07-03-07 09:14
أمير الصداقة
ما الذي يمكنني قوله في عزاء ورثاء أمير الصداقة، نعم أمير الصداقة
وأميتها، الكاتب والسياسي، والمثقف، والإعلامي والناشط الكردي، في كل
هذه المجالات وغيرها، الصديق، ورفيق درب النضال والأهوال، الأخ الشهيد
محمد أمين-أبو كاوا – وقد عشنا سويا، وما أدراك ما سويا، أكثر من ربع
قرن من الزمان، دون أن يسبب أحدنا للأخر إزعاجا ولو لدقائق، فما كنا
لنختلف إلا نادرا جدا حدا، مثلما لم يكن ذلك الاختلاف يشكل خلافا يؤدي
إلى الجفاء أو الافتراق أو حتى الابتعاد.
تعرفت عليه حسب ما تسعفني الذاكرة في حلب أوائل الثمانينات من القرن
المنصرم، حيث كان يدرس الهندسة المعمارية بجامعة حلب، وعلى الفور توطدت
بيننا الصداقة والمحبة والألفة، دونما توقف، ودون ترصد من أي منا حيث
كنا نحن الاثنين في حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سوريا، أنا في صفوف
العمال وهو في صفوف الطلاب، وقد كان كل شيء يجمعنا ويوحدنا فيما يخص
العمل الحزبي والثقافي والفكري والإعلامي ، وعرفته ممن يفهمون من
الإشارة، وكان أول وأكثر ما شدني إليه تعرضه وتحمله لصعوبات وضغوطات
جمة وصعبة، بسبب نضاله وفكره ونشاطه ، حيث لم أرى أنه أرتاح أسبوعا أن
لم نقل يوما في حياته، ولعلني رأيته منافسا ايجابيا لي في هذه المسألة
، ولن أخفي عنكم وكشهادة للتاريخ والحقيقة، بأنني كنت واثقا من أنه
سيبزني في الحياة النضالية، نظرا لسماته الشخصية و الأكاديمية وغيرها ،
لكنني والحق يقال، كنت ولا أزال أقنع ذاتي ولكن حقا لا باطلا بأنني من
جملة أعز أصدقائه ورفاقه وذلك لعلمي أن الفقيد كان وحسب التفسير
الايجابي، يجيد ألف لغة ولغة لغة الصداقة والنضال والنشاط لغة الغريب
والقريب، الجار ، العامل والفلاح، الغني والفقير، والكردي والعربي
والسرياني وغيرهم، إلا أن لغته المفضلة فقد كانت لغة الهدوء والمحبة،
هذا ومن أهم ما اكتشفت فيه أيها الحضور الكريم الكوردايتي والإنسانية
حيث لا فرق بينهما في حقيقة الأمر وكان الفقيد دائم البحث عن أحجار
ليضعهم فوق بعضهم البعض، ليبني شيئا نافعا، نعم كان دائم البحث عن
طريقة أو وسيلة يستطيع بواسطتها وبها تطبيق وإنشاء وإيجاد ما يراه
مناسبا ومفيدا وضروريا لمجتمعه وما كانت هناك أية أمور جانبية أو غير
جانبية تحول بينه وبين ما يؤمن به من أجل الشأن العام، وانظروا لعينيه
كما يبدوان في الصورة فهما لا ينظران ألي ولا أليك ولا لسوانا بل
ينظران الى البعيد البعيد، إلى ما هو كان جديرا به ويليق بالإنسان.
ولا أعتقد أن الصدفة والقدر قد جمعت بيننا نحن الأثنبن معا في الكثير
الكثير من المحطات الهامة، دون أن يدع الشهيد المجال للإساءة الى شعرة
معاوية مع أي كان، ويشهد على ذلك رفاقه وأصدقائه، مثلما يشهدون له
بديناميكيته وجديته ليس في الجامعة بحلب أيام زمان – نعم أيام زمان- بل
وفي عفرين ودمشق والجزيرة بل وحتى تأديته للخدمة الإلزامية وصولا الى
العمل الوظيفي.
ماذا باستطاعتي قوله في عزاء من كان يفهم مني ما أريد قوله دون أن
أقول، ويفهمني ما يريده دون قول، حيث كان اجتماعيا بامتياز وله من
الأخلاق والمبادئ الحميدة ما بز به أقرانه جميعا .
ما ال ذي بوسعي أن أقول لمن كان دائم الاستعداد لمنحي كل وقته وقلمه
وراحته لأفكار وآراء ومبادئ تفيد تطوير المجتمع وتفعيله وتغييره، رغم
معرفته المسبقة بأن هذا الأمر ستسبب له الكثير من المتاعب والشجون، ومن
جهات وجوانب عديدة وخاصة الجهات الأمنية، نعم الجهات الأمنية التي تصر
على التدخل في كل شاردة وواردة تخصنا نحن الكرد بما فيه أحلامنا !وقد
سببت له بالفعل كما ترون، لكنه رغم كل ذلك ظل يبحث عن الأمثل والأجدر
والأفضل، إضافة لكل ذلك فقد كان شيقا مستساغا لبقا ومتمدنا ويملك قدرة
وجدية على أيجاد وكشف مقترحات ومبادرات بنا ئة، واضعا نفسه ودائما في
فوهة المدفع كما يقول المثل ولم يسبق لي أن رأيته يضع غيره في تلك
الفوهة فلقد كان مبادرا من هذا النوع الفريد لا بل ويزيد.
ويترتب علي أن أبوح لكم بأمر لم يسبق لمعظمكم أن علم به ألا وهو أن
الشهيد ومنذ حوالي خمسة عشر عاما كان كثير الإلحاح علينا – في اللجنة
المركزية لإتحاد الشعب- للموافقة على إرساله لكردستان الجنوبية للع مل
النضالي، وبقي مصرا حتى حقق ذلك بموافقة البارتي على طلبه، هذا وأشهد
له ومن دون بهتان وزور أنه لم يفه بكلمة نابية عن أي إنسان كان، وأي
حزب، فقد كان للمرحوم أصدقاء كثر في كل التنظيمات الكردية والكردستانية
وهو في الإتحاد الشعبي، وبقي يحافظ على كل أولئك الأصدقاء وهو في
البارتي النظيف السلوك والتاريخ كريا وكردستانيا، مثلما حافظ على
التواصل مع كل أولئك الأصدقاء، وهو خارج الإتحاد والبارتي، ولكم أن
تقدروا سماته الكردية من خلال هذه الحقيقة، هذا وقد أخبرني المرحوم
بانتسابه للبارتي لأنه لم يكن يخفي عني مثل هذه الأمور، ولأنه كان يدرك
أن ذلك سيسرني فهنيئا له هذا المقام، وهذا التقدير والاهتمام وهن يئا
لذويه ورفاقه وأصدقائه هذه العلاقة والمشاركة وهنيئا للبارتي وكادره
المتقدم كل هذه الأكاليل من الزهور والورود وكل هذه المشاركة من اللجان
والمنظمات والوفود .
ختاما أقول: طالما أنني واثق من عدم قدرتي على إيفاءه حقه فلأكتفي أن
أقول له عبارة موجزة تخصه هو وحده في هذا الموضوع وفي هذه المناسبة
الأليمة وهي :
عهدا لن أنساك ما حييت.
صديقك وأخوك موسى زاخوراني
قامشلو 12/2/2007
ملاحظة : قرأت هذه الكلمات في خيمة عزاء الشهيد أبو كاوى.