الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

كاظم حبيب

من أجل معالجة حازمة وسليمة

لآثار سياسات التطهير العرقي والتهجير القسري إزاء الشعب الكردي في العراق!

 

طرحت المجموعة الكردية في كردستان العراق الممثلة في مجلس الحكم الانتقالي, وهي خمس مجموعات ممثلة في المجلس, مقترحاً يدعو إلى دراسة موضوع دمج المناطق التي سعى النظام الدكتاتوري المخلوع بكل الأساليب الدموية التي كانت في حوزته ممارستها بهدف تعريبها بالرغم من إرادة سكانها في فيدرالية كردستان العراق في إطار الجمهورية العراقية. وقبل إبداء الرأي بهذا الصدد, يبدو لي مناسباً أن نمر على عجل على ما اتخذته الحكومات العراقية المتعاقبة من إجراءات من أجل تغيير البنية السكانية لتلك المناطق.

منذ أن ألحقت ولاية الموصل, وبضمنها إقليم كردستان الجنوبي, بالعراق الملكي الجديد في عام 1926, وفصلها عن بقية كردستان في كل من إيران وتركيا وسوريا, وفق قرار عصبة الأمم ووفق الشروط التي أرفقت بهذا الإلحاق التي نصت على ضرورة تمتع الشعب الكردي بحقوقه العادلة والمشروعة حينذاك, بما في ذلك التمتع بلغته الكردية وإدارته الذاتية, دأبت الحكومات العراقية المتعاقبة في فترة الحكم الملكي على ممارسة سياسة غريبة وغير عقلانية وذات وجهة شوفينية تجلت في جملة من الإجراءات الرجعية, ومنها:

ولكن أكثر تلك الإساءات التي لحقت بالشعب الكردي تجلى في رفض الحكومات الملكية المتعاقبة الاعتراف بوجود شعب كردي مستقل في تكوينه وخصائصه القومية ولغته وتراثه عن الشعب العربي في العراق, رغم وجود تشابكات وتطور مشترك عبر تاريخ طويل, وبحقه في تقرير مصيره, بما في ذلك حقه في الانفصال وفي تشكيل دولته الوطنية المستقلة, رغم أن الشعب الكردي في العراق لم يطالب بالانفصال عن العراق الملكي, بل طالب بواحد من حلَّين هما: إما الحكم الذاتي وإما الحكم الفيدرالي في إطار الدولة العراقية, علماً بأن الشعب الكردي في كردستان الجنوبي لم يسأل من جانب ممثلي عصبة الأمم عن رأيه في ذلك الإلحاق.

ابتعدت السياسات التي مارستها الحكومات المتعاقبة في العراق عن مضمون قرار عصبة الأمم أولاً, وفيما بعد, عن لائحة الأمم المتحدة ثانياً وعن لائحة حقوق الإنسان ثالثاً وعن الدستور العراقي الملكي الذي طالب بالمساواة بين المواطنين دون استثناء رابعاً, وبالتالي عن المصالح الحقيقية للشعب الكردي في كردستان العراق والعراق عموماً.

وكانت الحصيلة مأساوية, إذ لم يرتض الشعب الكردي الضيم والقهر السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي. فتفجرت في فترات مختلفة الحركات السياسية والانتفاضات الشعبية مطالبةً بحقوق الشعب الكردي المشروعة. ولكن الحكم الملكي لم يمتلك أذناً صاغية لصوت الشعوب ولم يأبه بالضحايا التي كانت تتساقط من جراء سياساته الشوفينية, إذ جابه تلك النضالات بالحديد والنار والقتل المستمر, مما دفع المناضلين الأكراد إلى رفع السلاح دفاعاً عن قضيتهم العادلة. وسقطت ضحايا كثيرة بسبب شوفينية ورجعية وتخلف النخب الحاكمة في العهد الملكي التي لم تدرك ولم تسع إلى إدراك الحقيقة الساطعة القائلة بأن من حق جميع شعوب العالم المطالبة بحقوقها المشروعة والعادلة, تماماً كما كان من حق العرب المطالبة بحقوقهم المشروعة في ظل الدولة العثمانية أو ما بعدها.

أدركت القوى السياسية الكردية والقوى الديمقراطية العربية وكذلك الأقليات القومية في وقت مبكر بأن النضال القادر على تحقيق النصر يمر عبر الربط العضوي بين النضال المشترك ضد الهيمنة الأجنبية ومن أجل الديمقراطية وحقوق القوميات المشروعة في العراق. وكان لهذا الإدراك دوره المتميز في شد لحمة العراقيات والعراقيين من العرب والكرد والتركمان والآشوريين والكلدان في العراق.

 

وفي أعقاب ثورة تموز 1958 لم ينجح عبد الكريم قاسم في فهم معمق للقضية الكردية ولم يستفد من دروس الماضي من جهة, كما أن القوى السياسية الخارجية والداخلية الشوفينية ساهمت في إعاقة اتخاذ موقف صائب من جانب حكومة عبد الكريم قاسم إزاء هذه المسألة الحساسة, إضافة إلى عوامل كثيرة أخرى قادت إلى خسارة الجمهورية الأولى ذاتها والتفريط باحتمال تطورها صوب الأفضل.

أما حكم البعث العفلقي الثاني, الذي قاده البكر وصدام حسين, فقد اتخذ منحاً آخر حاول القضاء على المسالة الكردية من خلال تبويشها بمواقف تتسم بالمناورة والخداع والتلاعب بالشعارات والحلول الجزئية والالتفاف عليها. ولكن الهدف المركزي لصدام حسين وطغمته كان قد تبلور في مهمة الإجهاز على كل حل يمنح الشعب الكردي حقه في تقرير مصيره, والذي تجلى في حينها في شعار الحكم الذاتي, من خلال إفراغ هذا الحكم, رغم منحه, من محتواه الرئيسي وتسليم قيادته الفعلية بيد عناصر عربية وأخرى كردية مستعربة لا علاقة لها بالشعب الكردي وقضيته العادلة. إلا أن أسوأ ما قام به هذا النظام على صعيد المسألة الكردية تبلور في عدد من الإجراءات التي شهدناها في سياسات النظام الملكي, ولكنها بإبعاد جديدة وأهداف أكثر بشاعة ودموية. ويمكن تلخيص أكثر تلك السياسات عنصرية وعدوانية فيما يلي:

  إن هذه السياسات العدوانية إزاء الشعب الكردي حولت القضية الكردية في العراق إلى مسالة دولية منذ توجيه الضربة القاسية لانتفاضة الشعب العراقي في كردستان العراق وفي الجنوب والوسط في ربيع عام 1991 وفي أعقاب حرب الخليج الثانية.

ومنذ عام 1991/1992 أصبح الحزبان الرئيسيان في كردستان العراق يقودان فيدرالية كردستان مرة بشكل مشترك ومرة بتقاسم الاتحادية بين الحزبين وبتعاون ثانوي مع بعض الأحزاب السياسية الأخرى, إذ أن الحكم في أربيل ودهوك بيد الحزب الديمقراطي الكردستاني والسليمانية تحكم من جانب الاتحاد الوطني الكردستاني.

كتبت الكثير من الدراسات والمقالات, ومنها كتابي الأخير الذي طبع في السليمانية أخيراً تحت عنوان "لمحات من نضال حركة التحرر الوطني للشعب الكردي في كردستان العراق", حول المسالة الكردية والسياسات العنصرية وحول طبيعة مدينة كركوك, إذ ركزت فيها على أهمية وحدة كردستان العراق وضرورة توحيد السلطة والإدارة والمنظمات المهنية ...الخ, لضمان تحقيق أهداف الشعب الكردي العادلة, ومنها استعادة تلك المناطق التي حاولت النظم العراقية المختلفة, وخاصة النظام الأخيرة, ابتلاعها واعتبارها عربية وتضييع هويتها. وكان هدفي في كل ما كتبت مصلحة الشعبين العربي والكردي والأقليات القومية في العراق, من أجل أن نستفيد من دروس وعبر الماضي ونبتعد عن الحلول العسكرية والدموية, وأن نتحاور حول ما نختلف عليه ونسعى إلى إيجاد الحلول العملية وفق آليات ديمقراطية لما نختلف عليه.

أعتقد بأن الأوان قد حان لحسم هذه المشكلة المفتعلة من جانب القوى الشوفينية العربية في العراق لصالح الشعبين العربي والكردي والأقليات القومية في العراق. فنحن سكان العراق نعيش في بلد واحد هو العراق, ولكنه العراق مكون من إقليمين جغرافيين هما كردستان العراق والقسم العربي من العراق, وعلى هذين الإقليمين يمكن إقامة فيدراليتين تشكلان معاً جمهورية العراق الاتحادية. ولكي يتحقق هذا الحلم لكل العراقيات والعراقيين نساءً ورجالاً لا بد من تأمين الحدود الجغرافية للإقليمين. وليس في هذا أي ضير, بل فيه كل المنفعة لكل الشعب العراقي, بما في ذلك الأقليات القومية.

يمتلك العراق إحصائيات منذ العشرينات من القرن الماضي, كما جرى في عامي 1947 و1957 إحصاء رسمي لنفوس العراق. ويمكن الاعتماد على إحصاء عام 1957 الرسمي كموجه للجنة التي تقرر تشكيلها لبحث موضوع الفيدرالية في مجلس الحكم الانتقالي لمعرفة توزيع السكان في العراق. يضاف إلى ذلك وجود "الموسوعة الإحصائية عن التقسيمات الإدارية في الجمهورية العراقية" الصادرة عن وزارة الداخلية (مديرية الداخلية العامة) في عام 1962 التي تشير إلى أسماء الألوية والقضية ومراكز المدن والنواحي والقرى وفق الأسماء التي كانت عليها في العهد الملكي, علماً بأن بعضها قد خضع للتعريب أيضاً, أو أعطيت أسماء جديدة لها أو نشأت حديثاً وسميت بأسماء عربية, إضافة إلى وجود وثائق تاريخية يمكن العودة إليها لتبيان الحقيقة إزاء مختلف المناطق التي يمكن أن ينشأ اختلاف في الرأي بشأنها.

إن معالجة آثار العنصرية والتطهير العصري والتهجير القسري وتغيير الطابع السكاني للمدن الكردستانية مسالة ضرورية ومهمة لكي نستطيع أن نبدأ في العراق الديمقراطي الجديد بعيداً عن تلك المشاكل التي خلقتها وأججتها القوى القومية اليمينية الشوفينية.

ويأمل الإنسان أن تعالج قضايا الأقليات القومية (التركمانية والآشورية والكلدانية) في كردستان العراق وفق مبادئ حقوق الإنسان وحقوق الأقليات القومية لكي لا تنشأ مشاكل جديدة في العراق الجديد. ولا شك في أن الجماعات التي ترى نفسها جزء خاص في إطار قومية معينة أن تحترم هذه الرغبة والإرادة دون أن يكون لها تأثير سلبي على مجمل حركة شعب معين. إن الحقوق القومية وحقوق الإنسان وحقوق الجماعات يفترض أن تحترم وهي تشكل وحدة واحدة لا يجوز تجزئتها, وأقصد هنا الأكراد الفيلية الذين هم جزء من الشعب الكردي. ويمكن أن ينطبق هذا على الأكراد الأيزيديين الذي يفترض أن يتمتعوا بحقوقهم الدينية والثقافية الخاصة, إضافة إلى الخصائص الكردية العامة التي يتميزون بها مع بقية شعب كردستان. وينطبق هذا على الصابئة المندائية العرب أيضاً بالنسبة للقومية العربية.

يفترض في القوى السياسية العراقية أن تبدأ بالحوار الديمقراطي الحضاري وأن تضع آليات ديمقراطية لمعالجة الاختلافات والخلافات إن ظهرت على الصعيد العملي, وأن تبتعد كلية عن استخدام العنف والقوة على هذا الطريق. لقد تراكمت كمية كبيرة من الخبرة والمعرفة النوعية لدى الشعب العراقي خلال العقود المنصرمة, وعلى أحزابه أن تتسم بذات الخبرة والمعرفة والديمقراطية لتجد حلولاً واقعية للمشكلات التي تواجهها, إنه التحدي الذي يواجه الجميع, وعلى الجميع خوض غماره وسيجد الشعب في نهاية المطاف إمكانية فعلية لتعزيز الأخوة العربية – الكردية والأقليات القومية وتعزيز لحمة الشعب العراقي ودوره في تحقيق الديمقراطية والحقوق القومية العادلة للشعب الكردي والأقليات القومية في العراق.

 

برلين في 21/12/2003                                                                    كاظم حبيب