الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار

البيت العراقي

مقـــدمــة

TV العراقية

TV الشرقية

كـــــــــاليري

ميمري

المرأة

مقالات

رياضة

تحقيقات

الدستور

09-03-07 22:40

التسافل الثقافي ونرجسية القلم

محمود المفرجي

كلمة النرجسية جاءت من اللغة اليونانية من لفظ Narcissus ومصدرها أسطورة يونانية تقول: أنه كان شاباً يونانياً يجلس أمام بركة ماء فأعجبته صورته فظل ينظر إليها حتى مات فالنرجسي معجب بنفسه الى درجة تفوق تصوراته وطاقته الانسانية التي هي اساسا تبقى محدودة ومنقوصة مهما ارتقى هذا الانسان الى درجة من درجات الكمال . فسلم الكمال طويل ووعر فمهما ارتقى الانسان لدرجات هذا السلم يبقى كماله منقوص ، فاذا كان للكمال والسمو من وجود ، لابد من وجود نقيض له وهو التسافل والسقوط، وخاصة السقوط من سلم التكامل ، ومن يعتقد بغير هذا فان شخصيته هي شخصية نرجسية (طاووسية – متفردة – معجبانية).
والنرجسية لا تقتصر على اهتمام واحد من اهتمامات الانسان ، فهي مطلقة في كثير من اهتماماته، فهناك من يرى انه الاجمل ما في الوجود حتى لو كان في هذا الوجود من هو اجمل منه ، وهناك من يرى بانه الاعدل بالرغم من ظلمه الواضح ، وهناك من يرى بعدم وجود حاكم على وجه الارض غيره ، وهناك من يرى بانه الاشرف بالرغم من حقارته و .....
واعتقد ان آفة النرجسية هي سببا فعالا من اسباب اصطراعات الانسان، ولها علاقة صميمية بثقافة التنافس الغير شريف بين ابناء الجنس الواحد، ولا داعي لاعطاء امثلة لهذا ، فالارض مليئة بالحروب كما يعلم الجميع ، وكيف لا والانسان مجبول على حب نفسه وذاته، وكيف تكون صورته اذا كانت النرجسية متأصلة في نفسه التي يحبها.
نعم ... هناك فرق بين حب الذات وبين النرجسية، فحب الذات لا يستبعد ان يكون حاجة انسانية ، وهي ليست قبيحة الى هذه الدرجة، فكثير من حب الذات هو مشروع ولا غبار عليه، انما النرجسية هي نزعة مستوردة نابعة من وصول الانسان الى ذروة الاعجاب بنفسه.
وفي ميداننا الثقافي الجميل كثير ما ترى النرجسية واضحة من خلال ما يسطره البعض من الكُتاب او (اشباه الكتاب) ، الذين تمركزت في نفوسهم هذه الآفة وباتوا لا يعترفون ولا ينظرون بكتابات غيرهم ، بل اجزم بانهم لا يقرؤون، حتى لو كانوا لا يفهمون ولا يعقلون ولا يدركون المقاصد ، لهذا تراهم يلهثون لهثا بحثا عن خطأ ما او هفوة هي بالاساس غير مقصودة او غير متعمدة او نابعة من التماشي مع متطلبات عصر السرعة والتكنولوجيا الذي خدم الكُتاب اكثر من غيرهم ، فبالامس كان كاتب المقال ينتظر اياما واسابيع بل واشهر لكي تنشر له مقالة ما ، بفعل اسلوب الورقة والقلم ومن ثم المراسلة عبر صندوق البريد (ساعي البريد) ومن ثم تمحيص المقال من قبل ادارة تحرير المنشور وهلم جرة من الإجراءات الصارمة. اما في هذا العصر فان كل هذه الصعوبات ذللها الانترنت والبريد السريع وهي رحمة نحمد الله عليها ونشكره .
لا يعني انني أدعو الى تسفيه هذه المهنة الشريفة، التي انا مؤمن بقدسيتها وبكونها امانة عظيمة بعنق من يمتهنها، لانها من اشد المؤثرات على أي مجتمع انساني .
ولكن لا يجب ان نسفه الموضوع او الطرح الذي هو بالاساس سبب كتابة الكاتب ، ونلهث وراء البحث عن خطأ إملائي او مطبعي او او ....
فاساليب الكتابة متعددة ومتفرعة ومعقدة الى درجة كبيرة ، فالمقال له اسلوبه ، والتحقيق كذلك ، والتحرير له اسلوب معين يختلف عن اللذان سبقاه، وايضا كتابة البحث له اسلوب معين لا يقبل ان يكون مجرد تسطير كلمات على ورق ولا يقبل ان يكون خاليا من الفكرة، وان وجدت الفكرة لابد ان يكون الكلام منسقا ومربوطا ومتسلسلا وهكذا. وكل كاتب له اسلوبه الخاص ومعرفة بقدراته اكثر من غيره، وعلى اثر ذلك ترى ان كثير من كتاب المقال لا يستطيعون ان يكتبوا بحثا وهذا باعتراف الكثير من الزملاء ، في حين ترى العكس من ذلك.
اللغة وما يرتبط بها مثلا في غاية الاهمية ، ولكن ليس كل الكتاب هم ضليعين فيها ، فهي علم مثلها مثل باقي العلوم بدليل ان فيها متخصصين بشؤونها ، وعليه لا معنى ان يأتي بعض النرجسيين الذين لا يطيقون ما يطرحه غيرهم بتنصيب انفسهم نقادا ويقوموا بتسطير الاخطاء ويتركوا المضمون.
ويا ليتهم كذلك او يرتقون الى ربع مستوى حجمهم الحقيقي الذي ضاع بعيونهم بعد ان غطته نرجسيتهم التي هي بداية سقوطهم واعلان تدحرجهم الى الدرك الاسفل من درجات التسافل الثقافي الذي لا يجب ان يكون له وجود في جسد الثقافة العراقية الرشيقة المترفعة دائما وابدا عن هذه الامراض .
ان سبب كتابتي لهذا المقال (بعد اعلان اعتزالي) ، هو احد الكتاب الشباب الطموحين والمتواصلين معي والذي احرص دائما على تشجيعه والشد على يده بالاستمرار في الكتابة وتطوير نفسه شيئا فشيئا ، وفي المقابل كان هذا الشاب يستقبل التشجيع ويدفعه الى ثقة اكثر بنفسه .
ففي اخر اتصال كان هذا الشاب منكسر العزيمة مثبط الهمة وكان عازما على ترك الكتابة ، بسبب اتصاله باحد الكتاب النرجسيين لكي يأخذ رأيه ببحث صغير قام بكتابته. وبدلا من ان يحث الشاب ويشجعه ، قام بنصحه بترك الكتابة كليا ، بزعم انه ليس اهلا لها.
والمشكلة انه لو قام أي احد بمقارنة ما يكتبه الشاب مع كتابات النرجسي لوجدت ان ما يكتبه النرجسي لا يرتقي الا لمستوى (السوالف) المسطرة على الورق ، بمقابل المحاولات الجليلة والمتطورة لكتابات الشاب . وصدق المتنبي حين قال :
فقر الجهول بلا علم إلى أدب
فقر الحمار بلا رأس إلى رسن