في ذكرى
ميلاد الحزب
فـي
كـل عـيـد
نتذكـر
البيرق الآثـوري "
ﭘــول " - كمــال
يلـدو

فـي شـباط مـــن
هـذا العام ، تكون
قـد مـضت سـنتان مـنـذ ان ودعـنا زميلنا ورفـيقـنا الغـالي "ﭙولــص
نيــسـان " - كاكا ﭙول - ، وبغمضـة عـين تتراكض الســنين تاركة
خـلفـها ذكريات عـطرة لأناس ابو الا ان يحـملـوا مشــعـل المبادئ
اينما حـلوا ودافعـوا عنها حـتى الرمـق الاخير .
شـــيعّـته عائلته
وزملائه وأهـل مدينته – شيكاغـو – خير تشــيع . تشــيع يليق حقا
بأبنها البار (بول)، وقلما تـودع الناس احبتها بهـذه الهيبـة . وما
ان تمت المراسـيم الدينية ، حتـى اقـام الاتحاد الديمقراطي العراقي
– فـرع شيكاغـو – مهرجانا تأبينيا شـارك فيه المئات من المعزّين ،
اضافة للشخصيات والتنظيمات العاملة هناك ، وتناوبت الكلمات التي اثـنـت
على سـجايا الفـقــيد ومـثله الانسانية والاهـداف السامية التي كان
ينادي بها ، وحلـمه بتحقـيق شــعار - وطن حر وشــعب ســعيد .
في بداية الثمانينات كان
لقاؤنا الاول معه ومجموعـة طيبة من الآثوريين في شيكاغـو ، حيث جرى
عـمل كبير لتجميع الديمقراطين في مدينة شيكاغـو ، وتأسـس على اثرها
فـرع الاتحاد الديمقراطي العراقي وبجهود متميزة من الفقيد . وتكررت
اللقاءات في ديترويت اثناء حضوره احتفالات 31 آذار و 14 تموز . امتاز
بوجه نوراني وقامة مربوعـة وصـوت اجـش تطغي عليه اللكنـة الآثورية بكل
وضوح حينما يتكلم العربية ، لابل ان ســحنته الحمراء ولكنته الواضحة
قادت احـد زملائنا الذي التقاه في احدى نشاطات اتحاد الشبيبة
الديمقراطي العراقي عام 1971 للاعتقاد بأنه كـردي فـلـقـبـه منذ ذالك
الحين - كاكا - ، وعاد هذا اللقب حين التقاه ثانية في شيكاغـو بعد ان
تقطعت بنا الطرق وصـارت مـدن الغـربة القاسـية اوطانا للقاء الاحـبة
الذين شـردهم ارهاب الحكم البعثي .
تعــّرف – ﭘـول – على
الحزب منذ الخمسينات ، وكان لا يخفي اعتزازه بالشيوعيين اينما التقاهم
، ولم يصطنع حبه هذا ، بل كان يتدفق منه عـفـويا ، وعلى الرغم من
تفـّـرق العراقيين بين كل القارات الا انــه كان حريصا عـلــى المواصلة
مع مـتن احــب ، وحتى لو اقــتضى منه ان يقـتطع من رغـيفـه لمساعـدة
اللآخرين ، لا بل ان من يتقـرب منه كان يلمس ذلك عـنده خلال ما يروي
من ذكريات عـن كمال شـاكر – ابو سمير – و د. نبيل الزنبوري والفنان
لطيف حسن والفنانة وداد سالم والفنان اديب القليجي . لم يملك الا اثنين
، قلب مفـعـم بالحب وغـلـيونه الــذي كان يرافـقـه اينما حـل ، اما
زهـده فقد تجلى بتضحيته برغباته الشـخصية وتفرغـه لأعالـة عائلتـه
والعمل والصرف على شــقيقـه الذي واكب دراسـته الطبية حتى اضـحـى
واحـدا من اشـهر اطباء التجميل في شـيكاغـو . كان شـخصية معروفة في
وســطه الآثوري ، اما بيته فكان عبارة عن ديوان للاحبة والاصدقاء
ويقـصده الكل بلا اســتثناء ، ولكونه احب الشيوعيين ، فقد احب العراق
كله ، وافـنى ســـني شبابه لهــذا الهـدف الانساني ، فـقـد تعلق بهـم
وسـار بدربهم ، فـتحمل ما تحملوا . فــرح لــهم وحـزن معهم .اما اشــد
ما كان يبعـث البهـجة فـي قـلبه فـهـو دفـعه الشـبيبة للعمـتل الوطني
والالتصاق بالعراق .وبقـدر ما كان يعتز بآشــوريته ، فـقـد كان عراقـيا
ووطنيا اصـيلا ، يشـهد لــه بذلك خصومه قبل اصدقائه .
في لقاءاتنا السياسية
كان يجلس مسـتمعا بشــغف . ينصت للكل ، واذا ما اخذ الحوار جانبا
تشـاؤميا ، كان وجـهـه يحتقن ويرشـف من غليونه بتتابع شــديد قاطعا
الحوار بصوته الجهوري " بابا ، لا نوري السعيد ولا الحرس القومي ولا
صدام حسين يكــدر على هذا الحزب ....بابا ،هذا حزب الشهداء والابطال
...اشــتحجـي انت ، بابا روح اقرا التأريخ ...منو يكدر على الحزب اذا
هـّو بكل بيت وبكل مدينـة ....بابا روحوا اقـروا .." بعدها يســود صمت
،فيما اخذ الحضور بالمفاجأة ، فمن يتوقع ان يســمع من - كاكا بول –
الباسم والهادئ ، ثورة بهذا الشــكل . فقد كان دمـه يغلي لحزبـه .
لم يكن يوما عريســا ، لكن
العرس الحقيقي كان عندما يشـارك حفلة آذار او تموز ، وكنت تخاله طائرا
بين الطيور ، او في ريعان الشباب وهو يرقـص ويغني وعيونه تبرق لمعانا
بدموع الفرح . عاش كادحا طوال عمره ، وعرفه الكثيرين عبر شـركة "
توماس كوك "للصيرفة وفي فرعها الواقع في شارع السعدون مقابل سينما
النصر فقد كان موظفا يعمل فيها . اما في غربته ، فقد تسـامى على كل
الماديات ، فيما كان يدخـر بعضا من معاشـه حتى يشارك حفلة الحزب او
يقدم تبرعا له ، ولأنه لم يقد السيارة ، فقد كان يركب القطار قاصدا
ديترويت اذا تعذر على الاحبة المجئ ، فالمهم ان يشترك بالاحتفال وان
يلتقي رفاقه . واحيانا كنت اطل عليه وسـط الحفل واباغته بالســؤال "
اشــلونة كاكا بول ...واشــلون الحفلة ..." و يجيبنـي ان ان يرشــف
غليونه ،وقد احـمر وجهـه ولمعت عيناه فرحـا " بابا ...هذا هـو الحزب
..هذا هو العراق ..شــوف ...من كل الالوان وكل الاجناس ، منــو عنده
مثلنا بابا .. "
شــهد ســقوط صدام ،
وشــهد حرق صوره وتمزيقها .شــهد الدبابات الامريكية تجوب شوارع مدينته
الجميلة بغداد ، وشهد التفجيرات والقصف العشــوائي ، وشــهد القوى
التي تريد اخذ العراق نحو المجهول بعـد ان صـادرت فـرحة العراقيين
بخلاصهم من الدكتاتورية .
يـعـّز علينا ونحن نحتفل
بعيد الحزب ان لا تكون معنـا ، وأن لا يكون الكثير من الطيبين معنـا ،
لكننا نخبرك بأننا وفي كل احتفالاتنا فأننا نبتدأهـا بأسـتذكار كل
الشهداء وكل اللذين غادرونا قبل الاوان .
كاكا ﭘـول ، ســنتذكرك
دائما .
كمــال يلـدو
آذار 2006
الولايات المتحدة /
مشــكان