العراق والمسالة الكردية!

كاظم حبيب

تسنى لي زيارة كردستان العراق في ربيع عام 2002 بدعوة من اللجنة المنظمة للكونفرنس الأكاديمي حول حملات ومجازر الأنفال. وفي حينها ساهمت ببحث حول العنصرية وحملات الأنفال الدموية. وخلال مكوثي هناك تلقيت العديد من الدعوات الكريمة لإلقاء محاضرات حول تصوراتي عن الوضع في العراق واتجاهات تطوره وموقف القوى الوطنية العراقية من إسقاط النظام والحرب التي كانت محتملة. كما التقيت بعدد من الأخوة السادة المسؤولين في حكومتي كردستان في كل من أربيل والسليمانية والمجلس الوطني, كما التقيت بالغالبية العظمى من قيادات الأحزاب السياسية وبعض التنظيمات المهنية, ومنها جمعية الاقتصاديين التي قدمت بدعوة منها محاضرة سياسية - اقتصادية في كلية الإدارة والاقتصاد في أربيل, كما التقيت بأجهزة الإعلام للحزبين الحاكمين. كانت اللقاءات التي قمت بها مثمرة جداً بالنسبة لي, كما اغتنيت بتجربة جديدة كان يخوضها الشعب الكردي والأقليات القومية والدينية. وكانت النقاشات وتبادل الآراء خصبة للغاية تلك التي خضتها مع الأخوة الآخرين. كان حضور النسوة في كل تلك اللقاءات محدوداً بل نادراً في ما عدا وجودهن في مركز الأبحاث الخاص بالأنفال وفي الندوة العلمية ذاتها. وأذكر بأني قد وجهت نقداً لجميع القوى السياسية بسبب ظاهرة غياب المرأة عن جلوسها في قيادات الأحزاب السياسية والمنظمات المهنية والحياة العامة.  

أشرت في اللقاءات التي أجريتها مع السادة المسؤولين في الحكومتين والحزبين الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردستانيين وكذلك في المحاضرات والندوات التي قدمتها أو شاركت فيها إلى عدد من المسائل التي كنت على قناعة تامة بأهمية التفكير المستمر بها بهدف عدم الوقوع بمطبات كان البعض يضعها في طريق الحركة الديمقراطية العراقية. وكانت أبرز تلك المسائل ما يلي:

لم تكن أسئلتي لأغراض الإحراج, بل كانت تنبع من قناعة تامة بأن احتمالات تعقد الأوضاع كبيرة جداً, وأن نهاية الحرب وسقوط النظام لا يعني الاستقرار والأمن والسلام, بل يعني ضرورة عمل كل القوى السياسية الديمقراطية العراقية في جبهة واحدة لمواجهة الوضع الجديد الذي سينشأ في أعقاب سقوط النظام. كان هدفي أن نتجنب الحرب أولاً ونجد صيغة أخرى للتخلص من النظام وبدعم دولي حقيقي, كما أن هدفي كان في وقوع الحرب كيف يمكن أن نتفادى ما نعاني منه اليوم, خاصة وأن بعض القوى لها أهدافها التي تتعارض حقاً مع الفيدرالية ومع الحقوق القومية والديمقراطية, رغم ادعاءاتها بقبول ذلك, وهو ما نعيشه اليوم في الساحة السياسية العراقية, وما ظهر قليل جداً بما لم يظهر حتى الآن.

وخلال وجودي في كردستان العراق حوالي خمس سنوات في العقد التاسع من القرن العشرين, ومن ثم في عام 2002 تيقنت من عدة حقائق مهمة لا بد من الإشارة إليها:

  1. إن الغالبية العظمى من الشعب الكردي تريد الفيدرالية وتعتقد بأنها الصيغة الصحيحة للوحدة المتينة في العراق, ولكن هناك أقلية قليلة ترفض الفيدرالية وتريد الاستقلال التام, وهي أقلية ضئيلة حقاً.

  2. إن غالبية الشعب الكردي ترى بأن الضمانة الفعلية للتطور الديمقراطي الحر في العراق يمر عبر تحقيق الفيدرالية لكردستان العراق في إطار الجمهورية العراقية الموحدة, كما ترى في الديمقراطية ضمانة لحصول كردستان العراق على الفيدرالية.

  3. إن الحيف والظلم والجور والقتل الجماعي الذي تعرض له الشعب الكردي من قبل الحكومات المركزية في العراق قد اقترن بظلم واضطهاد وجور عام تعرض له الشعب العراقي كله, وبالتالي فأن حرية الشعبين والأقليات القومية مترابطة ولا يمكن الفضل بينهما, فالشعب الذي يحترم قوميته يفترض فيه أن يحترم بقية القوميات, وبالتالي فالاعتراف المتبادل هو الطريق لتحقيق النجاح للجميع.   

  4. إن ما تعرض له الشعب الكردي وخاصة عمليات التهجير والتعريب القسري للأكراد في العراق, وكذا للتركمان, من جانب النظام الدكتاتوري قد خلق لدى مجموعات من الأكراد ممن تعرضت لذلك الظلم والاضطهاد حقداً ورغبة في الانتقام ليس من النظام فحسب, بل ممن احتل مواقعهم وبيوتهم ووظائفهم وحقولهم ومحلات عملهم... الخ, وأن هذه الحقيقة يمكن أن تفجر صراعات دموية بعد سقوط النظام ما لم تتدارك كل القوى السياسية هذا الاحتمال وتقوم بدور فعال في السيطرة على الوضع من أجل أعادة المهجرين إلى ديارهم, وهو حق ثابت, إضافة على توفير المجال لإعادة الآخرين على أماكنهم, إذ أن أغلبهم قد أجبر أيضاً على الهجرة إلى كركوك أو خانقين أو مناطق كردية أخرى. إنها عملية معقدة وصعبة في ظروف الوعي العام الذي يسود العراق وغياب الحس الديمقراطي والتعامل الحضاري مع المشكلات التي تواجه المجتمع.

ثم سقط النظام وتسبب في احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية والبريطانية التي كانت تسعى لاحتلاله منذ فترة طويلة, ووفر صدام حسين هذه الفرصة الذهبية لها بسياساته الدموية ونرجسيته وساديته. ونحن نتابع ما يجري في العراق ساعة بساعة. فما أن بدأ التفكير الجدي بوضع الدستور العراقي وسبل التعامل مع القضية الكردية وقضايا أخرى عديدة, ومنها قضايا المرأة, حتى برزت اتجاهات عند مجموعات من القوى السياسية والعناصر التي تؤكد بدورها جملة من الأمور التي لا بد من التذكير بها, وأعني بذلك ما يلي:

·        الرغبة في نسيان أو تناسي بأن العراق يحمل معه المسألة الكردية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى, ولكن بشكل خاص منذ موافقة عصبة الأمم على جعل ولاية الموصل, بما في ذلك كردستان الجنوبية, جزءاً من العراق الملكي, وكان ذلك في عام 1926, مع جملة من الشروط التي تستوجب التعامل مع قضية الشعب الكردي على أسس معروفة تحدثنا عنها في أكثر من مقال ومقام.

·        وأن الشعب الكردي ومنذ ذلك الحين, أي منذ ما يقرب من ثمانية عقود يناضل في سبيل حقوقه العادلة والمشروعة, في حين تتجاهل الحكومات المركزية في بغداد تلك الشروط التي وضعتها عصبة الأمم من جهة, وتتصدى للنضال الذي يخوضه الشعب الكردي ي سبيل استعادة حقوقه المشروعة بالحديد والنار. إلا أن كل ذلك عجز عن تركيع الشعب الكردي, كما رفض بحزم تهميشه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتعامل معه على أساس شعب من الدرجة الثانية أو الثالثة, بل واصل نضاله في سبيل حقوقه المشروعة, بما في ذلك حقه في تقرير مصيره. وأن هذا الشعب قد قدم خلال ثمانية عقود الكثير من التضحيات والخسائر البشرية والمادية.

·        وأن شعار الاتحاد الفيدرالي لم يكن جديداً, بل قديماً وطرحه لأول مرة الملا مصطفى البارزاني في فترة مبكرة, في الثلاثينات من القرن الماضي. وأن هذا الحق المشروع لا يعني الانفصال بل الالتحام الحقيقي بين الشعبين على أساس الاعتراف المتبادل بالوجود في الوطن الواحد والمساواة في الحقوق والتمتع بالحقوق القومية العادلة والمشروعة.

·        وأن تجاهل السياسات العنصرية والشوفينية وعملية التعريب القسري والتطهير العرقي التي مارسها النظام المخلوع أو تناسيها يمكن أن يقود إلى وقوع كوارث مأساوية جديدة لا مبرر لها أصلاً, غذ أنها ستعيد الدكتاتورية والحرب والموت للعراقيات والعراقيين عرباً وكرداً وأقليات قومية. فقد عاني  الشعب الكردي والأقليات القومية وكذلك العرب الأمرين, ويفترض أن لا تتكرر بأي حال تلك السياسات والأحداث. إن نسيان أو تناسي كل ذلك وغيره لا يقود إلى الديمقراطية والاستقرار والأمن في العراق, كما لا يقود إلى التحرر من الاحتلال الراهن, بل سيتسبب في خلق إشكاليات جديدة لا مبرر لها, ولن يكون وراء ذلك سوى النيات السيئة والذهنية الشوفينية ومصادرة حرية شعب بأكمله هو الشعب الكردي.   

إن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الشعوب لا تتجزأ وتشكل حزمة واحدة متماسكة وعلينا الأخذ بها لصالح شعبنا وتطوره اللاحق ووحدته الوطنية وتماسكه في النضال من أجل الأمن والاستقرار ومكافحة القوى المخربة والإرهابية والتخلص من الاحتلال, وإعادة بناء العراق الديمقراطي الجديد.

لا أنطلق في نصرتي للمسألة الكردية وحق الشعب الكردي المشروع والعادل من إيماني بحق الشعوب صغيرها وكبيرها في تقرير مصيرها فحسب, بل ومن احترامي لقوميتي وقناعتي بأن احترام حرية وحقوق القوميات الأخرى يعزز من احترام بنات وأبناء القومية العربية لقوميتهم وكسب احترام بنات وأبناء القوميات الأخرى, والعكس صحيح أيضاً, كما لا ينطلق من رغبتي في تجنيب الشعب الكردي والأقليات القومية المزيد من الصراع والحروب والدماء والموت والخراب, بل وتجنيب الشعب العربي في العراق من كل ذلك أيضاً. أنطلق من ضرورة أن يتحقق في العراق ما يعيد لهذا الشعب حريته ووحدته وكرامته وعيشه المستقر والآمن ومساهمته الفعالة في بناء اقتصاد وطني مزدهر وفي صالح الجميع. ولا يمكن أن يتم ذلك دون الأخذ بالفيدرالية الكردستانية وضمان استعادة الأكراد لحقوقهم التي اغتصبت طوال العقود الثمانية المنصرمة, بل منذ مئات السنين, وفي هذا استعادة أيضاً لحقوق العرب والأقليات القومية التي اغتصبتها النظم الرجعية والاستبدادية على امتداد الفترات المنصرمة. علينا أن لا ننسى تجربتنا والدروس التي يفترض أن نستخلصها منها, إذ أن في ذلك انتصار للجميع.

برلين في 15/1/2004                                                          كاظم حبيب