08-03-07 20:45
الطموح السياسي الجديد
للشباب العراقي -الجزء الثاني
- مهدي الصافي
من رحم المعاناة والمأساة والكارثة تلد الحلول احياننا ,وتخرج من بين
الافواه الجافة والاجساد المتعبة كلمات وافعال يصل صدى تأثيرها الى
ابعد مما كان متصورا عن النتائج المرجوة من صوت الخلاص والحرية
والتغيير.
تنقذ الامم والشعوب وينهض المجتمع وطبقاته الاجتماعية المؤثرة من
كبوتها وسباتها ليسمع العالم الاصوات الجديدة للوجه الاخر من الحقائق
المتخفية خلف الاستار المصادرة للحقوق والحريات وكل الحالات المرفوضة
كالاستغلال الخاطئ للمصالح الشخصية والنفعية الفئوية .
وفي ساعة او يوم من ايام الحر اللاهب في صيف عراقي لايرحم, وانت تتجول
في احد الاحياء المنكوبة من المدن المنسية المهملة, تنظر الوضع والحالة
المزرية التي ترك الشعب وحده فيها يصارع الظروف والايام العصيبة ,يطل
عليك احد الذين تأمر الكون كله ضده دون رحمة او وازع اخلاقي او انساني,
وهو في ارض كانت تسمى يوما ارض الخيرات والثروات ارض السواد,بعربة
يجرها ويسحلها الحمار سحلا ويقودها سايسها العراقي الذي احرقته الشمس
والسنين حرقا, حتى اصبح هيكل في هيئة انسان تلفه الخرق البالية (دشداشة
وشماغ) ومعه اطفاله في عمر الزهور بنت وولد يبنون مستقبلهم في مزابل
الاغنياء وفضلاتهم.
هنا لابد ان يستقيم الكلام ويتصارح الجميع على طاولة المحاسبة
والمعاتبة والمعاقبة, ومن هنا ايضا لابد لنا ان نتكلم بحرية عن كل شيئ
يخص العراق واهله جميعهم دون استثناء, ونبحث في مستقبلهم السياسي
والاجتماعي والاقتصادي, المنتفعين منهم والمحروميين ونسأل عن السياسة
الجديدة والوطن ومن قدم التضحيات والتنازلات للاخر.
واستكمالا للحديث السابق عن الطموح الجديد الذي يجب ان تفكربه او بدء
البعض فعلا من الشباب العراقي التفكير في حيثيات تغير تلك الصيغ
السياسية المطروحة على الساحة, الطائفية والاثنية وامكانية البحث عن
البدائل والحلول للخروج من هذأ المأزق الفكري والثقافي والسياسي واعادة
بناء الدولة واجهزتها وفق الرؤيا المشرقة للواقع والمستقبل.
فقد بدى واضحا الرفض الشعبي وبعض الطبقات المثقفة المستقلة التي لم
تنخرط بعد في دوامة الصراع السياسي الطائفي او التنافس الحزبي وبعض
التكتلات السياسية المكونة للسلطة والحكومة,رافضة لكل التطبيقات
والممارسات الخاطئة التي اتبعتها بعض الاحزاب والكتل السياسية في توزيع
المناصب الحكومية والاجهزة الامنية وتوزيع الرتب للدوائر الامنية
والعسكرية الكبيرة دون استحقاق للبعض ووفق معايير شخصية لامهنية, وبشكل
فاق الاسلوب البعثي السابق وغيرها كثيرتلك الحالات المخيبة للأمال
,وبقيت طيلة الفترة الماضية تبحث في سبل الخلاص من التركة الثقيلة
لتأريخ طويل من الاستبداد والظلم وثقافة السلطة والنظام الشمولي العام
وتدافع عن مصالح شعبها دون استثناء, قدمت التضحيات الجسام بصمت دون
مصلحة شخصية او فئوية وبلا مباهات وتكلف,لها ثقافتها وفكرها وبرامجها
التنويرية الخاصة النابعة من الارض ومن بين ركام المدن المنكوبة واهلها
المحرومين الهادفة الى انصافهم وفق مبدأ المساواة والعدالة في توزيع
الحقوق المدنية وصيانة الحريات الشخصية والفكرية واستعادةالثروات
المسروقة والمهدورةالى الشعب .
لقد قدم الجيل السياسي القديم سواء الذي حكم العراق اوكان معارضا له
منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى وقتنا الحالي,كل مالديه ومارس العمل
الحزبي والنظالي الثوري واعتمد في بدايات انطلاقته اسلوب المحاججة و
المجادلة والتحليل والطرح الفكري لثقافة بعض الاحزاب والحركات القومية
واليسارية والاسلامية,الا انها اصطدمت في احيان كثيرة بعدة حوجز
ومعوقات وحقائق على الارض وبين الجماهير,كانت البيئة الاجتماعية وطريقة
تربية النشئ اول تلك المعوقات مع التأثيرات المتمثلة بثقافة الاسرة
المنغلقة وموروثات راسخة في العقل متحجرة اغلبها ومرفوضة عقليا
ومنطقيا,وسلسلة معقدة متراكمة كميا ونوعيا في بناء الشخصية والمجتمع
المتداخل الاعراق والاديان و الوعي والثقافة والموروث.
كانت فيها الطبقات الاجتماعية المختلفة منعزلة في احيان كثيرة عن
محيطها وواقعها الجماهيري وبيئتها الطبيعية ,ولم يستطع احدا من الاحزاب
والحركات او الشخصيات والمرجعيات السياسية والدينية ان يفرض ثقافته
ورؤى افكاره على شريحه واسعة من المجتمع ,بل كانت هي احدى وسائل
التشتيت والتشويه والخلط بين الحس والرغبات والمصالح الضيقة ودوافع
نفعية كثيرة وبين الواجبات الوطنية الاخلاقية .
جائت مرحلة استلام حزب البعث للحكم في العراق وبهذه الطريقة الساذجة
لتستكمل الصورة العبثية لثقافة مجتمع او طبقات سياسية وثقافية مجهولة
النوايا والاهداف والمقاصد, ثم انهيار امة وحضارة ووطن بحجم العراق
وتأريخه العظيم تحت رغبات عشائر الجهل والتخلف انصهرت في نهاية الامر
هي واغلب الطبقات الاجتماعية الاخرى في حضيرة عشيرة صغيرة اغلب ابناءها
متورطون بجرائم اخلاقية واجتماعية استلمت الحكم وادارة اهم دولة في
منطقة الشرق الاوسط والعالم وسلمت رقاب الشعب ومصائرابناءه لرجل مجرم
مهووس عاش عقدة النقص حتى اخر يوم في حياته كان من ارباب السوابق ثم
يخضع له العراق ارضا وشعبا طوعا ومكرها في مرحلة من مراحل التأريخ
الاسود الذي اشترك الجميع في تهيئة الاجواء له من خلال الصراعات
الجانبية والتصادم بين الفكر والثقافة والمقدس الديني والحسابات
الخاطئة الكثيرة.
لقد اثبتت الوقائع والاحداث السابقة والحالية للوضع السياسي والاجتماعي
في العراق بأنه يفتقد الى الركائز الوطنية السليمة ومرجعياتها السياسية
المقبولة لدى الجميع,ويكاد يعجز الجميع عن ايجاد الحلول ,يفتقد الى
المخلصين العاملين لصالح بلدهم ووطنهم وشعبهم المغيبون رغما عنهم خلف
الارقام المهمشة.
اشترك الاغلب من شعبنا وللاسف في عملية التخريب والتدمير للبنى التحتية
ولجميع المرافق الحيوية وساهم البعض الاخر في انتشار ظاهرة الرشوة
والفساد الاخلاقي و الاداري اختفت بعدها الحقائق والملفات الساخنة بين
بعض اركان الحكومة العراقية والاحزاب والكتل السياسية الكبيرة نزولا
الى اقل الدرجات والمستويات الوظيفية ,انعكست بعدها كل تلك السلبيات
والتجاوزات والاخفاقات بسرعة مؤثرة على الشارع العراقي وحياة مواطنيه
العادية وقللت من هيبة الدولة وزعزعت الطرح الديمقراطي والتجربة
الجديدة في البلاد والمنطقة, وشجعت البعض على الانخراط والانجرار في
العمليات الارهاب وممارسة الجريمة المنظمة من جرائم الخطف والابتزاز
والسرقة والاغتصاب وغيرها من الجرائم,واثبتت الاوضاع الجارية حاليا في
العراق على اتساع الهوة بين الطبقات الوطنية والمثقفة الواعية والطبقة
الحاكمة والكتل المشاركة فيها وبين الشارع والجماهيرالتي استحوذت عليه
العواطف الطائفية والقومية واخذته الشعارات والوعود والامال العريضة
وابعدته عن وعيه الوطني وعن نتائج وحقائق تلك التبعية الجوفاء وشعارات
شراء الاصوات الانتخابية.
ليس من حق احدا على الاطلاق ان يصادر التأريخ السياسي والنظالي لشرائح
واسعة من ابناء الشعب العراقي ,والتي كان اغلب ابناءها منضويا تحت مظلة
بعض الاحزاب والحركات العاملة على الساحة منذ مجئ حزب البعث للحكم وحتى
قبل الانقلاب الجمهوري في العراق,ولكننا ننظر الى النتائج وماتحقق على
الارض حتى الان وعن اية ثقافة متزنة يتحسسها الشارع اليوم ويتعرف على
خصائصها, بل اين هي تلك الثقافة التي انصهرت اسرع من الريح واذابت في
اغلبها هي وروادها تحت اقدام الدكتاتورية المقيتة ودنانيرالشعب
المسروقة ايام المقبور صدام,صحيح لم يكن نظاما سويا اودكتاتورية
محدودة, ولكن الضمير صعب عليه ان يصبح سلعة رخيصة تتقلب بين طرفين
واكثرتميل مع من يعبئ الجيوب والحقائب بالعطايا والهدايا فوق اجساد
الفقراء والمعذبون في سجون البعث البائد ودماء الابرياء.
كان وللأمانة الاخلاقية في العراق رموزا خلدها دمها قبل ان يخلدها
تأريخها النظالي والسياسي والثقافي,وتقدمت الصفوف وطوابير الشهداء فداء
للعراق واهله ووفاء لمبادءها السامية وفكرها التي تؤمن به ,ولكنه
السؤال الذي نطرحه لايرتبط بتلك الاحداث ولايدخل في سباق التكريم
والتفاضل والتمايز والمفاخرة ,بل نحن نبحث عن موقعنا في هذا الوطن
الضائع سواء كنا افرادا اوجماعات سياسيين ام مستقليين مثقفين واناس
عاديين,عن نهاية لثقافة وسياسة مهزوزة وغير مرتكزة على ثوابت وطنية
متفق عليها عراقيا,وهي دعوة للجيل الجديد من الشباب المتطلع للثقافة
والوعي للبحث عن اليات الخروج من دوامة الصراع هذه ومن مأساة لم يشترك
احدا منهم في صياغتها او المساهمة في تثبيت دعائمها وترسيخ نهجها
وثقافتها الضحلة الراسخة حتى الان في عقول الكثيرين ,وهي تدعوا وتطمح
ان يتنحى الجيل القديم قليلا ليفسح المجال لهم ليعملوا بجد واخلاص
وحرية كاملة لبناء مستقبلهم السياسي والاجتماعي ووفق الاؤوسس الثقافية
العراقية الخالصة المختزلة لكل التجارب السابقة وتشمل في طياتها مراجعة
كافة المجالات السياسية و الاجتماعية والاصعدة المهمة ضمن رؤيا صحيحة
مشرقة مستفيدة من كل هذه التركات الثقيلة بسلبياتها وايجابياتها التي
تحملها واقحم فيها هذا الجيل الجديد الطموح نحوا التغيير دون ذنب يذكر
غير انهم جيل سحقته الصراعات والمصالح الدولية المتنافسة على السيطرة
والاحتكار وسرقة ثروات الشعوب والتحكم بمصائرهم ومستقبلهم, ولانهم
عراقيون واقعون ضحية سلسلة طويلة من المؤمرات التأريخية الداخلية
والخارجية عربيا واقليميا ودوليا منذ تأسيس دولة العراق الحديث وحتى
الان بل منذ ان عرف العباسيون سر دولة العراق وحكمة بغداد وجمالها.
ارهقت كل الاجيال القديمة والحالية في حروب وصراعات وتنافس سياسي طويل
اسدل الستارعليه بعد احتلال العراق وخضوع الجميع لارادة المحتل
واملاءته ورغباته ومصالحه المختلفة في المنطقة, ظهرت حالة الاستغلال
السياسي للفوضى العارمة التي يعيشها الشعب العراقي والمنطقة ككل,لتمرير
مخططات سياسية فئوية للسيطرة على الاوضاع وتركيز وجودها السلطوي بعد
انتهاء عملية احتلال العراق,وتثبيت موطئ قدم بالحديد والنار لايستطيع
احدا بعدها ان يزحزح تلك الوجودات واشخاصها من مكانهم حتى اذا استعمل
العقلاء طريق الديمقراطية والياتها للتغير والتنافس الشريف في
الانتخابات والعمل السياسي الحر ,مع وجود بعض الاطراف العراقية الوطنية
البعيدة عن الانظار تعمل في الخفاء وبصمت وترفض ان تضع يدها بيد
الاحتلال او ان تشارك في صنع المأساة والفوضى والانهيار والتناحر
الطائفي البغيض,ولكنها تعمل ايضا بنفس الطريقة والاسلوب القديم الجامد
فكريا وثقافيا وترفض التحديث والتغيير واعطاء فسحة للاخرين اومجال
للنقاش والجدل الحر, خارج نطاق الحدود القطعية والشروط المقدسة السابقة
للعقل والمنطق.
ان في الاحداث والمتغيرات والتحول السياسي الذي يشهده العراق,يفرض على
الجميع بما فيها الطبقة المثقفة المؤثرة في المجتمع من طبقة الشباب
الواعي ان تتحمل مسؤوليتها وواجباتها في اعادة بناء الشخصية ومقومات
تحصينها واندماجها السياسي والثقافي المستقرة , والدخول بقوة في
العملية السياسية والتواجد المستمر بين الجماهير وفي كل المؤوسسات
الحيوية الحكومية والمدنية والاعداد منذ الان لبنا ء جيل جديد طموح
لتغير الواقع السياسي الثقافي الحالي والمساهمة في ضخ الفكر العراقي
الاصيل, الذي يستمد قوته وادواته من العمق التأريخي والحضاري والاسلامي
الذي تتمتع به بلاد مابين النهرين ارض الشهداء والمناظلين واصحاب الفكر
النيرنبحث من خلاله عن الغد المشرق الذي ضيعته و صادرته انظمة الجهل
وحكومات الظلام والاستبداد.
مهدي الصافي