الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

الإنتخابات البلدية في السعودية بين المطرقة والسندان    

  بقلم : د. لميس كاظم

بدءت اليوم ،المصادف  10\02\2005 ، الإنتخابات البلدية لمدن المملكة العربية السعودية ،وهي أول بادرة طيبة تحمل بين طياتها بشائر إيجابية نسبياً، لبلد إعتاد على الحياة الملكية البعيدة عن مظاهر الديمقراطية. الإنتخابات تفضي لإنتخاب نصف المجلس البلدي للمدن في المملكة والنصف الأخر يتم تعينة من قبل صاحبي القرار في البلد ( هذه هي أول هبة ديمقراطية ، من الملك  الذي لم يتعاد منحها الى شعبه )، بالرغم من هذه الممارسة النصف ديمقراطية في المملكة العربية السعودية ، إلأ إنها أفضل بكثير من إنتخابات الإنظمة الجمهورية في البلدان العربية ، التي تدّعي الوطنية والقومية والأشتراكية، لكنها تمارس الديمقراطية بنفس دكتاتوري بطشي ، وتخرج علينا بمرشحين لايعرفوا ماذا يريدون،  وينطبق عليهم المثل القائل ... مثل الأطرش بالزفة... وبمشاركة قسرية للناخبين وإجبارهم على إنتخاب مرشحين لايعرفونهم  ، ، لذلك تأتي النسبة 99,99 %  وتبدء الحملة الأعلامية المزيفة بالتطبيل والتهريج لتلك النسبة والنتائج وهم يعملون وفق مبدء إكذب إكذب إكذب حتى تصدق كذبك.

أدركت القيادة السياسية في المملكة،  أكثر من أي وقت مضى،إن وقت الأصلاح السياسي قد حان،  وهي بذلك تضرب عصفورين بحجر واحد

العصفور الأول هو محاولة لتخيفيف ضغط الصديق الامريكي الثقيل، الداعي بقوة للأصلاح الديمقراطي في المملكة ،  وتعديل الناهج التعليمية التي تحرض على الإرهاب ، لذلك لابد من حل هذا الخلاف بشكل ودي،  وإلا فستكون  العواقب وخيمة.

العصفور الثاني هو أن هذه  الأنتخابات جاءت ، متزامنة مع أنعقاد مؤتمر الدولي للأرهاب  في المملكة ، كمحاولة لإثبات مصداقية المملكة في الإصلاح الديمقراطي في سبيل نزع فتيل الإرهاب في المملكة  ، وتنفيس الوضع الداخلي الذي بات مهدد أمنياً ، من قبل تنظيمات إرهابية مختلفة، التي إخترقت المناطق المحصنة أمنياً في المملكة وقتلت الأبرياء من السكان العرب والأجانب ، وإن تلك التنظيمات تتغذى وتنتعش من تفاقم  الوضع الداخلي اللاديمقراطية في المملكة، الأمر الذي سيساهم في إحتمال تصديع البرج الملكي العالي. لذلك بات لزاماً علىالقادة السياسين في المملكة ، إيجاد مخرج يحمي البلد من تلك  الأضطرابات الداخلية ، سيما وإن الأصوليين السلفيون قد إستولو على الحرم الشريف في  أنتفاضة عام 1979.

إن كبد الحريات الديمقراطية  وتهميش دور المواطن وإبعاده عن القرار السياسي ، والإضطهاد الطائفي والبطالة والخطاب الديني المحرّض للارهاب ، من أهم عوامل تفريخ الإرهاب في المملكة ، لذلك لابد من تقليص الهوة بين الحاكم والمواطن، عبر ممارسات ديمقراطية، ليتسنى للمواطن تفريغ شحناته الإحتجاجية والمطلبية وبالتالي تفويت الفرص عن الإرهابيين لإقتناصها. لذلك أقدمت الحكومة في مثل هذه التجربة الأنتخابية المحدودة الخطى، وبمسارغاية في الحذر ، وبجرعات مؤمنة من الديمقراطية ، في سبيل المحافظة على فعالية النظام الملكي وفي نفس الوقت تطبيق جزء من الممارسات الديمقراطية ، أما القرارات والتشريعات ستبقى محصورة بيد صانعيها وليس بيد الشعب في المملكة . إن هذه الممارسات يجب أن لا تتجاوز الخطوط الحمراء المرسوم لها في المملكة لذلك جائت هذه الإنتخابات عرجاء برجل واحدة في هذه المرة ، لكن بالنتيجة هي أحسن من عدمها وممكن تحسّنها ،إذا أستطاع ممثلي الشعب في المملكة من الأستفادة من الوضع، الذي تمر فية المملكة لإنتزاع حقوقهم السياسية والديمقراطية. إن الشعب في المملكة رحب في تلك الفسحة من الحرية،  لكن بوتيرة ضعيفة،  إذ أن الأقبال على صناديق الأقتراع كان ضعيف نسبياً.

إن هذه الولادة نصف القيصرية للأنتخابات في المملكة ، ستساعد الوليد الجديد لشق طريق صعب وسط ظلام دامس ، وسيسر الوليد في تعثر ، وصولا للفجر الجديد الذي قد يراه بعد عناء طويل. إن ذهاب الناخب في المملكة الى صناديق الإقتراع والتمييز بين المرشحين ، وأعطاء صوتة بحرية لمن يريد ، يشكل بحد ذاتة ، إنجاز ديمقراطي نسبي ،  يستوجب المحافظة وعدم التفريط به وبنفس الوقت النضال في سبيل تعميقة والمطالبة في توسيع الاصلاح السياسي والديمقراطي في البلد. إن الشعب في المملكة العربية السعودية،  مطالب أكثر من أي وقت مضى، بتصعيد وتيرة النضال المطلبي السلمي لإنتزاع الإنجازات الديمقراطية والإصلاحية في المملكة ، وأن تكون تلك الإنجازات ، هي حصيلة نضالات وتضحيات يقدمها الشعب في المملكة عبر ممثلية من مختلف الأحزاب والتنظيمات المهنية والسياسية الوطنية. إن الديمقراطية على مر التأريخ، تعني حكم الأغلبية، لذلك لايمكن لحاكم أن يهبها لشعبه  ، بل إن الديمقراطية تنتزع. إن هذه الخطوة الأيجابية التي قررتها الحكومة في المملكة العربية السعودية يتطلب من ممثلي الشعب في المملكة ،أحزاب سياسية ومؤسسات مجتمع مدني ، تطويرها وإستكمال هذه الخطوة بخطوات سلمية ديمقراطية أخرى في سبيل تعميق المنجزات الديمقراطية، والأستفادة من الحبو الديمقراطي، لتقديم برامج عمل إصلاحية تساعد الحكومة في سبيل تثبيت تلك المنجزات الديمقراطية و وإنتشال البلد من دوامة الإرهاب والفساد الإداري والبطالة والتفرقة الدينية والطائفية. إن النضال السلمي العلني ، للأحزاب والتجمعات والحركات الديمقراطية ، هو الخيار الواقعي لتحسين الوضع السياسي للشعب في المملكة، وتوجه البلد صوب الأصلاح الأجتماعي والديني والطائفي ، إذ لايمكن حل تلك المشاكل بالأرهاب والعنف وترويع  وقتل الشعب الأمن البرئ.

إن تأريخ الشعوب يؤكد على عدم التعارض بين الديمقراطية وبين النظام الملكي ، شرط أن يتم فصل بين الدولة صاحبة السلطات الثلاث الدستورية والتشريعية والتنفيذية وبين نظام الحكم الملكي ، مثلما حصل في أوربا،   في منصف العقد الثامن من القرن التاسع عشر، لذلك أنتعشت الحياة السياسية والأجتماعية والمدنية في الكثير من تلك الأنظمة الملكية الأوربية، ومضت شعوب هذه البلدان في نضالها السلمي المطلبي في سبيل حياة ديمقراطية إنتخابية إصلاحية حقيقية ،  كالسويد والمملكة المتحدة والدنمارك  والنروج وأسبانيا وغيرها ، حققت تلك الشعوب إنجازات رائعة على كافة أصعدة الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية، وهي اليوم أكثر شعوب العالم تمتعا بتلك الإنجازات ويحضى مواطنيها بالحياة الأمنة المصونة من كل النواحي كالضمان الصحي والأجتماعي والتعليم الإلزامي المجاني والتقاعد والقضاء على الأمية ومعالجة البطالة.

أن من أولويات إنجاح التجربة الديمقراطية  في المملكة  هو المطالبة بسيادة دولة القانون والقضاء وتحقيق المساواة الإجتماعية  وترسيخ مؤسسات المجتمع المدني وفصل السلطات القضائية الثلاث والمطالبة بإطلاق الحريات السياسية والنقابية والإعلامية وإن يتمتع المواطن في المملكة بكافة حقوقة المدنية دون تمييز سلطوي أو طائفي  أو ديني أو جنسي.

أن مشاركة المراة في الأنتخابات حق لايمكن التنازل عنه، وكذلك المطالبة في تحقيق جزء من حقوق المرأة في المملكة هي من صميم المطالب الإصلاحية في المملكةلأن ذلك يحسن من البناء الأجتماعي في البلد.

إن رياح العملية الديمقراطية بدءت تنتشر في المنطقة العربية ، وستدك أعلى الصروح العاتية الفارغة، التي في أغلبها لاتمتلك سند جماهيري.  

السؤال الذي يطرح نفسة هل ستستطيع المملكة السير بطريق الإصلاحات الديمقراطية؟ أم إنها ستكتفي بهذا القدر؟

تشير التوقعات إن  المملكة كانت مجبرة على هذه الإنجازات وستجد طريقا تحمي نفسها من التوسع الديمقراطي وتوسيع المشاركة في السلطة. لكن هناك الكثير من الدول العربية لاتزال تمارس القمع الفكري والسياسي والديمقراطي. فهل ستحاول أن تجد طريقاً جديد للديمقراطية؟ هذا ماستثبته الأيام في المستقبل.