عند ضفاف المعدمين !
سهر العامري
ما
كنت قد سمعت بماركس قبل أن يجمعني لقاء عابر بجواد الخياط ، ومن أين لي
أن أتعرف عليه ، وأنا أسكن مدينة بعيدة ، نائية ، وكنت مازلت طالبا
بعدُ في السنة الأخيرة من المرحلة المتوسطة ، تلك السنة التي كنت أأمل
النفس بعدها بالانتقال الى المرحلة الثانوية ، رغم أننا ، أنا ومن هو
على شاكلتي من بعض أبناء مدينتي ، كنا مغرمين بمطالعة الرواية عند
الكاتب المصري الشهير ، نجيب محفوظ ، لكن تلك المطالعة بدأت لنا غير
كافية حتى لفهم مضامين ما كان يكتبه محفوظ نفسه ، وصدفة أعارني صديق
كتابا بعيدا في موضوعه عن الرواية التي شغفت بها ، وأنا في مرحلة الصبا
، وكان الكتاب هذا هو محاضرات في الفلسفة العربية الإسلامية لمؤلفه
المصري عباس هويدى ، ذاك الكتاب الذي قرأته ، ولكنني لم أظفر بشيء كثير
منه ، بعدها أعارني الصديق نفسه كتابا آخر هو : النقد المنهجي عند
العرب للدكتور محمد مندور ، وكان حظي منه هو نفسه مع كتاب هويدى ، إذ
أنني عانيت في فهمه الكثير .
لقد كنا نتبادل الكتب فيما بيننا في ساعات ذاك الزمان ، فمدينتنا لم
تعرف اسما للمكتبة بعد ، لكنها كانت على درجة كبيرة من النشاط الثقافي
، ذلك النشاط الذي كان يتصدى له بالدرجة الأولى شيوعيو المدينة ، رغم
عسف وظلم السلطات المتعاقبة على الحكم في العراق ، وعن طريقة تبادل
الكتاب تلك تشكلت لدينا مكتبة توزعت على أكثر من بيت ، وصار مكان
المطالعة مقهى من مقاهي تلك المدينة ، أو بستان من بساتين النخيل
المحيطة بها ، وليلا كان جامعها ذاك البناء الوحيد الذي كان مزودا
بالكهرباء ، فكل بيوت مدينتنا ما كانت تعرفها بعد .
كنت ساعتها قد ابتعت جميع ما صدر لنجيب محفوظ من روايات ، يضاف الى ذلك
بعض الروايات لكتاب معروفين على صعيد العالم مثل فكتور هيجو الفرنسي في
أحدب نوتردام ، تلك الكنيسة التي وقفت أنا على أعتابها فيما بعد ، ثم
ارنست همنغواي الأمريكي في الشيخ والبحر ، وفي ذات الوقت كانت صديقة لي
قد أهدتني رواية : سافرولا ، لرئيس الوزراء البريطاني الراحل فترة
الحرب العالمية الثانية ، ونستون تشرشل ، وكان ذاك وقت أن كنا على
أبواب امتحانات البكلوريا للمرحلة المتوسطة ، تلك الامتحانات التي
ستنقلنا ، في حالة نجاحنا فيها ، الى المرحلة الثانوية ، وكان الامتحان
باللغة العربية ، وعلى العادة ، هو فاتحة تلك الامتحانات ، وقد تصدر
أسئلة ذاك الامتحان موضوع الإنشاء الذي جاء تحت عنوان : وقفة على جدول
! وهو الحال هذه يكون موضوعا وصفيا يمكن للقلم فيه أن يرسم تلاوين
جميلة من الكتابة ، ولذلك فقد دونت أنا ، من ضمن ما دونت فيه ، عبارة
وصفية رائعة لتشرشل من روايته : سافرولا ، كانت ذاكرتي محملة بها ،
ولازلت أحفظها للساعة تقول : ( نظرت الى الوجود ، فإذا هو قمة ثلج ، قد
أشرقت عليها شمس الصباح من خلال قوس قزح ملون بألوان البنفسج والبرتقال
. )
ورغم كل هذا الفيض من الكتابات التي كنا نتوفر عليها ، لكننا كنا نشعر
في الوقت نفسه بوجوب تطوير قراءاتنا ، وكان هدفنا ، الذي نسعى وراءه ،
هو قراءة كتب الفلسفة ، أية فلسفة كانت ! ولما كنت قد خرجت من كتاب
عباس هويدى المار الذكر صفر اليدين فقد أصابني بعض من النفور من قراءة
الفلسفة ، وعزمت على إرجاع الكتاب لصاحبه ، وبينما كنت مارا في سوق
المدينة استوقفني جواد الخياط ، وهو جالس وراء ماكنة الخياطة ، سائلا
عن الكتاب الذي أحمله ، وحين تصفحه قال لي : هل استوعبت ما فيه ؟ قلت
له ، وبنوع من الخجل ، لا . ليس الكثير ! قال : حسنا ، غدا سأهديك
كتابا في الفلسفة ستجد ضالتك فيه ، ثم أردف قائلا : وسأهدي لك معه
رواية جميلة كذلك ، فأنني كثيرا ما أشاهدك تحمل روايات لنجيب محفوظ !
كل الذي أعرف عن جواد الخياط هو أنه كان جنديا متطوعا في الجيش العراقي
، لكنه طرد منه كونه عضوا في الحزب الشيوعي ، فلم يكن أمامه إلا مشاركة
أحد خياطي المدينة بدكان متواضع ، وذلك بعد أن اشترى ماكنة للخياطة ،
واضعا إياها قبالة ماكنة شريكه في ذلك الدكان .
لقد بر جواد بوعده لي ، وسلمني في اليوم الثاني كتابين مهمين ، كانا
مدفونين تحت الأرض في دارهم ، خوفا من بطش رجال المخابرات الأمريكية
القادمين الى الحكم في العراق على إثر انقلاب شباط الأسود عام 1963 م .
كان أحد الكتابين رواية تحت عنوان : الطيران الى الحرية ! وهي من الأدب
الروسي ، وكان موضوعها يدور حول أحداث الحرب الوطنية التي خاضتها
القوات السوفيتية ضد قطعان النازية الهتلرية ، ويبدو لي أنها كانت
واحدة من سلسة روايات كتبت عن تلك الحرب ، وأخذت عنوانا هو : مقاتلون
في سبيل وطنهم . تلك السلسلة التي قرأتها بعد سنوات ، وذلك بعد أن
توفرت لي كلها .
أما الكتاب الآخر فقد كان في الفلسفة ، تلك الضالة التي كنا ننشدها ،
وكان عنوانه هو : المادية الديالكتيكية لمؤلفين روسيين هما : بوسنت
وياخوت ، ومثلما أسلفت، فقد أكلت الأرض منه الزاوية اليسرى العليا من
وجه غلافه الأول ، بعد أن مكث مدفونا فيها طويلا ، ولكنه مع هذا لم
يفقد روعة في إخراجه ، وجيدة في ورقه ، وجمالا في حرفه ، وطباعته ،
وبساطة عرضه ، وطرحه ، ذلك الطرح الذي كان يتناول فيه جميع المدارس
الفلسفية تقريبا ، وباسلوب رائع ، سهل ، قل نظيره .
لقد نجح الكاتبان في تبيان الفروق الفكرية والنظرية بين تلك المدارس ،
ليس من خلال الحديث عن كل واحدة منها منفرة ، وإنما من خلال انقسامها
على المسألة الرئيسة في الفلسفة التي تعلقت بالسؤال التالي : هل الكون
عقل أم مادة ؟ ومن خلال المسألة الثانوية فيها كذلك : هل يمكن إدراك
هذا الكون أم لا ؟ وعلى هذا تكون إجابة كل مدرسة فلسفية قديمة كانت أم
حديثة هي التي تحدد طبيعة تلك الفلسفة ونهجها ، فالفلسفة التي تقول أن
الكون أصله عقل مطلق فهي فلسفة مثالية ، والتي تقول أن الكون أصله مادة
سرمدية ، فهي فلسفة مادية . بعد ذلك يتناول هاتان الكاتبان المدارس
التي تقترب وتبتعد من هاتين الفلسفتين المهيمنتين للان على الدنيا ،
والمتعارضتين ، المتصارعتين أبدا .
من جواد الخياط هذا ، الذي ما التقيته بعد ذلك كثيرا ، تعلمت الفلسفة
في مرحلة مبكرة من حياتي ، ومنه تعرفت على عبقرية ماركس في وراثته
الشرعية لكل فكر تقدمي أتت به البشرية على امتداد تاريخها الطويل ،
مثلما يقول هو .
لقد حملت كتاب جواد الخياط معي الى بغداد ، حين أصبحت طالبا في جامعتها
، وحين صرت أدرس الفلسفة أكاديميا على يد استاذ عراقي كان قادما للتو
من أمريكا ، مغرما بفلسفتها البراغماتية ، فلسفة جون دوي ، مدافعا عنها
أمامنا نحن طلابه دفاعا مستميتا ، طالما أوقعه في نقاش حامي الوطيس معي
أنا المدافع من بين عدد من الطلاب بحماس عن الفلسفة الماركسية التي
تعلمتها من جواد الخياط ، حتى اضطررت في صباح يوم من الأيام أن أحمل
لاستاذي هذا الكتاب الذي أهداه لي ذاك الخياط الجنوبي ، وأنا ما زلت
على سن مبكرة ، وقد كان هو جالس وقتها مع مجموعة من الأساتذة في قسم
الفلسفة من كلية التربية في جامعة بغداد .
قلت له بعد أن حييت الجميع : ها هو الكتاب الذي علمني الفلسفة ، والذي
أهدي لي من خياط عراقي ، معدم ، يعيش في أهوار جنوب العراق ، وهو واحد
من العراقيين الذين تتهمهم أنت بعدم التفكير ، مع أن الحقيقة هي ليست
كذلك ، فالعراقيون - يا استاذ - يتعرضون منذ سنوات طويلة خلت الى قمع
متواصل ، وعلى مدى تعاقب أنظمة الحكم في العراق ، ولهذا تراهم يدفنون
الكتب في الأرض خوفا عليها من السلطان المؤتمر بأمر الأمريكان ، وكن
على ثقة أن كتابا صغيرا مثل هذا ، الذي تراه أمامك ، والذي جاءني من
خياط ، سيقودني الى السجن حتما ، حين يعلم مخبرو السلطة بأمره !
هذه هي صورة جهد من نضال مستميت كان يخوضه الشيوعيون العراقيون على
أكثر من جبهة ، خاصة الجبهة الفكرية التي اعتبروها من أهم الجبهات في
نضالهم وجهادهم ذاك ، ولولا هذا الجهاد المتواصل لظلت الساحة الفكرية
في العراق نهبا للأفكار الغيبة التي حاول مريدوها تغيب الحقيقة عن
الناس فيه من خلالها ، وبطرق ملتوية ، ومتعددة ، خاصة ذاك الممر الذي
يعتقد البعض في العراق اليوم أنه يفضي الى السماء عن طريقه هو ، وليس
غيره !
وبالإضافة الى كل ما تقدم يظل الكتاب النافع في العراق ، الذي حاول
صدام الساقط حجبه عن الناس على مدى سنوات حكمه السوداء ، أخطر أعداء
الرجعيين فيه ، بينما يظل هو ذاته أقوى سلاح بيد التقدميين الذين
يحتفلون اليوم بالذكرى المجيدة الثانية والسبعين لميلاد الحزب الشيوعي
العراقي الذي رحل أعضاؤه ومناصروه بالثقافة والكتاب من رفوف المكتبات ،
والى ضفاف المعدمين من العمال والفلاحين في مدن العراق ، وفي أريافه
القصية التي كانت ما عرفت القراءة والكتابة بعد .