26-06-07 12:10
مراحل في حياة الكاتب
التشيكي الساخر ياروسلاف هاشك--
اعداد. د. أكرم مطلك
ياروسلاف هاشك أحد الأدباء اللامعين الذين اشتهروا بأنتاجهم الأدبي
واسلوب حياتهم الخاص . عاش عمرا قصيرا من (1883—1923) ولكنه كان عمرا
مفعما بكل ضروب الحياة . كان صحافيا وثائرا وجواب آفاق , طاف نصف اوربا
, ونصف آسيا , وكتب خلال ذلك المؤلفات الأدبية بغزارة غير عادية . كتب
أكثر من الف من القصص القصيرة والمقتطفات الهزلية والساخرة كما كتب
التاريخ السياسي والأجتماعي ( لحزب التقدم المعتدل في اطار القانون )
ورواية مغامرات الجندي الطيب ( شفيك ) في الحرب العالمية الأولى وهي
رواية ذات سمعة عالمية .
كتب كارل تشابك :
" كان هاشك ذلك الأنسان الذي رأى العالم خلافا للكثيرين الذين كتبوا
عنه فقط " . ففي اي شيء اذن تكمن تلك الحيوية الخاصة التي لاتحبوا في
نظراته الساخرة ؟
دخل هاشك الحياة الأدبية في بداية قرن جديد كواحد من ذلك الجيل الفوضوي
, الذي انقلب على الرمزية واراد تقريب الأدب من الحياة . ولذلك كان
الأستهزاء وكانت السخرية والنقمة على المجتمع البرجوازي ينابيع مواقفه
الثورية الجذرية ورأيه الحقيقي العميق تجاه العالم . لم يحاول ولم يرغب
ابدا في تقليد تلك الأساليب المنحطة في اتجاهات الشباب الأدبية بل
اشتعل شوقا وحبا للعمل في حين خشى الآخرون على انفسهم من ان يظلوا
كتابا عاديين . اعطى الأدب ووهبه من نفسه أكثر من أي فرد آخر لآنه عاش
بذاته هذا الأدب وهو مايدل عليه مصير حياته .
تخرج من الأكادمية التجارية , لكنه لم يستقر ابدا في وظيفته الأدارية .
وبعد عدة رحلات الى سلوفاكيا ترك الوظيفة والتحق بالثوار المكدونيين ثم
هام على وجهه . ولقد أحب حبا عميقا تلك المقاطعة . وقد اعجب بأسلوب
الحياة الهادئة للفلاحين .
حبن عاد الى براغ راح يتسكع بين الحانات ويتشاجر مع رجال البوليس
ويتصرف بطريقته البوهيمية التي مست شعور الرأي العام . عرف بالمضلل
الذي لايحترم المقدسات وسخر من رجال الدين والكهنوت وانتقد الغيبيات
والرموز الدينية ومزق الأقنعة عن الوجوه وكشف أوهام النظام وذلك
الأطمئنان السطحي . وبالطبع لقى من المجتمع ضعف الأرادة وسوء الفهم
فتعلم ان يرد على هذا بسذاجة الطفل وان يمد لسانه ويلوي حنكه ببلادة .
لم يجرؤ احد على التعرض له . وكان يقدم معرفته الغنية بالحقائق المفصلة
, والمنتقاة عبر الملاحظة الدقيقة للحياة , يقدم هذه الموسوعة من
الأدراك في ترابط شاعري جديد مليء بالسخرية والتناقضات المضحكة . جنى
من مبتذلات ونفايات كل يوم من أيام الحياة لآلىء الهزل والأستهزاء .
وبفضل هذه الفكاهة المنطلقة بحرية ورفعة , تظهر كل الأشياء صغيرة ,
متعبة عادية بلا شفقة , وبوجوه كاذبة , اشبه بذلك الصراخ الطفولي
المنفلت في حكايات اندرسون , ( ولكن الملك عار ) . هذا مايحدث ذلك
الأنطباع الذي يسبب الصدمة لأفكار اولئك المتكيفين المتأرجحين .
قبل الحرب العالمية الأولى برزت فكرة لدى ( جماعة البوهيميين ) تدعوا
الى تعرية الأنتخابات التأسيسية لحزب التقدم المعتدل في اطار القانون .
وقد طور هاشك هذه الفكرة في سخرية بارعة لاذعة شملت النظام السياسي
بمجمله آنذاك , ذلك النظام القائم على الشعارات المضللة وتضخيم الكلمات
الفارغة .
لم يفكر هاشك ابدا في ان يصبح نائبا , ولم يعلن عن ترشيحه رسميا
للأنتخابات ومع ذلك فقد ظل ممسكا بلعبته البوهيمية بكل جدية وراح يخطب
في الناس كمرشح للأنتخابات . وقد سيطر كخطيب حقيقي على جمهرة الناس
حوله , كما استطاع بقدرته على التلاعب بالكلمات ومعانيها وان يستنبط
بعناية تلك العبارات التي يريد بها التأثير في المستمع . كانت خطبه
ارتجالية ممتازةوبنت لحظتها ووليدة المزاج والظروف السائدة .
كذلك اجاد هاشك اللعب بالفواصل والجمل وكتابة المقاطع الطويلة
المتشابكة والتي كان يفككها في النهاية بنكتة او بمفاجأة أوبسخرية
مقذعة . كان اسلوب العرض عنده اشبه بأـستعراض الكبريهات . وليس من قبيل
المصادفة ان يصبح هذا الأسلوب فيما بعد اساسا لمسرحيته ( كباره حزب
التقدم المعتدل ) وغيرها من المسرحيات المشابهه .
وجاءت الحرب فأنتقل هاشك الى جهة ( هاليتش ) . خبر جحيم معسكر الأعتقال
والأسر وشارك في الأحداث الأنقلابية التأريخية . في روسيا حدثت تحولات
اساسية في الآراء والموقف من العالم . ومن بوهيمي غيبي ماقبل الحرب
يتحول هاشك الى صحافي ملتهب وداعية الى المقاومة . أصبح انسانا جديا
وهكذا تبرز بوضوح شخصيته الثابتة التي تقوده من المقاومة الرديكالية ضد
النمسا الى الألتحاق بالجيش الأحمر . وبين الناس البسطاء الذين منحوه
الثقة يصبح هاشك مسؤلا وعنصرا عسكريا فعالا .
بعد عودته الى الوطن رافقته خيبة الأمل . لم ترضه تلك الأجواء
البوهيمية التي كانت قد سيطرت على روحه فيما قبا الحرب . التقى هنا
بمدعي الوطنية من البرجوازية التشيكية ضيقة الأفق . وفي اعماق مأساة
حياته وعلى حافة الشقاء يلجأ من جديد الى سخريته اللاذعة فيكتب رواية
اقدار الجندي الطيب ( شفيك ) خلال الحرب العالمية الأولى . في هذه
الرواية تغوص الأبتسامة الساخرة اللاذعة الى اعماق الأحداث . يندر في
الأدب التشيكي ان تكون رواية وطنية شعبية شديدة الوضوح كرواية شفيك .
عبر فيها المؤلف عن مقت الأنسان التشيكي للحرب وكل أنواع الأستبداد.
عبر عن ذللك الأنسان الطيب القلب المؤتمن والذي يبوح بكل عفوية عن
مكنوناته . انه رجل عادي من شوارع براغ . هذا الرجل الذي أصبح صورة
للنفسية الوطنية والعقلية الشعبية فيما بعد . فلماذا شفيك بالذات ؟
شفيك بطل هاشك أسقط بلا رحمة تلك الأوهام القومية , ودمر الأساطير
والخرافات بضحكاته الهازئة , فهمه الناس في العالم حيث أصبح في ألمانيا
في العشرينات رمزا للنضال ضد العسكرية والفاشية .
لم تكتب الرواية ليكون بطلها شفيك مثلا يحتذى , كذلك لم يكن شفيك مجرد
انسان تشيكي صغير فوضوي النزعة . كان أداة معرفة اذ نفذ الى أعماق فئات
الناس في المجتمع القديم . فأذا ماكان بالفعل نموذجا فأنه ليس ذلك
النموذج الذي يخص تصنيفات المثل العليا وانما قدرة الأنسان على النظر
في الحقيقة وحها لوجه , وعلى الثبات في كل الأحوال , والبقاء هو نفسه
دائما . فأذا ما اريد أن يكون شفيك في بعض الأحيان مثلا كما صورة هاشك
فأن ذلك يكمن في تفاؤله العفوي , وبساطته الساحرة وطلاقته , وفي فن
تسمية الأشياء بأسمائها , واعطاء المعنى الصحيج لقيم الحياة الأساسية .
ان شفيك يمثل ذلك الدفاع الطبيعي للانسان ضد الأنتهازية وضد الجري وراء
القيم العصرية الكاذبة وضد اسلوب الحياة الأستهلاكية . وفي هذا يكمن
معناه اليوم .