الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

العــــــــــراق بـــــــــين الآمــــــــــــــــال والقلـــــــــــــق

جواد بشارة

امتزجت دموع الحزن والفرح في يوم الخميس 29 نيسان وماتلاه من الأيام الدامية المليئة بالغضب والصمود، الخوف والإصرار، العزيمة والتعب. في هذا اليوم حصلت حكومة الدكتور إبراهيم الجعفري على ثقة البرلمان العراقي أو (الجمعية الوطنية)، بحسب التسمية الشائعة بنسبة 180 من مجموع 185 صوتاً ممن حضروا اجتماعها التاريخي، لتبنثق بذلك أول حكومة عراقية شرعية منتخبة في اقتراع حر في تاريخ البلاد الحديث منذ الرابع عشر من تموز 1958. قدم رئيس الوزراء قائمة حكومته المؤلفة من 36 عضواً وهي - على ما عليها من مآخذ تمثل انعطافة مهمة في سيرورة التحول الديموقراطي في العراق. ومن مفارقات القدر أن يكون اليوم السابق لهذا التاريخ هو يوم نحس في حياة العراقيين، يتذكرونه رغماً عنهم منذ عقدين من الزمان، إذ يحتفل النظام المقبور بعيد ميلاد رأس النظام المنهار صدام حسين وهم يسمعون الخطب والأغاني والأهازيج والمديح والقصائد التي تمجد ذلك الطاغية المستبد، وها هو الشعب العراقي اليوم يقدم للصنم الساقط هدية من نوع آخر لذكرى ميلاده وهو قابع في السـتجن، وهي تشكيلة وزارية ديموقــراطية.
تابع الدكتاتور المخلوع، للمرة الثانية من زنزانته، وقائع اختيار أول رئيس عراقي منتخب في 6 نيسان وهو عدوه اللدود جلال الطالباني، ووقائع منح الثقة لأول حكومة عراقية شرعية.
بيد أن العراق على الرغم من هذه الخطوات الجبارة، لم يشف تماماً من أمراضه ومشكلاته العويصة ولم يستعد توازنه بعد، فالتجربة الديموقراطية مازالت فتية ويعتورها الكثير من الوهن وفقدان التجربة وانعدام الممارسة وغياب التقاليد الديموقراطية الراسخة، فلم ينجح العراقيون، إلى الآن، في التخلص من آفة المحاصصة والتوافق الطائفي والقومي، مما عطَل عملية اختيار أعضاء الحكومة ثلاثة اشهر وتفاقمت مخاطر الإحباط الذي بدأ ينتشر في أوساط الشارع العراقي القلق والمتلهف مما اضطر الدكتور الجعفري إلى الإعلان عن تشكيلة حكومية ناقصة تخلو من تسمية نهائية لوزارتي الدفاع والنفط، وهما وزارتان سياديتان.
العراق مازال في حالة حرب، وحكومته مازالت بحاجة إلى القوات متعددة الجنسية لفرض الأمن والنظام وإعادة البناء، متحصنة في منطقة محمية ومعزولة تدعى (المنطقة الخضراء) وهي تضم المواقع الرئاسية السابقة، فيما يتعرض أعضاؤها ومنتسبوها إلى ضربات وهجمات الإرهابيين وقطاع الطرق وفلول النظام السابق والمتسللين الأجانب من شبكات الإرهاب الدولية من قبيل (القاعدة) وغيرها. ففي كل يوم تتناقل وسائل الإعلام ووكالات الأنباء أخبار تفجيرات السيارات المفخخة وأعمال الخطف والاغتيال والقتل العشوائي.
يتعين على الحكومة العراقية الحالية أن تجد السبل الناجعة لحكم البلاد وتهيئة الظروف الملائمة لكتابة الدستور الدائم وتنظيم الانتخابات القادمة قبل نهاية هذا العام وهي في حالة حصار ومطوقة بالأخطار الداخلية والتحرشات الخارجية من دول الجوار.
كيف يمكن أن تستمر العملية الديموقراطية وتتجذر في ظل مثل هذه الأوضاع الصعبة والشعب يعاني من صدمة ما بعد الحرب؟
ينبغي أولا أن يطلع العالم برمته على حقيقة ما كان يجري في العراق في زمن النظام الدكتاتوري وحجم الكوارث التي خلفها صدام حسين وأعوانه لأنه السبيل الوحيد الذي يمكن أن يجعل الرأي العام العالمي والعربي والعراقي، على السواء، يفهم ويتفهم ما آلت إليه أوضاع العراق اليوم وانسداد الأفق السياسي والاقتصادي والأمني أمامه، لأن الإرهاب الدولي قرر تحويل العراق إلى ساحة مواجهة دامية وتصفية حسابات وإبقاءه داخل النفق المظلم ، وكيف يمكن البدء بوضع أسس جديدة لمجتمع عراقي سليم ومعافى، فصدام حسين أوجد مجتمعا مشوهاً على شاكلته يقوده نظام فريد من نوعه في القسوة والبطش والاستبداد والتهور وخرق القيم، نظام يخضع لرؤية الزعيم الأوحد المحكومة بالعقدة الأمنية ليجعل من المنظومة الأمنية والمخابراتية الدعامة الرئيسة لوجوده وبقائه في السلطة وتصفية منافسيه من حزبه ومعارضيه من الأحزاب الوطنية الأخرى.
إن احتياجات ورغبات النظام السابق في الهيمنة والتوسع تجاوزت حدود العراق وإمكانياته وهي التي صاغت سياسته الخارجية الرعناء، وهي السياسة التي اتسمت بالحروب والمؤامرات وتبديد ثروات العراق في الخارج على حساب الشعب العراقي وحقوقه الطبيعية في العيش بكرامة ورفاه، فلا يخفى على أحد تمويل صدام حسين لأحزاب وشخصيات ومنظمات خارج العراق في العالم العربي وفي الغرب وتمويل حملات انتخاب بعض الرؤساء ومنح كوبونات النفط بالملايين حتى في أشد الأوقات قتامة في تاريخ العراق أعني فترة الحصار والمقاطعة. بنى صدام حسين آلة حربية ضخمة في مظهرها وهشة في جوهرها عفا عليها الزمن، واشترى الضمائر والمتواطئين معه في جميع أرجاء العالم. بقي كابوسه مسلطاً على البلد 35 عاماً تربع على سلطة منخورة بالفساد ومريضة سياسياً ومنهارة اقتصادياً من جراء استنزافها بحروب فتاكة. وقد انعكس هذا الكابوس وتداعياته السلبية على العالم العربي برمته، الذي بات يدفع ثمنها الآن لتعرضه لضغوط داخلية وخارجية تطالبه بالانفتاح والديموقراطية والإصلاح على نحو ما ورد في تقرير الأمم المتحدة عن التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في العالم العربي الصادر في تموز 2004 الذي شخص العلل السياسية والركود الاقتصادي والجمود الثقافي للسنوات العشر الماضية، واقترح إجراء إصلاحات جذرية حقيقية وجوهرية لإنقاذه.
أما مرحلة حكم صدام حسين وعواقبها من زاوية التحليل الغربية فقد كانت مدعاة لأن تدفع الديموقراطيات الغربية لكي تراجع تاريخ تعاونها السابق مع هذا المسخ الذي صنعته وحمته وتطرح اسئلة عن مسؤوليتها في موت وإبادة الملايين من ضحايا هذا النظام المستبد. قد اكتشفت الأنظمة الغربية بالفعل مدى وحشية نظام صدام حسين وطبيعته الحقيقية.فلم يعد خافيا على أحد، وأصبح من البديهيات في علم التحليل الاستراتيجي أن الغرب ساعد وحمى نظام صدام حسين لمنع انتشار الإنموذج الإيراني في تجربة الإسلام السياسي في الحكم داخل الشرق الأوسط . وحتى لو كان هذا الافتراض صحيحاً، فذلك لم يمنع بتاتاً ظهور وتفاقم ظاهرة الإسلام السياسي المتطرف. بيد أن الوقت بات متأخرا، لأن الغربيين خلقوا بأيديهم فرانكنشتاين العراق بتعبير كنيث تيمرمان في كتابه المعنون (الولوج إلى الموت، أو كيف ساعد الغرب في تسليح العراق).
وفيما عدا مسألة الحرب مع إيران ودوافعها، فإن العراق مثلاً للغرب مصدراً لاينضب في تزويده بالطافة وسوقا استهلاكية هائلة. البعض من الدول الغربية اكتفى بشراء النفط من العراق ودول اخرى عززت ترسانته العسكرية وباعته السلاح سراً وعلناً، إلا أن البعض الآخر ساهم بشدة في تقديم الحماية السياسية له في المحافل الدولية وتقديم الضمانات له ولمخططاته العدوانية.في نفس الوقت الذي كان فيه (مكتب شؤون العراق) في المنظمات الدولية لحقوق الإنسان حافلاً بالوثائق ومتخماً بالأدلة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان الصارخة في العراق ظلت بعض الدول الأوروبية تأمل في تكيف صدام حسين مع قواعد اللعبة السياسية الدولية الجديدة في أعقاب تحرير الكويت سنة 1991، حتى بعد أن انكشفت جرائم صدام في حربيه ضد إيران والكويت وضد شعبه في كردستان العراق عندما استعمل الأسلحة الكيمياوية لإبادة سكان حلبجة.
انقسم العالم داخل أروقة الأمم المتحدة بين من يريد معاقبة صدام والإطاحة به ومن يريد الصفح عنه وإرغامه على الاستسلام وبدء صفحة جديدة معه. لكن المنظمة الدولية كانت عاجزة عن إنقاذ الشعب العراقي من مخالب هذا الجلاد الذي أطبق على عنقه طيلة 35 عاماً. ولكن مما يؤسف له أن نلاحظ أنه في الوقت الذي يواجه العراقيون مشكلاتهم الضخمة ويتصدون لها ويصرون على إعادة بناء وإعمار بلدهم ولأم جراحه وهم يخرجون ألاف الجثث من ضحايا صدام حسين في كل يوم من المقابر الجماعية ما تزال بعض الدول تحاول بطريقة أو بأخرى تبرير تعاونها ومواقفها الدنيئة المتواطئة مع ذلك النظام. لقد أبدى الكثير من الدبلوماسيين الغربيين المعنيين بالأمر حرجهم وتحسسهم من تقرير وزير خارجية العراق هوشيار زيباري. من هؤلاء سفير فرنسا في الأمم المتحدة جون مارك دو لا سابلييه الذي حاول تحوير مغزى كلام الوزير العراقي ولفت الأنظار عنه قائلاً:" لا أريد تقديم تلك الملاحظات عن الماضي، وقد عقب عليه أمين عام المنظمة الدولية كوفي عنان قائلاً": هذا ليس وقت تقديم اللوم وعض الأصابع ندماً مع أنه من حق السيد هوشيار زيباري بالطبع عرض وجهة نظره بيد أنه ليس وقتاً مناسباً لتقديم اتهامات واتهامات مضادة."
والعكس هو الصحيح، فقد حان الوقت لكي يعرف العالم بأسره ما آلت إليه أوضاع العراقيين بسبب تلك السياسات الداعمة لذلك النظام المجرم. لذا، يجب أن تخدم عملية تقويم مرحلة صدام حسين وتذكر العالم، والعالم العربي، بأن الإدانة الجماعية للعنف السياسي المنظًم الذي تمارسه الأنظمة القمعية هو الذي يسرًع بنشر القيم الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان ويمنحها دفقاً كبيراً. لا تزال لعنة صدام حسين تلاحق خصومه الغربيين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي لم يتخط مرحلة لورد غولدسميث المدعي العام في مسألة شرعية التدخل العسكري في العراق. إذ كشف هذا الأخير في 7 نيسان 2003 في مذكرة سرية عن عدم وجود أسس قانونية وشرعية لكي تدعي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن أن حق الفيتو الممنوح لها ينطوي على إمكانية استعماله على نحو لا معقول وأن التهديد الفرنسي باستعمال هذا الحق لم يكن خالياً من المعقولية والتعقل نظرا لموقف الرأي العام العالمي المعارض بغالبيته لتلك الحرب، في حين أن خلاصة رأيه نشرت عبر البرلمان البريطاني وكانت تضفي الشرعية على التدخل العسكري وقد وصف رئيس الوزراء البريطاني تلويح فرنسا باستخدام الفيتو بأنه لاعقلاني لكي يقنع أنصاره بصحة قراره. واليوم وبضغط من المعارضة المحافظة اضطر إلى نشر النص الكامل لتلك (الفتوى) القانونية مما أثار حفيظة خصومه وأطلق صرخة ميكائيل آنكراك في البرلمان وهو يصيح "لقد كذب علينا". ولا يمكن لأحد تقدير مدى عواقب وتداعيات الملف العراقي على الحملة الانتخابية العمالية، فالسجال الدائر حول أسلحة الدمار الشامل، التي لم يعثر عليها بعد والأكاذيب التي غيرت الوقائع وانتحار الخبير في نزع الأسلحة دافيد كي أفقدت مصداقية الرجل الذي لا يزال مصرا رغم كل الأعاصير على صحة خياراته وتحمل تبعاتها، وفي فرنسا يسعى القاضي فيليب كوروا لكشف اسرار العلاقات التي اقامتها شخصيات فرنسية مع نظام صدام حسين وكان أول هدف معلن له هو التحقيق مع بيرنارد غييه وهو مساعد وزير الداخلية الفرنسي الأسبق شارل باسكوا، حيث وجهت إليه تهمة اختلاس الأملاك العامة واستغلال النفوذ لمآرب شخصية وتلقيه أموال وعمولات خفية إثر بيع النفط العراقي على نحو غير شرعي بين 1996 و2003. وهذه بداية لسلسلة من التحقيقات القضائية الفرنسية المرتبطة ببرنامج (النفط مقابل الغذاء)، الذي وضعته الأمم المتحدة للعراق بين 1996 و 2003 وقد كان الهدف المعلن لذلك البرنامج هو تخفيف وطأة العقوبات والحصار والمقاطعة الاقتصادية تجاه نظام صدام حسين بالسماح له ببيع النفط وشراء المواد الغذائية والأدوية . بيد أن هذا البرنامج اثار فضيحة مدوية سنة 2004 داخل الأمم المتحدة وذلك باتهام المنظمة الدولية بالتغطية على عمليات تجارية غير مشروعة في مبيعات النفط العراقي بلغت 10 مليارات دولار استفاد منها وسطاء ومولت حسابات صدام حسين الشخصية والمقربين.
بينما لم يتجرأ أحد قبل في فتح تحقيق مماثل في فرنسا، والحال أن القصر العدلي في باريس قرر فتح تحقيقات معمقة بعد مبادرة القاضي كوروا بشأن الرشاوى التي دفعتها شركة (توتال) النفطية الفرنسية للحصول على عقود وصفقات نفطية في العراق وفي هذا الإطار ذهب قاضي التحقيق الفرنسي إلى نيويورك للإطلاع عن كثب على نتائج تحقيقات لجنة فولكر، وقد صرحت مصادر موثوقة في السلطة القضائية الفرنسية أن العناصر التي حصل عليها القاضي الفرنسي هي التي قادت إلى وضع بيرنارد غييه في السجن، فلقد حصل هذا المتهم على امتياز بيع النفط العراقي في السوق السوداء عبر شركو (سومو) الحكومية ومن ثم باعها بدوره لمحام من أصل لبناني يدعى إلياس فرزلي وهو عضو قيادي بعثي وعميل للمخابرات العراقية في باريس باع بدوره حصته لشركات نفطية أهلية وقد أكد هذه المعلومات والحقائق ملاك متقدم سابق في شركة (توتال) النفطية الفرنسية.
تجدر الإشارة إلى أن بيرنارد غييه ليس الشخصية الفرنسية الوحيدة المستهدفة في هذا التحقيق فهي تمس أحد عشر شخصا آخر من الفرنسيين موجودين على لائحة الاتهام من بينهم باتريك موغين، وهو وسيط معروف في المجال النفطي تسلم بواسطة شركة ترافيكور رخصة بيع بقيمة 25 مليون برميل بعمولة قدرت بـ 500000 دولار، والسفير الفرنسي السابق في الأمم المتحدة جون بيرنارد ميريمه الذي مثل فرنسا في مجلس الأمن بين 1991 و 1995، وهذا يشتبه بتمتعه برخصة بيع ثلاثة ملايين برميل.
في حين أتهم وزير الداخلية الفرنسي الأسبق شارل باسكوا صديق النظام العراقي المعروف ببيعه 10 ملايين برميل وتلقيه حقيبة مليئة بالدولارات لتمويل حملاته الانتخابية. وقد أنكر ذلك مدعيا أن احداً استعمل اسمه وانه يرغب في أن يستمر التحقيق إلى اقصى مداها لكشف الحقيقة ومعرفة من استفاد من كوبونات النفط العراقية باسمه ومن تاجر بها ومن تلقى الأموال وهي رغبة تعهد القاضي كورا بتحقيقها مهما كلف الأمر.


--