الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 
المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة الاولى

  مفارقة اليابان: إمبراطور إله ودولة علمانية
        

          كيف فعلتها اليابان? كيف أبقت على ثقافتها التقليدية? ومع ذلك اقتحمت معركة الحداثة دون تردد ودون هوادة. إنها التجربة الأجدر التي علينا أن نتعلم منها.

          شهد تاريخ اليابان الحديث والمعاصر تحولات أساسية, على مختلف الصعد السياسية, والاقتصادية, والاجتماعية, والدينية. وعرف الفكر السياسي الياباني فيها ولادة وتطور الدولة القومية على قاعدة سلطة مركزية صارمة, ونظام للقيم مستوحى من مبادئ الأديان الموجودة على أرض اليابان, وتقاليد الكونفوشيوسية الصارمة. فقد وضعت الطبقة العسكرية اليابانية بقيادة الحاكم العسكري العام أو الشوغون الإمبراطور تحت الرقابة الجبرية, وأعلنت تمسكها بنظام البوشيدو الذي يختصر بعبارة يابانية (شي جين يو) التي تعني الحكمة أو اليقظة, والشجاعة, والطاعة, وهي ركائز ثلاث لنظام القيم عند الساموراي أو المقاتل الياباني.

          بني نظام البوشيدو على مزيج من مبادئ الديانة البوذية, والكونفوشيوسية, والكونفوشيوسية الجديدة في مرحلة سونج. وتميزت تلك المبادئ بالانضباط الصارم, ونكران الذات, والاستقامة الخلقية, خاصة أن بعض قادة الساموراي كانوا من المثقفين المتنورين.

          لكن نظام القيم الاجتماعية الذي نشرته الديانة البوذية ذات التقاليد الصارمة بدأ يتعرض لنقد شديد من جانب نظام قيم جديد بشرت به المسيحية الوافدة حديثًا إلى اليابان في القرن السادس عشر.

          بشرت المسيحية برفض العنف, ونشر مبادئ السلام, والمحبة, والتسامح, والغفران في مجتمع كان يمجد فلسفة القوة والعنف والطاعة إلى الحدود القصوى. ومع بروز تناقض حاد بين نظامين من القيم, قام الشوغون بعملية ردع وقائية غير ناجحة, وبأسلوب سلمي, لمنع القوى الخارجية, من التدخل بالشئون اليابانية. وسرعان ما وجد حكام اليابان أنفسهم في وضع صعب للغاية بسبب كثرة الضغوط الخارجية في وقت كان فيه المجتمع الياباني عاجزًا عن المواجهة العسكرية لأسباب موضوعية, ناجمة عن كثرة النزاعات المستمرة بين أفراد الطبقة الحاكمة, وعن استخدام الطبقة المحاربة, أي الساموراي للسيوف في مواجهة السلاح الناري المستورد من الغرب الأوربي.

          لقد اهتزت ركائز المجتمع التقليدي بشدة, كاحترام وطاعة رب العائلة, وخضوع الشعب الطوعي لزعيم الجماعة أو حاكم المنطقة. وزاد في حدة الأزمة بروز مخطط غربي يرمي إلى احتلال اليابان عن طريق عنصرين خطرين للتأثير في تماسك المجتمع الياباني التقليدي: التبشير لجذب بعض القيادات السياسية من حكام المقاطعات, والأسلحة النارية الحديثة لتعطيل دور القوى اليابانية المحاربة أي الساموراي. وكانت دول الغرب الاستعمارية تتوخى منهما التأثير المباشر في معنويات اليابانيين, من القمة حتى القاعدة, وذلك تمهيدًا لإخضاع اليابان للقوى الأوربية العظمى, على غرار ما حدث للصين, والهند وجميع دول جنوب وشرق آسيا. وقد تم استخدام بعض القوى اليابانية من حكام المقاطعات, والتجار, والمبشرين, والمثقفين المتغربين كركائز محلية لفرض الاحتلال بالقوة العسكرية.

مقاومة الغرب

          جاء رد الفعل الياباني عنيفًا ضد محاولات الغرب المبكرة لاحتلال اليابان في إطار مخططات استعمارية كانت تنفذ في تلك المنطقة. فرفض الشوغون ومعه الدايميو, أي حكام المقاطعات, كل أشكال التدخل الغربي. وقاموا بتصفية دموية للجماعات المتعاونة مع الغربيين, والتي ذهب ضحيتها غالبية المسيحيين الأوائل من اليابان في مذبحة عام 1737, وأعلنوا عزلة اليابان الطوعية التي استمرت لأكثر من قرنين من الزمن.

          هكذا اتخذت إدارة الشوغون قرارًا صارما قضى بتصفية جميع الركائز المحلية التي بناها الغرب في اليابان طوال القرون الماضية. ونصت أوامر الشوغون على حصر الملاحة الخارجية بسفن الدولة فقط, وفرض عقوبة الموت على المهاجرين الذين يغادرون اليابان بطرق سرية مع مصادرة مراكبهم, وتنفيذ عقوبة الإعدام بأي ياباني يبقى خارج بلاده لمدة تزيد على السنوات الخمس بعد صدور تلك التعليمات, ومنع التجار اليابانيين من عقد صفقات تجارية مباشرة مع الأجانب, أو تخزين شيء من بضائعهم في مخازن يابانية. وحظر على الإرساليات الأجنبية العمل في اليابان, كذلك منع تصدير الأسلحة اليابانية إلى الخارج, وكل أشكال الملاحة الخارجية, إلا على سفن حكومية. فتزايدت وتيرة العزلة بشكل متصاعد ودامت حتى 1853, لكنها امتدت عمليًا حتى بداية حركة الإصلاح في عهد الإمبراطور مايجي عام 1868.

          شهدت مرحلة حكم أسرة توكوكغاوا, التي عرفت بعهد العزلة الطوعية في تاريخ اليابان, تعاونًا وثيقًا بين الشوغون ورجال الدين البوذيين. فقد نال الرهبان البوذيون بركة الشوغون وحكام المقاطعات, وفرضوا حظرًا دقيقا على جميع المعارضين لهم. وأوكلت قرارات الشوغون المعروفة باسم (دانكا سيئيدو), إلى رجال الدين البوذيين تسجيل جميع الأمور المتعلقة بالحياة اليومية لليابانيين في سجلات المعابد البوذية دون سواها: كالولادة, والزواج, والوفاة, والإرث وغيرها. وكان الهدف منها التأكد من عدم تجدد الديانة المسيحية, أو أي ديانة أخرى تهدد ركائز مجتمع اليابان التقليدية, كالطاعة التامة للشوغون وإدارته, ولرب العائلة, ورجال الدين. وكان على كل ياباني الحصول سنويًا من رجل دين بوذي على شهادة تثبت صدق انتمائه إلى البوذية, ومشاركته في الاحتفالات الدينية التي تنظمها باستمرار, فبات لرجال الدين البوذيين نفوذ كبير في حياة اليابانيين, وانتشرت المعابد البوذية على امتداد أراضي اليابان.

          في 14 يوليو 1853 وجه الكومندور الأمريكي ييري إنذارًا إلى اليابانيين قضى بفتح الموانئ اليابانية فورًا أمام الملاحة الدولية, سلمًا أو بالقوة. وأجبرت اليابان على توقيع اتفاقيات مذلة ومجحفة بدأت باتفاقية كاناجوا للصداقة مع الولايات المتحدة الأمريكية في 31 مارس 1854.

          ثم ألحقت بها اتفاقيات مشابهة مع دول أوربية عدة خلال سنوات 1854 - 1857.

          شكلت تلك الاتفاقيات انتقاصًا حقيقيًا لسيادة اليابانيين على موانئهم, وجعلت اليابان في موقع شبيه بالصين ودول آسيوية أخرى خضعت للاحتلال الأجنبي. وبالرغم من بقائها دولة حرة, تعامل الغرب معها كما لو كانت دولة منقوصة السيادة. وبعد أن تولى الإمبراطور موتسوهيتو الحكم في 3 يناير 1868, تلقب باسم الإمبراطور مايجي أي المصلح المتنور, وتميزت فترة حكمه بإصلاحات مهمة أبرزها إعلان مبادئ الإصلاح الخمسة في 14 مارس 1868 وهي:

          1 - أن جميع القرارات يجب أن تتخذ بعد نقاش جماعي, وتدافع عن مصالح اليابان العليا.

          2 - أنه, وبصورة مبدئية, لا فرق بين أعلى وأدنى في اليابان, بل الجميع متساوون مع الحفاظ بدقة على التراتبية الاجتماعية.

          3 - أن من الضروري أن تتوحد السلطتان العسكرية والمدنية في يد واحدة بهدف حماية حقوق كل الطبقات والمصلحة القومية العليا معًا.

          4 - أنه يجب التخلي عن التقاليد الشكلية القديمة والعمل على بروز المساواة بشكل طبيعي بين الجميع, ودونما تمييز.

          5 - أن اكتساب التعليم العصري والتكنولوجيا من أي مكان في العالم مسألة مصيرية. على أن يكون استخدامهما لبناء ركائز الإمبراطورية اليابانية.

خصوصية تاريخية

          انطلقت قرارات الإصلاح من مبدأ ثابت, يرى أن اليابان ذات خصوصية فريدة في التاريخ, لأنها تضم شعبًا متجانسًا يقيم على أرض مقدسة ترعاها الآلهة. واعتبر الإمبراطور, بصفته من سلالة الآلهة, أبا لجميع اليابانيين الذين يشكلون عائلة واحدة, ولهم دولة واحدة تعتبرهم أبناء متساوين في الحقوق والواجبات دون الأخذ في الاعتبار أي انقسام طبقي أو لغوي أو ديني أو عرقي. فالجميع عائلة واحدة, في دولة مركزية واحدة, لها أب واحد هو الإمبراطور.

          ساهمت حركة التحديث في بروز تبدلات اجتماعية كبيرة حولت اليابان إلى بلد غني, ولها جيش عصري أنزل هزائم سريعة بالجيوش التقليدية في البلدان المجاورة, في بداية حركة الإصلاحات, وبشّر قادتها شعب اليابان بمبادئ السلام والأمن والاستقرار في بلدان جنوب شرق آسيا, والعمل على تحويل بلدهم إلى دولة ديمقراطية عصرية على غرار فرنسا, وألمانيا, وبريطانيا, والولايات المتحدة الأمريكية. واقتبس المصلحون اليابانيون من تلك الدول الكثير من النظم, والمقولات الإصلاحية, والنظام المالي, والتعليم العصري, والدستور, والفن العسكري, والتكنولوجيا.

          على جانب آخر, رفعت الأنتلجنتسيا اليابانية شعارًا جديدًا بالغ الأهمية هو (التكنولوجيا غربية, أما الروح فيابانية). ونجحت في رسم صورة مثالية لدور الإمبراطور المتنور الذي استطاع إنقاذ اليابان من مخاطر التدخل الأجنبي, وعمل على تحديث المجتمع الياباني على جميع المستويات. وبسبب موقعه المميز والقوي في الهرم الديني والسياسي الياباني لم تعارض القوى المحافظة الإصلاحات الرامية إلى إنشاء دولة عصرية قوية, تحمي اليابان من مخاطر غزو خارجي. فالإمبراطور من سلالة الآلهة التي تحمي اليابان, وعلى جميع اليابانيين تقديم الطاعة إليه في كل ما يقوم به لأنه المؤتمن الأول على سلامة اليابان وشعبها.

          وبنتيجة الإجماع الوطني حول شخصه, قام الإمبراطور بدور بارز في إدخال إصلاحات جذرية حولت اليابان إلى دولة إمبريالية عظمى خلال فترة زمنية قصيرة لم تتعد 26 عامًا. ولم تكن تلك الإصلاحات ممكنة التحقيق بهذه السرعة لولا وفرة التراكم الاقتصادي, الذي شهدته اليابان في مرحلة العزلة الطوعية المعروفة تاريخيًا بمرحلة توكوجاوا. وبرز تحالف بين القوى القديمة والجديدة بقيادة الإمبراطور مايجي, في مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية والمالية والإدارية.

          ونجحت اليابان في بناء صناعات حربية عصرية, وأقامت احتكارات اقتصادية ومالية ضخمة.

          عرف المصلحون اليابانيون كيف يؤسسون لحركة تحديث سليمة, دون أن يقيموا تعارضًا بين الحداثة والأصالة, ورفعوا شعارات إصلاحية واضحة ضمن ثلاثة محاور أساسية: بناء جيش عصري, وإحداث تغيير جذري في قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج, والحفاظ على أصالة الشخصية القومية اليابانية ذات الخصوصية المتميزة منذ أقدم العصور. وتم تحويل ولاء الساموراي لقادتهم والاستعداد للموت في سبيل مبادئهم المعروفة بالبوشيدو, إلى ولاء للدولة اليابانية بعد توسيع الجيش ليصبح جيش جميع الطبقات الاجتماعية في اليابان, وبقيادة الساموراي أنفسهم.

          ونشأ تحالف وثيق بين القطاعين العام والخاص بهدف تكاملهما ورفض كل أشكال التنافس التناحري بين الشركات اليابانية. ولعبت الاحتكارات الاقتصادية والمالية المعروفة باسم زايباتسو الدور الأساسي في تحويل اليابان إلى قوة عظمى في مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية والمالية, وكان لها الأثر الكبير في اقتباس وتطوير التكنولوجيا الغربية والتأسيس لنهضة يابانية, ردمت الهوة بين اليابان التقليدية وأكثر الدول الغربية تطورًا خلال عقود قليلة.

          تميزت مرحلة الإصلاحات بالاقتباس عن الغرب في مختلف حقول المعرفة الإنسانية. فبعد أن أدرك اليابانيون أن الدول الغربية قد سبقتهم في مجال العلوم العصرية والتكنولوجيا, اقتبسوا عنها الكثير من تلك العلوم دون تردد, واستدعوا مئات الخبراء الغربيين لتدريب كادرات اليابان الشابة.

          لقد دفعوا للخبير الأجنبي راتبًا مرتفعًا كان يفوق أحيانًا راتب الوزير الياباني, وأقاموا لبعضهم نصبًا تذكارية مازالت منتصبة في عدد من الجامعات اليابانية. كذلك أكثروا من البعثات العلمية إلى الخارج بهدف تدريب اليابانيين على العلوم والتكنولوجيا العصرية. وحرص المصلحون اليابانيون على تطوير القاعدة المادية لليابان بالسرعة القصوى, لكنهم في الوقت عينه, اتخذوا تدابير وقائية لمنع تأثر الشعب جماعيًا بأفكار التغريب وبالقيم الاجتماعية الغربية.

          تبع الشعب الياباني قيادته الجديدة بطاعة تامة استنادًا إلى المبادئ البوذية والكونفوشيوسية بأشكالها المتعددة, لكن النظام الإمبراطوري سارع إلى نشر أيديولوجية قومية متشددة باسم الكوكوتاي, وأبرز تجلياتها: الأمة - العائلة, والعائلة - الدولة, التي لعبت الدور الأساسي في انتصارات اليابان العسكرية, فتحمّس لها الإمبراطور, والساموراي, والبورجوازية اليابانية الصاعدة, والتجار, والصناعيون, والحرفيون, والعمال, والمزارعون. وساهمت أجهزة الدولة في ترسيخ مقولات شعبوية انتشرت على نطاق واسع, وأبرزها: أرض اليابان مقدسة, ولا يجوز أن تدنّسها أقدام الغزاة, والإمبراطور مقدس, وهو رمز لليابان, وأب لجميع اليابانيين, وشعب اليابان متجانس, وهي خصوصية غير متوافرة لدى أي شعب آخر, والخدمة العسكرية حق على جميع اليابانيين, دونما أي تمييز.

          لقد تقبّل الشعب الياباني تلك الشعارات الشعبوية المغلفة بنوع من التقديس لشخص الإمبراطور, مقابل ذلك, حصل على مكتسبات مهمة منها: حق العلم مقدس لجميع اليابانيين على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية, وقيم العمل, والإنتاج هي القيم العليا في المجتمع الياباني, والكفاءة الشخصية, وليس الموروث الاجتماعي هو القاعدة الوحيدة للتوظيف والترقي الإداري, ولا يحبذ اليابانيون أي دعوة سياسية تقول بانقسام المجتمع الياباني إلى طبقات اجتماعية متناحرة تبرر نشر مقولة الصراع الطبقي بين اليابانيين.

          كانت إصلاحات مايجي بحاجة ماسّة إلى إصلاح في بنية المؤسسة الدينية, التي كانت تحت سيطرة البوذية التي ترفض مقولة تقديس الإمبراطور, فدعم مايجي وأعوانه ديانة الشنتو التي تقدّس الطبيعة, وترى أن روح الآلهة منتشرة في كل ما - ومن - يعيش على أرض اليابان المقدسة. فالإمبراطور هو سليل الآلهة, والمؤتمن على أرض اليابان, وشعبها, ومستقبلها. وهو خال من كل عيب, وعلى جميع اليابانيين الخضوع التام لقراراته التي لا تحتمل الخطأ, وعدم التجرّؤ على مخالفة الآلهة أو إغضابهم . وقد دفعت القوى الديمقراطية اليابانية ثمنًا باهظًا من أرواح قادتها بسبب تجرؤها على رفض تلك المقولات الشعبوية, ومطالبتها باعتبار الشعب - وليس الإمبراطور - مصدر كل السلطات.

أديان متداخلة

          تجدر الإشارة هنا إلى أن الدراسات العلمية حول تاريخ الأديان في اليابان تشير إلى تداخل البوذية والشنتوية في كثير من المجالات. ومع أن البوذية هي الديانة الأقدم إلى جانب الطاوية, والكونفوشيوسية, فإن تعاونها الوثيق مع حكومة الشوجون التي كانت تهمش دور الإمبراطور إلى الحدود القصوى دفع مايجي إلى إصدار إرادة إمبراطورية بفصل الشنتوية عن البوذية, وعمل على تعزيز دور ديانة الشنتو, وجعل منها ديانة اليابان الرسمية, وأصدر, لهذه الغاية, وثيقة مهمة عرفت باسم Memorandum on State Shinto.

          قدمت الدولة اليابانية خدمات كبيرة للمعابد الشنتوية, وساهمت في نشرها على نطاق واسع, دون أن تضطهد الديانة البوذية, أو أي من الديانات الأخرى, وأعادت فتح أبواب اليابان للديانة المسيحية, ومن بعدها للديانة الإسلامية, وأصدرت العديد من القرارات التي تنادي بالتسامح الديني, شرط عدم تدخل الأديان في شئون الدولة. وضمن الدستور الياباني الإمبراطوري لعام 1889 حرية العبادة, والمعتقد في بنود صريحة.

          جعلت تلك الإصلاحات من اليابان دولة علمانية, تصنف في عداد الدول الأكثر انفتاحًا على التعايش بين الأديان التقليدية, والفرق الدينية الجديدة. ومع أن إمبراطورها مقدس, وأن الديانة الشنتوية تحظى بمباركة تامة من الدولة, كانت الديانات الأخرى تمارس حرية العبادة دون أي ضغوط من الدولة, وأسس البوذيون, في ثلاثينيات القرن العشرين, منظمة اجتماعية ذات توجهات سياسية عرفت باسم Soka Gakkai, وينتسب إليها ملايين اليابانيين, ثم تحالفت تلك المنظمة مع حزب سياسي يعرف باسم (حزب الحكومة النظيفة Komeito), ولديه باستمرار مقاعد عدة في مجلسي الشيوخ والنواب.

          تجدر الإشارة هنا إلى أن اليابان خرجت من الحرب العالمية الأولى دولة قوية ومنتصرة, وبلغت النزعة العسكرية فيها أقصى مداها مع قيام (إمبراطورية الحرب اليابانية), التي استمرت بين 1931 و1942.

          وفي 6 ديسمبر1941, وجه اليابانيون ضربة عنيفة إلى الأسطول الأمريكي, في بيرل هاربر, وأنزلوا خسائر كبيرة بالأمريكيين. فرد هؤلاء بأسلوب همجي في القتل الجماعي, وأسقطوا أول قنبلة ذرية في التاريخ على هيروشيما بتاريخ 6 أغسطس 1945, وبعد ثلاثة أيام أسقطوا القنبلة الذرية الثانية على ناجازاكي, وكانت محصلة تلك الجريمة مئات الآلاف من القتلى والمشوّهين. فأعلن الإمبراطور هيروهيتو استسلام اليابان في 14 أغسطس 1945, وتم الاعتراف بالهزيمة رسميًا في 2 يوليو 1945.

          بدأ الاحتلال الأمريكي لليابان طوال سنوات 1945-1952, بعد أن أبدل بمعاهدة تحالف وضعت اليابان تحت الحماية العسكرية الأمريكية منذ عام 1951, ومازالت مستمرة بأشكال مختلفة. أجرى الحكم العسكري الأمريكي المباشر تعديلات جذرية في بنية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري فيها, فأوقف الدستور الإمبراطوري القديم لعام 1889, ونشر دستورًا جديدًا عام 1946. وأحال أكثر من 200 ألف عسكري ياباني إلى المحاكمة بتهم مختلفة, وفرض على اليابان نظام منع التسلح إلى أجل غير مسمى, ونشر على أراضيها وفي مياهها الإقليمية عددًا من القواعد العسكرية الأمريكية. وأجبر حكومتها على حل منظماتها الاقتصادية المعروفة باسم زايباتسو التي كانت أداة أساسية لهيمنة اليابان على منطقة جنوب وشرق آسيا, والركيزة الاقتصادية التي موّلت عملية التحديث اليابانية. نتيجة لذلك, بدأت اليابان استراتيجية دفاعية تهدف إلى إنقاذ البلاد من سلبيات الحروب, التي دمرت الكثير من ركائزها البنيوية, وحوّلتها إلى بلد فقير للغاية في السنوات العشر, التي أعقبت نهاية الحرب.

          أدرك الأمريكيون, ومنذ بداية احتلالهم لليابان, خطورة التحالف الوثيق الذي كان قائمًا بين الدولة والديانة الشنتوية, فأصدروا قرارات عدة لفسخ عرى ذلك  التحالف, وصادروا الكثير من ممتلكاتها, ومنعوا الدولة من تقديم أي مساعدة لها.

          وأبرز تلك القرارات Directive for Disestablishment of State Shinto, الصادر في 15 ديسمبر 1945, وقد تضمن توجيهات عملية لفسخ عرى التحالف بين الدولة والشنتوية. وقرار نزع صفة الألوهية عن الإمبراطور وإجباره على الالتزام علنًا بذلك, واعتباره إنسانًا عاديًا الصادر في الأول من يناير 1946.

          هناك ضرورة ملحة للتمييز بين مفاهيم الدولة الشنتوية, والقومية الشنتوية, ومعبد الشنتو, من جهة, وطائفة الشنتو أو الجماعة الشنتوية من جهة أخرى.

          فلكل من هذه المفاهيم دلالات خاصة لدى الباحثين في تاريخ العلاقة بين الدولة والديانة الشنتوية في اليابان, لذا لم تحمل توجيهات الإدارة الأمريكية المشار إليها أعلاه أي تضييق على ديانة الشنتو كأسلوب عبادة, أو طقوس يمارسها اليابانيون بصورة يومية, بل منعت الشنتو من التدخل في السياسة وتوجيه التربية في خدمة النظام الإمبراطوري, فعادت الشنتوية إلى دورها الطبيعي في العبادات والطقوس, ولم تعد تتمتع بالامتيازات التي حظيت بها في ظل الإمبراطور مايجي وخلفائه.

          وضمن الدستور الياباني الجديد في العام 1946, والذي بدأ تطبيقه عام 1947 حرية جميع الأديان والفرق الدينية, وحق تأسيس منظمات دينية جديدة, ويقدر عدد الفرق الدينية في اليابان اليوم بالمئات, منها ما هو قديم, ومنها ما هو حديث, وهي جميعها تندرج في إطار الديانات القديمة, وتنتقي طقوسها من البوذية, والشنتو, والطاوية, والكونفوشيوسية في آن واحد. فليس المهم في نظر المنتسبين إلى تلك الفرق المبادئ الدينية والتعاليم المنشورة في الكتب, بل الممارسة اليومية, وتبني نظام القيم الخلقية, والاستقامة, والنزاهة, ونظافة الكف, وحب الوطن, وعدم الإساءة إلى الآخرين, والراحة النفسية, وكان بعض قادتها يبشرون أعوانهم بأن ممارسة الطقوس بدقة وانتظام تساعد على تخطي الأزمات النفسية, والإرهاق, وتشفي من بعض الأمراض, وليست هناك نزاعات بين تلك الفرق, أو تنافس من أجل اكتساب أعضاء جدد, لأن الانتساب إليها طوعي. فهي تعتمد على الطقوس, وقوة المثال الذي يقدمه قادتها أكثر من اعتمادها على كتب دينية أو تعاليم سماوية. ومنها ما يحظى بشعبية كبيرة خلال فترة معينة, ثم يتقلص عدد أعضائها في فترات أخرى. وكثيرًا ما يمارس الياباني طقوسه الدينية, وفق إحدى الفرق, ثم ينتقل إلى أخرى بعد فترة قصيرة. وباستثناء بعض الفرق الكبيرة التي يقدر عددها بالملايين  مثل Soka Gakkai وTenri-Kyo, وReiyu-Kai, وRissho Kosei-Kai, فإن تلك الفرق لا تمارس السياسة, ويتمركز دورها الأساسي في الأرياف أكثر منه في المدن.

          قدمت اليابان نموذجًا يحتذى في مجال الانتقال السليم من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث ومعاصر, دون إقامة التعارض بين التقاليد الموروثة والمعاصرة الوافدة. نتيجة لذلك, مازالت القيم التقليدية, في مختلف المجالات الدينية والثقافية والاجتماعية, مستمرة بقوة بالرغم من التبدلات العميقة التي رافقت انتقال المجتمع الياباني من أنماط من الإنتاج سابقة على الرأسمالية, إلى نمط الإنتاج الرأسمالي. كما أن الطقوس الدينية على خلفية التضامن العائلي والاجتماعي مازالت مستمرة وفاعلة في اليابان, وتساهم في استقرار المجتمع الياباني المعاصر.

          كانت الغاية الأساسية لعملية التحديث تكمن أولاً في حماية حرية الإنسان, منفردًا أو ضمن العائلة, مع الحفاظ على تماسك الجماعة الدينية, والتنبيه من مخاطر الانقسامات الاجتماعية والطبقية. ولعل أبرز المؤثرات الإيجابية لحركات الإصلاح الغربية في تجربة التحديث اليابانية أنها ساهمت في تعميم قيم الحرية الشخصية, والمساواة التامة بين الناس في الحقوق والواجبات على أساس مفهوم المواطن الحر, والدولة القومية القوية. وقد تبنت اليابان, في النظرية والتطبيق العملي, الكثير من المقولات النظرية, وأشكال الممارسة العملية للديمقراطية السليمة على قاعدة الاستفتاء الشعبي والاقتراع العام, والتمسك بالنظم الليبرالية في مختلف المجالات, وبشكل خاص في المجال الاقتصادي, وتشجيع القطاع الخاص والمبادرات الفردية وغيرها. وهناك دراسات علمية كثيرة لباحثين يابانيين, ومن خارج اليابان, تؤكد على أثر مقولات الفكر السياسي الليبرالي للثورات الأوربية والأمريكية في صياغة مقولات النهضة اليابانية في مختلف مراحلها.

 

مسعود ضاهر