رفد هذا النموذج آليات مرنة, اتخذت أشكالاً متنوعة (المنظمات غير الحكومية, المصارف الخاصة بالفقراء, الجمعيات التعاونية, والأجهزة الحكومية اللامركزية), عملت جميعها تجاه بناء قيم ومعايير جديدة نحو تغطية احتياجات سكانها.

          ويذهب هذا النموذج, إلى أنه نظرًا للفشل في الحد من الفقر حتى الآن, عن طريق المبدأ بزيادة معدل النمو, فثمة نهج آخر يستهدف القضاء عليه, بواسطة الاعتراف بأن الفقراء لديهم كفاءات, لا تقتصر على قدرة مقاومة شظف العيش فحسب, بل تسهم على نحو جوهري وإبداعي في الناتج الإجمالي من التنمية, وأن هذه الكفاءة تزداد إذا استطاعوا تنظيم أنفسهم في تنظيمات,تفتح لهم آفاقًا جديدة لتوجيه قدراتهم الابتكارية في إطار مسيرة التنمية.

          وبهذا التوجه, تواترت في سريلانكا مبادرات جادة للقضاء على الفقر, من أبرزها (برنامج جانا سافيا), ويعني قوة الإبداع الشعبي, ومثل الإطار الأشمل لنموذج التنمية بالمشاركة والتعبئة الاجتماعية. وفي الوقت نفسه, بذلت في بنجلاديش جهود مشابهة, شاركت فيها المؤسسات الرسمية والمنظمات غير الحكومية, من أهمها (مؤسسة بالي كارماشاهايلك) (PKSF), وبنك جرامين (GB), ولجنة التطوير الريفي (BRAC).

          فهل من سبيل إلى الإفادة من هذه النماذج? وكيف الطريق إلى استلهام حصادها, وتأويل قيمها وتقاليدها, ورصد المعوقات التي تكبّلها? تلك مهمة عربية واجبة.

 

محمد حافظ دياب