الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار

البيت العراقي

مقـــدمــة

TV العراقية

TV الشرقية

كـــــــــاليري

ميمري

المرأة

مقالات

رياضة

تحقيقات

الدستور

07-03-07 09:16

ملاحظات حول مسودة قانون النفط والغاز العراقي
فؤاد قاسم الامير
fouadalamir@yahoo.com
الحوار المتمدن - العدد: 1846 - 2007 / 3 / 6
في هذه الملاحظات احاول مناقشة مسودة "قانون النفط والغاز" المؤرخة في 15/1/2007 ، والمطبوعة باللغة العربية، والتي اعتمدت بدرجة اساسية على المسودة التي قدمها السادة فاروق القاسم وثامر الغضبان وطارق شفيق باللغة الانكليزية في تموز /2006 بحيث تكاد تكون الترجمة العربية لها عدا فقرات محدودة سنشير اليها . علما ان المسودة العربية في 15/1/2007 تشير الى ثلاث ملاحق لاتتضمنها المسودة المتوفرة لدي. وهذه الملاحق هي جزء من القانون، ومن مفهوم فقراته قد تكون ذات اهمية كبيرة. والعجيب ان المعنيين بهذه المسودة يدّعون ان الملاحق لم تكمل لحد الان ( اي لحد تاريخ 27/1/2007) ، بالرغم من ان جميع المعلومات التي اوردتها الوكالات والصحف العالمية تقول ان مجلس الوزراء صادق على المسودة ، وسيقدمها في القريب العاجل الى مجلس النواب لاقرارها كقانون، كما وان الـ CNN ذكرت في 28/1/2007 في نشرتها العربية بأن من المنتظر ان يناقش البرلمان العراقي مسودة الدستور في 10 شباط القادم. إن امر عدم اكمال الملاحق لايمكن تصديقه، والاحتمال المنطقي اما انها موجودة (وتحتاج الى مصادقات جهات عالية داخل وخارج العراق)، او انها كاملة ومصدق عليها ولكن المعنيين لايريدون اطلاع الغير عليها حتى تحت هذه " السرية " العالية لمسودة القانون. طبعا هناك احتمال ، اعتقده ضعيف، ان تقدم المسودة الى مجلس النواب بدون ملاحق!!. علما ان المسودة الانكليزية المشار الها اعلاه لاتتضمن ملاحق. يلاحظ " السرية " في نشر هذه المسودة وكأنها ستمرر تحت جنح الظلام ، وبدون عرضها على الجماهير لمناقشتها قبل عرضها على مجلس النواب، في حين ان مسودة القانون لاقليم كردستان والتي صدرت في 9/9/2006 نشرت واصبحت متوفرة لمناقشتها ولم تعرض على مجلس نواب الاقليم لحد الان. ان المناقشة المسبقة لمسودة "قانون النفط والغاز" مسألة ذات اهمية قصوى للاسباب التي سنذكرها في سياق الملاحظات، وان تمريرها كأنها قانون اعتيادي يدعو ليس فقط الى الدهشة والاستغراب وانما الى الارتياب التام بمن سيقوم بها في الحكومة العراقية ويضعهم امام تساؤل كبير ومشروع.
لكي نكون واضحين فان مسودة القانون التي اناقشها في هذه الملاحظات هي مسودة حصّلت عليها من اكثر من مصدر، وفي اعتقادي هي النهائية وهي التي ستعرض على مجلس النواب، وسيكون الامر اوضح عند عرضها رسميا على المجلس، واذا كان هناك تغير فيها فسيتم تبديل الملاحظات بما يتعلق بالتغيرات، ولو إني لا اتوقع وجود تغيرات عدا اضافة الملاحق.
يلاحظ القارئ توسع في الملاحظات تخرج عن المناقشة الحرفية لبنود المسودة ، اذ تمت مناقشة ظروف تحضير القانون واهمية وجوده وماذا يجب ان يكون، لكي يتسنى مناقشة البنود بموضوعية مرتبطة بافكاري الخاصة عن القانون واهميته.
وفيما يلي ملاحظاتي حول الموضوع:
1) باعتقادي ان تأخر تقديم المسودة الى مجلس النواب يتعلق بموقف اقليم كردستان ، ففي الوقت التي اشارت اليه وزارة النفط نقلا عن متحدثها الرسمي السيد عاصم جهاد، وكذلك الوكالات العالمية للانباء بالتوصل الى اتفاق بين ممثلي الحكومة المركزية وحكومة الاقليم على صيغة القانون، تناقلت الوكالات والصحف العالمية خلال الايام القليلة الماضية تصريحات لمسؤولين كرد تؤكد نفي موافقتهم على القانون، ومنها ماجاء في القدس العربي في 24/1/2007 عن الفاينانشال تايمز عن السيد اشتى هوا رامي وزير الثروات المعدنية في اقليم كردستان قوله " لم نوقع على مشروع قانون النفط المقترح"، مضيفا " عدة مسائل مازالت بلا حل.. وبيان وزارة النفط لسوء الحظ سابق لاوانه". كما نقل راديو سوا في 31/1/2007 عن وزير شؤون المناطق خارج كردستان محمد احسان: " ان قانون النفط لم يحسم... وان الخلافات تتركز حول آلية توقيع العقود في اقليم كردستان ودور وزارة النفط... وان مركزية الحكومة في بغداد تسبب كثير من الاشكاليات.. وان مسودة القانون الحالية، والتي سربت لوسائل الاعلام، لايوافق عليها الجانب الكردي"!!.
2) من المهم جدا دراسة مسودة " قانون النفط والغاز"، وسنسميه اختصاراً في سياق هذه الملاحظات " القانون الاتحادي"، بضوء مسودة القانون التي صدرت في كردستان في 9/9/2006 ، والتي سنسميها اختصارا "القانون الاقليمي"، والتي اثارت بصدورها ضجة كبيرة. ان اهمية المقارنة تكمن في سببين، الاول يتعلق بالدستور العراقي الدائم ومفهوم معدّي " القانون الاقليمي" لبنوده. وخصوصا المتعلقة بالنفط او كركوك، والتي استغلها هذا القانون الى اكبر ما يمكن الوصول له لصالح اقليم كردستان، علما ان غالبية هذا الفهم للدستور هو صحيح برأينا (وكما سنوضحه لاحقا). بهذا اصبح من المستحيل صدور القانونين في آن واحد للتناقضات الكبيرة بينهما، مما يتوجب تعديل الدستور او تعديل القانونين في آن واحد وبالاخص " القانون الفيدرالي".
اما السبب الثاني لاهمية دراسة مقارنة القانونين ، يكمن في ان " القانون الاقليمي"، وبغض النظر عن الامور الدستورية ، هو قانون محكم جدا، (مقارنة بالقانون الاتحادي)، ومكتوب بلغة قانونية رصينة، وهو دقيق في تعاريفه وبنوده ويسد ثغرات كبيرة في القانون الاتحادي متعلقة بالفساد المالي والعقوبات المتعلقة بها وحقوق ابناء كردستان مما يحمي مصالحهم . كما ان العمل مع الشركات محدد بطريقة واضحة لا لبس فيها، وكما سنوضح لاحقا.
ان هذه الامور ستكون اكثر تعقيداً وتشابكاً، فيما لو ارتأت المحافظات او الاقاليم "المقبلة"!! الاخرى، ان تصدر قوانينها للنفط والخاصة بها اسوة بالقانون الاقليمي، وهو عملياً مايسمح به الدستور سواء للاقاليم او المحافظات. نود ان نضيف ان من الواضح لنا ان اي قانون للمحافظات او الاقاليم يجب ان لايناقض " القانون الاتحادي"، والاّ ستكون هناك فوضى هائلة وتسابق في الانتاج وضياع ثروة العراقي للجيل الحالي والاجيال المقبلة. إن وجود " قانون اتحادي"، تعتمد عليه القوانين الاخرى ، يتضمن بنود صريحة واضحة بان الحكومة المركزية هي المخططة لطريقة استغلال الثروة النفطية والغازية ، ولها الكلمة النهائية في جميع العقود الموقعة اتحادياً او اقليمياً هو امر واجب. وهذا ماحاول ان يصنعه " القانون الاتحادي" ، ولكن السؤال المهم هل يستطيع ذلك في ضوء بنود الدستور الحالي؟!.
3) ماذا يقول الدستور العراقي بهذا الخصوص؟
حول الامر اعلاه نود توضيح مايلي:
3-1) لو نظرنا في الدستور المؤقت "قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية"، لوجدنا انه كان يضمن مركزية الثروة الوطنية. اذ في الباب الثالث "الحكومة العراقية الانتقالية"، تذكر المادة (25) حول الاختصاصات " الحصرية" للحكومة الانتقالية، حيث جاءت الفقرة (هـ) لتضمن ان الثروات الطبيعية من صلاحية الحكومة الانتقالية "حصرا". كما ان الفقرة (ب) من المادة (26) تقول " ان التشريعات الصادرة من قبل السلطة التشريعية الاتحادية ستعلو على اية تشريعات اخرى صادرة من قبل سلطة تشريعية اخرى وذلك في حالة التعارض ، باستثناء مانصت عليه المادة (54 ب)"، وهي المتعلقة بكردستان. ولكن نص هذه الفقرة واضح ايضا اذ يؤكد عدم شمولها لما جاء في المادة (25) للصلاحيات الحصرية للحكومة المركزية.
3-2) ما جاء في الدستور الدائم مغاير لاعلاه تماماً، وكما موضح ادناه:
أ) تحت الباب الرابع "اختصاصات السلطة الاتحادية" ، تقول المادة (111): " النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات". لااعرف لماذا اضاف المشرع " في كل الاقاليم والمحافظات"، باقحامها وبدون حاجة اليها؟!.
ب) تقول المادة (112) اولاً: " تقوم الحكومة الاتحادية بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الغازية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة، على ان توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدة محددة للاقاليم المتضررة.... وينظم ذلك بقانون".
اما المادة (112) ثانيا فتقول: " تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز، بما يحقق اعلى منفعة للشعب العراقي، معتمدة احدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار". والجملة الاخيرة موضوعة، وباعتقادي ، للسماح للاستثمار الاجنبي والمحلي الخاص، ولكن بنفس الوقت قد لاتعني ذلك، اذ جاءت كاستثمار وقد يكون الاستثمار حكومي . اما "احدث تقنيات مبادئ السوق"، فيمكن تفسيرها بعدة اشكال، فهي لم تحدد سياسة السوق المفتوح لكي يمكن تفسيرها كذلك.
جـ) المادة (114) تتكلم عن الاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الاقليم . وتشمل الكمارك ، ومصادر الطاقة الكهربائية ورسم السياسة البيئية، ورسم سياسات التنمية والتخطيط العام، ورسم السياسة الصحية العامة، ورسم السياسة التعليمية والتربوية، ورسم سياسة الموارد المائية الداخلية.
جميع هذه الامور " المشتركة " مهمة جداً وبالاخص رسم سياسات التنمية والتخطيط العامة، وكذلك رسم سياسة الموارد المائية.
د) ولكن المادة (115) تحدد الصلاحيات بين المركز والاقاليم وتقول: " كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الانحادية ، يكون من صلاحية الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم، والصلاحيات المشتركة الاخرى بين الحكومة الاتحادية والاقاليم، تكون الاولوية فيها لقانون الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم في حالة الخلاف بينهما".
علما ان الصلاحيات "الحصرية" للسلطات الاتحادية ، والتي حددت في المادة (110) لاتتضمن الثروات الطبيعية وبضمنها الثروة النفطية، وكذلك لاتتضمن سياسة التنمية والتخطيط وغيرها من الامور الواردة في (ج) اعلاه، للصلاحيات المشتركة والتي فيها الكلمة النهائية للاقاليم والمحافظات.
هـ) تحدد المادة (140) من الدستور، بحل مشكلة كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليها لتحديد ارادة مواطنيها في مدة اقصاها 31/12/2007. اما المادة (142) فتحدد مدة اربعة أشهر لتقديم التوصيات بالتعديلات الضرورية التي يمكن اجراؤها على الدستور لإقرارها من مجلس النواب بموافقة الاغلبية المطلقة لغرض عرضها على الشعب للاستفتاء عليها خلال مدة شهرين من تاريخ اقرار التعديلات في مجلس النواب. ان هذا الأمر لم يتم لحد الآن!!.
و) من هنا نرى ان للاقاليم والمحافظات الكلمة النهائية للسياسة النفطية ، وهو امر يثير الاستغراب ان لم نقل الشك والريبة. اذ كيف يمكن ان تسار الدولة والكلمة النهائية لثروتها التي تخص الاجيال الحالية والمستقبلية هي بيد الاقاليم والمحافظات. اضافة لذلك فان الكلمة النهائية لسياسات التنمية والتخطيط العامة ايضا للاقاليم والمحافظات، وهو من المضحك المبكي . الآن وحسب الدستور يستطبع اي اقليم (او حتى محافظة) ان يصدر قانونه النفطي الخاص، وسيكون تسابق لانتاج النفط اضافة الى الاحتمالات العالية للفساد المالي وستضيع ثروة العراق كاملة في هذه الفوضى.
4) حجم واهمية الثروة النفطية:
نرى ان نوضح للقارئ حجم الثروة النفطية التي يتكلم عليها " القانون الاتحادي"، والظروف الحالية والمستقبلية لسوق النفط في العالم، لنرى مدى اهمية التدقيق بالقانون وعدم الاستعجال به أو تمريره تحت جنح الظلام لاسيما وان العراق محتل وتأثير المستفيد المحتمل الاكبر من القانون وهو المحتل أمر واقع، إضافة الى ان العراق في ظروف امنية وحياتية غير سليمة وتؤدي حتماً الى اتخاذ القرارات غير السليمة.
4-1) ماهي المبالغ التي يتكلم حولها القانون.
ان احتياطي العراق الثابت، والمكتشف لحد الان، يقدر بـ (115) مليار برميل، بضمنها الحقول المستغلة وغير المستغلة. علما ان تقديرات الخبراء تقول ان الاحتياطات المتوقعة عالية، وقد يصل احتياطي العراق بعد اكمال التحريات الى (250) مليار برميل.
نحن هنا سنتكلم عن (115) مليار برميل في (71) حقل منها (24) فقط مستغلة. وان الاحتياطي المثبت والمكتشف وغير المستغل يصل الى مايقارب من 70% من مجمل الاحتياطي. نود ان نضيف ان السيد وزير النفط صرح قبل ايام ان (87) حقل مكتشف ستسلم الى شركة النفط الوطنية لاستغلالها بموجب القانون الذي سيصدر .
ان الحقول المكتشفة منذ صدور قانون رقم (80) لسنة 1961 والذي امم جميع الاراضي غير المستغلة من قبل الشركات في حينه ، قد تم اكتشافها وتقييمها بايدي عراقية لوحدها أو بالتعاون مع الشركات الروسية والفرنسية وعدد آخر من الشركات الاجنبية من خلال عقود خدمة فنية اعتيادية. لقد حاولت " اتفاقية بغداد" التي قـُبِرت في مهدها في اواخر الستينيات الالتفاف حول قانون رقم (80) واشراك الشركات الاجنبية مجدداً، وفي اعتقادنا، وكما سنبين لاحقاً، ان القانون الحالي المقترح يحاول مجددا الالتفاف حول قانون (80).
فيما يلي جدول يتضمن معلومات عن عشرة حقول مكتشفة وغير مستغلة، وستؤخذ كمثل على الثروة النفطية المعروضة للبيع حسب قانون النفط الاتحادي.
ت اسم الحقل الاحتياطي
مليار برميل امكانية الانتاج
الف برميل/اليوم الكلفة التقديرية للتطوير
مليار دولار
1 مجنون 21 600 4
2 غرب القرنة 15 700 4
3 شرق بغداد 11 200 0.8
4 ابن عمر 6 470 3.4
5 الحلفاية 3.5 230 2
6 الرطاوى 2 180 1.3
7 الناصرية 2 300 1.9
8 طوبا 1 150 1.25
9 الغراف 1 100 0.7
10 الاحدب 0.2 100 1.3
62.7
3030
20.65


من الجدول نستطيع ان نرى حجم الثروة لهذه العشرة حقول فقط وغير المستغلة والتي سيتم الاعلان عنها حسب القانون.
لو اخذنا بالاسعار الحالية للنفط، يكون العائد (50) دولار/ البرميل (وهو اقل بعشرين دولار عن اوائل السنة الماضية)، فان قيمة العائد للحقول العشرة ستكون (3135) مليار دولار، وقيمة العائد السنوي لها (55.3) مليار دولار. ولو رفعنا العائد الى (60) دولار/ البرميل، وهو امر متوقع جداً، تصل قيمة هذه الحقول الى ( 3782) مليار دولار، وعائدها السنوي (66.4) مليار دولار . ان المنطق يقول علينا اخذ معدل عائد (80) دولار/ البرميل على عمر الانتاج الذي يبدأ في احسن الاحوال في العقد الثاني من هذا القرن، وبهذا العائد تكون قيمة هذه الحقول العشرة (5016) مليار دولار، وانتاجها السنوي بقيمة (88.5) مليار دولار. وهذه الارقام هي لاحتياطي يبلغ (62.7) مليار برميل وليس كل الاحتياطي المكتشف وغير المستغل.
من هنا نرى ان المبالغ التي نتكلم عنها والخاضعة للقانون المقترح هي مبالغ هائلة جداً، تجعلنا امام مسؤولية خطيرة وتأريخية لاتخاذ القرار الصحيح في القانون الذي سيصدر، خصوصا لو أخذنا الظروف السياسية والاقتصادية والامنية التعيسة التي يعيشها العراق، اضافة للعلاقات المالية الفاسدة التي تشمل جميع مرافق الحياة وكثير من المسؤولين في مراكز السلطة بشهادة لجان النزاهة وتصريحات كثير من المسؤولين بضمنهم السيد رئيس الوزراء. فوق كل هذه هناك الوضع الاهم، وهو ان العراق تحت الاحتلال والقرارات الناجمة عن مختلف السلطات العراقية ستكون تحت ضغط ورحمة المحتل وشركاته النفطية العملاقة ، والذي بالاضافة الى ضغوطه يبحث دائماً عمن يستطيع ان يرشيه من العراقيين الموجودين في مراكز السلطة لتمشية مصالحه الاقتصادية. لهذا في هكذا ظروف لايمكن ان يمرر قانون يخدم الشعب العراقي فعلاً، وعلينا المراقبة والتحذير من مطبـّات مثل هذا القانون.
4-2) من الواضح الآن لكل المعنيين السياسيين والاقتصاديين والمختصين ان النفط العالمي في طريقه الى النفاد، او الاضطرار لتقليل الانتاج العالمي بنسب عالية بسبب شحته، وذلك في اواسط هذا القرن. ان احتياطي النفط العالمي الثابت يبلغ في الوقت الحاضر حوالي (1100) مليار برميل، وهو لايكفي لاكثر من (40) سنة مقبلة بالمعدلات الحالية للاستهلاك. ان الغالبية العظمى من الاحتياطيات الجديدة اكتشفت قبل حوالي (30) سنة، وبرغم التحريات الهائلة والمستمرة فان ما يكتشف سنوياً في العقدين الاخيرين لا يسد حتى نصف الكمية المستهلكة سنويا، اي نحن نأكل من اكتشافاتنا السابقة. كما انه لايتوقع ان يتم اكتشاف اكثر من 20% من الاحتياطي الحالي. ان الجدل المثار منذ سنوات هو متى يبلغ الانتاج النفطي ذروته، اي الحالة التي يضطر فيها المنتجون الى تقليل الانتاج اليومي لعدم استطاعة الحقول النفطية تلبية الكميات المطلوبة، ويتوقع ان لاتتجاوز المدة لهذه الحالة سنوات (2010-2015)، ولو ان هناك من المتفائلين جداً من يوصل هذه الحالة الى سنة (2020). ان وجوب تطبيق اتفاقية كيوتو لتحديد الاحتباس الحراري، بتقليل حرق الفحم والمواد الهيدروكربونية عن استهلاك سنة 1990 قد يساعد في ايصال الفترة الى سنة (2020).
لهذا فان النفط سيكون مادة ثمينة، واذا استطاعت اوبك الصمود والتنسيق مع المصدرين المهمين الآخرين مثل روسيا، فإن الاسعار سترتفع ولايوجد خطر من انخفاضها، وذلك وفق سياسة تفنين الانتاج وتحديد حصص التصدير لدول اوبك. المهم عدم رضوخ دولة الى الدول الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة لزيادة الكميات المطروحة الى السوق العالمي، كما كانت تفعل السعودية في السابق. الآن لاتستطيع السعودية ان تفعل ذلك لعدم وجود امكانية لديها لاغراق السوق فهي في قمة انتاجها ضمن المتشآت الحالية. إن الدولة الوحيدة التي تستطيع ذلك هي العراق، واذا قامت بهذا العمل فانها ستغرق نفسها كذلك، اذ ستؤثر على الاسعار بتخفيضها، وسوف لن تحصل على عوائد عالية رغم زيادة الانتاج. ان هذا الامر يجب ان يتجنبه العراق ويقاوم الضغوط التي ستكون عليه لزيادة انتاجه حفاظاً على احتياطاته، وعلى الاسعار وبالتالي على دخله السنوي.
5) الاستثمارات وتوفيرها والانتاج المطلوب:
بافتراض وجود حسن النية لدى العراقيين الذين يريدون تمشية قانون النفط والذي يتضمن الاستثمار الاجنبي والعراقي الخاص من خلال "عقود المشاركة بالانتاج"، وكما سنبين لاحقاً، فانهم يؤكدون على ان منطلقهم هذا يتأتى من الحاجة الكبيرة الى الاستثمارات العالية المطلوبة لتطوير الحقول العراقية والتي لايستطيع اقتصاد الدولة العراقية المتهالك توفيرها. وهم ايضاً يتكلمون عن التوسع السريع في الانتاج لحاجة الاقتصاد العراقي للسيولة اللازمة للتنمية ولتمشية الميزانية العراقية. لهذا يتطلب منا الآن تبيان الرأي في هذه المقولات من خلال الملاحظات التالية:
5-1) وضع أياد علاوي في تشرين ثاني 2004، وعندما كان رئيسا للوزراء، سياسته النفطية المعروفة، والتي توجز بأن الحقول الحالية تبقى لفترة معينة بيد الدولة العراقية ( من خلال شركة النفط الوطنية)، اما الحقول الجديدة فيتم استغلالها بمساعدة الاستثمار الاجنبي والمحلي الخاص وبدون اية مشاركة للرأسمال العام فيها. كذلك وضع خطة للانتاج، حيث أكد على ضرورة الوصول الى انتاج يومي للنفط الخام الى المستوى الذي كان عليه سابقاً وهو (3.5) مليون برميل/ اليوم من خلال الحقول الحالية وبأسرع فرصة ممكنة لا تتجاوز السنتين من تاريخ تقديمه لسياسته في تشرين الثاني /2004، ومن ثم الصعود الى طاقة انتاجية تصل الى (6-8) مليون برميل/ اليوم خلال (5-7) سنوات من ذلك التاريخ. لقد ماتت هذه السياسة في مهدها لرفض الغالبية من العراقيين والقوى السياسية الوطنية لها، وكذلك لرفض الشركات الاجنبية للدخول في استثمارات على ضوء سياسة لوزارة مؤقتة وبدون قانون صادر من مجلس النواب. صدرت اصوات لاحقة تتكلم حول خطط لتصعيد الانتاج ليصل الى (10) مليون برميل/اليوم خلال ثماني سنوات ابتداءاً من سنة 2005، ولنفس الاسباب المذكورة اعلاه.
عندما نتكلم عن زيادة الانتاج لا بد ان نتذكر المشاورات التي قامت بها وزارة الخارجية الاميركية قبيل الاحتلال مع " خبراء" عراقيين، وغيرهم من الاجانب، وظهرت في الصحف العالمية مؤشرات الخطط الاميركية التي تلخص بالاستحواذ على النفط العراقي وكذلك تحطيم منظمة اوبك وكسر ما يسمونه السياسة السعرية "الاحتكارية" لمنظمة اوبك. ومن هذه المؤشرات ماقاله ارجي دنهام مدير الشركة النفطية الاميركية العملاقة كونكوفيلبس Conco Phillips ، قبيل الاحتلال بفترة وجيزة "نحن نعرف اين تقع احسن الحقول النفطية العراقية وننتهز الفرصة للحصول على قسم منها". وكذلك تصريح شركة شيل بأن " غايتها هو وضع اساس وحضور مادي في العراق". لقد عارض عدد كبير من "الخبراء" العراقيون تحطيم اوبك، واكدوا ولضمان حقوق العراق الابقاء على هذه المنظمة لتقوية الاسعار، لهذا تركت السياسة الاميركية المحاولة العلنية لتحطيم اوبك، ولكنها تريد الآن الدخول من الشباك بتشجيع العراق على الانتاج العالي وقد يستطيع مع السعودية او لوحده اغراق السوق. وفي الوقت الحاضر تحاول الدول الصناعية الضغط على السعودية للوصول الى سعر (50) الى (55) دولار/ البرميل وبمعارضة شديدة من بقية اعضاء اوبك الذين يريدون (60) دولار او (70) دولار للبرميل كحد ادنى في الوقت الحاضر.
لايزال السوق النفطي حساس للعرض والطلب، اذ ان قيام اوبك بزيادة او نقصان في الامدادات بحدود (0.5 – 1.5) مليون برميل/اليوم تؤدي غرضها في تثبيت الاسعار. لقد وصل سعر النفط في اوائل 2006 الى (75)دولار/ البرميل وانخفض حاليا الى (52) دولار/البرميل، ولكن بقي لفترة طويلة يتراوح حول الـ (60-65) دولار/ البرميل.
لنتذكر ان في سنة (2000) كان السقف السعري للنفط لاوبك بين (22-28) دولار/البرميل، وذلك نتيجة لتدخلها لايقاف الانهيار السعري حيث كان في أواخر الثمانينيات بين (10-20) دولار/البرميل، وكان معدل السعر في التسعينيات (15) دولار/ البرميل، مع انخفاضه في بعض الاحيان الى اقل من (10) دولار/ البرميل. لقد حدثت طفرات في الاسعار في سنة (2004) حيث وصل الى (40-50) دولار، وارتفع في (2005) الى (60) دولار ومن ثم الى (70-75) دولار/ البرميل، ولم تستطع السعودية او غيرها اغراق السوق حيث وصلت قمة امكانياتها الانتاجية سنة 2005 ليصل الى (9.5-10)مليون برميل. اضافة لذلك إن زيادة الاسعار كانت نتيجة الزيادات الكبيرة والمستمرة بالاستيراد في الصين والهند، كذلك زيادات مخزونات وقود الطوارئ في الدول الصناعية خصوصاً في الولايات المتحدة.
لقد وضح للمعنيين خلال الثلاث السنوات الماضية محدودية الانتاج النفطي الآن وفي المستقبل ولا يمكن من الناحية العملية اغراق السوق كما كان يحدث سابقاً. ان السعودية تعمل جاهدة لزيادة طاقتها التصديرية الى (12) مليون (بدلاً من 10 مليون/اليوم حالياً) وذلك خلال ثلاث سنوات، كما تعمل دول الخليج في الزيادة بحدود(2) مليون برميل/اليوم، ولكن هذه الزيادات لا تكفي نتيجة التوسع في الاستهلاك، (خصوصا في الصين والهند)، ونضوب نفوط بحر الشمال والاسكا وعجز التوسع في اذربيجان وآسيا الوسطى.
5-2) ماهي السياسة الصحيحة لخطط الانتاج؟
ان كمية الانتاج والتصدير السنوية الصحيحة ، بنظرنا، هي التي تكفي لان توفر مبالغ سنوية باستطاعة حكومة العراق صرفها لاغراض تطوير انتاج النفط وخطط التنمية الوطنية وسد حاجة الميزانية العراقية.
لنأخذ مثلا طاقة تصديرية قدرها (3) مليون برميل/ اليوم، وبافتراض عائد (50) دولار/ البرميل، تصل المبالغ التي تستلمها الحكومة العراقية الى (54,750) مليار دولار سنوياً، واذا كان العائد (60) دولار/ البرميل، وهو مايجب ان نعمل عليه في اوبك وخصوصاً مع مجموعة (فنزويلا-ايران-ليبيا)، نصل الى عائد سنوي قدره (65,700) مليار سنوي. باعتقادي ان قابلية العراق للصرف لا تتجاوز هذا المبلغ للسنوات الخمسة المقبلة، خصوصاً ان ميزانية الدفاع، والتي كانت تأخذ اكثر من نصف ميزانية العراق ووصلت الى نسب اعلى بكثير ، ستقلـّص. اضافة لذلك وفي ظروف امنية جيدة، وبوجود قانون للاستثمار الاجنبي ، وكذلك فتح الاستثمارات الاجنبية امام العمليات النفطية لما بعد الانتاج مثل المصافي والتوزيع والبتروكيمياويات والاسمدة النتروجينية (والتي استثناها القانون الفيدرالي وابقاها القانون الاقليمي، وكما سنوضحه لاحقا)، سيكون هناك استثمار اجنبي ومحلي خاص وبمبالغ عالية بالاضافة الى المبالغ المذكورة اعلاه.
اما لو اخذنا امكانيات تصديرية (5) مليون برميل/ اليوم، وذلك بعد تطوير حقول جديدة، اي توقع البدء بالانتاج منها بعد (5) سنوات، وبمعدل عائد (60) دولار/ البرميل، وهو رقم متواضع بعد خمس سنوات، نصل عائد سنوي يقارب من (110) مليار دولار، ويصل هذا الرقم الى (153.3) مليار دولار سنوياً اذا افترضنا العائد (70) دولار/ البرميل. ولو اردنا ان نسير وفق خطة رئيس الوزراء السابق أياد علاوي، وهو مايريده المحتل والشركات الاجنبية نصل الى ارقام خيالية للعائد السنوي تتاوح بين (175)و (204) مليار دولار. وهذه المبالغ السنوية، ومع الاستثمار الاجنبي في جميع القطاعات عدا الانتاج النفطي، لايمكن للدولة العراقية صرفها وتؤدي في احسن الاحوال الى وجود احتياطي نقدي عالٍ جداً. وهذا الوضع سيؤدي بالتأكيد الى ظهور تيارات تريد صرف مبالغ عالية للجيش والاجهزة الامنية (كما في عهد صدام)، والى التوسع في هدر الثروة في خدمات غير مقبولة، وكذلك الى تكالب "الدائنين" وغيرهم للحصول على "ديونهم المزعومة"، ومنها الكويت واحتمال كبير ايران. والاهم من ذلك قيام قوى الامبريالية في العالم بخلق الحروب وجر العراق للمساهمة بها، وهدر ثروته لاضعافه، كما حدث لدول الخليج في حروب الخليج المختلفة.
قد يجيبنا من وضع "القانون الاتحادي" ، اننا نتوسع في امكانية التصدير وبنفس الوقت توجد فقرة في القانون (وكما سنوضحه لاحقا) تقنن انتاج الشركات الاجنبية بحسب خطط وحاجة الدولة العراقية. وهذا امر مضحك، اذ لماذا نتوسع بالانتاج والذي يضطرنا الى ادخال الرأسمال الاجنبي في هذه الصناعة الحيوية وتعريض العراق لمديونية عالية، وبعد ذلك لانستخدم هذه الطاقة التصديرية العالية ، مع ملاحظة ان استخدامها سيقلل الاسعار العالمية للنفط وسنحصل على عائدات اقل يمكن تحصيلها بتقنين الانتاج. اضافة الى ذلك سنواجه مشاكل من الشركات الاجنبية ، ومن ورائها حكوماتها التي ستعارض تقليل الانتاج. وبالتأكيد سيكون هناك ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية، وبذل الرشاوى السخية ونشر الفساد المالي للتاثير على الحكومة العراقية وذوي السلطة لاعطاء "مرونة" في التغاضي من فقرة تقنين الانتاج جزئياً او كلياً.
لهذا فان الحل الصحيح بنظرنا واضح، وهو ان في غير صالح العراق التوسع بالطاقة الانتاجية، ويجب السير بزيادتها التدريجية وفق جدول زمني يحدده امكانية الصرف العقلاني ، آخذين بنظر الاعتبار تشجيع الاستثمار الاجنبي (وبمشاركة عراقية عامة او خاصة) في قطاعات نفطية (خارج الانتاج) وغيرها في تطوير الصناعة والزراعة والخدمات. ويجب ان لاننسى تجربة روسيا التي فتحت طريق الاستثمار في الانتاج النفطي في زمن يلتسين، فانتشر الفساد والمافيات وسيطرت على قرارات الحكومة وادت الى فقر الشعب الروسي، وحاولت حكومة بوتين تعديل هذه الامور وارجاع "تأميم" عمليات انتاج النفط، واضطر بوتين الى القول:"اننا سنسمح بالاستثمار الاجنبي عدا قطاع انتاج النفط او استخراج الذهب"!!.
من اعلاه نرى ان تعمل الحكومة العراقية ومن خلال مواردها الخاصة الى ارجاع الانتاج الى الوضع السابق، بحيث يمكن اثناء الثلاث سنوات القادمة زيادة التصدير تدريجيا من (1.9) الى (3.4) مليون برميل/ اليوم. ومن عوائد الكميات المصدرة. كذلك يتم تمويل تطوير الحقول المكتشفة وغير المطورة، وبدون مشاركة الشركات الاجنبية او القطاع الخاص العراقي للصعود تدريجيا الى (5-6) مليون برميل/ اليوم، وبتنسيق واضح مع اوبك للعمل وفق الحصة المخصصة للعراق، واقناعهم بزيادة حصة العراق على حساب حصص الدول الاخرى بسبب الظروف الخاصة التي مر بها. اما اذا كانت هناك حاجة الى مبالغ اضافية ، وهذا ما لا اتوقعه، فمن الممكن استقراض هذه المبالغ من البنوك او الافضل من الدول التي هي في امس الحاجة الى مصدر مضمون للنفط، مثل الصين والهند ودول آسيا وحتى اوروبا، وتكون هذه القروض مقابل تصدير مضمون للنفط للدول المقرضة، وكما سنوضحه في الفقرة (5-3) ادناه
5-3) مشكلة الاستثمارات المطلوبة:
اننا قد نحتاج الى اقل من (4) مليار دولار للوصول الى طاقة تصديرية قدرها (3.4) مليون برميل موزعة على سنتين او ثلاث، اي الحاجة السنوية بين (1.5-2) مليار دولار ممكن توفيرها من عوائد العراق الحالية. واثناء هذ الامر يتم التطوير التدريجي للحقول الاخرى من خلال شركة النفط الوطنية. وكما موضح في الجدول السابق سنحتاج الى (20.6) مليار دولار ، لزيادة الانتاج بـ (3) ملايين برميل/ اليوم اخرى، وقد تصل الى (25) مليار مقسمة على خمس او ست سنوات ، اي بمعدل (5) مليار دولار/ السنة، وهذه المبالغ يمكن توفيرها من خلال التصدير المتصاعد للعراق، بافتراض عدم اغراق السوق العالمية، او من خلال القروض من الدول التي تريد ضمان كميات نفطية تجهز بها.
هذا ونود ان نؤكد اننا ضد المشاركة الاجنبية أو الرأسمال المحلي الخاص، في عمليات انتاج النفط، ولكن اذا كان لابد من ادخال الاستثمار الاجنبي فيكون في العمليات الللاحقة للانتاج، او الاستثمار في حقول صغيرة مكتشفة أو في اراضي قد تكتشف فيها حقول نفطية لاحقاً. من الناحية الاقتصادية، وعند مقارنة العروض، لتوقيع عقود للمناطق النفطية، يكون من المفضل التعامل مع شركات حكومية من دول آسيوية او اوروبية في حاجة ماسة الى النفط، وبالاخص الصين والهند واليابان واندونيسيا وماليزيا. مثل هذه الدول تمثل السوق الطبيعي للنفط العراقي. ومن الناحية السياسية والامنية ففي اعتقادي الابتعاد عن الشركات الاميركية قدر المستطاع، اذ ستخلق هذه الشركات مشاكل دائمة للعراق، فلوبي الشركات النفطية قوي جدا في الولايات المتحدة ويحرك الحكومات ضد اية مطالبة مقبلة لاية حكومة عراقية ديمقراطية مقبلة في تعديل صيغ العقود لتحقيق مصالح العراق، ولايقبل بالحلول الوسطى وحل المنازعات سلميا، اذ دائما يفكر ان العسكرية الاميركية معه. في مثل هذه الظروف ستكون دائما هناك مشاكل مع اميركا وتهديد بالحرب او المقاطعة وخلق الفتن، فنحن في قلب الشرق الاوسط الملتهب، ومن يقرأ الكتاب الموسوعي القيـّم "الجائزة: النفط من بابل الى بوش" لمؤلفه دانييل يرغن ماتستطيع الشركات الاميركية النفطية عمله. علما ان هذه الشركات تركض وراء الحقول "العملاقة" التي ارتأينا ابقاءها كاملة بيد الدولة العراقية. وهي ستحاول ان تعمل شيء الآن، اي تتأكد من صدور قانون يتضمن الحقول العملاقة ضمن الاستثمار الاجنبي، ولكن برأينا الظروف الحالية تساعد العراقيين لاصدار القانون بدونها، اذ ان الحكومة الاميركية ضعيفة وتحاول ان تتجنب فضحها عالمياً انها دخلت العراق لاجل النفط. قد يقول قائل إن نظام صدام اعطى حقول "عملاقة" مثل مجنون لفرنسا وغرب القرنة لروسيا والاحدب للصين وامثلة اخرى. ان ذلك العمل خاطئ بنظرنا ولكن من جهة نظر الوزارة في حينه، ان هذه الحقول اعطيت الى حكومات تعتقد الحكومة العراقية بانها تستطيع التأثير على مجلس الامن، وحصولها على الحقول وتطويرها سيكسر الحصار على العراق، فالامر رشاوى "حكومية" لكسر الحصار. وفي كل الاحوال لم تنفذ العقود ولم يكسر الحصار.
احاول ادناه ان انهي هذه الفقرة، وانهي موضوع الحاجة الى الاستثمارات والكلام الكثير الذي يدور حول حاجة العراق له لتطوير حقوله النفطية، وضرورة وصعوبة الاستقراض لتطوير هذه المشاريع. لقد كنت قد ذكرت عابرا الحلول العديدة، ولكن ساتوسع في الحل المنطقي – في اعتقادي – والذي يجب ان تبحث عنه الادارات النفطية والدولة العراقية. الحل هو امر اعتيادي، يعمل وفق معادلة الاقتراض، عند وجود حاجة ماسة ومصالح متبادلة قوية بين المقرض والمقترض. وادناه سأضع الامر على شكل مثال:-
لنفترض ان الشخص "أ"، (وسيكون في هذا المثال العراق)، لديه مادة مهمة وستراتيجية مطلوبة دائما خصوصاً في المستقبل القريب (وستكون هذه المادة في هذا المثل هي النفط)، ولكن هذا الشخص /العراق ليس لديه المال الكافي لانتاج النفط، وعندما يبدأ الانتاج والتصدير ستتوفر له عوائد مالية عالية جداً. بنفس الوقت هناك شخص آخر في العالم "ب"، (وسيكون في هذا المثال الصين)، تتوفر لديها فوائض مالية عالية جداً، وهي تبحث عن ايجاد فرص لتشغيلها في الصين او في بقية انحاء العالم، لاسباب اقتصادية وسياسية، اذ تعرف سيكون لها موقع مهم بالعالم في المستقبل القريب. ولكن فوائضها اكثر من فرص الاستثمار فتضعها في البنوك المحلية والعالمية مع اخذ نسبة فائدة محددة عالمياً. بنفس الوقت انها في حاجة للمادة الموجودة في العراق ولايستطيع ان ينتجها بسبب شحة المال الموجود لديه. إن على الصين ان تستورد النفط بكميات كبيرة (فحاليا تستهلك حوالي 7% من الاستهلاك العالمي) وسيزداد هذا الاستهلاك حيث ستدخل "عهد الرفاه"، وستكون هناك حاجة الى السيارات ووسائل النقل والطاقة وغيرها، اضافة الى بناء خزين ستراتيجي. ماموجود لديها محدود وعليها الاعتماد على الاستيراد.انها حاليا تشتري النفط في الاسعار العالمية، واحيانا تبذل جهداً كبيراً للحصول عليه حتى بزيادة طفيفة عن الاسعار العالمية، وتعلم انها قد تضطر لسد حاجتها في المستقبل الى الشراء باسعار (او كلف) تتجاوز الاسعار العالمية نظراً للتركيبة السياسية الاقتصادية العالمية الحالية لشبكة النفط والمنحازة الى غريمتها وهي اميركا. لذا فانها في امس الحاجة لضمان استمرار تدفق النفط حالياً وفي المستقبل وبالاسعار العالمية. اضافة لذلك في حالة تقديم القروض الى العراق، فانها بحاجة الى التأكد من امكانية استرجاع القرض مع الفائدة المشابهة للبنوك العالمية، كذلك الى ضمان استمرار تدفق النفط اليها من العراق الذي اقرضته المال.
هنا نرى كيف تعمل المعادلة للاقتراض بين الصين والعراق. حيث تتم اتفاقية بين حكومتي البلدين ، يطلب فيها العراق قرضاً من الصين لتمويل قيام الصين بنفسها بتطوير احد الحقول الجيدة (مثل حقل الاحدب الذي كان قد اُعطي لها سابقا)، ويكون القرض بالفائدة العالمية مضافا لها نسبة صغيرة (مثلا 1-1.5%) كمكافأة لها. تتضمن الاتفاقية عقد خدمة فنية اعتيادي (اي شراء من الصين مواد وخدمات)، وهذا واعز آخر للصين، كذلك تتضمن الاتفاقية ان بعد اكمال العمل، يتم دفع الديون بالنفط لحين الاسترداد، وقد يكون من صالح العراق زيادة الكميات المصدرة للاسراع في تسديد ديونه، وبعد استكمال دفع كامل القرض، تضمن الاتفاقية ان العراق يستمر بالتصدير الى الصين بالاسعار العالمية (وهي بالواقع سوقه الطبيعية) ولمدة قد تصل الى (10-15) سنة. هنا حلت مشكلة العراق حيث سينفذ العمل بطريقة مباشرة ويحافظ على النفط المؤمم، ويتجنب عقود المشاركة (التي سنتكلم عنها لاحقا)، اذ سيكون عقد خدمة فنية اعتيادي. ان اختيار الصين، او اي دولة اخرى مشابهة، سيضمن للعراق تجنب تدخلات الشركات العالمية في شؤونه الداخلية ويضمن للصين تعامله مع بلد صغير مثل العراق، بدلاً من الشركات العالمية. وتقوم حاليا الصين بتطوير مثل هذه الاتفاقيات مع ايران او السعودية وكذلك فنزويلا والهند، وهي ايضا تحاول ان تجد النفط في افريقيا. تبقى هناك مشكلة ضمانة سداد القرض، اذ لااعتقد ستضمن البنوك العالمية العراق. في اسوأ الاحوال وفي حالة عدم الوصول الى نتيجة مرضية فمن الممكن ان يكون الحقل نفسه هو الضمانة. اي من الناحية العملية لايستطيع العراق ان ينتج ويصدر من هذا الحقل الاً بعد سداد الدين، وتستطيع الصين من خلال المحاكم الدولية الحجز على النفط العراقي المصدر في اي ناقلة نفط. بالرغم من ان الصين تحاول ان تجد حقول لمصادرها النفطية في جميع انحاء العالم، ولكن لن تجد مكانا افضل من العراق، وخصوصا عندما يكون هناك حقل مكتشف وجاهز وكبير مثل حقل الاحدب. بنفس الوقت سيجد العراق مصادر كثيرة للتمويل على هذا الاساس في آسيا، واوروبا الغربية، ولكن ستكون الصين هي الافضل في الاستثمار الاول. وان الحكومة العراقية ووزارة النفط ان ارادتا فعلا تطوير الحقول وبدون الدخول في عقود المشاركة، عليهما البحث عن هكذا مصادر تمويلية وانجاحها، وبذلك تحفظ حقول العراق، ولاتسمح بالدخول من الشبابيك للالتفاف على التأميم.