الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار
البيت العراقي المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة
من أجل ريادة المرأة أو الأمل الذي لازال بعيدا: الجزء الثالث
محمد الحنفي

 

sihanafi@gmail.com

         www.elhanafi.com

 هل يمكن أن تكون للمرأة إرادة ؟

 إذا كان احترام إرادة الشعوب في البلدان ذات الأنظمة التابعة، أو ذات الأنظمة الإقطاعية، أو البورجوازية، أو البورجوازية الصغرى، أو المؤدلجة للدين الإسلامي، غير وارد بسبب غياب ممارسة الديمقراطية الحقيقية، من الشعب، و إلى الشعب، بمضمونها الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، و بسبب سيادة الأنظمة الاستبدادية، فما بالنا باحترام إرادة المرأة.

 

و إذا كانت إرادة الرجل، مسلوبة، من قبل الأنظمة الاستبدادية القائمة، التي قد يلجأ بعضها إلى ممارسة ما يمكن تسميته بديمقراطية الواجهة، فإن إرادة المرأة مسلوبة من قبل المرأة، و من قبل الرجل، في نفس الوقت، الذي لا يعتبر المرأة إلا متاعا أو سلعة، أو عورة، ليدوسها بذلك، و يسحق كرامتها، حتى و إن كانت إقطاعية، أو بورجوازية. فما لديها من ثروات هو مناسبة لممارسة الانتهازية البشعة، في حقها، من أجل التصرف فيما تملكه عن طريق الزواج بها.

 

و لذلك فنحن عندما نطرح السؤال :

 

هل يمكن أن تكون للمرأة إرادة ؟

 

فإن علينا أن نطرح قبله سؤالا آخر هو:

 

هل يمكن أن تكون للشعوب إرادة ؟

 

و ما هي العوائق التي تحول دون احترام إرادة الشعوب ؟

 

و ما هي الوسائل التي يمكن اعتمادها لفرض احترام الشعوب ؟

 

و ما هي الشروط الموضوعية التي يجب أن تتوفر لتفعيل تلك  الوسائل؟

 

إن إرادة الشعوب، و احترام هذه الإرادة، تقتضي قيام دستور ديمقراطي، تكون فيه السيادة لكل شعب، في كل بلد على حدة، و تلك السيادة، تقتضي إجراء انتخابات حرة، و نزيهة، لإفراز مؤسسات محلية، و وطنية، و تكوين حكومة من أغلبية البرلمان، تنهج سياسية ديمقراطية، و شعبية، يتم في إطارها تمتيع جميع أفراد الشعب بحقوقهم الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و تعمل على ملاءمة جميع القوانين المحلية، مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، فلا أمية، و لا عطالة، و لا سكن غير لائق، و لا حرمان من الحماية الاجتماعية، و الصحية. لأن الغاية من احترام إرادة الشعب ليست هدفا في حد ذاتها، بقدر ما هي وسيلة لضمان تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية.

 

و لتكريس احترام إرادة الشعوب، لا بد من إزالة العوائق المختلفة، التي تحول دون ذلك، و يأتي على رأس هذه العوائق النظم الاستبدادية القائمة في البلدان ذات الأنظمة التابعة، و غياب الديمقراطية، التي يمكن تسميتها بديمقراطية الواجهة، الموجهة للاستهلاك الخارجي، و عدم وجود دساتير ديمقراطية، أو وجود دساتير مكرسة للاستبداد، و نهج سياسة  لاديمقراطية، و لا شعبية، و فرض اختيارات اقتصادية، رأسمالية تبعية، أو متخلفة، تعود بنا إلى الزمن الماضي، الذي لم يعد واردا رجوعه، و فرض إيديولوجيات متخلفة، لتضليل الكادحين، حتى يقبلوا بما يمارس عليهم من استغلال  همجي. لأن الهمجية، هي الإمكانية القائمة، في ظل الرأسمالية التابعة، أو في ظل الاقتصاد المختلف.

 

و لتجاوز هذه العوائق، لابد من وجود حركة مناضلة، تسعى إلى وضع برنامج للنضال الديمقراطي، الذي يهدف إلى تحسين الأوضاع المادية، و المعنوية لسائر الكادحين، و إلى تحقيق الديمقراطية، من الشعب، و إلى الشعب، و إلى احترام حقوق الإنسان المختلفة، و إلى بناء اقتصاد وطني متحرر، و العمل على قيام أنظمة ديمقراطية، من اختيار الشعوب، في جميع البلدان ذات الأنظمة التابعة، اللاشعبية و اللاديمقراطية، و بناء مؤسسات تمثيلية حقيقية، تحترم فيها إرادة الشعوب، وقيام حكومات تعكس تلك الإرادة، و تعمل على نهج سياسة ديمقراطية و شعبية ... الخ. و هذه الوسائل صارت ضرورية لتحقيق غايتين أساسيتين :

 

الغاية الأولى : وضع حد للتبعية الناتجة عن الخضوع للإملاءات الخارجية، التي يقف وراءها صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و المؤسسات المالية الدولية، و الشركات العابرة للقارات، و الدول الرأسمالية الكبرى.

 

و الغاية الثانية : هي فسح المجال أمام إبداعات الشعوب، و إحداث نقلة نوعية في الاقتصاد، و الاجتماع، و الثقافة، انطلاقا من الإمكانيات الذاتية، البسيطة، في تفاعلها مع الإمكانيات الإقليمية، و القومية، و العالمية، على أساس المساواة فيما بينها. و إبداع الشعوب لابد أن يكون في مستوى طموحات الشعوب، نفسها، في الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية.

 

و لتفعيل الوسائل التي أشرنا إليها لابد من :

 

1) تكوين حكومة إنقاذ وطني، في كل بلد من البلدان التابعة، من أجل وضع برنامج مستعجل، للقضاء على المظاهر المسيئة إلى كرامة الشعوب، كالبطالة، و الأمية، و التخلف الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي.

 

2) العمل على تمتيع جميع الناس، بجميع الحقوق الواردة في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية المتعلقة  بحقوق الإنسان، و العمل على مراقبة احترام تطبيق تلك القوانين.

 

3) إخضاع السياسة القائمة، إلى التقويم المستمر، و النقد الهادف، بواسطة المؤسسات التمثيلية الحقيقية، التي تعكس إرادة الشعوب، و نهج سياسة إعلامية هادفة، تجعل كل ما يجري على المستوى الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، واضحا، أمام الشعوب، التي يهمها أن تساهم في تقرير مصيرها بنفسها.

 

 و في ظل احترام إرادة الشعوب المقهورة، و المستغلة، يمكن أن نتحدث عن احترام إرادة المرأة، باعتبار تلك الإرادة جزءا من إرادة الشعوب، و مكونا من مكوناتها. إلا أن خصوصية المرأة،و خصوصية ما  يمارس عليها من قهر مزدوج، اقتصادي، و اجتماعي، و ثقافي، و مدني، و سياسي، من قبل الطبقة المستفيدة من الاستغلال، و من قبل الرجل على السواء، يمكن أن نسجل ضرورة الاهتمام بالمرأة، كخصوصية، من أجل تمكينها من حقها، في جميع مجالات الحياة، التي تعبر عن قدرتها على المساهمة في البناء الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي. و مساهمتها، تلك، هي التي تفرض القيام بالدور اللازم، في أفق احترام إرادتها القائمة على وعيها الطبقي من جهة، و على وعيها بذاتها كامرأة من جهة أخرى، أي أن احترام إرادة المرأة يتحقق من خلال :

 

1) تحقيق احترام إرادة الشعوب على جميع المستويات.

 

 

2) تمكين المرأة من امتلاك وعيها الطبقي الحقيقي، الذي  يهم الرجال و النساء على السواء.

 

3) تمكينها من امتلاك وعيها بنفسها كامرأة، و كخصوصية، و كدور لا يتم الاعتراف به على جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و السياسية.

 

غير أنه، في حرصنا على ضرورة احترام إرادة المرأة، علينا أن نميز بين المرأة التي تمارس الاستغلال، و المرأة التي  يمارس عليها الاستغلال. لأن المرأة المستفيدة من الاستغلال، هي ككل المستغلين (بكسر الغين)، لا يمكن أن تلعب دورا في  اتجاه تحرير المرأة، و احترام إرادتها، لأنها بعقليتها، و بمسلكيتها، تكرس دونية المرأة، و سلبها إرادتها، من قبل  الطبقة الحاكمة، و من قبل  الرجل، في نفس الوقت. كما علينا أن نميز بين مختلف الرؤى الطبقية، فيما يخص احترام إرادة المرأة. فهناك الرؤيا الإقطاعية، و الرؤيا البورجوازية التابعة، و الرؤيا البورجوازية اللليبرالية، و الرؤيا البورجوازية الصغرى، و الرؤيا العمالية، و رؤيا مؤدلجي الدين الإسلامي.

 

 

فالرؤيا الإقطاعية،  تقتضي التمييز بين نوعين من النساء، أو المرأة، المرأة الإقطاعية، أو ذات العقلية الإقطاعية، و المرأة المستهدفة بالاستغلال الإقطاعي، أو القنة المستعبدة كالرجل بواسطة الأرض.

 

و انطلاقا من هذا التصنيف الإقطاعي يمكن أن نقول: إن الصنف الأول يتمتع نسبيا بمستوى معين، من الإرادة التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من إرادة الإقطاعي، التي  تقتضي فرض السيطرة على الأرض، و التمكن من السيطرة على أجهزة الدولة، أو المساهمة في السيطرة عليها، في إطار التحالف الطبقي المسيطر، باعتبار تلك الأجهزة، أداة للسيطرة الطبقية، و تسخيرها لحمل الأقنان، أو العاملات، و العمال الزراعيين، كما نسميهم اليوم، على المزيد من العمل لمضاعفة الإنتاج.

 

و المرأة الإقطاعية عندما ترى وجوب احترم إرادتها في مثل هذه الحالة، فليس من حقها ذلك، بل لأن الإقطاع الذي يعتبرها مجرد متاع، يرى أن إيهامها باحترام إرادتها، يزيد من قيمتها، كمتاع تجب المحافظة عليه. و هذا ما  يجب أن تدركه النساء اللواتي يعتبرن أنفسهن إقطاعيات، فيتوهمن أنهن كالإقطاعيين، في  احترام إرادتهن.

 

أما الصنف الثاني من المرأة، أو النساء، فهو الذي يعتبر من صنف الأقنان، اللواتي لا رأي  لهن، و لا حرية، و لا حقوق، و لا إرادة. لأن المرأة المنتمية طبقيا إلى الأقنان، عليها أن تعمل في الأرض، أو أن تساعد الرجل على القيام بخدمة الأرض، و أن تعيد إنتاج الأقنان الذين يعملون في الأرض. لأن ما تحصل عليه الأسرة في مجتمع الأقنان لا يكفي لغير ذلك، لا يكفي لا للتعليم، و لا للصحة، و لا للترفيه، و لا للسكن الصالح، و لا للعلاج، و لا للسياحة، بل لا يكفي حتى للأكل و للشرب. و لذلك لا داعي لأن تقول بأن من حقها أن تكون لها إرادة. و بالإضافة إلى ذلك، فالرجل الذي يمارس عليها القهر كرجل، و يستطيع بدوره أن يفعل بها ما يشاء، و أن يفرض عليها ما يشاء  إلى درجة التواري، و الاختفاء. فكأنها ميتة، لا وجود لها في هذا الكون، و لا قدرة لها، و لا داعي لأن يكون لها وجود واقعي يستلزم أن يكون لها رأي.

 

و بالنسبة للمرأة في المجتمع البورجوازي، فيمكن أن نصنفها إلى صنفين رئيسيين، المرأة البورجوازية، و المرأة العاملة، و ما بينهما، مما قد  يكون منساقا مع المرأة البورجوازية، أو محشورا إلى جانب المرأة العاملة، نظرا للتشابه في الوضعية الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية.

 

فالمرأة البورجوازية هي كالطبقة البورجوازية، لها إرادتها كبورجوازية، تستغل العمال كما تشاء، و تستثمر كما تشاء، و توقف  من تشاء، و تطرد من تشاء، لها نفس حقوق البورجوازيين في التقرير، و التنفيذ، حسبما تقتضيه الإيديولوجية البورجوازية، و التنظيم البورجوازي، و القرارات السياسية البورجوازية، و القوانين البورجوازية، باعتبارها منتمية إلى الطبقة البورجوازية، أما اعتبارها امرأة فشيء آخر.

 

فالمرأة البورجوازية لا تسقط من حسابها التصور البورجوازي للمرأة، و لذلك فهي تعتبر نفسها سلعة، من حقها أن تكون لها قيمة في السوق، باعتبارها بورجوازية من جهة، و باعتبارها امرأة سلعة من جهة أخرى. و هي بذلك تسلع نفسها كما تسلع البورجوازية نفسها، و تسلع نفسها كما تسلع البورجوازية المرأة. و هي من هنا تكرس دونيتها. فلا البورجوازية إنسان، و لا المرأة البورجوازية إنسان، و لا المرأة السلعة إنسان، ففي كل المستويات نفتقد الإنسان.

 

و المرأة العاملة إنسانة، أهدرت إنسانيتها، باستغلال البورجوازية لها، اقتصاديا، و اجتماعيا، و ثقافيا، و سياسيا، و بحرمانها من حقوقها المختلفة. و بالتالي فهي تكتسب شيئا من قيمتها، في سوق العمل بقدر ما يجب أن تنتجه لصالح البورجوازية، و تكتسب قيمتها كامرأة سلعة، و هي بذلك تعاني من دونيتين، دونية الانتماء إلى الطبقة العاملة، التي تحتقرها  البورجوازية، و دونية المرأة السلعة، التي يحتقرها الرجل، في المجتمع ككل.

 

و الاختلاف بين المرأة البورجوازية و والمرأة العاملة: أن المرأة البورجوازية، تفرض الدونية على نفسها. أما المرأة العاملة فإن المجتمع يفرض دونتتها، نظر للقهر الذي تعاني منه، على جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية. و هي لا تتخلص من ذلك القهر إلا بالتخلص من دونيتها.

 

و هذه الرؤيا البورجوازية تنسحب على البورجوازية التابعة، و على البورجوازية الليبرالية، مع فارق بسيط، هو أن البورجوازية التابعة، تعتبر المرأة متاعا إلى جانب كونها سلعة. و هذه الرؤيا تمارسها المرأة البورجوازية التابعة، أما البورجوازية الليبرالية، فرؤياها كما بسطناها أعلاه.

 

و بالنسبة للبورجوازية الصغرى، و نظرا لتوفيقيتها، و تلفيقيتها، فإن المرأة المنتمية إلى البورجوازية الصغرى، و نظرا لتعدد الإيديولوجيات التي تنهل منها، فإنها تعتبر نفسها إقطاعية، و قنة، و بورجوازية، و عاملة،  و متاعا، و سلعة، و عورة، و مؤدلجة للدين الإسلامي، لتختلط في مسلكيتها كل  الرؤى، و كل التصورات التي تحملها مختلف الإيديولوجيات.

 

و بالنسبة للمرأة المنتمية إلى الطبقة العاملة، و المقتنعة بإيديولوجيتها، فإنها ترى نفسها مشغلة لوسائل الإنتاج، أي منتجة للبضائع، و لفائض القيمة، و أنها هي التي تعمل كل ما في إمكانها لتوفير البضائع، التي يحتاج إليها المجتمع، على جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية. فكل البضائع الرائجة في المجتمع من إنتاجها، باعتبارها جزءا من الطبقة العاملة. و بالإضافة إلى ذلك فهي أيضا إنسان، و في الحالتين معا، و سواء اعتبرت نفسها عاملة أو إنسانة، فهي تعمل على الاعتزاز بنفسها، و تحفظ ككرامتها، و تترفع على أن تكون مجرد متاع، أو سلعة، أو عورة، و تناضل من أجل وضع حد للاستغلال، الذي يمارس على المجتمع ككل، باعتباره مصدرا للامتهان الطبقي من جهة، و مصدرا للدونية التي  تعاني منها المرأة باعتبارها متاعا، أو سلعة، أو عورة حتى يتحقق  اعتبار الإنسان إنسانا، و حتى يتكرس على أرض الواقع احترام كرامته، و حتى تختفي، و إلى الأبد أشكال امتهان الإنسان، ويتحقق حفظ كرامته.

 

و عندما يتعلق الأمر بالمرأة المؤدلجة للدين الإسلامي، و المقتنعة بتلك الأدلجة، و الساعية إلى إشاعتها في المجتمع، فإنها تصير من المؤدلجين، الذين يعتبرون أنفسهم ينوبون عن الله في الأرض، و متحملين لمسؤولية إقامة "الدولة الإسلامية"، التي تطبق "الشريعة الإسلامية"، و تحقق شعار "الإسلام دين و دولة"، حتى تسود "عدالة الله في الأرض"، أي أن المرأة المؤدلجة  للدين الإسلامي، ترى نفسها واسطة بين الله و بين البشر، لتصير بذلك ممارسة للرهبنة، التي لا نجدها إلا في الديانة اليهودية، و المسيحية، و في مختلف الديانات الوثنية، الرائجة في مختلف العصور، أو ترى نفسها زعيمة سياسية، تقود المجتمع في اتجاه "الجهاد"، من أجل القضاء على "دولة الكفار"، و إقامة "الدولة الإسلامية مكانها"، و لكنها في نفس الوقت، ترى نفسها عورة، أي أنها لا ترقى، مهما عملت، و جاهدت، و حققت، إلى مستوى الرجل.

 

فالرجل يبقى  رجلا، حتى  و إن كانت قيمته لا ترقى إلى مستوى المرأة. و المرأة تصير عورة، حتى و إن كانت قيمتها تفوق الرجل. و هذا هو المأزق  الذي تقع فيه المرأة المؤدلجة للدين الإسلامي، لأنها لا  تستطيع أن تتحرر من دونيتها، كما تستطيع أن تتخلص  من أدلجتها للدين الإسلامي. لأن تلك  الأدلجة هي التي تفرض عليها الإقرار  بدونيتها، باعتبارها جزءا من الدين الإسلامي. و ذلك ليس إلا نتيجة للوعي المقلوب الذي تعتبره إيمانا، و لكنه  الإيمان المنحرف عن حقيقته في الدين الإسلامي،  الذي لم يتجاوز تقرير ما ورد في القرءان " قل للمومنين يغضوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله  خبير بما يصنعون، و قل للمومنات يغضضن من أبصارهن و يحفظن فروجهن، و لا  يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، و ليضربن بخمرهن على جيوبهن، و لا يبدين زينتهن  إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء  بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن، أو إخوانهن أو بني  إخوانهن أو ما ملكت   إيمانهن" و نحن في استشهادنا بهذا المقطع من القرءان  نسجل :

 

1) أن الله لم يسم ما للمرأة من محاسن عورة، بل سماها زينة، تكريما لها، و تقديرا لجمال الله في المرأة كما في الرجل. و لم يحرم على الرجل رؤية ذلك الجمال، بقدر ما أمره بالعفة. و العفة ليست إلا الإمساك عن التفكير في القيام بالممارسات التي لا تليق بكرامة الإنسان، سواء  تعلق الأمر بالرجل، أو المرأة.

 

2) أن دائرة الرجال الذين لا تتحرج المرأة من أن تبدي  زينتها أمامهم تتسع لتشمل معظم الرجال في  المجتمع، و الذين تدعوهم الضرورة لمخالطتها، في مجالسها الخاصة، و خاصة المجالس العائلية.

 

3) أن القرءان لم يحتقر المرأة، بقدر ما كرمها،  كما  لم  يحتقر الرجل بقدر ما كرمه، و كل ما فعله أنه أمر المرأة و الرجل معا بالعفة، و العفة لها  علاقة بالمسلكية العامة، التي تقتضي أن يفرض كل واحد على نفسه احترام الآخر.

 

4) أنه لولا إمكانية الاختلاط بين الرجال، و النساء في المجتمع، و في الأماكن العامة، لما ورد في القرءان "قل للمومنين يغضوا من أبصارهم" و "قل للمومنات يغضضن من أبصارهن".

 

5) أن هذا النص لم يمنع الكلام بين النساء، و الرجال، و لم يحرمه، لأن المعاملة  تقتضيه. و لأن المرأة و  الرجل معا يضطران للمعاملة فيما بينها، في إطار الحياة العامة، كيفما كان هذا الرجل، و كيفما كانت هذه المرأة.

 

6) و إذا كانت هناك مسلكية عامة يحدث من خلالها ما يجعل الرجل يسيء إلى المرأة، أو ما يجعل المرأة تسيء إلى المرأة و الرجل على السواء. فإن ذلك لا يرجع إلى الإسلام، أو إلى المرأة، أو الرجل، بقدر ما يرتبط بالشروط الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، المرتبطة بالتشكيلة الاقتصادية، و الاجتماعية السائدة، التي لا تتحقق في إطارها المساواة بين الناس في الحقوق، و الواجبات. و لا تعمل على إشاعة التربية على حقوق الإنسا،ن كما هي في المواثيق الدولية. أو كما جاء القرءان على الأقل، فالتشكيلة العبودية، أو الإقطاعية، أو الرأسمالية، هي التي  تكرس الاستغلال البشع، و الهمجي، على الكادحين، و في مختلف  العصور، و مهما  كان العصر الذي تمارس في إطاره أشكال الاستغلال الهمجي للكادحين، هي التي تدفع إلى القيام بممارسات مكرسة لدونية الكادحين بصفة عامة، و لدونية المرأة بصفة خاصة.

 

و لذلك فالتوجه يجب أن يسير في اتجاه الاستغلال الممارس، و النضال من أجل القضاء على الأسباب المؤدية إلى تكريسه.

 

7) أن الخطاب، في النص القرآني المشار إليه، موجه إلى الرسول بالتحديد، و في زمن نزول القرآن، و في مجتمع متخلف، لا وجود فيه لشيء اسمه التربية على احترام الآخر. بل إن صيغة المساواة التي جاءت في القرءان، و دعا إليها الرسول تمت محاربتها في ذلك الوقت، لأن المسلكية العامة، فكانت مبنية على أساس التمييز بين الأسياد، و العبيد. و لم يرد في النص ما  يشير إلى أن الخطاب موجه إلى مؤدلجات، و مؤدلجي الدين الإسلامي.

 

 لذلك، فما يقوم به هؤلاء المؤدلجون، إنما هو ممارسة سياسية تستغل الدين الإسلامي لتحقيق أغراض سياسية صرفة، لا علاقة لها بالدين الإسلامي في جوهره و في حقيقته.

 

8) أن النص المذكور هو نص تربوي، موجه للمسلكية العامة، تجاه الرجال، و النساء، على السواء.  سواء تعلق الأمر بالمسلمين، أو بغيرهم، حتى و إن كان الخطاب موجها إلى المومنين، و هو ما يمكن اعتباره مساهمة من الدين الإسلامي في إيجاد صيغ مناسبة، و متناسبة مع المرحلة التي نزل  فيها القرءان.

 

9) أن الصيغة الواردة في النص: "يغضوا"، و "يغضضن" لا تفيد الأمر،  بقدر ما تفيد معنى الإرشاد، و توجيه السلوك لدى الرجال، و النساء على السواء، من أجل تكريس، و حفظ كرامة الإنسان، التي هي الهدف الأسمى للدين الإسلامي.

 

10) أن تفاعل  رؤيا الدين الإسلامي لكرامة الإنسان، مع المنظومة الحقوقية الإنسانية، هو الذي يجعل تلك الرؤيا حاضرة في التربية على حقوق الإنسان، التي يعتبرها مؤدلجو الدين الإسلامي كافرة، و ملحدة، و موضوعة من قبل الكفار، و الملحدين، و الصهاينة، و غيرهم، ممن لا علاقة لهم بالدين الإسلامي، و ممن لا يقبل مؤدلجو الدين التعامل معهم، و يلحقون بهم كل من يقتنع بتلك المنظومة الحقوقية الإنسانية.

 

و لذلك نرى: أن المرأة المؤدلجة للدين الإسلامي، تتأرجح  بين مستويين، مستوى النيابة عن الله في الأرض، و مستوى اعتبار نفسها عورة، و الفرق شاسع بين المستويين، أي بين ما تسعى إليه المرأة المؤدلجة للدين الإسلامي، و بين واقع نظرتها  لنفسها.

 

و نحن عندما نستعرض هذه المستويات من الرؤى الطبقية للمرأة، فلأننا نريد أن نقف على حقيقة تمتيع المرأة في كل مستوى من تلك الرؤى، بحقوقها المختلفة، و من ضمنها حقها في احترام إرادتها.

 

 

و انطلاقا مما أدرجناه في معالجتنا هذه، فإن معظم الرؤى تتسم بالازدواجية في التعامل مع إرادة المرأة. و الرؤيا الوحيدة التي تحضر فيها إرادة المرأة هي رؤيا المرأة العاملة  لنفسها كعاملة، و كإنسانة، حتى يزول الغموض الذي يطبع الحياة العامة حول المرأة، و حتى نتعامل  بوضوح، مع المرأة، في  قضيتها التي تبقى مطروحة، مادام هناك استغلال طبقي، و مادامت هناك أدلجة نافذة للدين الإسلامي، و مادامت أدلجة الدين في خدمة الاستبداد  بالسلطة، و بالاقتصاد، و بالرأي العام، و في خدمة الرأسمالية المحلية، و القومية، و العالمية، و مادامت تعاني من القهر المزدوج: القهر الاستغلالي، و قهر الرجل في نفس الوقت، و مادامت الديمقراطية، في أحسن الأحوال، لا تتجاوز أن تكون ديمقراطية الواجهة، و ما دامت العدالة الاجتماعية غائبة من الواقع، الذي يعلم الناس أنه يعاني من كل أشكال  الظلم، و القهر، و الاستبداد.

 

فهل تقوم في الواقع حركة نسائية رائدة، تستطيع أن تمد الساحة النسائية  بمجموعة من الأفكار التي تساهم في امتلاك النساء  لوعيهن ؟

 

و هل تضع الحركة التقدمية، قضية المرأة في صدارة اهتماماتها، و من ضمن أولوياتها ؟

 

و هل يدرك مؤدلجو الدين الإسلامي، أن تكريسهم لدونية المرأة باعتبارها عورة إنما هو إهانة للدين الإسلامي ؟

 

و هل تعود للصراع الطبقي مكانته ؟

 

و هل تساهم المرأة في إذكاء حدة الصراع الطبقي ؟

 

إننا عندما نطرح هذه الأسئلة، و غيرها، إنما نسعى إلى أن يكون الوضوح في الأيديولوجية، و في البرامج، و في المواقف النضالية، هو السائد في الواقع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، و هو السائد في مختلف القضايا المطروحة من خلال تلك البرامج، و من خلال العلاقات القائمة بين مختلف مكونات الواقع ، وخاصة منها ما يتعلق بالمرأة التي  تعتبر في حاجة إلى المزيد من الاهتمام أكثر من أي وقت مضى، نظرا  لتظافر جهود العديد من الأطراف حول  قضية المرأة، من أجل ترسيم دونيتها، سواء  تعلق الأمر ببقايا الإقطاع، أو بشرائح البورجوازية، أو بمؤدلجي الدين الإسلامي، في الوقت الذي تزداد فيه حدة الاستغلال الهمجي للكادحين، و طليعتهم الطبقة العاملة، في ظل عولمة اقتصاد السوق، التي تسعى إلى عولمة الاستغلال الهمجي. و في ظلها  يعمل مؤدلجو الدين الإسلامي على عولمة أدلجة الدين الإسلامي، و فرض  الاستبداد الديني على المجتمعات، و في الوقت الذي تصير  فيه الاقتصاديات المحلية مشاعة للشركات العابرة للقارات، التي تستولي على كل شيء،بما فيها وسائل توظيف المرأة لخدمة مصالح تلك الشركات، و زيادة استهلاكها لبضائع تلك الشركات، في ظل  تعميق تكريس دونيتها.

 

 

 فعولمة اقتصاد السوق لا تعني إلا عولمة القهر الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي ، و عولمة القهر المزدوج للمرأة، و لا يمكن مواجهته إلا بعولمة نقيضة، عولمة النضال الحقوقي، و النضال النقابي، و النضال السياسي،   من أجل الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، و عولمة النضال من أجل امرأة بكافة الحقوق، و عولمة القوانين المحلية المتلائمة مع  المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، حتى تصير عولمة النضال بكافة أشكاله، هي المدخل الذي يؤدي إلى إزاحة العوائق، التي تقف في وجه الحركة التقدمية، و الحركة النقابية، و الحركة الحقوقية، و الحركة النسائية المناضلة جميعا، من أجل تحقيق المرأة-الإنسان، حتى تتوارى الدونية، و إلى الأبد.

 

 

آفاق تحقيق كرامة المرأة  :

 

فما العمل من أجل امرأة بكافة الحقوق ؟

 

ما العمل من أجل المرأة الإنسان ؟

 

هل  يمكن أن تتحرر في ظل البورجوازية الليبرالية ؟

 

هل تتحرر في ظل سيادة البورجوازية الصغرى ؟

 

و هل تتحرر في ظل سيادة أدلجة الدين الإسلامي ؟

 

إن ما أتينا على مناقشته في الفقرات السابقة، يبين لنا،  بوضوح، أن تحقيق كرامة المرأة، و تمتيعها بكافة الحقوق كإنسانة، لا يتم في ظل سيادة التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية التابعة، التي تجمع في تصورها للمرأة باعتبارها متاعا، و باعتبارها سلعة، و كون المرأة في ظل هذه التشكيلة بورجوازية لا  يرفع  عنها الدونية، كما أن كونها عاملة لا يزيدها إلا إغراقا في  الدونية، ما لم تقتنع بإيديولوجية الطبقة العاملة، التي تعتبر،  وحدها، قادرة على تحرير المرأة، من الشعور بالدونية، و البورجوازية الليبرالية أيضا، لا تستطيع التحرر من اعتبار المرأة سلعة، حتى وإن كانت بورجوازية، لأنها هي نفسها لا تستطيع التحرر من تلك الرؤيا. و المرأة العاملة تزداد دونية في نظرها، و هي نفسها تحمل شعورا بالدونية،  و تمارسها، ما  لم تقتنع بأيديولوجيته الطبقة العاملة. و مؤدلجو الدين الإسلامي يمارسون النظرة الدونية للمرأة في الحياة اليومية، و المرأة المؤدلجة للدين الإسلامي هي نفسها تكرس  دونيتها.

 

و لذلك فجميع التشكيلات، موضوع الأسئلة أعلاه، لا  يمكن أن تحقق إنسانية المرأة، و لا يمكن أن تعمل على تمتيعها  بجميع حقوقها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، كما هي في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. لأن ذلك يتناقض مع إيديولوجيتها من جهة، و مع مصالحها الطبقية من جهة أخرى، و مع حرصها على تأبيد سيطرتها الاقتصادية، و سيطرتها على أجهزة الدولة.

 

و ما العمل إذن من اجل سيادة إنسانية المرأة، و تمتيعها بكافة حقوقها ؟

 

إن خطوات كثيرة متعددة، يمكن أن تعمل الحركة النسائية، و الحركة الحقوقية، و الحركة التقدمية، على تحقيقها في أفق فرض احترام إنسانية المرأة، و أهم هذه الخطوات :

 

1) الإقرار بالمساواة بين الرجال، و النساء، في قوانين الأسرة، التي يجب أن توضع، على أساس تكريس المساواة،  انطلاقا مما تقتضيه المواثيق الدولية، المتعلقة بحقوق الإنسان، الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و ميثاق حقوق الطفل، و ما يتعلق بالمرأة العاملة، في المواثيق الصادرة عن منظمة العمل الدولية. و فتح نقاش واسع حول قانون الأسرة، و الكشف عن الأضرار التي كانت تلحق المرأة في قوانين الأسرة، التي كانت تفتقد فيها الملاءمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و تسجيل الاقتراحات، و الانتقادات، و المؤاخذات، التي تأتي من كل الأطراف المساهمة في النقاش، و بلورة كل ذلك، في قانون الأسرة، في كل بلد على حدة، بشرط أن لا يتعارض مع المواثيق الدولية المشار إليها، و مع مبدأ المساواة بين الرجال، و النساء على السواء، في المجتمعات البشرية.

 

و إقرار مساواة المرأة، و الرجل، في قوانين الأسرة، يقتضي القيام بحملة إعلامية، واسعة، ضد التصور الإقطاعي للمرأة، الذي يعتبرها متاعا، تجب المحافظة عليه، و حفظه، و حمايته، مما قد يلحق به من أضرار. و أن مهمة الحماية لا تكون إلا للرجال، و لا تكون لأي شخص آخر، حتى و لو كان هذا الشخص هو المرأة نفسها.

 

فالرجل كزوج، أو كأب، أو كأخ، أو كابن، أو حفيد، هو الذي يرعى المتاع. وهذه الرعاية هي التي تكرس الدونية، لاعتبارها المرأة قاصرة عن القدرة حماية نفسها.

 

كما يقتضي القيام بحملة ضد اعتبار المرأة سلعة، من قبل شرائح البورجوازية، التي تسعى إلى تحقيق المزيد من الأرباح، و حماية مصالحها من وراء تسليع المرأة على جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و فضح، و تعرية، كل الخلفيات، التي تقف وراء تسليع المرأة، حتى ينفر الناس، من عملية التسليع تلك، و ينخرطوا رجالا و نساء في محاربتها، من أجل تحقيق المساواة بين الرجال و النساء.

 

ويقتضي أيضا، القيام بحملة إعلامية واسعة، ضد اعتبار مؤدلجي الدين الإسلامي المرأة، مجرد عورة، يجب سترها، بواسطة الحجاب، الذي يفرض عليها، مما يجعلها فاقدة للقدرة على ممارسة حريتها، و ضرورة إبراز الدوافع الإيديولوجية، و السياسية، التي تقف  وراء اعتبار المرأة عورة، و التفريق بين النظرة الإسلامية المحترمة للمرأة، و بين النظرة المؤدلجة للدين الإسلامي، و اعتبار تلك النظرة محرفة للنظرة الإسلامية التي يجب توضيحها بما فيه الكفاية.

 

 

و في المقابل القيام بحملة إعلامية، لتوضيح الرؤيا العمالية للمرأة، المقرة في أصلها  للمساواة بين الناس جميعا، و بين النساء، و الرجال بالخصوص، و مدى انعكاس ذلك، على المستوى الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، و ما يحدثه، من تطور، في الواقع، على جميع المستويات، و ماذا  يجب عمله لجعل هذه الرؤيا سائدة في الواقع، و قائمة في قوانين الأسرة، وصولا إلى جعل المساواة بين الرجال و النساء هدفا، و وسيلة. هدفا  يتحقق بواسطته  اختفاء الدونية، التي تعانيمنها المرأة، من الواقع، و بصفة نهائية، و وسيلة لحماية المرأة من الدونية  في نفس الوقت.

 

 

2) ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و خاصة، تلك التي تتعلق بحقوق المرأة. لأن كل القوانين المطبقة في البلدان ذات الأنظمة التابعة، في البلاد العربية، و في بلدان المسلمين على الأقل، غير متلائمة مع تلك المواثيق، خاصة، و أن هذه الأنظمة تعتبر أن المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، متناقضة مع مصالحها الطبقية، و مع توجهاتها الاستبدادية، أو مؤدلجة للدين الإسلامي، التي تعتبر أن تلك المواثبق كافرة، و ملحدة، لكونها من وضع الغرب الكافر والملحد، مما يجعل جميع القوانين، بما  فيها الدساتير المتبعة، خالية من أي شكل من أشكال الملاءمة، كما  هي خالية من كل ما  يمكن أن يساهم في تحقيق أي شكل من أشكال العدالة، أنى كان لونها، و مهما كان المستهدفون بها، إلا إذا استثنيا الطبقات الحاكمة، في مختلف البلدان، و التي  صيغت تلك القوانين لخدمة مصالحها الطبقية.

 

و لذلك نجد أن الوعي بخطورة  القوانين المتبعة في مختلف البلدان على مستقبل الشعوب، صار ضروريا، بالنسبة لجميع المواطنين في كل بلد. و في أفق ذلك، نرى ضرورة القيام بحملات إعلامية، تستهدف تشريح القوانين، و بيان الأضرار التي تصيب المعنيين بتطبيقها عليهم، و إشراك جميع الناس، في المطالبة بملاءمة القوانين المتبعة مع المواثيق الدولية، بما في ذلك النساء، الأكثر تضررا،  من عدم ملاءمة القوانين المحلية،  و منها قوانين الأسرة، مع المواثيق الدولية.

 

إما نعيش في عصر يجنح فيه الناس إلى الوحدة الإيديولوجية، و التنظيمية، و السياسية، القومية، و الإنسانية، بعيدا عن الوحدة القسرية، التي تفرض على شعب معين، أو على مجموعة من الشعوب، بواسطة القوة، قوة القهر، أو الظلم، و الاستبداد، لخدمة مصالح أنظمة معينة، أو طبقات حاكمة معينة.

 

 فالجنوح إلى الوحدة، الآن، يقوم على أساس الحاجة إلى تلك الوحدة القومية، و الإنسانية، لمواجهة عولمة اقتصاد السوق، التي تفرض بقوة إملاءات صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و المؤسسات المالية الدولية، و الشركات العابرة القارات.  فإذا امتنعت دولة ما أو منطقة ما عن الانخراط في  وحدة اقتصاد السوق، فإن الآلة العسكرية الهمجية، تتحرك لفرض الانخراط في تلك الوحدة بالقوة، كما حصل في أفغانستان، و في العراق.

 

و تعتبر ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، من أهم الوسائل الناجعة، لجعل الناس يقبلون طوعا بالانخراط في الوحدة الإنسانية، عندما يشعرون بأنه لا فرق بين إنسان، و آخر، و بين كائن، و كائن، و بين بلد، و آخر، في التعامل  مع الناس على أساس المساواة فيما ببينهم، دون اعتبار للانتماء الطبقي، أو القومي، أو العرقي، أو اللغوي، أو الديني، أو الإيديولوجي، أو الحزبي، أو غير ذلك، مما يمكن اعتماده للتمييز بين الناس.

 

و حتى لا تتحقق هذه الوحدة الإنسانية، و على مستوى الشعور الإنساني بالخصوص، فإن الدول العظمى، تحشر أنفها في كل شيء، من أجل إذكاء الحس العرقي، و القومي، و الديني، و الحزبي، و الإيديولوجي، و السياسي، و غير ذلك، من أجل منع قيام الوحدة الإنسانية، التي تعتبر، وحدها، مؤهلة لمواجهة وحدة عولمة اقتصاد السوق.

 

و لذلك نجد أن ما تقوم به الدول الرأسمالية العظمى، هنا، أو هناك، في هذا البلد، أو ذاك، باسم "محاربة الإرهاب"، يخلق  شعورا بمعاداة كل ما هو إنساني، و في المقابل، ينمي الشعور الديني، و العرقي، و اللغوي، و القومي ... الخ. و هذا الشعور التجزيئي الذي فرضه الاستعمار القديم، بواسطة القوة، هو نفسه الذي  يقوم حاجزا منيعا، و سدا عاليا، يحول دون  قيام الشعور بالحاجة إلى ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية المتعلقة  بحقوق الإنسان. و عدم الملاءمة، ذلك، هو الذي يكرس التمزق، و التشرذم، و الضعف، و عدم القدرة  على مواجهة الآثار المدمرة، المترتبة ع عولمة اقتصاد السوق، التي تجتاح العالم ، و لا تستثني، أي قرية، مهما  كانت صغيرة، لإخضاع كل كائن بشري، مهما كان ضعيفا،  إلى القبول  بعولمة اقتصاد السوق، على أنها هي الحل الأسمى، للمشاكل الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، التي تتخبط فيها البشرية، كما توضح ذلك الآلة الإعلامية الرأسمالية، التي حققت عولمتها بوسائل مختلفة.

 

 

و نظرا لغياب الوعي الحقيقي، لدى الجماهير الشعبية، بسبب غرقها في اليومي، و انشغالها  به، فإننا  نرى  ضرورة أن تتحمل الحركات الحقوقية،  و النسائية، الإنسانية، و الحركة التقدمية، على المستوى القطري، و القومي، و الإنساني/العالمي، مسؤوليتها في نشر الوعي الحقيقي، بين الشعوب، لإشاعة الشعور بضرورة ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان من جهة، و بضرورة السعي إلى تحقيق الوحدة الإنسانية من جهة أخرى، باعتبارها الوسيلة الصالحة، و القادرة على تنظيم مواجهة همجية اقتصاد السوق، على جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و بناء آليات تنظيم تلك المواجهة، و إنشاء هيئات التنسيق بين التنظيمات الحقوقية، و النسائية، و النقابية، و الحزبية، و التقدمية، و بناء برامج مناسبة، لمواجهة الآثار السلبية، الهمجية، لعولمة اقتصاد السوق، بالتركيز على ما هو محلي، في بعده القومي، و الإنساني، و بالعمل على تنسيق الجهود على المستوى العالمي، و جعل الشعوب تتحمل مسؤوليتها في تقرير مصيرها، في هذا الاتجاه، و العمل على  مقاومة كل أشكال التجزئة، التي تعمل، الدول الرأسمالية، على فرض تكريسها على ارض الواقع، باسم الحقوق العرقية، و اللغوية، و الدينية، و باسم حقوق الأقليات، التي يتم استغلالها لاجتياح العديد من المناطق في أوربا، و في آسيا، و إفريقيا، و في أمريكا اللاتينية، التي كانت  ففي الماضي مجالا للاستعمار القديم، و التي تعتبر، الآن، مجالا لفرض عولمة اقتصاد السوق بالقوة، و بالقوة المدمرة، لكل شيء، لإيجاد الفرصة المناسبة، لتحرك الشركات العابرة للقارات، باسم "إعادة الإعمار"، كما حصل في يوغزلافيا السابقة، و في أفغانستان، و في العراق، و كما يمكن أن يحصل في سورية، و في لبنان، و في إيران، و في السودان، و في كوريا الشمالية، و  في الصين أو في أي نقطة من العالم.

 

و نضال الشعوب المنظم، و المعولم، ضد عولمة اقتصاد السوق، يجب أن يستهدف عولمة الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية،  باعتبار سيادة هذه القيم على المستوى العالمي، هو النتيجة المثلى لملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية، و لنضالات الشعوب ضد همجية اقتصاد السوق، التي لا تتبع إلا شريعة الغاب.

 

3) الاهتمام بتعليم المرأة في الريف كما في المدينة، لأن ما هو حاصل في البلاد العربية ، و في بلدان المسلمين، أن تعليم المرأة يعتبر امتيازا، و أن استمرارها في التعليم إلى النهاية يعتبر  مضاعفة لذلك الامتياز، و أن المرأة التي تتمكن من التعليم هي المرأة المنتمية إلى العائلات البورجوازية بالخصوص، لأن هذه الطبقة تعتبر أن تعليم المرأة يرفع من قيمتها كسلعة معروضة في السوق للاستهلاك.

 

و لذلك نرى أن تعليم المرأة ليس امتيازا،بقدر ما هو حق إنساني، يجب أن تتمتع به المرأة، كما يتمتع به الرجل، خاصة و أن المهام الموكولة إلى المرأة في المجتمع، تقتضي  الاهتمام بتعليمها، و بإتاحة الفرصة أمامها، لاجتياز  كافة مستويات التعليم، حتى تتسلح بما يجعلها تشعر بإنسانيتها، و بالعمل  على حفظ تلك الإنسانية، بالنضال من أجل التمتع  بالحقوق الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و نظرا لدور التعليم في جعل المتعلم قادرا على تتبع ما  يجري في الحياة، و على التسلح بأشكال الوعي الحقوقي، و الطبقي، و الإيديولوجي، و السياسي.

 

و بالإضافة إلى ذلك، فإن تمتع المرأة بحقها  في التعليم، يضيف إلى ما  سبق،  امتلاك وعيها بحقوقها كامرأة لها خصوصيتها التي تستلزم التمتع بحقوق معينة، أهمها ما ينص عليه قانون إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، الذي يعمل على أن تكون المرأة في الواقع مساوية للرجل،  على مستوى العادات، و التقاليد، و الأعراف، و من خلال القوانين المتلائمة مع المواثيق الدولية، و على مستوى القيم السائدة، و في قوانين العمل، و نظم المؤسسات، و أمام القانون، حتى تتحصن إنسانيتها التي تجعلها تقوم بدورها الرائد في الحياة العامة، و في حياة الأسرة، و تساهم مساهمة إيجابية في الحياة الثقافية، و السياسية، لتكريس حماية إنسانيتها، بحماية تمتعها بحقوقها المختلفة، التي تمكنها من بدورها في بناء الأسرة النوعية القائمة على التربية على حقوق الإنسان، حتى ينشأ الأولاد تنشئة حقوقية، سعيا إلى بناء مجتمع مستقبلي حقوقي، و بناء  منظمات  جماهيرية ثقافية، و تربوية، و ترفيهية، تهتم  بحقوق الإنسان، و بالتنشئة عليها، و تكوين نقابات على  أساس احترام إرادة المنخرطين، و أحزاب  سياسية تجعل من احترام حقوق الإنسان برنامجا يوميا لها، وصولا إلى إيجاد دستور ديمقراطي، يتماشى مع ما تقتضيه المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و في مقدمتها حق تقرير المصير، و إيجاد مؤسسات تمثيلية منتخبة انتخابا حرا،  و نزيها، تحترم فيها إرادة المواطنين، و إيجاد حكومة من  أغلبية البرلمان، تقوم  بتحقيق البرامج الانتخابية، التي صوت عليها الشعب، و تعمل على  معالجة المشاكل الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و في مقدمتها تعميم التعليم، في صفوف النساء بالخصوص، لأنه هو الذي يعبر عن مستوى تقدم الشعوب، و تطورها، حتى لا تبقى المرأة مهمشة، في الواقع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي. لأن قيام الحكومة بمعالجة المشاكل المختلفة تكون فعلا حكومة ديمقراطية و شعبية، و تجسد فعلا قيام الشعب بتقرير مصيره بنفسه، باحترام الالتزام بالاختيارات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، التي تتناسب مع البرامج التي صوت عليها الشعب في كل بلد، على حدة، حتى تكون تلك الاختيارات ديمقراطية، و شعبية، و إنسانية في نفس الوقت.

 

و بذلك يبرز، بشكل واضح، دور المرأة المتعلمة، و دور تعميم التعليم في صفوف النساء، و دور الحرص على ذلك التعميم.

 

4) الاهتمام بعمل المرأة في الريف، كما في المدينة، بضمان تكوين مفيد، و كاف للقيام بعمل معين، يتناسب مع المحيط الذي تتواجد فيه المرأة، سواء كان حضريا، أو قرويا، و سواء كان ذلك العمل تجاريا، أو صناعيا، أو فلاحيا، أو حرفيا، أو خدماتيا، حتى يتحول المجتمع إلى خلايا من الورشات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، التي تنقله من مستوى التقدم، إلى مستوى التطور. و هذا التقدم، و التطور، لا يكون مفيدا إلا بتحرر المجتمع من الرؤيا الإقطاعية للمرأة، القاضية  باعتبارها متاعا، و من الرؤيا البورجوازية التي تعتبرها مجرد سلعة لها قيمة معية في السوق الرأسمالية، كباقي البضائع، و الرؤيا المؤدلجة للدين الإسلامي، التي تعتبرها عورة.

 

و التحرر من هذه الرؤى، هو الذي  يجعل المجتمع يقبل بعمل المرأة  في  التجارة، و في الصناعة، و في الخدمات، على أنه حق إنساني، و الحق الإنساني ليس ممارسة دنيئة، و منحطة، لكونه يغني المرأة عن الحاجة إلى الرجل، و يكسبها استقلاليتها الاقتصادية عنه، بعد أن كانت تابعة له، و بعد أن كانت دونتيها تمنعها من ممارسة مختلف الأعمال الاجتماعية، بحكم كونها امرأة تقوم بشؤون البيت، و تربي الأولاد، لتصير علاقتها بالرجل متكافئة، و هذا  التكافؤ هو الذي يقبر دونيتها و إلى الأبد.

 

لكن يبقى السؤال هو : هل توجد حركة تنموية: اقتصادية، و اجتماعية، و ثقافية، و سياسية، تسمح بوجود مناصب شغل، تتناسب مع النمو الديمغرافي للبلدان العربية، و باقي بلدان المسلمين، و في إفريقيا، و آسيا، و أمريكا اللاتينية.

 

إن الواقع في البلدان ذات الأنظمة التابعة، بصفة عامة، و في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، يشهد على نفسه أنه لا يعرف تنمية شاملة مستدامة، كما لا يعرف إنشاء مقاولات، تتناسب مع النمو الديمغرافي، لامتصاص العطالة، السائدة في المجتمع، في كل بلد على حدة، و حتى المقاولات التي تقوم بمبادرات فردية، لا يمكن أن تستمر، لأنها لا تتلقى الدعم اللازم من المسؤولين، و الاختبارات الاقتصادية، و الاجتماعية، المتبعة في مختلف البلدان، ذات الأنظمة التابعة، هي اختيارات موجهة من قبل صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و المؤسسات المالية الدولية، من أجل التقليص من عدد العاملين في القطاعات المختلفة التابعة للدولة.

 

و عندما تقبل الدولة على دعم مقاولة معينة، فإنها تشترط أن لا تشغل إلا الأطر التقنية المؤهلة، و بالقدر الذي يسمح باستمرار المقاولة، حتى لا تتعرض إلى الإفلاس.

 

و البورجوازية التابعة عندما تنشيء مقاولة معينة، فإنها تحرص على أن تكون فائدتها مضاعفة، و لا يهمها إن كانت ستشغل العاطلين أن لا ؟ و حتى إذا شغلت منهم جزءا معينا، فإنها لا تضمن لهم دوام العمل، الذي صار يعتمد  العقدة المحددة، التي تعتبر عائقا جديدا، أمام الاستمرار في العمل، حتى لا تلتزم البورجوازية بالالتزامات المترتبة عن ذلك.

 

و في ظل هذه الوضعية، التي يعرفها سوق العمل، الذي لا يستوعب العاطلات، و العاطلين على السواء، نجد أن تشغيل النساء في القرى، و في المدن، صار من باب المستحيلات، في ظل الاختيارات الرأسمالية التابعة. و قد صار الأمر يقتضي النضال المرير، من أجل إعادة النظر في تلك الاختيارات، و نهج اختيارات وطنية، و ديمقراطية، و شعبية، بعيدا عن اتباع توجيهات المؤسسات المالية الدولية، حتى نستطيع وضع سياسة هادفة، لتشغيل العاطلين بصفة عامة، و تشغيل النساء في الوسطين الحضري، و القروي على السواء، و حتى تساهم في  تمتع النساء في الوسط القروي بهذا الحق، الذي يحرمهن منه لقرون طويلة، سعيا إلى إزالة الفروق القائمة بين الريف، و المدينة، و بين المرأة، و الرجل في نفس الوقت.

 

 

5) تجريم ممارسة دونية المرأة على جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و على مستوى القوانين، و على مستوى العادات، و التقاليد، و الأعراف، من خلال المسلكية اليومية لجميع المواطنين في كل بلد.

 

فكل مشغل لامرأة ما، بأجر دون مستوى الأجور القانونية، المقدمة لعمال الصناعة، و التجارة، و الزراعة، و الخدمات، فإنه يعتبر مرتكبا لجريمة اقتصادية، لأنه لا يقدم الأجور المتناسبة مع متطلبات الحياة في مجال الأكل، و الشرب، و السكن، و التعليم، و التطبيب، و الحماية الاقتصادية، و الصحية، و الترفيه، و تربية الأبناء، و العناية بهم، و حمايتهم من الأخطار الضارة بالصحة، و هكذا. و على المسؤولين أن يضمنوا حماية تطبيق قوانين الشغل، ويتابعوا عملية تجريم تقديم أجور غير كافية لمتطلبات الحياة، و غير متناسبة مع مؤهلات المرأة العاملة.

 

و كل متسبب في حرمان فتاة من التعليم، أو من التطبيب، أو من العمل، أو من السكن اللائق، يجب أن يعتبر مجرما، حتى و إن كان أبا، أو ابنا، أو أخا، أو عما، أو خالا، أو جدا، أو حفيدا.

 

و من الواجب تضمين القوانين المعمول  بها هذه الجريمة، لأن تمتيع الناس بالحقوق الاجتماعية، مسألة إنسانية، و مبدئية في  نفس الوقت، و لا داعي لانتهاكها، لأن الإنسان عندما يحرم من حقوقه الاجتماعية، يفقد إنسانيته، و الإنسانية يجب أن تبقى حاضرة في الممارسة اليومية، في العلاقة بين بني البشر، مهما كان لونهم، أو جنسهم، أو عقيدتهم، أو الطبقة التي ينتمون إليها، و كل من لم يستحضر إنسانية الإنسان، في علاقته بالآخرين، مستغلا نفوذه، أو قوته، أو غير ذلك من الإمكانيات التي تعطيه حق السيادة على الآخر، يعتبر مجرما، و يقاضى على هذا الأساس، و بناء على القوانين المعمول  بها، و المتلائمة مع المواثيق  الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

 

و كل قامع لثقافة مخالفة لثقافته، فإنه يكون مرتكبا لجريمة ثقافية في حق الشعب، الذي يتفاعل مع مختلف الثقافات المنتجة للقيم، سواء كانت لغوية، أو مذهبية، أو فنية، أو  فكرية.

 

و من الواجب أن يتم التنصيص في القوانين على الجرائم الثقافية، التي تجعل شعبا من الشعوب محروما من التعامل مع القيم الثقافية المختلفة المصادر،  و المشارب، و التوجهات، التي تساهم جميعها في قيام ثقافة وطنية، تحمل التعدد الذي يحقق الوحدة الوطنية، التي هي الغاية الأسمى من التنوع الثقافي، المتفاعل تفاعلا ديمقراطيا، و المرأة كجزء من الشعب مستهدفة بالقيم المتبادرة من تفاعل الثقافات الديمقراطي.

 

و بالنسبة لقمع الحقوق المدنية، فإنه ينعكس بشكل سلبي على المجتمع ككل، و على المرأة بصفة خاصة. و لذلك نرى ضرورة تجريم قمع الحقوق المدنية و حرمان الناس من التمتع بها و خاصة في صفوف النساء، اللواتي يحرمن من حق المساواة بين الناس، في الحياة العامة، و على  المستوى الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، و أمام القانون، لأن المساواة بين الناس جميعا، شرط الوجود الإنساني، و المرأة عندما تحرم من حقها في المساواة، فإن ذلك  معناه: حرمانها من إنسانيتها، و هو ما يجب تجريمه قانونيا.

 

أما الحرمان من الحقوق السياسية، فإنه يعتبر جريمة حقوقية، و سياسية، سواء تعلق الأمر بالمرأة، أو بالرجل، لأن حرمانهما من الحق في دستور ديمقراطي، و من انتخابات حرة، و نزيهة، و من مؤسسات تمثيلية، تعكس احترام إرادة المواطنين، و في حكومة منبثقة  عن تلك المؤسسات، تخدم مصلحتهما الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، يعتبر جريمة في حق الشعب في كل بلد على حدة. و حتى إذا أتيحت هذه الفرصة أمام الرجل، و حرمت منها المرأة، فإن الجريمة لا تسقط، لأن الحرمان من الحقوق السياسية، لا يمكن أن يعتبر إلا حرمانا من الحق في تقرير المصير.

 

و لذلك فتجريم هذا الحرمان على المستوى القانوني يعتبر مسألة ملحة، و تدخل في إطار ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية، كما تعتبر آلية من آليات حماية حقوق الإنسان بصفة عامة، و حماية حقوق المرأة بصفة خاصة، لضمان تمتع الجميع بهذه الحقوق.

 

6) إتاحة الفرصة أمام انخراط المرأة في الجمعيات، و النقابات، و الأحزاب، كتعبير عن تمكن المرأة من تحقيق حريتها من جهة، و تمتعها بحقوقها المختلفة من جهة أخرى، و عن دمقرطة الجمعيات، و النقابات، و الأحزاب من جهة ثالثة.

 

فالمرأة التي تصير متحررة من كونها متاعا، أو سلعة، أو عورة، تصير إنسانا. و إنسانية المرأة هي التي تقودها إلى الانخراط في الحياة العامة، و في الحياة الخاصة. فانخراطها في الحياة العامة يجعلها مهتمة بالمشاكل الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، من أجل أن تستوعب ما يجري،  و أن يكون لها رأي تساهم به في إيجاد الحلول المناسبة لتجاوز تلك المشاكل، بالانتقال  من تشكيلة اجتماعية إلى تشكيلة اجتماعية أرقى، تتحقق في إطارها الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية. أما انخراطها في الحياة الخاصة، فيعبر عن حقها في الاختيار على مستوى التنظيمات الجمعوية، التي تراها مناسبة لها، انخراطا، و تأسيسا، و على مستوى التنظيمات النقابية، حتى تساهم في النضال من أجل تحسين أوضاعها المادية، و المعنوية، كامرأة عاملة، و منتمية إلى قطاع من القطاعات العمالية، أو الخدماتية، و على مستوى التنظيمات الحزبية، حتى تساهم في النضال  الديمقراطي العام، من اجل دستور ديمقراطي، و من أجل انتخابات حرة، و نزيهة، و مؤسسات تعكس إرادة المواطنين، و حكومة تقوم بخدمة مصالحهم الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و حماية تلك المصالح.

 

و المرأة بانخراطها  في  الاهتمام بالحياة العامة، و بالحياة الخاصة، وبالنضال من خلال الجمعيات، و النقابات، و الأحزاب السياسية، تعمل على تكريس حريتها التي هي حق لها، حتى تسعى إلى التمتع  بحقوقها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، التي تمكنها من تحقيق إنسانيتها. لأنه لا إنسانية بدون التمتع بالحقوق المختلفة.  

 

لكن هل يوجد لدينا مجتمع متحرر ؟

 

و هل توجد  لدينا جمعيات و نقابات و أحزاب ديمقراطية ؟

 

إن المرأة المتحررة لا يمكن أن توجد إلا في مجتمع متحرر، و ديمقراطي، و عادل. و هذا المجتمع لازال بعيد المنال. فالأنظمة الاستبدادية، و القائمة في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين، تجعل المجتمعات المحكومة بهذه الأنظمة فاقدة لحريتها، و غير ديمقراطية، و تعاني من القهر، و الظلم، و الاستعباد، والاستبداد. و في ظل هذه المجتمعات لا يمكن الحديث عن تمتيع المرأة بحقوقها المختلفة، و لا عن مساهمتها في الجمعيات، و النقابات، و الأحزاب السياسية. لأن تلك المساهمة تقتضي تحطيم هياكل الاستبداد المتنوعة، على المستوى العام، و على مستوى الأسرة، و على مستوى المؤسسات الاجتماعية المختلفة، و على مستوى الجمعيات، و النقابات،  و الأحزاب.

 

و تحطيم هياكل الاستبداد تقتضي إيجاد إطارات حقيقية، للنضال من اجل الديمقراطية، التي تعتبر شرطا لمساهمة المرأة في الحياة العامة، و الخاصة، حتى تتحطم هياكل الاستبداد القائمة.

 

و المرأة المتحررة لا يمكن أن تساهم إلا في التنظيمات الديمقراطية، التي تحترم إرادة المساهمين فيها. و التنظيمات القائمة في المجتمعات المحكومة بالأنظمة الاستبدادية هي تنظيمات غالبا ما تكون موجهة من تلك الأنظمة نفسها، أو من الأحزاب ، أو من قبل الأشخاص المستبدين بها بطريقة بيروقراطية . و هو ما يعني أن النضال الديمقراطي يجب أن يستهدف أيضا دمقرطة الجمعيات، و النقابات، و الأحزاب، عن طريق تشريح ممارسة تلك التنظيمات، التي تفتقد فيها الديمقراطية، حتى يعمل المنخرطون على جعل الديمقراطية، جزءا من وجود تلك التنظيمات نفسها. فإما أن تكون ديمقراطية  تشجع على الانخراط فيها، و تعمل على احترام إرادة المنخرطين و إما أن لا تكون.

 

والمجتمع الفاقد لحريته، و لدمقراطيته، و للعدالة الاجتماعية لا يمكن أن يسمح أبدا  بتحرر المرأة، و بتمتعها بحقوقها المختلفة.

 

و التنظيمات اللاديمقراطية  لا يمكن أبدا أن تعمل على انخراط المرأة فيها،  و احترام إرادتها.

 

و قد يظهر أن بعض الأنظمة القائمة تمارس الديمقراطية، و تمتع المرأة بحريتها، و ببعض حقوقها. و الديمقراطية التي يمكن أن تتحقق في بعض تلك البلدان و التي يأتي في  إطارها الوهم بأن المرأة تتمتع  بحريتها، إنما  هي ديمقراطية الواجهة، الموجهة بالخصوص إلى الاستهلاك الخارجي. لأنه لو كانت موجهة إلى فرض احترام إرادة المواطنين، و من بينهم المرأة لكانت ديمقراطية  حقيقية، و بما أن هذه الديمقراطية غير قائمة في الواقع، بسبب عدم احترام إرادة المواطنين، فإن المرأة تبقى فاقدة لحريتها، و محرومة من حقوقها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و ما يظهر على أنه حرية بالنسبة للمرأة في ظل الأنظمة الاستبدادية القائمة، ليس إلا عملا على  تسليع المرأة، و حرمانها من حقوقها المختلفة في نفس الوقت، حتى تساهم في تأبيد السيطرة الطبقية للطبقات الحاكمة، و في تكريس تبعيتها للدول الرأسمالية الكبرى، لتتحول المرأة إلى  وسيلة لتكريس استعباد المرأة، و إذلالها، و احتقارها، و تأبيد دونيتها، بتسليع نفسها، في إطار ما صار يعرف بديمقراطية الواجهة.

 

7) تجريم الإيديولوجيات الحاطة من قيمة المرأة، فإيديولوجية الإقطاع، التي ترى المرأة مجرد متاع يجب الاهتمام به، و حفظه من التلف، و الضياع هي إيديولوجية تحط من قيمة المرأة. ولذلك، فهي لا  يمكن أن تعتبر المرأة إنسانا، لأنها  بإنسانيتها تفقد قيمتها كمتاع. و بالتالي فاعتبار  المرأة متاعا يجب أن يعتبر جريمة في  حق الإنسانية بصفة عامة، لأن جزءا مهما  منها يصير مجرد متاع. و تبعا  له فمال الإقطاعيين متاع، و أبناؤهم متاع، و ما يمتلكونه من غير ذلك متاع. فالأشياء، و الأموال، و الأولاد، و المرأة متاع، و يجب كذلك أن يعتبر جريمة في حق المرأة، لأنه يحط من قيمتها، و يلغي إنسانيتها، مما جعلها تقع تحت رحمة الإقطاعي، أو تحت رحمة الرجل الذي تكون تابعة له، باعتبارها قنة أيضا.

 

و الإيديولوجية الإقطاعية التي ترتكب هذه الجريمة في حق الإنسانية لا يمكن أن تترك هكذا، فلابد من مواجهتها مواجهة إيديولوجية علمية، لتفكيكها، و تفنيد أوهامها، و جعل المجتمع  يتحرر من تلك الأوهام، و جعل المرأة، بالخصوص، قادرة على الانعتاق، و التحرر من الرؤيا الإقطاعية، لاقتحام مجال الإنسانية، حتى تتمتع بحقوقها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية.

 

و بالنسبة للإيديولوجية البورجوازية، التي  تعمل على تبضيع المرأة، و تسليعها، حتى تصير وسيلة للزيادة في أرباح البورجوازية، التي تعلم: أن عناية المرأة بنفسها، يزيد من استهلاك البضائع التي تنتجها المصانع البورجوازية، فتزداد بذلك أرباحها.

 

و هذا التصور الإيديولوجي البورجوازي للمرأة، يعتبر إهانة لها، و يجعلها  فاقدة لإنسانيتها، سواء كانت هذه المرأة بورجوازية، أو كانت عاملة، و سواء كانت قريبة، أو بعيدة من الرجل، فإن الإيديولوجية البورجوازية عندما تكون سائدة في المجتمع، نجد أن الرجل عندما يتعامل مع المرأة، فإنه يعتبرها مجرد سلعة، و هو اعتبار نرى ضرورة تجريمه. و الانكباب على تفكيك الإيديولوجية البورجوازية، و بيان دواعي تجريمها، في تصورها للمرأة، الذي يلغي إنسانية المرأة، و يعمل على جعل الرجل عن طريق سيادة الإيديولوجية البورجوازية، يعتبر المرأة مجرد سلعة، و النضال من أجل امتلاك الرجل، و المرأة، على السواء، الوعي  بخطورة الإيديولوجية البورجوازية، على مستقبل المجتمع ككل، و على مستقبل المرأة بالخصوص، التي تصير فاقدة لإنسانيتها. بالإضافة إلى الاستغلال الطبقي، الذي  يمارس عليها، حتى يدخلا، معا، في  مواجهة هذه الإيديولوجية البورجوازية ، من اجل الحد من سيادتها، و إضعاف تأثيرها  في أفراد المجتمع.

 

أما أدلجة الدين الإسلامي، الأكثر تخلفا، فإن رؤياها للمرأة تجعل منها مجرد عورة، مما يجعل هذه الأدلجة خطيرة على مستقبل المرأة بالخصوص، لقيامها  بتحريض الرجال على النساء، و لوضعها  مقاييس معينة لما يجب أن تكون عليه النساء في المجتمع، و لاستغلالها للمرأة كموضوع للمناقشة الإيديولوجية في الأمور السياسية، و لتحريض المرأة نفسها ضد المرأة، خدمة للأهداف التي  يسعى مؤدلجو الدين الإسلامي إلى تحقيقها، و لكون المرأة، كموضوع، تعتبر جزءا، من استغلال الدين الإسلامي في الأمور